وهؤلاء هم الذين وقعوا في المعاصي أو هموا بها فسموا الفساق لجلالة العشق وعظمته عند أهله، فإنهم يرون تصور السلو معصية بل تصور خطور غير المحبوب في الذهن كذلك ولا نعلم أحدًا حقق هذا المناط للسالكين، وبينه حتى البيان للمتمسكين أجل من العارف الجامع لحقائق المعارف سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا من مدده حيث يقول:
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوًا قضيت بردّتي
فإن الخطور مجرد جوار الميل على القوى من غير أن يتمسك منه بشيء، هذا عند العقلاء قسري لعدم احتياجه إلى مقدمات والارادة مجرد الميل والخاطر باب الحدس والسهو استيلاء الطبيعة الثانية على المزاج البشري، وهو صفة للخطور قسرية أيضًا، ومن ثم لم يحكم الشرع مع غاية شرفه واحتياطه في الاصلاح على الخارج به بشيء رحمة وتخفيفًا، فقد بان أن الأستاذ يقول أن شرح المحبة مبني على المراقبة المخالطة للقوى العقلية مخالطة نزل السهو فيها منزلة العمد فكأن المحبوب قو قوى المحب التي بها يعقل كما أشار إليه أيضًا في الدلالة على غاية المرتبة بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذا القسم هو الباب السادس من الكتاب وهو أصناف.
الصنف الأول في ذكر من حمله هواه على أذية من يهواه وهؤلاء أم نساء أو رجال وكل من القسمين أما بالغ مناه أو مكفوف أذاه
فمن الأول ما حكى عن مرثد أنه شغف بصحبة عمرو بن قمئة حتى صار يأكل معه ومع زوجته، فعلقته المرأة فأرسلت إليه على حين عقله من مرثد تقول أن عمك يدعوك، فجاء فلم يجده فقامت إليه فراودته عن نفسه فأبى، فقالت لئن لم تفعل ما آمرك لأوذينك.
فقال إن الأذى أن أفعل ما تحبين، وخرج فأمرت بجفنة فوضعت على موضع قدمه وكان ملتصق الأصابع. فلما جاء مرثد أخبرته أن رجلًا من أقرب ما يكون إليك ساومني نفسي، فامتنعت فجهد في أن تخبره، فأبت وقالت أنا لا أصرح باسمه ولكن هذا قدمه فعرفه وهجره فأنشد في ذلك:
لعمرك ما نفسي بجدّ رشيدة تؤامرني شر الأصرم مرثدا
عظيم رماد القدر لا متعبس ولا مؤبس منها إذا هو أخمدا
فقد ظهرت منه بوائق جمة وأفرع من لومي مرارًا وأصعدا
على غير ذنب أن أكون جنيته سوى قول باغ جاهد فتجهدا
وقيل أنه حلف ليضربنه بالسيف، فهرب إلى الحيرة وأرسل بهذين البيتين.
رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري فما بال من يرمي وليس برامي
فلو أنها نبل إذ الا تقيتها ولكنما أرمي بغير سهام
[ ١ / ١١٤ ]
انتهى ما ذكره، وفي النزهة أن مرثدًا أتى يومًا من سفره في الليل، وكان الظلام شديدًا فسمع زوجته وهي لا تشعر به تقول:
لعمرك إن القلب شط به النوى ولم تسعف الأيام للمدنف الصبّ
بلت بمن لم يدر حالي بحبه ألا أن عمرًا في الهوى قاسي القلب
فعلم أنها مولعة به وأن ذلك كان كيدًا منها فقتلها وأرسل إليه فأصلح أمره معه فعلى هذا تكون هذه الحكاية من الرابع.
ومن الثاني قصة سوسن المشهورة وللناس فيها كلام كثير غير أن المصنف ﵀ لشدة معرفته باختلاف الألسن واللغات، نقلها من نصل الله ﷿ عليها في التوراة.
فذكر أن في سفر دانيال ﵇، من هذه القصة ما ترجمته لما كان في السنة الثالثة من ملك يواكيم ملك يهوذا قدم بختنصر ملك بابل إلى أورشليم يعني بيت المقدس بالعربية. وأسلمها الرب في يده ثم نزل ببيت صنمه بشنغار وهو موضع مشهور ببيت المقدس.
ولما استقرت آراؤهم على الشريعة الناموسية الموسوية حكم شخصين قاضيين عرفا بالعبادة والزهد في بني إسرائيل، فكانا يحكمان في الشعب ويأويان إلى بيت يواكيم.
وكان له زوجة يقال لها سوسن، وكانت في أرفع رتبة من الجمال والحسن وبهجة المنظر والصلاح لأن والديهما كانا صديقين في بني إسرائيل، وكانت في كل يوم تنزل إلى بستانها تمشي للنزهة. ورآها القاضيان فوقعت منهما واشتغلا بها عن النظر في الحكومات، وكتم كل عن الآخر حتى إذا كان منتصف النهار من يوم شديد الحر، قال كل منهم لصاحبه قد اشتد الحر فليذهب كل منا فيستريح.
وخرجا مضمرين العود رجاء الظفر بالجارية، فلما التقيا فحص كل عن عود الآخر فأظهرا ما عندهما من حبها واتفقا عليها وأنها دخلت مع جاريتين البستان، فعزمت على الحموم وقد استخفيا، فأرسلت الجاريتين ليأتياها بزيت وغسول، فظهرا وأغلقا الأبواب وقالا لها لئن لا تجيبينا، وإلا قلنا إنا وجدنا معك شابًا، ومن أجل ذلك أرسلت الجاريتين وأنت تعلمين مكاننا من بني إسرائيل.
قالت سوسن والله لا أغضب الرب أبدًا وصرخت، فصرخ القاضيان ومضى أحدهما ففتح الباب، وجاء العبيد فأخبراهم بالقصة، فبقوا مبهوتين لأنهم لا يعلمون عليها سوء، ثم أتى يواكيم فأعملوه بالأمر وأنهما لم يقدرا على مسك الشاب، فجمع الشعب وتقدم الشيخان فكشفا عن سوسن وقالا نشهد على هذه أنها دخلت البستان ومعها جاريتان فأرسلتهما وأغلقت الأبواب، فجاء حدث من وراء شجرة فضاجعها، فحين رأينا المعصية صحنا فانفلت الشاب.
فبكت سوسن ورفعت طرفها إلى السماء، وقالت يا الله يا دائم يا عالم الخفيات أنت تعلم أنهما كذبا علي. ثم أقاماها للقتل وكان دانيال ﵇ شابًا عمره ثلاث عشرة سنة، فجاء وصاح عليهم أن قفوا فإنها بريئة مما رميت به، ثم أمر بالتفريق بينهما، فقال لأحدهما من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة بطم فقال كذبت وهذا ملاك الله شاهد عليك بالكذب. ثم أخره وقدم الآخر وقال له من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة زيت فقال كذبت وأقامهما فنشرا ونزلت نار فأحرقتهما وحفظ الله الدم الزكي وعظم أمر دانيال ﵇.
ومن الرابع ما حكى في نديم المسامرة أنه كان بالبصرة رجل اسمه عباد، وكان يدعى بالمخنث لما كان يظهر من التزيي بزي النساء، فاجتمع ليلة مع قوم، وتذاكروا الشجاعة.
فقالوا له هازئين به هل تقدر أن تذهب فتدق هذا الوتد بالضريح الفلاني وكان معروفًا بالوحشة بعيدًا عن العمارة. فمضى حتى صار فيه فحين شرع يدق الوتد سمع صرير سلسلة تدنو كلما دق حتى صار عنده، فإذا هو قرد قد ذهب من صاحبه، فأخذه وهم ليخرج إذ سمع امرأة تخاطب رجلًا فتقول ما الذي صنعت حتى تقتلني، فيقول أقتلك وأموت خير من أن تصيري إلى زوجك وأموت غمًا.
فخرج عباد حينئذ عليهما وصرخ على القرد فتعلق بالرجل فظنها جنًا، فرمى السلاح فأخذه عباد وفك المرأة واستخبرها، فأخبرته بأبيها فعرفه وأن هذا ابن عمه كان يهواها فخطبها إلى أبيها فأبى وهم بتزويجها من غيره وأنها خرجت لمفترج فكبسها هذا مع جماعة فتفرق النساء اللواتي كن معها وأخذها هو فصيرها إلى هذه الحالة، فأخذها عباد إلى أهلها وأخبر أصحابه بالقصة فكذبوه فأرهم ذلك فصار يعد من الشجعان.
[ ١ / ١١٥ ]
ومن الثالث ما حكى عن حبوبة بن حباب الطابخي أنه حين قتل أبوه رجلًا من كلب من فخذ وبرة ووجبت عليه الدية رهنه صغيرًا مع أمه، وخرج ليجمعها فمات فأقاما عندهم وأنه كان شابًا حسنًا جميلًا فولع به النساء حتى شاع أمره فطردوه فوقع بعدما قتل أخا امرأة اشتهر بها إلى بلقين، فأجاروه ففعل عندهم ما فعل في كلب واشتدوا عليه فجاء إلى أمه ليلًا فأخفته وأخبرت ظئرًا لها، فقالت ادفعه إلي فأخذته فجعلته في متاع لها خارج البيت ومر عدي رئيس بني كلب فقال ما هذا قالت متاعي وأنا على سفر وأريد أن تجيره، فقال قد أجرته وحمله إلى بيته وقد أنكره ففتش فرآه فقال لا حياك الله، وخرج فأقام عنده زمانًا فعلق ابنته وطال بينهما الأمر فأنشد فيها:
ما زلت أطوي الحي أسمع حسهم حتى وقفت على ربيبة هودج
فوضعت كفي عند مقطع خصرها فتنفست صعدًا ولما تنهج
وتناولت رأسي لتعلم مسه بمخضب الأطراف غير مشنج
قالت وعيش أبي وحرمة والدي لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت فعلمت أنّ يمينها لم تحرج
وبلغ عدي بن أوس ذلك فقتله.
ومن الثالث قصة وضاح اليمن المشهورة واسمه إسمعيل أو عبد الله أو عبد الرحمن ابن كلال وكان من أمره أنه كان يبرقع وجهه خوف الفتنة بحسنه، وأنه نشأ مع أم البنين بنت عبد العزيز صغيرين فكان لا يصبر أحدهما عن الآخر.
فلما بلغت حجبت فازداد شوقهما، فحين أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك. وقيل ليزيد والصحيح الأول لما سبق في قصة حبابة، وذكر زوجات يزيد حجبها فازداد بوضاح الأمر حتى نحل، فخرج إلى الشام فكان يطوف بالقصر إلى أن ظفر بجارية لأم البنين فأخبرها بمكانه وأنه ابن عم مولاتها فأخبرتها فأدخلته في صندوق، فكانت إذا أمنت تمكث معه وإذا خافت أدخلته الصندوق وجيء للوليد بجوهر نفيس فأمر خصيًا بحمله إليها فحين دخل الخصي وجد وضاحًا فأدخلته الصندوق واستوهبها الخادم لؤلؤة فأبت فمضى وأخبر الوليد.
فدخل عليها فمازحها واستوهب الصندوق فأبت فراجعها فوهبته إيه، واحتمله إلى مجلسه. فلما جاء الليل أمر غلمانه فحفروا إلى الماء ثم قال مشافها للصندوق خفية قد بلغنا عنك أمر فإن كان صحيحًا فقد كافأناك، وإلا فما علينا في دفن الخشب ورماه ورمي الخصي حيًا، وقيل ضرب عنقه حين أخبره وأهال التراب ولم يبين لها غيظًا، وقيل فارقها وأنها كانت تأتي المكان فتبكي فوجدت ميتة فيه.
وقيل أنه لم يقتله بذلك وإنما شبب بها حين رآها في طريق الحاج فبلغه تشبيبه بها فاستشار فيما يفعل به فقيل له أكرمه كما فعل معاوية بأبي دهبل حين شبب بأخته فأبى إلا قتله.
ومنه أيضًا سحيم وهو حبشي نشأ في بني الحسحاس، وكان أعجميًا غليظًا ثم تخرج في الشعر وشاع ذكره حتى اشتري لعثمان فقال لا حاجة لي بن إذا شبع شبب بالنساء، وإذا جاع هجا فرده فاشتراه رجل منهم اسمه أبو معبد فعلق ابنته وأنهم خرجوا إلى سفر فتشوق أبو معبد إلى ابنته فكان يتمثل بهذا البيت:
عميرة ودع إن تجهزت غاديًا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا
فأكمل العبد القصيدة بما يزيد على مائة بيت فمنها في التشبيب بابنة مولاه:
وبتنا وسادانا إلى علجانة وحقف تهاداه الرياح تهاديا
توسدني كفًا وتثني بمعصم عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
وهبت شمال آخر الليل قرة ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فما زال ثوبي طيبًا من نسيمها إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا
فذهب جندل به ليبيعه فأنشد:
وما كنت أخشى جندلًا أن يبيعني بشيء ولو أمست أنامله صفرا
أخوكم ومولى مالك وربيبكم ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
أشوقًا ولما يمض بي غير ليلة فكيف إذا سار المطي بنا عشرا
فرق له فرده ولامه قومه وأرادوا قتل العبد فضن به ثم رفعه الحاكم فعزره ثمانين وانصرف به فأنشد:
أبا معبد بئس العزاضة للفتى ثمانون لم تترك لحلفكم جلدا
كسوني غداة البين سمرًا كأنها شياطين لم تترك قرارًا ولا عهدا
[ ١ / ١١٦ ]
فما السجن إلا ظلّ بيت دخلته وما السوط إلا جلدة خالطت جلدا
أبا معبد والله ما حلّ حبها ثمانون سوطًا بل يزيد بها وجدا
فإن يقتلوني يقتلوا ابن وليدة وأن يتركوني يتركوا أسدا وردا
غدًا يكثر الباكون منا ومنكم وتزداد داري من دياركم بعدا
فلما علم مولاه اصراره أحرقه.
ومن الأول المتجردة وهي امرأة المنذر بن ماء السماء، وكانت من أعظم نساء العرب جمالًا، فلما مات عنها أخذها ولده النعمان فكان يجلسها مع نديميه النابغة والمنخل، فشغفت بالمنخل وامتزجا فأمر النعمان يومًا النابغة أن يصفها، فقال:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف نزع الحزّور بالرشاء المحصد
فقال المنخل هذا وصف معاين، وحرض النعمان على قتله فهرب وكان عفيفًا، فلما خرج النعمان إلى الصيد رجع بغتة فوجد المتجردة مع المنخل قد ألبسته أحد خلخاليها وشدت رجله إلى رجلها وله فيها:
إن كنت عاذلتي فسيري نحو العراق ولا تحوري
ولقد دخلت على الفتا ة الخدر في اليوم المطير
والكاعب الحسناء تر فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست كتنفس الظبي البهير
فرثت وقالت هل بجس مك منخل من فتور
ما شف جسمي غير حب ك فاهتدى وعني وسير
وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
ولقد شربت من المدا مة بالصغير والكبير
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
يا هند هل من ناهل يا هند للعاني الأسير
ومن الرابع ما يحكى عن سليمان بن عبد الملك، وكان شديد الغيرة أنه خرج لغرض ومعه سنان وكان فارسًا معروفًا بالشجاعة والمحبة لسليمان، وكان حسن الغناء وكان يتركه كثيرًا لمعرفته بغيرة سليمان، فزاره ضيوف فأكرمهم فقالوا يا سنان لم تكرمنا ما لم تسمعنا الغناء وكان قد أخذت منه الخمر فأنشد:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها في آخر الليل لما بلها السحر
تثني على فخذها مثنى معصفرة والحلى منها على لباتها حصر
لم يحجب الصوت احراس ولا غلق فدمعها الطروق الصوت منحدر
في ليلة النصف ما يدري مضاجعها أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم يكاد من رقة المشي ينفطر
فلما سمع سليمان الصوت خرج فزعًا يتفهمه، وكانت عنده جارية اسمها عوان، وكان يحبها حبًا شديدًا وهي مشهورة بالجمال. فجاء إليها فرآها على صفة الأبيات، وكانت يقظانه، فلما فطنت به قالت يا أمير المؤمنين قالت الله الشاعر حيث قال:
ألا رب صوت جاءني من مشوّه قبيح المحيا واضع الأب والجدّ
قصير نجاد السيف جعد بنانه إلى أمة يدعى معًا وإلى عبد
فسكن ما به وقال: قد راعك صوته، قالت صادف مني يا أمير المؤمنين فحلف ليقتلنه فأرسلت عبدًا يحذره، وقالت إن لحقته قبل فلك ديته وأنت حر، فسبقت رسل سليمان فجاؤا به فنظر غله مليًا، ثم قال أنت المجترىء ويلك؟ فقال أنا فارسك فاستبقني، فقال لا أقتلك ولكن أزيل تفحلك، وأمر به فخصي وألقي في دير الخصيان.
قالوا وفي ذلك الوقت بلغ سليمان كثرة المخنثين المغنين بالمدينة، فكتب إلى عامله أن أحصهم يعني أضبطهم لننظر في أمرهم. فسبقت نقطة على الحاء فأمر العامل بخصيهم، فقال كل عند خصيه كلمة سارت مثلًا، فقال طوبس ما هذا إلا ختان أعيد علينا. وقال دلال بل هو الختان الأكبر، وقال نسيم السحر بالخصي صرت مخنثًا حقًا. وقال نومة الضحى بل صرنا نساء حقًا، وقال ابن الفؤاد استرحنا من حمل ميزاب البول معنا. وقال ظل الشجر ما نصنع بسلاح لا يستعمل.
[ ١ / ١١٧ ]
ويروى أن الذي سمعه سليمان لم يكن سنانًا الكلبي بل كان سميرًا الأيلي وفي الرواية بدل محجوبة وعادة سمعت وبدل قوله في ليلة النصف في ليلة البدر وهو أليق في هذا المقام لأن القمر وإن لم ينقص ليلة النصف، فهو في ليلة البدر أبهج ولم يلهج الشعراء إلا به وأن سليمان قال حين روجع في خصيه أن الفرس يصهل فتستودق الحجرة، والفحل يخطر فتضبع الناقة والتيس ينب فتستحرم العنز والرجل يغني فتشبق المرأة.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يعمل بالمسحاة لفقره، وكان عنده امرأة مفرطة في الجمال، وكان إذا قدم قامت لخدمته من فرش وتقديم طعام ونحوه. وأن عجوزًا دخلت عليها فتأملت حسنها، وذهبت فوصفتها للملك فعشقها ووعد العجوز بمال كثير على أن تخلصها له، فقالت لها كيف تذهبين هذا الجمال مع رجل يعمل بالمسحاة، ولو طاوعتني لزوجتك بالملك وأمرتها أن تعصيه وترجع عن خدمته.
فجاء فلم تقم إليه على العادة، ولم تقدم له شيئًا، فقال ما هذا يا هناه؟ قالت هو ما تراه. فقال أطلقك، قالت نعم. ففعل وتزوج بها الملك فحين نظر إليها كف ومد يده فشلت، فرفع الأمر إلى نبي ذلك الزمان، فجاءه الوحي أن يعبني ما فعل بصاحب المسحاة وقد ساق هذه الحكاية في النزهة في باب من عشق بالسماع وذكر أن المرأة أيضًا فلجت وأنها ماتت بعد سبعة أيام.
ومنه الزرقاء جارية ابن راميين كانت من المشاهير بالجمال والحسن والغناء، وافتتن بها غالب أهل زمانها، وكان الناس يقصدونها لسماع صوتها ويبذلون لها مالًا خطيرًا. فاشتد ولوع يزيد بن عون الصيرفي بها، فدخل عليها ومعه لؤلؤتان، فقال لها قد بذل لي فيهما أربعون ألف درهم. فقالت هبهما لي. فقال افعل إن شئت. قالت شئت فحلف لا يعطيهما لها إلا من فمه إلى فمها.
فغمزت الخادم فخرج، وكان يزيد واقفًا منكسرًا بين يديها، يعني كاتفًا يديه. فجلس مقعيًا يعني على رؤوس أصابعه وتقدم إليها فأقبلت لتتناولهما فجعل يزوغ بفمه ليستكثر من مقابلتها فانقضت عليه فأخذتهما وقالت المغلوب في استه عود فقال أما أنا والله لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي وفمي ما حييت أبدًا وأنها أفضت إلى جعفر بن سليمان وأبوه عامل المنصور، فدخل على ابنه يعتبه على شرائها واشتغاله بها في هذه الأيام.
وقد خرج عليهم خارجي فغمز جعفر الخادم فأخرجها إليه فقبلت رأسه واجتلبته فرضي ولم يعتب بعدها وأن جعفرًا قال للزرقاء يومًا هل تمكن أحد من مجيئك يومًا منك بشيء فخشيت أن تكتمه ما عساه أن يكون بلغه فأخبرته بموافقة الصيرفي فاحتال عليه حتى واعترف بما نسب إليه فضربه حتى مات.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل، رجل اسمه عبود كلف بابنة عمه حتى كان لا يصبر عنها ساعة، فتزوج بها وأقاما مدة فماتت فاشتد وجده وطار عقله.
فمضى إلى المسيح ﵇ وسأله أن يحييها له، فقال لا يتيسر إلا أن تهبها من عمرك شيئًا، فقال قد وهبتها نصف عمري، فأحياها له ومضيا وقد لحق عبودًا تعب شديد فجلسا يستريحان فوضع رأسه على ركبتها فنام، فمر ملك الناحية فرآها فعلقت بقلبه وهو أيضًا فعرض عليها أن تكون معه فأجابته فحملها في قبة وانتبه عبود فلم يجد أحدًا فقام مرعوبًا، فوجد قومًا من المارة ينعتون حسنها. فسألهم فأخبروه بأنها مع الملك فلحقها وجعل يذكرها بما صنع وهي ساكتة.
فقال لها قد كنت مت وسألت المسيح في احيائك، ووهبتك نصف عمري على أن تكوني معي، فحيث لم ترضي فردي علي ما وهبتك، فقالت قد رددته، فما خرجت الكلمة حتى ماتت.
ومن الثالث ما حكي عن لقمان بن عاد الذي كان يضبط عمره بأن يمسك النسر من حين خروجه من البيضة إلى أن يموت فيؤتي بالآخر كذلك حتى عاش عمر سبعة كل واحد على ما قيل مائة عام أنه كان مغرمًا بالنساء ومع طول عمره وكثرة تزوجه كان شديد الاحتراس وهن يخنه.
[ ١ / ١١٨ ]