[ ١ / ١٤ ]
لما كان غاية المحبة أما وصولًا إلى المطلوبات الدنيوية أو الأخروية ومبدؤها من الحواس الظاهرة غالبًا والباطنة ومطالبها العالية ومقاصدها الذاتية وأما اشتغال عن الحق بخيالات وهمية تنتقش في العقل من الخلق أو ميل نفسي إلى المبدع باستيحاش ممن سواه لا جرم قسمت المحبة قسمين أشرفها متعلقًا الثوابي وهو الحب في الله لأنه لا يفني متعلقه ولا تكيف غايته ولا يفضله شيء في الحقيقة إذ ما سواه وهام وتضمحل وتزول وأعراض تفني وتحول ولا شبهة في أن إدخار ما لا يتطرق إليه تغير ولا فناء أولى في الحكمة عند العقلاء فلذلك صدرت به الأبواب ومدار ما يذكر هنا في الأصل على ذكر من أنفى نفسه في طاعة ربه وأكثر اغترافه من الحلية لأبي نعيم إذا تقرر هذا فحد المحبة كما قال الحصري وصول إلى مقام الأنس والنعمة باطنًا والوحشة والبلاء ظاهرًا بشرط الإشراف على الغيوب وفناء الكل في بقاء المحبوب وهذا تعريف لها بحسب الغاية الخاصة وكان عليه أن يورد التعريف التام العام أولًا ثم يفصل وقال الاستاذ أبو يزيد البسطامي هي استهلاك النفسانية مع بقاء الروحانية وهذا عندي قريب من الأول غير أن بعض شراح النصوص قال أن فيه تعريفًا بالمادة وأظنه أخذ ذلك من قوله استهلاك وفيه تكلف ونقل الحدين البحراني في شرح التائية على قول الاستاذ فقالت هوى غيري قصدت وأقرهما وأحسن منهما ما نقل عن شيخ الطريقة الجنيد ﵁ وقد سئل ما المحبة فقال هي الصفاء في الباطن مع حقائق الحق والوفاء في الظاهر مع استعمال دقائق الشرع فهذا والله هو الحد التام وإن كان إلى الخاص أميل فإن قوله الصفاء في الباطن يريد به الخلوة الحقيقية التي هي قفل أبواب الحواس عن ممارسة الخلق ونشر القلب بالاستكانة والخضوع على أعتاب الحق ونفي الكدورات الحسية عن الحواس النفسية لإلحاقها بالحضرة القدسية وذلك غير تام قبل نفي العوائق وقطع العلائق والخروج من شوائب الخلائق ليتحقق الصفاء والتخلق بتلك الحقائق
هناك وجدت الكائنات تحالفت على أنها والعون مني معينتي
حيث انتفت معاندات الأغيار وتحققت ممازجات الأخيار حتى انتقشت المطلوبات الحقية في مرآت الصورة الخلقية وانبسطت أشعة الأحوال البسطية حيث انتفت الكدورات الوحشية.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيًا لم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وقوله والوفاء في الظاهر يعني لكل معاهد بعهده وموعود بوعده وضال برده ومتغفل بتنبيهه وتقوية جده لأن العارض المتصف بما ذكر خليفة الله على خلقه ينفذ فيهم أوامره ويقيم شرائعه فإن فعل ذلك ظاهرًا وباطنًا فهو النبي وخلفاؤه ومن فعله على الأول فهم السلاطين أو على الثاني فهم الأفراد الأقطاب جوامع الأسرار ومعادن الحقائق والاستبصار علماء أمتى كأنبياء بني إسرائيل وورثة الأنبياء
فعالمنا منهم نبى ومن دعا إلى الحق منا قام بالرسلية
وأما قوله استعمال دقائق الشرع فإشارة إلى معنى لا يدركه إلا الخواص وإن غاص عليه من غاص فإن فيه إشارة إلى حفظ الكليات التي عليها مدار النظام واستقصاء الجزئيات التي قصر عنها الكلام واجتهاد النفس في جمع ما تفرقت فيه الآراء وتشعبت إليه الأهواء بيد أن ذلك قباء لم يخط على كل ذي قد وأشكال أقيسة فكر لم يستخلصها كل ذي جد اللهم حققنا بحقائق معارفك وأرفعنا من حضيض زوايا الخمول إلى أوج استقامة لطائفك وأنقل أنفسنا من مراكز عكس الصعود إلى أشرف منازل السعود وأما قول بعضهم وينسب إلى ذي النون المصري المحبة أرق بلا رقاد وجسم بلا فؤاد وتهتك في العباد وتشتت عن البلاد فتعريف بصورة الحالة الراهنة من المحبة بعد قطع الطرق فإن الأرق الذي هو السهر من الفكر في الأمور الطارئة على النفس لا يكون إلا بعد تمكن تلك الأمور في الذهن وإن الجسم لا يكون بلا فؤاد إلا إذا فني فهي كناية عن عدم الالتفات إلى ما من شأنه أن يدرك القلب مما سوى الموجود المطلق بقرينة المقام وفيه تكلف وخلط لحالة المجانين بأحوال المحبين وباقي الكلام ظاهر وعندي أن المحبة ميل نفساني إلى المراد يعضده الجزم بالاعتقاد ورؤية ما سوي المطلوب من الفساد وفي الدين ارتداد وإليه أشار عارف الوقت والحقيقة وسلطان عشاق الخليقة بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوًا قضيت بردتي
[ ١ / ١٥ ]
فقولنا ميل كالجنس ونفساني كالفصل وإلى المراد فصل قريب ولذلك أخره وهذا هو فعل المادة والصورة والجزم في الاعتقاد بالفاعلية وغاية ذلك الثبات على الحب حيث ثبت أن ما سواه فساد فقد جمع هذا الحد مطردًا ومنعكسًا أحوال المحبة على وجه العموم فمن أراد تخصيصه فبالفصول اللائقة ثم لهذه المحبة أوصاف وشروط منها أن لا يبالي المحب بما يرد من المحبوب وأن يؤثر رضاه على نفسه فيتلذذ فيه بالبلاء كالعطاء وبالغيبة كالحضور والهجر كالوصل والفناء كالبقاء إذا كان ذلك رضا المحبوب قال العارف:
فكل الذي ترضاه والموت دونه به أنا راض والصبابة أرضت
فانظر إلى هذا الاستاذ كيف أوضح طرق السلوك للسالك ودل على المطالب والمسالك وأوضح مرقاة الوصول للدارج ونكب عن المعارج إلى أسنى المعارج حيث قال: نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي، لأن الزمان المذكور محل الميل إلى مرادات النفس وشهواتها ففي البيت مع الجناس التام واستيفاء مادة الكلام تحرير أحوال الغرام بأقصى المراد ثم أكد ما أسس وأبدع ما جنس وقوى جزئي الميل حتى صار كليًا بما وشح من بديع نظامه وأنق من لطيف كلامه بقوله:
محجبة بين الأسنة والظبا إليها انثنت ألبابنا إذ انثنت
ممنعة خلع العذار نقابها مسربلة بردين قلبي ومهجتي
فجدوا أيها المقصرون وانتبهوا أيها الغافلون وبادروا أيها المثمرون فإن المطلوب خطير والوصول عسير وليس هذا قطعًا عن الطريق وتخذيلًا للهمم كما زعمه بعض الشراح المتلبسين بهذه الصناعة الظانين أن الوصول إلى هذا النفس بالظاهر من البلاغة والبراعة كلا بل هو تبيين وتحقيق لئلا يقدم على هذا الأمر إلا من أراد علو همته وغلو قيمته ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا يتلبس بالعلم غير أهله ولا يبسق الفرع على غير أصله:
فللحب أقوام كرام نفوسهم منزهة عما سوى الحب يا خلي
[ ١ / ١٦ ]
إلى غير ذلك مما دلت عليه أبياته الفائقة وعباراته الرائقة وألفاظه الشاقة التي هي لصوادق الهمم إلى مقام الوصول سائقة ولولا ما في ذلك من التطويل الذي يستغرق المدد مع المدد ويستنفذ الأبد فضلًا عن طول الأمد لأوضحت لك ما في كلامه من الأسرار الحقيقية الدالة على أن أبيات القصيدة وضعت كدرج المرقاة في الإبرام والنقض لا يجوز تقدم بعضها على بعض ومن لطيف ما اتفق لي إني خلوت بنفسي ليلة وكانت ليلة الجمعة سادس رجب الفرد من شهور إحدى وسبعين وتسعمائة فأخذت أتفكر في كلامه متصفحًا في دقائقه إلى أن قام في فكري معارضة بين ما اتفق له من قوله وعيدك لي وعد البيت. وقوله عذب بما شئت غير البعد وقوله وأصعب شيء دون اعراضكم سهل. وبين قوله ولك الذي ترضاه البيت فإنه في جميع الأبيات أشار إلى أنه راض بكل أفعال المحبوب خلا البعد والهجر ثم أشار في هذا البيت إلى الرضا بسائر الحالات ومنها البعد والهجر ثم قام عندي جواب إن ذلك عام خصص ثم غشيني النوم فرأيت كأني بالمدرسة الأشرفية وقد زينت بأنواع الزينة وليس فيها غيري وإذا برجل طويل غليظ شديد البياض في يده عكاز أخضر متوشح بثوبين أبيضين وعلى رأسه كالأزار فقام عندي أنه الشيخ فإذا هو هو فسلم علي ووضع يده على كتفي ووقفنا متقابلين وهو يقول لي هذا جواب الفقهاء ولم أقصده فقلت يا سيدي وما الذي قصدت قال أما تعلم أنا لمسافر أثقل ما يكون في مبادي سفره ثم لم يزل يخف إذا طالت طريقه حتى لم يبق إلا هو وربما فني قلت نعم قال وكذلك السالك لم يزل يلقي مرادات نفسه حتى إذا وصل انطوى في دائرة المحبوب فلم يبق له مطلوب كما في الحديث القدسي فبي يسمع وبي يبصر فعلمت أن هذا الشأن لا يدرك بالعلوم الظاهرة إن لم تداركها نفحات من الحضرة الطاهرة فرجعت عما كنت عزمت عليه من الكتابة على القصيدة إلا أن تداركني الألطاف الباهرة وقال بعض العارفين شرط المحبة أن تكون ميلًا بلا نيل وشرطًا بلا جزاء لئلا تزول عند زوال العوض ويتأكد ذلك في أحباء الله ﷿. روي عن علي ﵁ أنه كان يقول في مناجاته إلهي ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك ولكني وجدتك أهلًا للعبادة ومن ثم قيل أفضل الحمد ما وقع دالًا على استحقاق الله له بلا شرط نحو نحمدك يا من جلت صفاته عن الاحصاء بخلاف ما وقع في مقابلة شيء كالحمد لله على ما أنعم وأخبر السراج عن أبي بكر الازدستاني بسنده إلى ابن كثر قال لما تاب داو ﵇ كان له يوم نوح تجتمع إليه فيه الناس حتى الوحوش والطيور فينوح ويعظ مذكرًا بالجنة ثم النار ثم الأهوال ثم الخوف من الله وفي كل واحدة يموت من كل طائفة خلق وولده قائم على رأسه فيقول حسبك يا أبت قد مات الناس ثم يقول له العباد لا تعجل بطلب الجزاء فيخر ساجدًا مغشيًا عليه فتأخذ كل طائفة من مات منها وتذهب ثم يدخل بيت عبادته وهو يقول يا إله داود غضبان أنت عليه أم راض إلى أن يخر مغشيًا عليه وأخرج عبد العزيز بن علي الطحان عن ابن عطاء في معنى قوله ﷿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين أن أيوب لم يزل يأكله الدود حتى لم يبقى غير قلبه ولسانه فأكل بعضه بعضًا حتى بقيت واحدة فدبت إلى قلبه فقال ذلك لأنه قال أي رب لم أخف من بلاء ما دام قلبي عارفًا بحلاوة ذكرك فأوحى الله إليه بم تنظر إلي غدًا قال بهاتين العينين قال لا ولكن أخلق لك عينين يسميان البقاء لتنظر إلى البقاء بالبقاء وقيل خرج عيسى ﵇ في سياحته ليلة برد وريح ومطر فعاج إلى كهف ليستظل فخرج إليه أسد فقال أنت أحق بمكانك وعاد وهو يقول رب لكل ذي روح ملجأ إلا عيسى فأوحى إليه كأنك استبطأتني فوعزتي وجلالي لأزوجنك بجواري ولأولمن عليك أربعة آلاف سنة وحكى المنذري عن ابن سعد يرفعه أن أنصاريًا بكي من خشية الله خوفًا من النار حتى حبسه البكاء في بيته فحكى ذلك لرسول الله ﷺ فأتاه فلما اعتنقه خر ميتًا فقال جهزوا صاحبكم فإن الفرق بتحريك الراء يعني الخوف فلذ بالمعجمة يعني قطع كبده وحكى أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الواحد بن زيد عن الفضيل بن عياض أن ابن زيد سأل ربه ثلاث ليال أن يريه رفيقه في الجنة فإذا بقائل يقول له هي ميمونة السوداء قال فقلت وأين هي قال بالكوفة فخرجت في طلبها فلما سألت عنها قالوا هي مجنونة وأنها بموضع كذا ترعى
[ ١ / ١٧ ]
غنيمات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازًا وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئًا من الدنيا فأبتغى إليه ثانيًا إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت: مات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازًا وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئًا من الدنيا فأبتغى إليه ثانيًا إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت:
يا واعظًا قام لاحتساب يزجر قومًا عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقًا هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا غيك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي موقع صدق من القلوب
تنهي عن الغيّ والتمادي وأنت في النهي كالمريب
قال ثم سألتها ما بال الذئاب التي مع الغنم لا تضرها فقالت أصلحت ما بيني وبينه فأصلح ما بين الذئاب والغنم وفي الكتاب المذكور عن ابن المبارك قال بينما أطوف في الجبال إذا أنا بشخص فلما دنا مني إذا هو امرأة عليها ثياب من صوف فلما دنت سلمت ثم قالت من أين قلت غريب قالت وهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الضعفاء ومحدث الفقراء فبكيت فقالت ما بكاؤك ما أسرع ما وجدت طعم الدواء قلت هكذا العليل ثم قلت عظيني يرحمك الله فأنشدت:
دنياك غرارة فذرها فإنها مركب جموح
دون بلوغ الجهول منها منيته نفسه تطوح
لا تركب الشرّ فاجتنبه فإنه فاحش قبيح
والخير فاقدم عليه جهرًا فإنه واسع فسيح
فقلت زيديني قالت سبحان الله أو ما في هذا الموقف من الفوائد ما أغنى عن الزائد قلت لا غنى لي عنه فقالت أحبب ربك شوقًا إلى لقائه فإن له يومًا يتجلى فيه لأوليائه.
وفيه عن أبي الفيض ذي النون المصري ﵁ قال بينما أنا في السياحة إذا لقيتني امرأة فقالت من أين قلت غريب فقالت كما قيل لابن المبارك إلا أنها زادت حيث نهت عن البكاء بأن قالت البكاء راحة القلب فما كتم شيء أحق من الشهيق والزفير فإذا أسبلت الدمعة استرحت وهذا ضعف عند العقلاء فتعجبت من ذلك وقال وصف لي رجل فقصدته فأقمت على بابه أربعين يومًا فلما رآني بعدها هرب مني فقلت له سألتك بالله إلا ما وقفت فقال ما تريد فقلت تعرفني بما عرفته فقال إن لي حبيبًا إذا قربت منه قربني وأدناني وإذا بعدت صوب بي وناداني وإذا قمت باليسير رغبني ومناني وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني فهل رأيت مثله انصرف عني ولا تشغلني ثم ولى يقول:
حسب المحبين في الدنيا بأنّ لهم من ربهم سببًا يدني إلى سبب
قوم جسومهم في الأرض سائرة وإن أرواحهم تختال في الحجب
لهفي على خلوة منه تسدّدني إذا تضرّعت بالاشفاق والرغب
يا رب يا رب أنت الله معتمدي متى أراك جهارًا غير محتجب
[ ١ / ١٨ ]
وعن أبي الفتح بن سحنون قال كان سعدون صاحب محبة الله لهجًا بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونًا لتردد قوله في المحبة فغاب عنا زمانًا وكنت مشتاقًا إلى لقائه فبينما أنا بفسطاط مصر على حلقة ذي النون وإذا به وعليه جبة من صوف فنادى يا ذا النون متى يكون القلب أميرًا بعدما كان أسيرًا فقال إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير فيه إلا هو قال فخر مغشيًا عليه ثم أفاق وهو يقول:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبًا تستغفر الله قبل أن تذنب قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع قال يا أبا الفيض اشرح لي ذلك قال يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين فهم قد فطموا النفوس عن روح الشهوات فهم رهبان من الراهبين وملوك العباد وأمراء في الزاد للغيث الذي أمطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله تعالى شوقًا فليس فيهم من آنس بمخلوق ولا مسترزق من مرزوق فهو في الملأ حقير وعند الله خطير ثم ولى.
وعن أبي سليمان قال مررت ليلة فسمعت في جبل اللكام رجلًا يقول في دعائه سيدي وأملي وموئلي ومن به تم عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك وقلب لا يشتاق إليك ودعاء لا يصل إليك وعين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف ثم صعق فتركته وانصرفت وإذا أنا برجل نائم فركضته وقلت قم فإن الموت لم يمت فرفع رأسه وقال ما بعد الموت أشد منه.
وعن عبد الله بن المبارك قال مررت في سياحتي بالشام بطبيب يصف لكل ما يحب فقلت له يا طبيب أعندك دواء المذنوب فقال نعم فلما تفترق الناس قال لي يا هذا عليك بورق الفقر وعروق الصبر واهليلج الصاف وبليلج الرضا وغارقون في الكتمان وسقمونا الأحزان فأمر سهم بماء الأجفان ودعهم في طاجن القلق وأوقد تحتهم نار الفرق وصفهم بمنخل الأرق واشربهم على الحرق فإنه شفاؤك وأنشد:
يا طبيبًا بذكره يتداوى وصفوه لكل داء غريب
ليس حزني عليك شيء عجيب إنما الصبر عنك شيء عجيب
وسئل أبو بكر الشبلي ما علامات العارف قال صدره مشروح وقلبه مجروح وجسمه مطروح قيل من العالم قال من عرف الله وعمل بما علمه الله وأعرض عما نهاه الله قيل فما الصوفي قال من صفا قلبه ورمى الدنيا وجفا الهوى واتبع المصطفى قيل فما التصوف قال التألف والأعراض عن التكلف وأحسن منه تصفية القلوب لعلام الغيوب وأحسن منه التعظيم لأمر الله والشفقة على عباد الله وأحسن منه من صفا من الكدر وخلص من العكر، وامتلأ من الفكر وتساوى عنده الذهب والمدر.
وعن إبراهيم بن أدم ﵁ قال كنت يومًا من الأيام مارًا بقبر فترحمت عليه وبكيت عليه فسألني من معي عنه فقلت قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن غرق في الدنيا ثم استنقذه الله بلغني أنه سر يومًا من الأيام بما هو فيه ثم نام مع بعض محاظيه فرأى رجلًا واقفًا على رأسه وفي يده كتاب فناوله إياه ففتحه فإذا هو مكتوب بالذهب لا تؤثر فانيا على باق ولا تغتر بملكك وسلطانك وخدمك ولذاتك فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم وملك لولا أن بعده هلك وفرح وسرور لولا أن بعده غرور فسارع إلى أمر الله فإنه يقول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم فانتبه مرعوبًا وخرج إلى هذا الجبل فما زلت أتعهده حتى مات ودفن ههنا.
وحكي أن ملكًا أراد الركوب يومًا فدعا بثياب الزينة فجيء بها فردها وقال أريد ثياب كذا فجيء بها فردها حتى جيء بأصناف كثيرة ثم اختار ما أراد وفعل كذلك بالدواب فلما ركب نفخ إبليس في أنفه فعلاه من التكبر ما لا يوصف حتى أنه لم يخاطب أحدًا فبينما هو في موكبه إذا برجل رث الهيئة قد قبض على لجام دابته وهو يقول لي إليك حاجة قال حتى أرجع قال لا بل مكانك قال اذكرها فقال أدن مني فطأطأ فقال له أنا ملك الموت فتغير واضطرب وسأله أن يعود فيودع أهله فأبى وقبضه مكانه.
وحكى أنه عارض في ذلك الوقت رجلًا زاهدًا فقال له كما قال للملك فقال حبًا وكرامة فقال له ملك الموت هل لك حاجة تمضي إليها فقال لا حاجة أحب إلي من لقاء الله فقال اختر على أي حالة أقبضك فقال ألك ذلك قال نعم فتوضأ وصلى فلما سجد قبضه.
[ ١ / ١٩ ]
وعن عتبة المعروف بالغلام وسمي بذلك لكثرة خدمته أنه كان مقيمًا بالجبانة فبلغ خبره علي بن سلمان أمير العراق فخرج حتى وقف عليه فسلم فرفع رأسه فرد عليه فقال له الأمير كيف أصبحت قال متفكرًا في القدوم على الله بخير أم بشر ثم بكى وأطرق رأسه منكسًا إلى الأرض فقال الأمير قد أمرت لك بألف درهم فقال قبلتها على أن تقضيني معها حاجة فقال وقد سر بذلك وما هي قال تقبل مني ما وهبتني فقال قد فعلت وانصرف ولقد كان عتبة هذا لا ينام إلا أول الليل ثم يستيقظ فزعًا مرعوبًا ينادي النار النار قد شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ثم يتوضأ ويقف للخدمة وإن البكاء ليمنعه القراءة وكثيرًا ما يقول اللهم يا عالمًا بحاجتي غير معلم بما أطلب وما أطلب إلا فكاكي من النار اللهم إن الجزع قد أرقني من الخوف فلم يؤمني وكل هذا من نعمتك السابقة علي وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك إلهي قد علمت لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين.
وعن سهل ابن عبد الله التستري ﵁ الناس ثلاثة أصناف صنف مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على بابه ينتظر الكرامة وصنف مضروب بسوط التوبة مقتول بسيف الندامة مضطجع على بابه ينتظر العفو وصنف مضروب بسوط الغفلة مقتول بسيف الشهوة مضطجع على بابه ينتظر العقوبة.
وعن حيان القيسي العباد مع الله على ثلاث طبقات قوم ظعن بهم عن البلاء لئلا يسترق الجزع سرهم فيكون هذا حكمة أو يكون في صدورهم حرج من قضائه وقوم ظعن بهم عن مساكنة أهل المعاصي لئلا تغتم قلوبهم فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم وقوم صب عليهم العذاب صبًا فما ازدادوا بذلك إلا حبًا.
أقول والتقسيم الأول شامل لطبقات العالم السعيد منهم والشقي إلا أن القسم الأول أسعد السعداء وأما هذا التقسيم فهو تقسيم لأهل الله فقط على أن لنا أن نتكلف للأول أن يكون مثله وفي هذا تلميح إلى التسليم البحت في القضاء والقدر والأول إلى الاختيار.
وعن سحنون بن حمزة الخواص أن أبا بكر البصري وكان رجلًا من أكابر الأولياء مات قبل الجنيد بيسير وكان قد سمي نفسه بالكذب لبيت قاله وهو:
فليس لي في سواك حظ فكيفما شئت فامتحني
فحصر بوله أثر قوله هذا فتضجر فسمي نفسه الكذاب في المحبة غيره:
ولو قيل طأفي النار أعلم أنه رضا لك أو مد لنا من وصالك
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها سرور الآتي قد خطرت ببالك
وله أيضًا:
وكان فؤادي خاليًا قبل حبكم وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك إن كنت كاذبًا وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها إذا غبت عن عيني بعيشي يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل فلست أرى قلبي بغيرك يصلح
وله أيضًا:
يا من فؤادي عليه موقوف وكل همي إليه مصروف
يا حسرتي حسرة أموت بها إن لم يكن لي إليك معروف
وعن الجنيد ﵁ قال أنفذ في السري في حاجة فلما قضيتها دفع إلي رقعة وقال قد أجزتك هذه الرقعة ففتحتها فإذا فيها:
ولما شكوت الحب قالت كذبتني ألست أرى منك العظام كواسيا
وما الحب حتى يلصق بالجلد بالحشا وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وتضعف حتى لا يبقى لك الهوى سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
ودخل أبو بكر الشبلي يومًا المارستان فوجد غلامًا أسود قد غل إلى سارية فلما رآه قال يا أبا بكر قل لربك ما كفاه أن تيمنى بحبه حتى قيدني وأنشد يقول:
على بعدك لا يصبر من عادته القرب
وعن قربك لا يصبر من تيمه الحب
فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب
[ ١ / ٢٠ ]
فصعق الشبلي وخر مغشيًا عليه فلما أفاق وجد القيود مطروحة ولم ير الأسود. وعن علي ابن سعيد العطار قل مررت بعبادان بمكفوف مجذوم فإذا الزنبور يقع عليه فيقطع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه وفتح من عيني ما أغلق من عينيه قال فبينما أنا أردد الحمد إذ صرع فبينما هو يتخبط نظرت إليه فإذا هو مقعد فقلت مكفوف يصرع مقعد مجذوم قال فما استتممت كلامي حتى صاح بي فقال ما دخولك فيما بيني وبين ربي دعه يفعل بي ما يشاء ثم قال وعزتك وجلالك لو قطعتني إربًا إربًا أو صببت علي العذاب صبًا ما ازددت لك إلا حبًا وللشبلي ﵁.
إن المحبين أحياء ولو دفنوا في الترب أو غرقوا في الماء أو حرقوا
أو يقتلوا بسيوف وسط معركة أو حتف أنف وإن أضناهم الغرق
لو يسمعون منادي الحب صاح بهم يومًا للباه من بالحب يحترق
وعن أحمد بن عيسى الجزار قال دعتني امرأة إلى غسل ولدها فلما جردته قبض علي يدي فقلت سبحان الله أحياه بعد موت فقال إن المحبين لله أحياء وإن ماتوا. ودعا عبد الواحد يومًا جماعة من الصوفية فأولمهم وكان فيهم عتبة الغلام فقام لخدمتهم ولم يأكل فلما انصرفوا قال له عبد الواحد لم لا تأكل قال ذكرت أهل الجنة واجتماعهم على الموائد وقيام الخدم على رؤوسهم فاشتقت إلى ذلك فأبت نفسي الطعام فبكى عبد الواحد وتفرقا متعاهدين على أن لا يولما ولا يشبعا من نوم ولا طعام. وقيل إن عتبة عاهد الله على أن لا ينام إلا مغلوبًا وقرأ غلام يومًا بين يدي صالح المزي بالمعجمة نسبه إلى قرية بدمشق وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فقال كيف يكون لهم حميم وشفيع مطاع والمطالب لهم رب العالمين والملائكة تسوقهم بمقامع الحديد يسحبون تارة على الوجوه ويمشون أخرى ما بين باك ومناد بالويل ثم صاح يا ويلتاه ويا سوء منظراه. وبكى وبكت الناس فقام فيه تأنث فقال أوكل ذلك في القيامة يا أبا بشر فقال وأكثر من ذلك لقد بلغني أنهم يصرخون إلى أن تنقطع أصواتهم فقال الشاب إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى وخر ميتًا بعد أن استقبل ودعا بالتوبة فرؤي بعد قليل في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال أدخلني الجنة ببركة مجلس صالح ودعا صالح يومًا فمر به مخنث وهو يقول في دعائه اللهم أغفر لأقسانا قلبًا واجمدنا عينًا واقربنا بالذنوب عهدًا، فسمع المخنث فمات فرؤي في المنام فقال كما قال الشاب.
وقال عبد الوارث نظرت إلى رباح القيسي يقبل غلامًا من أهله فقلت تحبه قال نعم قلت ما كنت أظن أن في قلبك بقية لأحد فخر مغشيًا عليه فلما أفاق مسح وجهه وقال إنما هي رحمة منه ألقاها في قلوب العباد.
وحكى ابن سعيد التيمي قال نظرت إلى جارية سوداء تسف الخوص وهي تقول:
لك علم بما يجنّ فؤادي فارحمن ذل ذلتي وانفرادي
فقلت لها ما علامة الحب وكان إلى جانبها يصرع فقال يا بطال الحب أن تقول لهذا المجنون قم فيقوم ورمقته فقام والجني يقول ويحك لا عدت إليه أبدًا فهذا ملخص ما ناسب ترجمة الباب وقد ذكر في الأصل ما لا علاقة له إذا أمعن النظر بهذا المحل وربما يأتي بعضه حيث نجد له محلًا.