[ ١ / ٣ ]
أعلم أن واهب الصور لما صدر عنه العقل كان أعظم صادر لقربه من الكمال الذاتي فالعود إليه وطلب القرب منه واجب على كل ذي نفس قدسية ومن تطابقت الأدوار شاهدة بذلك ويدل له عموم فقال له أقبل الحديث وعنه النفس الكلية ثم قسما الأجسام الفلكية والعنصرية كما هو في محله إلى أن كان أشرف النفوس وأرفعها على الاطلاق النفس الانسانية ولشبه الشيء بأصوله كما هو واضح مقرر في محله بالبراهين انقسمت هذه النفس باعتبار أصولها إلى ثلاثة أقسام أحدها النفوس المعدنية وهي الجامدة التي لا تعقل ما يراد منها ولا نعرف إلا ما تقوم به بنيتها ويصدر عنها وذلك أما بالخاصية أو بأمر أودعها صانعها فيها لمصالح يعلمها ويشهد لذلك ما يشاهد من صور في الجبال والطن ونحوهما وثانيهما النباتية وهي أرفع من الأولى باعتبار الذبول والتحلل الظاهر وثالثها الحيوانية وتفصل السابقة بالحركة الارادية والحساسية ونحوهما من العوارض ثم كل واحدة من هذه الثلاث تنقسم باعتهار ما تشابهه من النوع كانقسامه في نفسه وذلك كانقسام الأولى إلى ما يكون صافي الجوهر جيده كالياقوت والذهب والثانية إلى ما هو كثير النفع طيب الطعم والرائحة كالعنبر والعود والثالثة إلى ما هو صالح للنفع والزينة كالخيل وإلى شجاع كالأسد وخبيث كالنمر وحافظ للعهد كالكلب وقوام على حفظ ما يستحفظ كالقرد ونظائر ذلك ولما كانت النفس الانسانية زبدة الكائنات وخاتمة طرفي سلسلة العلل والمعلولات لا جرم كانت مقتدرة على أن تتبع شهوات الجسم وعوارض الكثيف فتكون حيوانية بحتة أو تعمل في خلاص النفس من ظلمة الطبيعة وقفص الجسم فتحلق بعالمها الأصلي وهي النفس الملكية المقرة بالمبدأ والمعاد المخلصة من محض الكثافة المنتظمة في سلك محض اللطافة أو تجمع بين الأمرين وتؤلف بين الطريقين وهذه هي الانسان المطلق والأولى الحيواني والثانية الملكي فقد بان لك أن الإنسان منقسم كأصله ومميز بفعله ثم لا شبهة في انقسام كل كالمنتسب إليه ويكون كماله منزلًا عليه فالحكيم محتاج في اصلاح الأولى إلى ما يكون بمجرد حسن اللفظ والسياسة كالطيور أو بالضرب والاهانة كالدب والحمار وباطعام الطعام كالخيل والكلاب أو بالارسال والجدب والتحفظ من غدرها كالأسود والجمال والثانية وإن تفاوتت مراتبها غنية عن الاصلاح إلا من قبل مبدعها والثالثة هي المحتاجة إلى العلاج وملاطفة الزاج والعشق الحقيقي لها غالبًا لأنه تابع للأمزجة ولأن عشق الملكي والحيواني بسيط إذ الأول يكون لمحض ذات واجب الوجود ومبدع الفيض والجود والثاني لمحض قضاء شهوات الجسم الفاسدة الناشئة عن الفكر الجامدة إذا تقرر هذا فاعلم أن العشق بعد أن سمعت ما سمعت يختلف باختلاف المزاج على أنحاء أربعة سريع التعلق والزوال كما في الصفراويين وعكسه كما في السوداويين وسريع التعلق بطيء الزوال كما في الدمويين وعكسه كما في البلغميين ومثل هذه مراتب الحفظ والنسيان وأما المعتدل فيكون العشق فيه كذلك فعلى هذا يكون قولهم لكل أحد صبوة الأمل جفت خلقته أو نقصت بنيته أو خرجت عن الاعتدال أمزجته محمولًا على الاعتدال النسبي الذي إذا حصل لشخص كان به على ما ينبغي أن يكون عليه لا الحقيقي لعزة وجوده ولزوم ندور العشق حينئذ والواقع خلافه ثم هو متى وقع على ما وصفناه أمكن حصول المزايا المذكورة فيه فقد قال الاستاذ أن أقل مزاياه تعليم الكرم والشجاعة والنظافة وحسن الأخلاق وذلك أن غاية مراد العاشق رضا معشوقه ورضا المعشوق يكون بانصاف العاشق بما يوجب المدح ويحسن المرتبة في القلب فعلى ثبوت هاتين المقدمتين ينتج ما قلناه واللازم واقع فكذا الملزوم وبيان الملازمة ظاهر وايضاحه أن العاشق وإن بخل جدًا فلا يمكن بخله على المعشوق ومنه يتطرق الحال إلى من يعلم أنه متى بخل عليه أوصل الأمر إلى معشوقه وهكذا فيؤدي الحال إلى مطلق الكرم وكذا باقي السجايا المذكورة ولذلك جاء الناموس الشرعي بمطابقة القانون الحكمي كما هو شأن الشارع في غير هذا أيضًا ليكون التطابق بين الحكمة والشرع في كل شيء ولا عبرة بكلام بعض الأغبياء عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ من عشق فعف فمات دخل الجنة زاد الخطيب عن فظفر ثم أبدل قوله دخل الجنة بقوله مات شهيدًا وفي أخرى وكتم والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي وأمحله البيهقي
[ ١ / ٤ ]
والجرجاني والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعًا وأبو محمد بن الحسين موقوفًا وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضًا وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثًا وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئًا فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيرًا فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ: والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعًا وأبو محمد بن الحسين موقوفًا وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضًا وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثًا وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئًا فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيرًا فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ:
سأكتم ما ألقاه يا نور ناظري من الأجر كيلا يذهب الأجر باطلا
فقد جاءنا عن سيد الخلق أحمد ومن كان برًا بالعباد وواصلا
بأن الذي في الحب يكتم وجده يموت شهيدًا في الفراديس نازلا
رواه سويد عن علي بن مسهر فما فيه من شك لمن كان عاقلًا
وماذا كثيرًا للذي مات مغرمًا سقيمًا عليلًا بالهوى متشاغلا
وألطف من ذلك ما حكاه التاج السبكي في الطبقات الكبرى عن أبي نواس قال مضيت إلى باب أزهر والمحدثون ينتظرون خروجه فما كان إلا أن خرج وجعل يعظهم واحدًا بعد واحد حتى التفت إلي فقال ما حاجتك فقلت:
ولقد كنت رويتم عن سعيد عن قتادة
عن سعيد بن المسيب أن سعد بن عباده
قال من مات محبًا فله أجر شهاده
فقال أزهر نعم وذكر الحديث ولأبي نواس أيضًا:
حدثنا الخفاف عن وائل وخالد الحذاء عن جابر
ومسعر عن بعض أصحابه يرفعه الشيخ إلى عامر
وابن جريج عن سعيد وعن قتادة الماضي وعن غابر
قالوا جميعًا أيما طفلة علقها ذو خلق طاهر
فواصلته ثم دامت له على وصال الحافظ الذاكر
كانت لها الجنة مبذولة تمرح في مرتعها الزاهر
وأي معشوق جفا عاشقًا بعد وصال ناعم ناضر
ففي عذاب الله مثوى له بعدًا له من ظالم غادر
[ ١ / ٥ ]
وفي رستاق الاتفاق في ملح شعراء الآفاق لابن المبارك الامام:
حدثنا سفيان عن جابر عن خالد عن سهل الساعدي
يرفعه من مات عشقًا فقد استوجب الأجر من الماجد
وأما الآثار فكثيرة لا تكاد تحصى ولكن نورد ألطفها كم هو شأننا فمن ذلك ما روى عن المهدي قال: أشتهي أن أصلي على جنازة عاشق مات في الحب وكان شريح يكثر الجلوس في الطرقات ويقول لعلي أرى صورة حسنة وكان ابن الليث قاضي مصر يكتب في فتيًا فسمع جارية تقول:
ترى في الحكومة يا سيدي على من تعشق أن يقتلا
فرمى القلم من يده وهو يقول: لا. وعن ابن عباس الهوى إله معبود فقيل له أتقول ذلك فقال نعم أليس الله تعالى يقول أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال العباس بن الأحنف:
ويح المحبين ما أشقى جدودهم إن كان مثلي الذي بي للمحبينا
يشقون في هذه الدنيا بعشقهم لا يدركون بها دنيا ولا دينا
يرق قلبي لأهل العشق إنهم إذا رأوني وما ألقى يرقونا
وله أيضًا:
أيها النادب قومًا هلكوا صارت الأرض عليهم طبقا
أندب العشاق لا غيرهم إنما الهالك من قد عشقا
وأخرج ابن الحسين الجاذري عن معن بن عيسى قال دخل ابن سجنون على مالك فقال يا إمام اجعلني في حل من أبيات قلتها فيك فقال وقد ظن أنه هجاه أنت في خل من ذلك فأنشد الأبيات بين يديه وهي:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والغنا وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبئكم إني مصاب وإنما أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى أثام وهل في ضمة المتهالك
فضحك وقال لا إن شاء الله وأظرف من ذلك ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن الربيع بن سليمان قال دخل شاب على الشافعي برقعة فوقع فيها بعدما نظر وناوله إياها فتبعته على أنها فتيًا أكتبها فإذا هي:
سل العالم المكي هل في تزاوره وضم المشتاق الفؤاد جناح
فكتب تحته:
أقول معاذ الله أن يذهب التقي تلاصق أكباد بهن جراح
فأنكرت كتابته مثل هذا الشاب وذكرته له فقال أنه هاشمي وقد دخل بعرسه في هذا الشهر يعني رمضان فسأل عن الضم والتقبيل هل يفسدان الصوم فقلت له لا قال الربيع فعاودته فإذا الأمر كذلك فعجبت من فراسته وحكى في الأصل عن ابن حجر قال أخرج أبو نعيم أيضًا عن ابن سيرين أنهم كانوا يعشون بلا ريبة وفي الطبقات الكبرى لابن السبكي وحكاه في الأصل مترددًا قال كتب جلال الدولة إلى أبي الطيب الطبري سؤالًا صورته:
يا أيها العالم ماذا ترى في عاشق ذاب من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيد سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزًا في النحر والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة بل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تفت فإني إذًا أصيح من وجدي واستعدي
فأجابه:
يا أيها السائل إني أرى تقبيلك العين مع الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنب قبلته بالجد والجهد
فإن من يرتع في روضة لا بد أن يجني من الورد
وإن من تحسبه ناسكًا لا بد أن يغلب بالوجد
فاستشعر العفة وأعصى الهوى يسلم لك الدين مع الود
تغنيك عنه كاعب ناهد تضمها بالملك والعقد
تملك منها كلمة تشتهي من غير ما فحش ولا رد
هذا جوابي لقتيل الهوى فلا تكن بالحق تستعدي
وأخرج الخطيب البغدادي عن الغزي قال رأيت عاشقين اجتمعا فتحدثا من أول الليل إلى الغداة ثم قاما إلى الصلاة وفي معناه أنشد العلامة محمود لنفسه وهو من لزوم ما لا يلزم
لله وقفة عاشقين تلاقيا من بعد طول نوى وبعد مزار
يتعاطيان من الغرام مدامة زاتهما بعدًا من الأوزار
[ ١ / ٦ ]
صدقا الغرام فلم يمل طرف إلى فحش ولا كف لحل ازار
فتلاقيا وتفرقا وكلاهما لم يخش مطعن عائب أوزاري
ومنه ما حكى عن بعضهم قال حكت لي امرأة عن شخص هويها وهويته أنه قال لها يومًا ها لك أن نحقق ما قيل فينا فقالت معاذ الله أن أفعل ذلك وأنا أقرأ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقيل لأعرابي ليلة تزويج محبوبته أيسرك أن تظفر بها قال نعم قيل فما كنت تصنع بها قال أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في اثمها.
وعن الأصمعي قيل لأعرابي ما تصنع إن ظفرت بمحبوبتك قال امتع عيني من وجهها وسمعي من حديثها واستر منها ما يحرم كشفه إلا عند حله وأنشد ابن القاسم في المعنى وإن كان فيه بعد لأنك تعتبر الحياء من الايمان اللازم للعفة وخوف الله تعالى
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وقد أودى بمعقولي
يأبى الحياء وشيبي أن ألم به وخشية اللوم من قال ومن قيل
وأصرح منه في المقصود ما أنشده إبراهيم بن عرفة
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الحسان وأهوى أن أجالسهم وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب لا اتيان معصية لا خير في لذة من بعدها سقر
وأخرج صاحب الأصل عن سعيد بن عقبة الهمذاني قال لأعرابي حضر مجلسه ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا فقال عذري ورب الكعبة ثم سأله علة ذلك فقال لأن في نسائنا صباحة وفي فتياتنا عفة وأخرجه في الخليفيات أيضًا وفي معناه أنشد حرب
ما أن دعاني الهوى لفاحشة ألا عصاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ولا مشت بي لزلة قدم
هذا ما جاء في الآثار من العشق مع العفة وأما ما يدل على كثرة وقوعه واختصاص قوم بمزيد منه فكثير. فمن ذلك ما أخرجه التنوخي عن عروة بن الزبير قال قلت لعذري أنكم أرق الناس قلوبًا يريد أصباهم إلى الحب فقال نعم لقد تركت ثلاثين شابًا خامرهم السل ما بهم داء إلا الحب وقيل لشخص منهم مثله فقال كقوله وزاد لكن غلبتنا بنو عامر بمجونها وفي منازل الأحباب للشهاب محمود ليس حي أصدق في الحب من بني عذرة ولا نضرب الأمثال فيه إلا بهم وقال قلت يومًا أتعدون موتكم في الحب مزية وهو من ضعف البنية وهن العقدة وضيق الرئة فقال أما والله لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالعيون الدعج من تحت الحواجب الزج والشفاه السمر تبسم عن الثنايا الغر كأنها شذر الدر لجعلتموها اللات والعزى وتركتم الإسلام وراء ظهوركم وعن أبي عمرو بن العلاء قال استنطقت إعرابيًا عند الكعبة واستنسبته لماذا هو فصيح عذري فسألته هل علقه الحب فأنبأ عن شدة ولوع فسألته ما قال في ذلك فأنشد
تتبعن مرمى الوحش حتى رميتنا من النبل لا بالطائشات المخاطف
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم فيا عجبًا للقاتلات الضعائف
وللعين ملهى في البلاد ولم يقد هوى النفس شيء كاقتياد الظرائف
وقال بعض حكماء الهند ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. وحكى الحافظ مغلطاي أن العشق يختلف باختلاف أصحابه قال الغرام أشد ما يكون مع الفراغ وتكرار التردد إلى المعشوق والعجز عن الوصول إليه فعلى هذا يكون أخف الناس عشقًا الملوك ثم من دونهم لاشتغالهم بتدبير الملك وقدرتهم على مرادهم ولكن قد يتذللون للمحبوب لما في ذلك من مزيد اللذة كقول الحكم بن هشام
ظل من فرط حبه مملوكًا ولقد كان قبل ذاك مليكا
تركته جآذر القصر صبًا مستهامًا على الصعيد تريكا
يجعل الخد واضعًا تحت ترب للذي يجعل الحرير أريكا
هكذا يحسن التذلل بالحرّ إذا كان في الهوى مملوكا
وقول الرشيد أيضًا
ملك الثلاث الآنسات عناني وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها وأطعيهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى وبه قوين أعز من سلطاني
[ ١ / ٧ ]
وقال ابن الأحمر سلطان الأندلس
أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي على كل حال أنت لا بد لي منك
فأما بذل وهو أليق بالهوى وأما بعز وهو أليق بالملك
وقال ابن طاهر صاحب خراسان
فإني وإن حنت إليك ضمائري فما قدر حبي أن يذلك له قدري
ودونهم أفرغ لقلة الاشتغال حتى يكون المتفرغ له بالذات أهل البادية لعدم اشتغالهم بعوائق ومن ثم هم أكثر الناس موتًا به. ثم أعلم أن العشق متى استولى لم يبق صفة سواه ولذلك يذهب الأخلاق العسرة وقوة النفس وفي معنى ذلك أنشد بعضهم حيث قال في رسالة أرسلها إلى محبوبته
شكوت فقالت كل هذا تبرم بحبي أراح الله قلبك من حبي
فما كتمت الحب قالت لشد ما صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
وأدنو فتعصيني فأبعد طالبًا رضاها فتعد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يسوءها وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
ومنهم من تحمله الأنفة على أن يفارق بعد إظهار شدة شوق وقوة ميل وكذا شدة الإقبال من المحبوب فيتوهم حيث تشيع نفسه أن الشوق لا يعاوده فيفارق ويعود ذلك عليه بتلف نفسه والحق أن ذلك كله مع عدم التمكن وهو الموسوم بالاشراك وإلا فالصدق منه لا يرى وجودًا لسوى المحبوب ومن ثم طعن على من يرى الدنيا مثالًا لمحبوبه أو يظن وجوده ودونوا ما صدر عمن بدأ بالسلوان ثم ندم فمن ألطف ما قيل في ذلك قول الهذلي
ويمنعني من بعض إظهار ظلمها إذا ظلمت يومًا وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت إذا بدا لي الهجر منها ما على هجرها صبر
وإني لا أدري إذا النفس أشرفت على هجرها ما يبلغن بي الهجر
وقال ابن الجهم
نوب الزمان كثيرة وأشدها شمل تحكم فيه يوم فراق
يا قلب لم عرضت نفسك للهوى أو ما رأيت مصارع العشاق