قال صحبنا شاب فكان لا يلهج إلا بهذه الأبيات:
الا إنما التقوى ركائب ادلجت وأدركت الساري بليل فلم ينم
وفي صحبة التقوى غناء وثروة وفي صحبة الأهواء ذل مع العدم
فلا تصحب الأهواء واهجر محبها وكن للتقي الفاتكن في الهوى علم
فسألناه لمن الأبيات قال لأخ لي كنت أحبه شديدًا ولم أر أمزح منه مع التقوى، فسألته: الدنيا تلهج بهذه أم لأخرى، فقال لأمر لا أخبرك به حتى ينفذ من يدي.
ودام على ذلك حتى لزم الفراش فكانت الأطباء تختلف إليه ولم تؤثر معه شيئًا وكان يصرخ الليل كله فأجمعنا على أن ندعه وشأنه، فكان يجلس نهاره على الباب، وكلما مر به شخص يسأله إلى أين يذهب فيقول إلى موضع كذا فيقول لو مررت على من نريد لحملناك حاجة، فقال له صاحب له أنا مار حيث تريد فقال:
تقر السلام على الحبيب تحية وتبثه بتطاول الأسقام
وتفيده أنّ التقى ذم الهوى لما غدا مستغولًا بزمام
قال نعم، فلما كان بأسرع من أن رجع، فقال بلغتهم رسالتك فقالوا:
لئن كان تقوى الله ذمتك أن تنل أمور أنهى عنها بنهي حرام
فزرنا لنقضي من حديث لبانة ونشفي نفوسًا آذنت بسقام
قال فوثب قائمًا ثم أنشد يقول:
سأقبل من هذا وفيه لذي الهوى شفاء وقد يسلو الفتى جد وامق
إذا اليأس حل القلب لم ينفع البكى وهل ينفع المعشوق دمعة عاشق
قال ومضى، فقمت خلفه وحدي حتى أتى منزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين، وكانت له ابنة من أجمل النساء، فوقف على الباب وقال:
فها أنا قد جئت أشكو صبابتي وأخبركم عما لقيت من الحب
وأظهر تسليمًا عليكم لتعلموا بأنّ وصولي ثم ذا منكم حسبي
قال فلما فهمت القصة وخشيت أن يظهر أمره قلت له ما جلوسك على باب القوم ولم يأذنوا لك، قال بلى قلت كيف وهم يقولون:
[ ١ / ٩٠ ]
بالله ربك لا تمر ببابنا أنا نخاف مقالة الحساد
فقال يا صالح أقد قالوا هذا؟ قلت نعم، فجعل يهذي ويقول:
إن كان قد كرهو زيارة عاشق فلرب معشوق يزور العاشقا
ثم رجع فلزم الوساد حتى مات.