قال عمرو بن أبي ربيعة أنه كان فتى مغرمًا بمحادثه النساء، وحفظ طرف الأخبار وملح الأشعار مع أنه غير عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يحضر الموسم فتقصده الناس لتسمع منه. فانقطع سنة، فسألت عنه العذريين، فقال لي رجل تريد أبا المسهر؟ قلت نعم إياه أعني، فتنفس الصعداء، ثم قال قد أصبح والله كما قال:
لعمرك ما حبي لا سماء تاركي صحيحًا ولا أقضي به فأموت
قلت وما به؟ قال مثل ما بك من تيهكما في الضلال. قلت فمن أنت؟ قال أخوه، قلت كأنك وإياه على طرفي نقيض ثم انطلقت أقول:
أرائحة حجاج عذرة روحهم ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى متى ما أقل يسمع وإن قال اسمع
فلا يبعدنك الله خلا فإنني سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي
فلما كان الموسم من قابل وأنا بعرفة رأيت شابًا لم تبق إلا رسومه، فعرفته بناقته فسلمت عليه وسألته عن حاله، فشكا إلي ما به فقلت له إن هذا دعاء فادع الله أن يزيل ما بك، فلم يزل يدعو حتى الغروب فسمعته يقول:
يا رب كل غدوة وروحه من محرم يشكو الضحى ولوحه
أنت حسيب الخصم يوم الدوحه
فقلت له وما الدوحة قال. إذا انصرفنا حدثتك، فلما انصرفنا حدثني أن له أخوالًا من كلب وأنه حول ما له إليهم خشية التلف، فأقام معهم وأنه خرج يومًا على فرس وقد صحب شرابًا فاشتد الحر ورفعت له دوحة فقصدها ونزل تحتها، فلما استقر حتى بان له شخص عليه درع أصفر وعمامة سوداء، يطرد منحلة وأتانا فقتلهما، وقصد الدوحة ونزل بها فحادثته فخلب عقلي لفظه فدعوته إلى الشراب فشرب وقام ليصلح من شأن فرسه فتزحزح الدرع عن ثدى كحق العاج فقلت امرأة أنت؟
[ ١ / ١٠٥ ]
قالت نعم، ولكن شديد العفاف حسنة الأخلاق والمفاكهة فتحادثنا ساعه وأخذها النوم. فوالله لقد هممت بهجر العفة لما داخلني، ثم راجعت المروءة فلما انتبهت وعزمت على الذهاب سألتها عن الزيارة فذكرت أن لها اخوة شرسة وأب كذلك، ثم مضيت وها أنا كما ترى فقلت ثبت نفسك، فإني موصلك إلى مطلوبك، ثم قمت فشددت على ناقتي وصحبت ألف دينار ومطرف ذو قبة خضراء من أدم، ومضينا حتى نزلنا بالشيخ فأحسن ملقانا فقلت له قد أتيتك خاطبًا قال فوق الكفاءة أنت والمرغوب في مثله فقلت لم أخطب إلا لصاحبي هذا هو ابن أختكم فقال الحسيب الكريم ولكن أخيرها بينكما قلت ما أنصفتني فأومأ صاحبي إلى أن أدعه، فقلت افعل فخيرها ففوضت الأمر إلي فحمدت الله فزوجتها من صاحبي وأمهرتها ألفًا وكسوت الشيخ المطرف وسألته أن يبني بها من ليلته ففعل وجئته من الغد فقلت كيف كانت ليلتك وكيف وجدت صاحبتك قال أبدت لي كثيرًا مما أخفته عني قديمًا وسألتها عن ذلك فأنشدت:
كتمت الهوى أني رأيتك جازعًا فقلت فتى بعد التصديق يريد
فإن تطرحني أو تقول فتية يضير بها برح الهوى فتعود
فوريت عنما بي وفى الكبد والحشا من الوجد برح فاعلمن شديد