[ ١ / ١٠٤ ]
قال لما خرجنا على المتوكل أخذت أنا وأصحابي قافلة الحاج فجمعنا مالًا ومتاعًا لا يحصى، وكنت قد جلست على كرسي وأصحابي يجمعون إلي المال إذا أنا بامرأة قد رفعت سجاف هودج فأضاء منها الموضع ولا أضاءته بالشمس فقالت أين الشريف صاحب السرية فلي إليه حاجة قلت انه يسمع كلامك، فقالت أنا حمدونية بنت عيسى ابن موسى تعلم مكاننا عند الخليفة، وأنا أسألك أن تأخذ مني ثلاثين ألف دينار مع أني أعطيتك ما في يدك، ولكن أسألك بفضلك أن لا يكشف لي أحد وجهًا.
فناديت أصحابي، فلما اجتمعوا قلت من أخذ منكم من هذه القافلة عقالًا آذنته بحرب، فردوا حتى الأطعمة وخفرتهم إلى المأمن. فلما ظفر بي الخليفة وحبسني بسر من رأى دخل على السجان يومًا، فقال إن بالباب امرأتين من أهلك يريدان الدخول عليك، ولولا أن دفعتا إلي دملج ذهب ما أذنت لهما، فقد منع الخليفة أن يدخل عليك أحد.
فخرجت فإذا أنا بها مع امرأة وجارية تحمل شيئًا، فلما بصرت بي قالت أي والله هو، وبكت لما أنا فيه ثم قبلت قدمي وقالت لو استطعت أن أفديك بنفسي لفعلت، ولكني لا أقصر في خلاصك ودونك هذه النفقة، ورسولي يأتيك في كل يوم بما تريد حتى يفرج الله عنك، ودفعت إلي خمسمائة دينار وثيابًا وطيبًا وطعامًا، وانصرفت وقد أضرمت بقلبي نار أقدحتها النظرة الأولى، فأنشدت:
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه وتشعبت بشعابه أشجانه
وبدا له من بعدما اندمل الهوى برق تألق موهنًا لمعانه
يبدوا كحاشية الرداء ودونه صعب الذرى متمنعًا أركانه
فبدا لينظر أين لاح فلم يطق نظرا إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه والماء ما سحت به أجفانه
يا قلب لا يذهب بحلمك باخل بالنيل باذل تافه منانه
واقنع بما قسم الاله فأمره ما لا يزال على الفتى اتيانه
والبؤس ماض لا يدوم كما مضى عصر النعيم وزال عنك أوانه
ولم يزل رسولها يعاودني بالإحسان وملاطفة السجان إلى أن خرجت وعظم أمري عند الخليفة، فخطبتها فامتنع فكان سجن هواها أعظم علي من السجن فلم أر إلا أن أتيت إبراهيم بن المقتدر فأخبرته بذلك وكان أبوها صنيعته، فركب إليه فلم يفارقه حتى زوجني بها ولابن صالح فيها وفي إبراهيم مدائح كثيرة تركتها.