وما ورد في كيفية ترقيه حتى يستولي على الحواس النفسية ويستغرق القوى الحسية ويملك العقل والبدن ويورث الذل والمحن ويسهل الوقوع في المهالك ويغري على سلوك أوعر المسالك أعلم أنه ألطف موجود نشأ في الوجود كما حققناه وحيث هو كذلك فتعلقه لا يبد وأن يشاكله لاحتياج كل اثنين تألفًا إلى نسبة تأليفية ولا شبهة أن الروح ألطف ما في البدن فلذلك كان العشق أول ما يتشبث بها فهذا دليل على أنه يقابل الأمراض كلها ومن ثم قال المعلم العشق نصف الأمراض وشطر الأعراض وقسيم الأسقام وجل الآلام وهذا واضح لأن الروح ولا شك أن سريان اللطيف في اللطيف أسرع ملاكًا وأعظم استملاكًا ويليه اللطيف في الكثيف كالحمى في البدن ثم الكثيف في الكثيف كالفالج فيه فعلى هذا يتجه كلام المعلم بل أقول أن العشق غالب الأمراض وليست بالنسبة إليه إلا كالعشر إلى الكل والقطرة إلى البحر وبرهانه أن الأمراض غالبًا تخص البدن وإنما اشتغال الروح حينئذ بالتدبير والأفهى في نفسها صحيحة وأما العشق فعاقبته إفساد البدن وتعطيل الفكر وإلحاق العقلاء بأهل الجنون ثم مرتبته الثانية تتولد عن تكرار نظر أو سماع خطاب يتعقل له في الذهن معن يكون لحديد القلوب مغناطيسيًا جاذبًا ولأنظارها السفسطية برهانًا غاليًا ويسمى حينئذ العشق الحسي وقال فيثاغورس لا يسمى حسيًا إلا إذا تولد عن مباشرة الحس وهذا عندي ليس بشرط وإن اشترط ففي حق البلداء من الناس ومن في حواسهم الباطنة ضعف وإلا فأحد الحاستين الأصليتين كاف في إيصاله إلى الحس المشترك ثم مرتبته الثالثة الخيالية وهي عبارة عن استيعابه التخيل حتى لم يبق للعاشق تخيل إلا صورة المعشوق وإن شارك الناس في الأمور الظاهرة.
كانت تلك المشاركة غير تامة وعلاماتها غلبة السهو ونقص الأفعال والاحتياج إلى محرك باعث ثم مرتبته الرابعة مرتبة الحفظ وهي الاستيلاء على الاستيلاء على الحفظ فتصرف القوة عن تحصيل كل كمال والنظر إلى كل جمال وهذا هو العشق الذي يرى صاحبه الميل إلى سوى المحبوب إشراكًا والفكر في غيره ضياعًا وأشغل الزمان بما سواه فسادًا وخروجًا وإليه أشار الفارضي بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوًا قضيت بردتي
فتعبيره بالسهو إشارة إلى تقصي المراتب واستيفاء الشروط وكأنه يقول من المعلوم أن السهر لا يحدث إلا من كثرة الواردات ولم يبق على قلبي واردًا سواك فكيف أسهو ومن ثم أشار بعد ذلك إلى طرح المراد وإماطة العلائق واتحاد الطالب مع المطلوب وعدم الأثنينية بقوله:
وكل الذي ترضاه والموت دونه به أنا راض والصبابة أرضت
بعد أن كان قبل الوصول إلى هذه المرتبة قد أثبت لنفسه مرادًا حيث قال:
وعيدك لي وعد وإنجازه مني ولىّ بغير البعد أن يرم يثبت
[ ١ / ١٠ ]
ثم الخامسة مرتبة الاستغراق وهي استيلاء الاشتغال بالمحبوب على النفس الناطقة بأسرها وارتسام صورة المحبوب في مرآة العاقلة وحدها مع محو ما سواها وإلى ذلك أشار العارف المذكور بقوله:
ولا غرو إن صلى الأنام إلى أن ثوت بفؤادي فهي قبلة قبلتي
وقوله:
ووجدي بها ما حيّ والفقد مثبتي
يعني إن وجدي الصحيح بالمحبوبة محاني أي صورتي التي كانت مع العالم الدنيوي فكأن فقدي لها هو الذي أثبتني وهذه المرتبة على الأصح من كلام كثير هي أول المراتب التي يقع ببلوغها اليأس من الانتفاع بالعلاج الذي ذكرته الأطباء كالنظر في الحساب والمحاورات وتذكر مساوىء المحبوب والنظر إلى أمثاله وما يقاربه إلى غير ذلك مما هو مقرر في مواضعه السادسة مرتبة الانقلاب وهي مرتبة ينقلب فيها ادراك العاشق في سائر آلاته فيصير إذا لمس الحجر أو ذاق الصبر أو سمع الإيذاء أو رأى شيئًا كالجيفة أو شم رائحتها فضلًا عن أضداد ذلك يعتقده المحبوب وربما تجرد عن صورته فشاهدها المحبوب وإليه أشار بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذه المرتبة مع العناية والاخلاص تنقل قدسية إذا كانت النفس الناطقة قبل ذلك قد تخلصت بالكمالات عن البهيمية وإلا ألحقت صاحبها بالحيوانات وعنها عبرت الأطباء بألمانيا والسرسام والسهر السباتي والماليخوليا.
والسابعة مرتبة العدم الكلي والمفارقة الأبدية وهي التي إذا بلغتها النفس لم تستقر في البدن وربما كانت مفارقتها بتذكر أو سماع ذكر أو تنفس صعداء أوامر من المحبوب وحاصلها أن يصير الموت أعظم أمنية للنفس كما أشار إليه بقوله:
فموتي بها وجدا حياة هنيئة وإن لم أمت بالحب عشت بغصتي
وقد صرت أرجو ما يخاف فاسعدي به روح ميت للحياة استعدت
إلى غير ذلك ما لو منح الله تعالى شخصًا مددًا يستغرق المدد وحياة تستفرغ الأبد وفراغًا يذر الشواغل سدى ونفحات قدسية تصقل مرآة عقله لقبوله الفيض أبدًا وأفرغ ذلك كله في تحرير ما أودعه عارف الزمان وسلطان الآفاق وفرد دائرة الأكوان وجامع فضائل العشاق سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا وعلى المسلمين من فواضل بركاته وفضائل نفحاته من مراتب العشق وأدواره وتنقلاته وأطواره لغني الزمان ولم يدرك معشاره وبادت الأكوان ولم يعرف قراره ولولا ضيق هذا المختصر لأوضحت لك من بعض عجائب تدقيقاته في أقل أبياته وكلماته ما يدعك في حيرة الفكر وبحار التعجب غارقًا ويسكتك وإن كنت مصقاعًا ناطقًا ومن ثم قيل المحبوب خير من الحياة والمكروه بالطبع شر من الموت لتمنى كل عند حصول ذلك أما ما نقل عنه في بيان مراتبه خصوصًا ما ذكره هنا فليس بالجيد إذ بالبعض دال على الأسماء والبعض على الماهية والبعض على السبب فلم يحققه غيرنا أحد فاحفظ مقادير ما ظفرت به وها أنا أبين لك عدم انطباق ما ذكروه على المطلوب قال ابن صاعد في طبقات الأمم عن فيثاغورس صاحب سليمان نبي الله ﵇ العشق طمع يتولد في القلب يعني عن النظر ثم ينمو ويحدث اللجاج والاحتراق حتى أن الدم يهرب عند ذكر المحبوب وقد يموت من شهقة أو برؤية المحبوب بغتة وربما اختنقت الروح من نحو ذلك فدفن ولم يمت وفي سيرة الاسكندر أن هذا لابقراط زاد التميمي في كتاب امتزاج النفوس عن جالينوس إن العشق من فعل النفس وذلك كامن في الأعضاء الرئيسية فمتى تمكن أفسدها وهذا كله إشارة إلى المراتب إجمالًا وفي كتاب المتيمين نظر رجل إلى معشوقته فغشى عليه فقال حكيم إنه من انفراج قلبه اضطرب جسمه فقيل له ما بالنا لا نكون كذلك عند النظر إلى أهلنا فقال محبة الأهل قلبية وهذه روحانية فهي أدق وألطف وأعظم سريانًا وفعلًا وقال أفلاطون العشق غزيرة تتولد عن الطمع زاد المعلم وهو يحدث عمى القلب عن عيوب المعشوق وبه جاءت السنة حيث قال حبك للشيء يعمي ويصم رواه أبو داود وأحمد وأنشد فيه
فلست براء عيب ذي الود كله ولا بعض ما فيه إذا كنت رائيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
[ ١ / ١١ ]
ورأيت في نسخة، ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيًا، وهي أليق بتحسين الكلام لما فيها من المقابلة وفي أخرى، ولا بعض ما فيه وإن كنت رائيًا، وهذا أليق بالمقام وألطف وأحسن دلالة على المقصود فيه من دفع التوهم من كونه ضعيف النظر فإنه يقول لا أرى له عيبًا مع إني صحيح النظر فهذا على حد قوله:
فوالله ما أدري وإن كنت درايًا بسبع رمين الجمر أم بثمان
وقال السكري وابن أبي طاهر في المنثور والمنظوم وأبو عبيد البكري في كتابه اللآلي في شرح الآمالي أن اليقين لجرير بن الخطفي وقال السمعاني هما لعلي والأول أصح قال الحاتمي وقد سرق ابن عبد الأعلى هذا المعنى حيث قال:
وعين السخط تبصر كل عيب وعين أخ الرضى عن ذاك تعمي
وأما الشيخ فقد حده بأنه مرض يشبه الماليخوليا تولده الفكرة من استحسان الصور والشمائل ولا يشترط اقترانه بشهوة جماع وقالت إعرابية العشق جل أن يرى وخفي عن الورى فهو كامن في الصدور كالنار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى وهذا حد له بحقيقته في النفس ويؤيد عدم اشتراط الشهوة فيه والحسن قول بعضهم:
وما الحب من حسن ولا من سماحة ولكنه شيء به الروح تكلف
وعلامة ما يكون منه عن شهوة فقط زواله إذا زالت لأنه عرض وأما الكائن عن مشاكلة في النفس وارتسام في الذهن فحد لا يزول ومتى صح ارتسم عند كل من المتحابين ما عند الآخر لصفاء جوهر النفس وخلوها للمحبوب وقد تكون العوارض المذكورة سببًا لانقلابه إلى الحد الأصلي كما ستجده وأما نحو الرسيس والحب وغيرهما فأسماء اقترحتها الشعراء للتغزل والتشبيب لا تنطبق في الحقيقة على ما ذكرنا لكن وربما كان لبعض منها مسيس مناسبة فالرسيس من الرس وهو الثبات ورسوخ صورة المحبوب في النفس وزعموا أنه أول المراتب ولا ينطبق على المعنى اللغوي ويليه الحب وهو في الحقيقة أول الإلفة واشتق من حبة القلب أو من حباب الماء أو من حب البعير إذا برك أو من حبب الأسنان وهو بياضها وحدت المحبة بالميل الدائم بالقلب الهائم أو قيام للمحبوب بما يحب وعدم مشاركة شيء معه وفيه أنشد المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
وأنشد بعضهم:
ومن عجب إني أحسن إليهم وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وألطف منه قوله:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب
والحب أخص من العشق لأنه عن أول نظرة وأقصاه امتزاج الأرواح والرأفة أشد لأنها مبالغة في الرحمة قال الحراني هي أرق الرحمة والرحمة أعم لوقوعها على غير ذي صلة بخلاف الرأفة ويقرب من الحب الودأ وخالصه فيكون من الحب كالرأفة من الرحمة وفي معناه المقة والتتيم حالة يملك بها المعشوق العاشق فإذا زاد فهو الوله أعني الخروج عن حد الترتيب وأنشد في المعنى:
الحب أوله ميل يهيم به قلب المحب فيلقي الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت أو مزحة أشعلت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا تضرمت أحرقت مستجمع الحطب
وأنشد أيضًا:
ثلاثة أحباب فحب علاقة كذا حب تملاق وحب هو القتل
[ ١ / ١٢ ]
والشجو هو الحزن والطرب أيضًا ضده ويطلق على القهر والغلبة وهو هنا عشق يقترن بالهم كما في ديوان الصبابة والخلة هي تمام المحبة سواء كانت بلا علة وهي الصداقة أو بها وهي فرط العشق الذي لا يخالطه غيره أخذت من الخلو أو التخلي فكان القلب لما تخلى للمحبوب دون غيره اتصف بها والعلاقة وهي في الصحيح اسم لمبادىء المحبة أخذت من علق بالتحريك أي حب وكسحاب الهوى وبهاء ويجوز أن يراد بها شدة اختلاط القلب بالحب ويقرب منها الغرام وهو أشد لأنه ولع واشتغال بالحب والهوى مطلق الميل والارادة ويطلق على ذهاب العقل في العشق وعلى نفس المحبوبة وأما العشق فأعم منها وقيل أخص وهو إعجاب بالحب أو افراط فيه وأخذ من العاشقة وهي شجرة تعلق وتلصق بما يليها وهي اللباب ومن ثم تسميه العامة عاشق الشجر والغمرة سكر القلب يتذاكر الحب واشتغاله به والشغف شدته مأخوذ من شغاف القلب أي غلافه أو سويدائه وبالمهملة رأس القلب مما يلي نياطه ويؤنث كأن النوع من الحب المجعول هذا الاسم علمًا عليه قد بلغ هذا المحل والمراد من القلب هنا أمر معنوي في الانسان والشكل المعلوم وعنه ينتج الوله ثم الهيام وأما الاستكانة فالخضوع أوثق ينزع النفس من البدن إلى لقاء الحب ومن ثم قد يقتل عند الرؤية والشوق أرفع وهل يزيده الوصل أو ينقصه خلاف واستدل للأول بقول الشاعر.
وأعظم ما يكون الشوق يومًا إذ أدنت الخيام من الخيام
وللثاني بقوله
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينًا بالاياب المسافر
والأصح أنه إن كان لمجرد شهوة تنقص بقضائها بل ربما عدم وإلا كان كلفًا لا تكلفًا وطبعًا لا تطبعًا وميلًا نفسانيًا أنشأته المشاكلة فلا يزيده الوصل إلا رسوخًا على أنه لا دليل في الثاني على الدعوى لعدم ذكر الشوق في الشعر لأنه ذكر استقرار النوى وهو البعد الذي هو أعم فيجوز تفسيره بفرد غير الشوق على أن المحققين أجمعوا على الشوق حال الغيبة يغاير الشوق حال الحضور كما أنشد ابن الرومي في ذلك.
أعانقها والنفس بعد مشوقة إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاهًا كي تزول صبابتي فيشتد ما ألقي من الهيماني
كأن فؤادي ليس يشفي غليله سوى أن ترى الروحين يمتزجان
وأما الصبوة فلا تطلق حقيقة إلا على الميل والافتتان الواقعين زمن الصبا لكن تطلق تجوزًا على مطلق الميل للمشابهة والنزوع والاشتياق كالصبابة أو هي رقة وحرارة في الشوق والوجد شدتها والكلف الاستغراق والاشتغال وبالكسر العاشق نفسه والشجن الهم والكرب تحمل النفس كل مشقة متعلقها الحب والكآبة شدة الحزن كالتفجع أو هو توجع وبكاء على الفقد والبرح والغل شدة العشق أو الغل من الغلل يعني العطش والجامع ميل النفس والحنين شوق ممزوج برقة وكلف وتذكر يهيج الباعثة والبلبال شدة الشوق والجوى ضيق الصدر وكتم الهوى والأرق والسهد شدة السهر وتواتر أحوال المحبوب على القلب وفي معناه التحرق واللذع والولع وكذا اللوعة واللاعج وأما الوصب والنصب فلوعة مع مرض وغم وكذا الكمد والدنف شدته قيل مع صفرة أو الكمد تغير إلى سواد والدنف إلى صفرة وهو مولد والتبل والخبل الجنون وهذا في الأصح آخر المراتب والجزع عدم الصبر على الفرقة والهلع أشده والدله بالمهملة احتراق القلب بنار الحب والخلابة سلب العقل والهيام مجرد الحب أو هو السياحة فيه والبله حمق أو غفلة فيكون هنا استغراقًا في الحب فهذه حقيقة أسمائه التي جعلها مراتبه وليست إلا باعتبار صفة أو أول أو تسمية جزءًا وسبب بكل أو مسبب وعكس ذلك وإنما المراتب ما قررناه وفي ترتيب هذه الأسماء خلاف يرد على من التزم ترتيبها ونحن قد أوضحنا نفس المعاني ومنها يسهل الترتيب والتنزيل على المراتب فتأمله.