قال خرجت في طلب ضالة لي فوقعت على راع عنده غنم يرعاها، وقد اتخذ بيتًا في كهف هناك، فسألته القرى فرحب بي وأنزلني، ثم جاء بشاة فذبحها وجعل يشوي ويقدم إلي ويحادثني حتى اكتفيت.
فلما جن الليل إذا بفتاة كأحسن ما يكون من النساء قد أقبلت إليه، فجلسا يتحادثان حتى طلع الفجر فمضت وسألته الذهاب فأبى، وقال الضيافة ثلاث فأقمت، فلما جاء الليل رأيته يقوم ويقعد متضجرًا ثم أنشد:
ما بال مية لا تأتي كعادتها أعاجها طرب أم صدها شغل
لكنّ قلبي عنكم ليس يشغله حتى الممات وما لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم لما اعتذرت ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقمًا تكاد من حرّة الأعضاء تنفصل
لو أنّ غادية منه على جبل لما دوا نهد من أركانه الجبل
فسألته عن شأنه فقال هذه ابنة عمي وأنا أحبها فخطبتها من عمي فأبى علي لفقري وزوجها من رجل وقد حملها إلى هذا الحي فخرجت عن مالي، وعملت راعيًا لهم، فهي تأتيني على غفلة من زوجها، فأنظر إليها ونتحادث ليس غيره، والآن قد قلقت لفوات ميعادها، وفي الطريق أسد قد كسر وأخاف أن يكون أصابها، فعلى رسلك حتى أعود وأخذ السيف ومضى قليلًا ثم عاد يحملها وقد أصابها الأسد فطرحها ثم غاب ورجع يجر الأسد مقتولًا، فطرحه وانكب يقبلها ويبكي، ثم قال لي أسألك بالذمة إلا ما دفنتني وإياها في هذا الثوب.
وكتبت على القبر هذا الشعر فإني لا بقاء لي بعدها، ثم انكب عليها، فإذا هو ميت، وقيل انكب على السيف فخرج من ظهره. وفي رواية ونمنا إلى الصباح فوجدته ميتًا فلففتهما ودفنتهما وكتبت على القبر الشعر الذي أوصى به وهو:
كنا على ظهرها والدهر في مهل والعيش يجمعنا والدار والوطن
ففرّق الدهر بالتصريف الفتنا فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم فرقت الغنم ومضيت إلى عمه فأخبرته بذلك فكاد أن يقضي أسفًا، على عدم الجمع بينهما.
منهم