وفيه خمسة أقسام الأول فيمن اشتهرت سيرته وظهرت في الحب سريرته قد تقدم في أحوال العشق أنه من الأحوال القديمة حتى ورد فيه ما سمعت من الأخبار والآثار وغالب ما يكون من قبل النساء حتى قال بعض العارفين وأظنه الجنيد كما أن النساء حبائل الشيطان فهن حبائل العرفان إذ قد يتوصل العاقل من عشقهن إلى معرفة مبدعهن لأن المقدمات الصريحة تنتج الأغراض الصحيح وبالحري من أمعن النظر في مخلوق زائل ترقى عند معرفة غايته إلى دائم فاعل وهذا مثل قولهم الرياء قنطرة الاخلاص.
عن ابن عباس قال لما عتقت بريرة وكان زوجها حبشيًا وفي رواية اسود وخيرت فاختارت الفسخ جعل يطوف في المدينة باكيًا يترضاها فقال لها رسول الله ﷺ لو تزوجته فقالت إن أمرتني بذلك فقال لا آمرك ولكني شفيع وقد أخرج القصة البخاري، وفي تتمة ذيل الأماني للقالي عن ابن الأنباري قال دخلت على إبراهيم بن محمد وقد سامته جاريه له البيع فأجابها وكان يحبها فأنشد:
أبت الغداة بوصلها غدّار فدموع عينك لا تجف غزار
واستبدلت بك صاحبًا ومؤانسًا وكذا الغواني وصلهن معار
وكان ابن عباس يومًا جالسًا بفناء الكعبة إذ وضع بين يديه شخص قد حمله إلى الكعبة يستشفعون له فكشف عنه فأنشد:
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنّ ما أبقى حشاشة ما ترى على ما ترى عود هناك صليب
فرأى رسمًا عافيًا وحسًا خافيًا وجسمًا باليًا فمكث أربعين يومًا لا يسأل الله بعد صلاته إلا المعافاة من العشق وأخرج ابن عساكر في الأمالي أن هذا المذكور عذري.
[ ١ / ٢٥ ]
وقال السيوطي في شرح الشواهد أن اسمه عروة بن قيس وأنه ولع بجارية من العرب فزوجوه بها بشفاعة الحسين بن علي فأقام معها مدة وكانت أمه تقسم عليه أن يفارقها وهو يقول لها أخاف تلاف نفسي فلم ترض فلما كان يوم حر شديد وقفت حافية على الرمل وأقسمت لا تزول أو يفارق عروة الجارية ففارقها رفقًا بأمه فجعل يزداد به الوجد حتى امتنع من الطعام والشراب وعاود أهلها فأبوا عليه فأقام أيامًا وحمل كما ذكر الكعبة فلم يغن عنه فلما عادوا به توفي في الطريق.
وحكي أن الأحوص بن جعفر الشاعر المشهور كان يهوى أخت زوجته ولا يفصح باسمها وفي الأمالي أن اسمها نخلة فتزوجت برجل من العرب اسمه مطر فاشتد بالأحوص الغرام فباح به وأنشد:
أإن نادى هديلًا ذات فلج مع الأشواق في فنن حمام
ظللت كأنّ دمعك درسلك هوى نسقًا وأسلمه النظام
تموت تشوّقًا طربًا وتحيا وأنت جوى بدائك مستهام
كأنك من تذكر أم حفص وحل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه تموت لها المفاصل والعظام
وإني من بلادك أم حفص سقى بلدًا تحليه الغمام
أحل النعف من أحد وأدني مساكنها الشبيكة أو سنام
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
فلا غفر الإله لمنكحيها ذنوبهم وإن صلوا وصاموا
كأن المالكين نكاح سلمي غداة يرومها مطر نيام
فإن يكن النكاح أحل شيء فإنّ نكاحها مطر احرام
فلو لم ينكحو الاكفاء لكان كفيئها الملك الهمام
فطلقها فلست لها بكفء والاعض مفرقك الحسام
وساق في المطرب الحكاية بعينها إلا أنه زاد بيتًا في الأول وهو:
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
وقال في البيت الأخير والايعل مفرقك بدل عض. وأخرج أبو الفرج الأصفهاني عن زياد بن غطفان قال كنا بباب الولاة وإذا بإعرابي ينادي من أراد أن يسمع العجائب فليدن مني فدنوت منه وإذا هو الرماح بن مالك القيسي فقلت ما عندك فقال اعلم أني علقت امرأة يقال لها أم جحدر فاتصلت بها وطال الأمر وإني عتبتها يومًا فقلت لها الوصل عليك مردود فقالت ما قضى الله فهو خير وارتحلوا عنا وطال الأمر وراجعني الشوق فنذرت مراجعتها إن دنت دارها فلما كان ذلك خرجت أتصفح احياء العرب حتى وجدت امرأتين أمام البيت في كساء فسلمت عليهما ردت إحداهن وسألت عن شأني فأخبرتها فأشارت لي بدخول بيت فدخلت وإذا الساكنة أم جحدر وقامت لتدخل إلي وإذا بغراب ينعق فتغيرت فأقسمت عليها إلا ما أخبرتني عن تغيرك فقالت إن الغراب يخبرني أن لا اجتماع ففارقتها وغدوت لما أصبح النهار فأخبرتني امرأة أخيها أن شاميًا خطبها إلى أهلها فزوجوه بها فجئت بالقرب من خبائها مترددًا أيامًا إلى أن مضى بها فكنت أنشد:
أجارتنا أن الخطوب تنوب عليّ وبعض الآمنين تصيب
أجارتنا لست الغداة ببارح ولكن مقيم ما أقام عسيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنني صبور على ريب الزمان صليب
جرى بانبتات الحبل من أم جح در ظباء وطير بالفراق نعوب
نظرت فلم أعيف وعافت وبينت لها الطير قبلي واللبيب لبيب
فقالت حرام أن نرى بعد يومنا جميعين إلا أن يلم غريب
أجارتنا صبرًا فيا رب هالك تقطع من وجد عليه قلوب
[ ١ / ٢٦ ]
وما نقله هنا من أن ابن ميادة سرق الأبيات فغير مسلم في الجميع وابن ميادة هو الرماح ابن مالك بن أبرد بن ميادة المشار إليه، والأبيات له ما عدا الأولين ولهما ثالث لم يورده والثلاثة لأمرىء القيس بن حجر الكندي ولهما حكاية عجيبة هي أنه لما قتل والده مضى إلى قيصر ملك الروم يستنصره فوعده النصر فأقام بالقسطنطينية أيامًا فرأته ابنة قيصر فعلقته وراسلته فاجتمع بها وفيها يقول الا انعم صباحًا القصيدة المشهورة وإن القصة بلغت قيصر فكره قتله جهارًا للشنعة فألبسه حلة قد دهن زيقها بالسم وأمره بالمسير فلما بلغ جبلًا يقال له عسيب يبعد عن القسطنطينية مسافتين لعب فيه السم فنزل إلى جانب قبر فلما أحس بالموت سأل عن القبر فقيل هو قبر امرأة غريبة فقال ادفنوني إلى جانبها وأنشد البيتين الأولين وبعدهما:
أجارتنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
وأما قوله فإن تسأليني هل صبرت إلى آخر الأبيات فللرماح وما ذكر من أن الثالث لجاهلي لم يعلم له ناقل وقد ساق القصة ابن هشام في شرح الدريدية وذكرها ابن عساكر في تاريخه الكبير وقوله نظرت فلم أعيف يعني لم أدرك حال الفرقة من زجر الطير المعروف عندهم بالعيافة وهو علم نفيس ولنا فيه رسائل وأخبر ابن دريد عن عمه قال عشقت حبيبة الحضرية ابن عم لها فدرى قومها فحجبوها فأنشدت:
هجرتك لما أن هجرتك أصبحت بنا شمتًا تلك العيون الكواشح
فلا يفرح الواشون بالهجر ربما أطال المحب الهجر والحب ناصح
وبعد النوى بين المحبين والهوى مع القلب مطوي عليه الجوارح
وهذا الذي ذكر من أول الباب إلى هنا كالمقدمة لهذا الباب وقد آن الشروع في مقاصده وأصدرها بأحد العشاق الأربع قال الفارسي في تنزيه النفس من لدن أدار الله الأفق على نظام التربيع حيث جعل دائرة العالم العلوي أربعة والعناصر والرياح والطبائع كذلك جعل المذاهب وطريقة الحقيقة يعني مسالك الصوفية والعشاق كذلك وكل من هذه معروف في مواضعه. فأما العشاق فجميل بثينة ومجنون ليلى وكثير عزة وقيس لبنى وهذا سر إشارة الاستاذ في التائية وغيرها إلى ما ذكر كقوله:
بها قيس لبنى هام بل كل عاشق كمجنون ليلى أو كثير عزة
وأقدم الكلام على جميل لأنه كما يقال أنسب الأربعة. وأما تقديمه في نزهة النفوس المجنون فمراعاة للأولية وجميل المذكور هو ابن عبد الله بن عامر يتصل نسبه بقضاعة.
كذا قاله مغلطاي عن أبي الفرج الأصبهاني كان شاعرًا فصيحًا منطقيًا صادق الصبابة عفيفًا منزهًا عن الرذائل عارفًا بالنسيب، روى عنه كثير وهو عن هدية ابن الخشرم عن الحطيئة عن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب المعلقة نشأ في قومه بني ربيعة بوادي القرى بين المدينة ومكة فعلق بثينة بن يحيى بن ثعلب من قومه صغيرين فلما انتشأ خطبها فرد لأن العرب كانت تستهجن إن تزوج من جرى بينهما عشق فكان يأتيها سرًا يتحادثان فعلموا به فأرادوا قتله وأنها غمزته عن ذلك فاستخفى وفي ذلك يقول:
فلو أن الغادون بثنة كلهم غيارى وكل حارب مزمع قتلى
لحاولتها أما نهارًا مجاهرًا وأما سري ليل ولو قطعت رجلى
فلما شاع ذلك شبب حواش أخو بثينة بأخت جميل وتفاخرا فغلبه جميل بشهادة العرب حتى قالوا له قل ما شئت في نفسك وأبيك وأنت الباسل الجواد ولحواش قل وأنت دونه في نفسك ويقال إن سبب عشقه بثينة أنه سرح أبله يومًا بواد البغيض وانسطح فأتت مع جوار يملأون الماء فعبثت بفصيل له فتسابا وهذا أخذ من قوله:
وأول ما قاد المودة بيننا بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولًا فجاءت بمثله لكل كلام يا بثين جواب
واستعدى أهلها عليه مروان بن هشام الحضرمي وكان واليًا من قبل عبد الملك على تيماء وقيل ربعي بن دجاجة فتوعده فمضى مستخفيًا إلى الشام وقيل إلى سيد من بني عذرة فأحسن مكانه وزين سبع بنات له رجاء أن يعلق واحدة منهن فيزوجه بها فكن يرفعن الخباء إذا أقبل جميل ففطن لذلك فأنشد:
حلفت لكيما تعلميني صادقًا وللصدق خبر في الأمور وأنجح
لتكليم يوم واحد من بثينة ورؤيتها عندي الذوا ملح
[ ١ / ٢٧ ]
من الدهر أو اخلو بكنّ وإنما أعالج قلبًا طامحًا حيث يطمح
وفي نزهة النفوس:
لرؤية يوم واحد من بثينة ألذ من الدنيا لديّ وأملح
وهو أحسن تركيبًا وأظهر في أعمال أفعل التفضيل وقوله من الدهر معمول ٣ حلفت وفي نسخة مدى الدهر وهو أحسن وأنسب فقيل الشيخ أرخين الخباء فوالله لن يفلح أبدًا يعني لا يرجع عن العشق ويدل للأول قوله:
أتاني عن مروان بالغيب أنه مقيد دمي أو قاطع من لسانيا
ففي العيش محياة وفي الأرض مهرب إذا نحن دافعنا لهن المثانيا
ويحتمل تعدد الواقعة ولما عزل عاد وقيل مما استدل به على تمكن عشقه لها وأنه لا يمكن سلوه عنها مع حكاية البنات المذكورة قوله فيما رواه الشهاب محمود في منازل الأحباب عنه:
علقت الهوى منها وليدًا فلم يزل إلى الآن ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
وللعشاق من أمثال ذلك كثير فمن ذلك قول عروة:
هواها هوى لا يعرف القلب غيره فليس له قبل وليس له بعد
وقول المجنون:
ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلي بأخرى غيرها فإذا التي تسلي بها تغري بليلى ولا تسلي
وأعظم ما قيل في هذا المعنى واسجم وألطف وأرق وأصنع وأمنع قول الاستاذ ﵀:
حديثي قديم في هواها وماله كما علمت بعد وليس له قبل
فإنه قد جمع معاني الأبيات المذكورة الصناعات البديعية من المقابلة الضدية والطرفية ولعمري أنها لم تجتمع لغيره فيما نعلم وعن مغلطاي عن أبي الفرج وشت جارية بجميل وبثينة إلى أبيها وأنه الليلة عنها فأتى وأخوها مشتملين معتمدين سيفيهما لقتله فسمعاه يقول لها بعد شكوى شغفه بها هل لك في طف، ما بي بما يفعل المتحابان فقالت قد كنت عندي بعيدًا من هذا ولو عدت إليه لن ترى وجهي أبدًا فضحك ثم قال والله ما قلته إلا اختبارًا ولو أجبت إليه لضربتك بسيفي هذا إن استطعت وإلا هجرتك أما سمعت قولي:
وإني لأرض من بثينة بالذي لو أبصره الواشي لقرّت بلابله
بلى وبأن لا أستطيع وبالمنى وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي أواخره لا نلتقي وأوائله
فقالا لا ينبغي لنا إيذاء من هذه حالته ولا منع التزاور وانصرفا وسأل عبد الملك يومًا كثيرًا عن حال جميل وبثينة فقال يا أمير المؤمنين سايرته يومًا إليها فلما وصلنا بالقرب منهم أقبلت مع نسوة فلما رأينه ولين ووقفا يتحادثان من أول الليل حتى طلع الفجر ثم قالت حين أزمعا الفراق ادن مني فدنا فأسرت إليه فخر مغشيًا عليه فلما أفاق أنشد:
فما ماء مزن في جبال منيفة ولا ما أكنت في معادنها النحل
بأشهى من القول الذي قلت بعدما تمكن في حيزوم ناقتي الرحل
وعن كثير قال سألني جميل أخذ موعد من بثينة فقلت هل بينكما موعد قال بوادي الدوم وهي تغسل الثياب فجئت أباها وهو جالس فحادثته قليلًا ثم أنشدته:
وقلت لها يا عز أرسل صاحبي على نأي دار والموكل مرسل
فإن تجعلي بيني وبينك موعدًا وإن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهد منك يوم لقيتني بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فضربت سجاف البيت وقالت اخسأ فقال أبوها ما هذا فهذا كلب يأتينا من وراء هذه الرابية إذا نام الناس فمضيت وأخبرته فأقبل حتى اجتمعا ليلة وسارته كما سلف إلا أنه أنشد البيتين عند إفاقته لم يغير فيهما غير أن قال: نما مكفهر في مجامر جنة. ولا ما أسرت وعن مغلطاي قال دخلت بثينة على عبد الملك وقد أخلقها الدهر فقال لها ما الذي رأى فيك جميل حتى عشقك فقالت ما رأي فيك الناس حتى ولوك الخلافة فضحك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها ودخل مصعب بن الزبير يومًا على زوجته عائشة بنت طلحة وكان شغفها بها فوجدها تتمشط فتمثل بهذا البيت:
ما أنس لا أنس منها نظرة عرضت بالحجر يوم جلتها أم منظور
[ ١ / ٢٨ ]
فقيل له إن أم منظور المشار إليها في هذا البيت موجودة فاستحضرها واستحكاها عن سبب قول جميل هذا البيت فقالت كنت ماشطة لبثينة وإني زينتها يومًا فأقبل على بعير مارًا فرآها بمؤخر عينيه فأنشد البيت فأمرها مصعب أن تصنع بعائشة كذلك وصنع هو كجميل وله فيها من الأشعار ما لا يحصى ما بين وصف ونسيب وذكر حكاية إلى غير ذلك فمن مستجادها اللامية التي أنشدها لعمر بن أبي ربيعة وكان من أجل معاصريه في الشعر لقيه يومًا فتفاخر واستنشده جميل فأنشد:
ألم تسأل الأطلال والمتربعا ببطن خليات دوارس بلقعا
أتانا رسول من ثلاث كواعب ورائقة تستجمع الحسن أجمعا
فلما توقفنا وسلمت أقبلت وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني وقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا
وقرّبن أسباب الهوى لمتيم يقيس ذراعًا كلما قسن أصبعا
فقلت لمطريهنّ بالحسن إنما ضررت فهل تستطيع نفعًا فتنفعا
فأنشده جميل أثر هذه القصيد قصيدته المشهورة التي أولها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلًا يا جميل وإنني لاقسم مالي عن بثينة من مهل
أحلمًا فقبل اليوم كان أوانه وأخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل
ومنها:
إذا ما تناشدنا الذي كان بيننا جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة إلى ألفه فاستعجلت عبرة قبلي
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلًا بكى من حب قاتله قبلي
ومنها بيتان أنشدهما وقد مر به رجل فأضافه فريدًا فجعل يأكل ويبث وجدًا به على ابنة عمه حتى أتى عليه وهما:
ويعجبني من جعفر أنّ جعفرًا يلح على قرصي ويبكي على جمل
فلو كنت عذريّ العلاقة لم تكن بطينًا وأنساك الهوى كثرة الأكل
ولما أنشد جميل هذه القصيدة قال لعمر يا أبا الخطاب هل لك في هذا الرومي شيء قال نعم وأنشد:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينها فقربني يوم الخضاب إلى قتلي
وطارت بوجد من فؤادي ونازعت قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فما أنس ما الأشياء لا أنس موقفي وموقفها يومًا بقارعة النخل
فلما تواقفنا عرفت الذي بها كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
ومنها:
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى عدوّي بكائي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقب ولكنّ سري ليس يحمله مثلي
وقيل أن جميلًا لم ينشده في هذه المرة شيئًا بل قال له امض بنا إلى بثينة فقال له قد حجر علي فقال داني على أبياتها ففعل ومضى عمر فاجتمع بها ثم عاد ثانية وتلاقيا فأنشد جميل رائيته وهي:
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلما على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة شكرتكما حتى أغيب في قبري
وإنكما إن لم تعوجا فإنني سأصرف وجدي فأذنا اليوم بالهجر
وما لي لا أبكي وفي الأيك نائح وقد فارقتني شختة الكشح والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد ألفه واصبر ما لي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجنّ بذكرها فأقسم ما بي من جنون ولا سحر
واقسم لا أنساك ما ذرّ شارق وما هب آل في معلمة قفر
وما لاح نجم في السماء معلق وما أورق الأغصان من ورق السدر
لقد شغفت نفسي بثين بذكركم كما شغف المجنون يا بثن بالخمر
ذكرت مقامي ليلة البان قابضًا على كف حوراء المدامع كالبدر
[ ١ / ٢٩ ]
فكدت ولم أملك إليها صبابة أهيم وفاض الدمع مني على النحر
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة فيعلم ربي عند ذلك ما شكري
ولو سألت مني حياتي بذلتها وجدت بها إن كان ذلك من أمري
فلما سمعها عمر أعجب بها ثم قال لجميل دونك هذه وأنشد:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
ومنها:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه وروّح رعيان ونوّم سمر
فحييت إذ فاجأتها فتولهت وكادت بمكتوم التحية تجهر
وقالت وعضت بالبنان فضحتني وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
أريتك أذهنًا عليك ألم تخف رقيبًا وحولي من عدوّك حضر
فوالله ما أدرى التعجيل حاجة أتى بك أم قد نام ما كنت تحذر
فقلت لها بل قادني الشوق والهوى إليك وما عين من الناس تنظر
فيا لك من ملقى هناك ومجلس لنا لم يكدّره علينا مكدّر
يمج ذكاء المسك منها مفلج رقيق الحواشي ذو غروب مؤشر
يرق إذا تفترّ عنه كأنه حصا برد أو أقحوان منوّر
وترنو بعينيها إليّ كما رنا إلى زرنب وسط الخميلة جؤذر
فلما تولى الليل إلا أقبله وكادت توالى نجمه تتغوّر
أشارت بأن القوم قد كان منهم هبوب ولكن موعد لك عزوز
فما راعني إلا منادٍ برحلة وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تنوّر منهم وإيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت أباديهم فأما أفوتهم وأما ينال السيف ثأرًا فيثأر
فقالت أتحقيق لما قال كاشح علينا وتصديق لما كان يؤثر
إذا كان ما لا بد منه فغيره من الأمر أدنى للخفاء وأستر
أقص على أختيّ بدء حديثنا وما لي عما يعلما متأخر
لعلهما أن ينعتا لك حيلة وأن يرحبا صدرًا بما كنت أحصر
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا أقلى عليك الخطب فالأمر أيسر
يقوم فيمشي بيننا متسترًا فلا سرّنا يفشو ولا هو يظهر
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فلما أنخنا ساحة الحيّ قلن لي ألم تثق الأعداء والليل مقمر
وقلنا أهذا دأبك الدهر سادرًا أما تنتهي أو ترعوي أو تفكر
وقد أنشد عمر هذه القصيدة لعبد الله بن عباس بحضرة نافع بن الأزرق واتفق أهل ذلك العصر على أنه ليس أحد أشعر من جميل وابن أبي ربيعة، وكان جميل يثني على ابن أبي ربيعة كثيرًا وكان الناس يقولون في عينيته أشعر وجميل في لاميته والذي يظهر أن جميلًا أشعر مطلقًا عند التأمل، ومن أشعار جميل أيضًا قوله:
ألا ليت أيام الصفاء جديد ودهرًا تولى يا بثين يعود
فنبقى كما كنا نكون وأنتم صديق وإذ ما تبدلين زهيد
وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها وقد قربت نحوي أمصر تريد
ولا قولها لولا العيون التي ترى أتيتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما أخفي من الوجد ظاهر ودمعي بما أخفى الفؤاد شهيد
ألا قد أرى الله لا ربّ غيره إذا الدار شطت بيننا سنرود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي من الحبّ قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فما ذكر الخلان إلا ذكرتها ولا البخل إلا قلت سوف تجود
فلا أنا مردود بما جئت طالبًا ولا حبها فيما يبيد يبيد
[ ١ / ٣٠ ]
جزتك الجوازي يا بثين سلامة إذا ما خليل بان وهو حميد
وقلت له بيني وبينك فاعلمي من الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيبكم طريفًا وتالدًا وما الحب إلا طارف وتليد
وإنّ عروض الوصل بيني وبينها وإن سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظار نوالها وأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها يدوف لهم سما طمائم سود
وليتهم في كل ممسى وشارق تضاعف أكبال لهم وقيود
ويحسب نسوان من الجهل أنني إذا جئت إياهنّ كنت أريد
فأقسم طرفي بينهنّ فيستوي وفي الصدر بون بينهنّ بعيد
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بوادي القرى إني إذًا لسعيد
وهل أهبطن أرضًا تظل رياحها لها بالثنايا الثاويات وئيد
وهل القين سعدي من الدهر مرة وما من حبل الوصال حديد
فقد تلتقي الأهواء من بعد يأسها وقد تطلب الحاجات وهي بعيد
وهل ازجرن حرفًا علاة شملة بخرق تباريها سواهم قود
على ظهر سرحوب كأن نسوره إذا حار هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربرب وصدر حكى لون اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتها مباهية طيّ الوشاح ميود
إذا جئتها يومًا من الدهر زائرًا تعرّض منقوص اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتني ذنوبًا علينا إنه لعنود
فاصرمها خوفًا كأني مجانب ويغفل عنا مرّة فنعود
فمن يعط في الدنيا قرينًا كمثلها فذلك في عيش الحياة رشيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعود
يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكل حديت بينهنّ بشاشة وكل قتيل بينهنّ شهيد
إذ فكرت قالت أدركت ودّه وما ضرّني بخلي ففيم أجود
ومن كان في حبي بثينة يمتري فبقاء ذي ضال عليّ شهيد
ألم تعلمي يا أم ذا الودع إنني أضاحك ذكراكم وأنت صلود
ومما كان يلهج بهذه القصيدة لرصانتها ولطفها معبد وكان من أشهر الناس بالدخول وضرب العود والغناء والغريض، وكان أعظم منه حكى عنه في الأغاني إن الجن افتتنت به فأخرجوه إلى مكة فأقام بها لا يفتح بابه وإن معبدًا أراد الاجتماع فقصده وأقام يطرق الباب فلم يجب فهجس له أنه لا يخرجه إلا الغناء فأنشد علقت الهوى منها وليدًا البيت فلم يشعر إلا وقد فتح الباب وأذن له فدخل عليه فتحادثا وأنشده: وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها إلى خمسة أبيات ثم قال إنما غنيتك ذلك لأني علمت أنك تريد أن أغنيك:
وما أنس ما الأشياء لا أنس شادنًا بمكة مكحول لا أسيلا مدامعه
[ ١ / ٣١ ]
وإن الجن قد نهتني عنه، قال معبد فقلت لم تعد ما أريد ثم فارقته حين رأيته يستثقل المجالسة وطلبت أن يكمل لي السرور بأن أضم إلى اجتماعي به اجتماعي بمن رأى جميلًا لا آخذ عنه القصيدة فنعت لي شيخ في بني عذرة فجئته فسألته عن جميل فحدث أنه كان في إبل له وإذا رجل غشاه فنزل به فلما ائتلفا قال له هل لك أن تصع معي من الخير ما لو كانت لك الدنيا ذهبًا وأنفقتها علي لم تبلغ معشاره قلت وما هذا قال تمضي إلى وراء السفح فتنشد لي بكرة صفتها كذا قلت نعم ومضيت فوجدت العرب مجتمعين على جزور ينحر فاستطلعتهم عنها ثم استأذنتهم في البيوت وقلت لهم إن النساء أدرى بالمارة فأذنوا فانصرفت اتصفح الحي إلى أن أحتدم النهار ولم أظفر بطلبة وإذا أنا بثلاث بنات فقلن لا أنصرف إليه وأدع هذا اليسير فجئتهن فسلمت فرددن ثم استنشدتهن البكرة فقالت إحداهن قد أصبت حاجتك ثم أدخلتني بيتًا وأتتني بقدح مفضض فيه تمر وصحفة شامية مفضضة فيها لبن فتناولت كفايتي ثم قالت إن بكرتك تأتي هذه الشجرة فتطوف بها الليل فرجعت إليه وحدثته القصة فابتهج كالذي أصاب بغيته وأنا لا أدري.
فلما جاء الليل وآنس أن قد نمت عمد إلى رحله فاستخرج بردين ملوكيين من برود الخلافة فأتزر بأحدهما واتشح بالآخر ومضى فتبعته بحيث لم يشعر حتى تلاقيا فلم يكن بينهما إلا ما يرضي الوشاة إلى أن رأيا الصبح فلما أزمعا الفراق سبقته ونمت وجاء فصلى ثم نبهني وهو مسرور فأكل معي وشرب ثم أخبرني أنه جميل وأنها بثينة ثم أعطاني بردًا واعتذر وودعني بعد أن قال هل لك أن تمضي فتنشدها أبياتًا قلتها بعد منصرفي عنها قلت نعم فانشدني وما أنس ما الأشياء الأبيات الخمسة فمضيت إليها فقلت قد جئت بالأمس طالبًا واليوم مسلمًا وذكرت تناءه ووجدت ثم قلت هل أنت بارزة إلي قالت نعم فسمعت جارية تقول لها يا بثينة إن عليه برد جميل ثم خرجت في زنية وقالت يا أخا تميم إن بردك لا يشبه ما عليك واستخرجت ملاءة مصبغة بالعصفر وأقسمت أن أتشح بها ففعلت وأنشدتها ما قال ورجعت بملحفة بثينة وبرد جميل وحكي الشيخ لمعبد أن جميلًا لما اجتمع ببثينة قالت له هل قلت شيئًا فأنشدها:
علقت الهوى منها وليدًا ولم يزل إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظاري نوالها وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
قال معبد فرجعت جذلان بما اجتمع لي مما طلبت، وعن أبي زيد حين قرئت عليه هذه القصيدة أن هذين البيتين يليهما قوله فلا أنا مردود البيت وفي نسخة أن قوله فما أنس ما الأشياء بعد قوله فما أنا مردود ومنه برواية مغلطاي:
وكأن طارقها على علل الكرى والنجم وهنًا قد دنا التعوّر
نشوان ريح مدامة معلولة بذكيّ مسك أو سحيق العنبر
إني لأحفظ غيبكم ويسرني لو تعلمين بصالح أن تذكري
ويكون يومًا لا أرى لك مرسلًا أو نلتقي فيه عليّ كأشهر
يا ليتني أخشى المنية بغتة إن كان يوم لقائكم لم يقدر
لو أستطيع تجلدًا عن ذكركم فأفيق بعد صبابتي وتفكري
لو تعلمين بما أجن من الهوى لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري
فلتبكين الباكيات ولم أبح يومًا بسرك معلنًا لم أغدر
ومنه:
منع النوم شدة الاشتياق وادكار الحبيب يوم الفراق
ليت شعري إذا بثينة بانت هل لنا بعد بينها من تلاق
ولقد قلت يوم نادى المنادي مستحثًا برحلة وانطلاق
ليت لي اليوم يا بثينة منكم مجلسًا للوداع قبل الفراق
حيث ما كنتم وكنت فإني غير ناس للعهد والميثاق
[ ١ / ٣٢ ]
وعن ابن عياش قال لقيت عجوزًا من بني عذرة فقلت لها هل تروي شيئًا عن جميل ومحبوبته قالت نعم كنت يومًا وبثينة قد انفردت تبرم غزلًا والعرب قد اعتزلت الطريق خوف المارة إلى الشام وإذا برجل قد أقبل إلينا فاستثبتناه فإذا هو جميل فقلت له قد عرضتنا ونفسك شرًا فمن أين جئت، قال من هذه الهضبة ولي بها ثلاثة أنتظر الفرصة لاحدث بكم عهدًا فإني ذاهب إلى مصر فحدثنا ساعة وهو لا يتماسك فجئته بقدح فيه تمر واقط فنال منه يسيرًا ثم ودع ومضى فلم نلبث أن جاء أهل الحي ومنه:
أرى كل معشوقين غيري وغيرها يلدان في الدنيا ويغتبطان
وأمشي وتمشي في البلاد كأننا أسيران للأعداء مرتهنان
أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها لي الويل مما يكتب الملكان
ضمنت لها أن لا أهيم بغيرها وقد وثقت مني بغير ضمان
ألا يا عباد الله قوموا لتسمعوا خصومة معشوقين يختصمان
وفي كل عام يستجدان مرة عتابًا وهجرًا ثم يصطلحان
يعيشان في الدنيا غريبين أينما أقاما وفي الأعوام يلتقيان
وعن سهل الساعدي قال: قال لي رجل هل تعود جميلًا فإنه مريض، فدخلنا عليه فإذا هو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمرًا ولم يسفك دمًا ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله منذ خمسين سنة. قلت من هذا فإني أظنه ناج قال أنا قلت عجيب منك تشبب ببثينة هذه المدة وأنت كذلك. قال أنا في آخر يوم من الدنيا لأنالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها بريبة وأكثر ما كان مني أن أسند يدها إلى فؤادي أستريح ساعة ثم أغمي عليه فلما أفاق أنشد:
صرح النعي وما كني بجميل وثوى بمصر ثواء غير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل وابكي خليلك دون كلّ خليل
ولما حضرته الوفاة قال من ينعاني إلى بثينة قال رجل أنا فأعطاه حلته فراح حتى جاء الحي فأنشد:
بكر النعي وما كني بجميل وثوى بمصر ثواء غير قفول
بكر النعي بفارس ذي همة بطل إذا حمّ اللقاء مذيل
فسمعته بثينة فخرجت مكشوفة تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر إذا مت بأساء الحياة ولينها
ثم قالت للناعي يا هذا إن كنت صادقًا فقد قتلتني وإن كنت كاذبًا فقد فضحتني فقلت لها والله إني لصادق وأخرجت الحلة فلما رأتها صرخت وصكت وجهها وأقبل النساء يبكين معها حتى خرت مغشيًا عليها، ثم أفاقت وأنشدت وإن سلوي البيتين فلم سمع منها غيرهما حتى قضت.