قال ابن عساكر وكان من فرسان العرب وحماتها وكرمائها وشجعانها، وان جده النعمان صاحب الخورنق هو الذي كفله حين مات أبوه وهو صغير فلما زهد النعمان في الملك كما هو مشهور، ضاع أمر الغلام. قال في الشامات فأخذه عمه أبو النجاد، فلما بلغ عنده وكان له بنت تعرف بالعقيلة، وهي من أجمل نساء العرب وأعلمهن بالأدب وأحوال العرب أيامًا ووقائع، فعلقت نفس عمر بها واشتد ولوعه وزاد غرامه، خطبها إلى عمه فطلب منه مهرًا يعجز عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى ابرويز بن كسرى، لما كان بين جدودهما من الوصلة.
فلما ذهب في الطريق مر بعراف، فبات عنده فاستعلم منه الأمر، فأخبره أنه ساع فيما لا يدرك، فعاد فوجد عمه قد زوج العقيلة لفزاري، فهام على وجهه إلى اليمامة، فلما بنى بها الفزاري وكان عندها من العشق لعمرو أضعاف ما عنده لها فكانت تشد الفزاري إذا جن الليل إلى كسر البيت وتبيت في الخدر، فإذا أصبح الصبح تطلقه فيستحي أن يخبر العرب بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلة.
فلما كثر توبيخ العرب له واختلاف ظنونهم به، خرج لا يدري أين ذهب، وأقامت العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل مما يمسك الرمق ودأبها البكاء على عمرو وهو كذلك ولم يمكنهما الاجتماع قال الغريابي في عجيب الانفاق في تطابق أحوال القامة فمرض عمرو مرضًا كاد أن يأتي على نفسه فكان لا يرى إلا شاخصًا إلى السماء متمسكًا بسبب قد علقه بيديه من العشاء إلى الصباح وهو ينشد:
إذا جن ليلى فاضت العين أدمعا على الخد كالغدران أو كالسحائب
أودّ طلوع الفجر والليل قائل لقد شدت الأفلاك بعد الكواكب
فما أسفي إلا على ذوب مهجتي ولم أدر يومًا كيف حال الحبائب
فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقه فوجده غاصًا بالضحك مستبشرًا، فسأله فقال:
لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقي ويبدل بعد بيننا بتداني
فقد آن للدهر الخؤون بانه لتأليف ما قد كان يلتثمان
ثم شهق شهقة فاضت نفسه فيها، قال الفريابي فضبط اليوم الذي مات فيه فوجد موت عقيلة في ذلك اليوم أيضًا.
وأخرج المصنف عن ابن دريد عن الفرزدق، قال خرجت في طلب غلام آبق، فلما صرت على ماء لبني حنيفة جاءت السماء بالأمطار فلجأت إلى بيت من جريد النخل فيه جارية سوداء، فأنزلتني فلم ألبث إلا ريثما أخذت الراحة وقد دخلت لي جارية كأنها القمر، فحيت ثم قالت ممن الرجل قلت تميمي. قالت من أيها قبيلة، قلت من نهشل بن غالب، فقالت إذًا أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول
بيتًا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
قلت نعم، قالت قد هدمه جرير بقوله:
أخزى الذين سمك السماء مجاشعًا وأحل بيتك بالحضيض الأوهد
قال فأعجبتني فلما رأت ذلك في عيني قالت أين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت:
[ ١ / ٨٥ ]
تذكرت اليمامة أن ذكرى بها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقي المليك أجش جونًا تجود بصحة تلك اليمامه
أحيى بالسلام أبا نجيد فأهل للتحية والسلامه
قال فأنست بها فقلت أذات خدر أم ذات بعل فقالت:
إذا رقد النيام فإن عمرًا تؤرقه الهموم على الصباح
تقطع قلبه الذكرى وقلبي فلا هو بالخلى ولا بصاح
سقى الله اليمامة دار قوم بها عمرو يحن إلى الرواح
فقلت لها من عمرو فأنشدت:
إذا رقد النيام فإن عمرًا هو القمر المنير المستنير
وما لي في التبعل من براح وإن ردّ التبعل لي أسير
ثم سكتت كأنها تسمع كلامًا ثم أنشأت تقول:
يخيل لي أبا كعب بن عمرو بأنك قد حملت على سرير
فإن يك هكذا يا عمرو إني مبكرة عليك إلى القبور
ثم شهقة شهقة فماتت.