قالت ضلت لي ابل فطلبتها في قضاعة حتى إذا دهمني الليل أمسيت في بيت تفرست أن كفؤ للضيف فناديت أهله فلبتني امرأة كالشمس جمالًا، وقالت انزل على الرحب، وأجلستني عند نار فاصطليت وأتتني بعشاء كثير فأكلت وهي تحادثني وإذا ابل كثيرة قد أقبلت إلى البيت وقد أقبل شخص فبادرت إليه ومعها ولد تلاعبه فتناوله وجعل يلثمه وأنا أظنه عبدًا لقباحته حتى جلس إلى جانبها فقال لها ممن الضيف قالت أسدي فعلمت أنه زوجها، فجعلت أتأمل ما بينهما من المباينة ففطن لذلك فقال كأنك تعجب منا قلت إي والله وأي العجب قال أحدثك بوصولها إلي قلت ما أشوقني إلى ذلك قال أعلم إني كنت سابع سبعة أخوة إذا رأيتني ظننتني عبدهم وكانوا يطرحوني للرعي ونحوهن فضل لنا بعير فقالوا امض في طلبه، فقلت ما أنصفتموني فقال أبي اذهب يا لكع وإلا جعلته آخر أيامك وتهددني بالضرب فمضيت وأنا على أسوأ حالة من البرد والجوع، فدفعني المساء إلى عجوز عليها سمة الخير والشرف، وإلى جانبها هذه العزبة، فجعلت تسخر بي وتقول: هل لك إذا نام الناس أن تدخل علي فأتحدث معك فإني لم أر أحسن منك فقلت دعيني من هذا، وأقبل أبوها واخوتها سبعة فناموا بإزاء الخيمة فأغراني الشبع والدفء فدخلت الستر، فلما شعرت بي قالت من تكون؟ قلت الضيف، قالت أخرج لا حياك الله ولا صبحك، فخرجت فزعًا، فتلقاني كلبهم يريد أن يأكلني وأنا أرده بعصاي حتى علق بجبة صوف علي فتجاذبنا حتى سقطت أنا وإياه في حفرة لا ماء فيها وكانت الصبية شعرت بذلك فأقبلت حتى إذا بصرت بي قالت: وددت والله أن أجعلها قبرك لولا خشية الضرر، ثم أدلت لي حبلًا وقالت لي أرق، فحين قاربت فم الحفرة انهارت من تحت أقدامها، فسقطنا جميعًا.
فلما كان الصباح وافتقدوها فلم يجدوها وكان أبوها عارفًا بما حصل فأقبلوا بالسيوف والأحجار على قتلنا. فقال أبوها إني لاعرف من ابنتي ما لا ريبة فيه، فأمسكونا وأخرجونا فأقبل علي أبوها فقال أفيك خير لأزوجك بها اتقاء الشهرة، فقلت حين شممت الحياة وهل عندي إلا الخير، فزوجني بها على خمسين بكرة وأمة وعبدًا، ورجعت إلى أبي فأخبرته بذلك فأحضرها وأقبلت بها إليهم فأخذوها وبنيت بها وها هي تسمع ما أقول.
ومن الصنف الثاني ما حكى عن علي ﵁ أنه كان له مؤذن شاب وكان عنده جارية، وكان إذا رآها المؤذن يقول لها إني أحبك فأخبرت عليًا بذلك فقال لها قولي له وأنا أيضًا أحبك، فماذا تريد؟ فقالت له ذلك فقال إذًا نصبر حتى يوفينا أجورنا من يوفي الصابرين أجرهم. ومضت وأخبرت عليًا فدعا به وزوجه منها.
[ ١ / ١٠٦ ]
وحكى عن عبد الله بن جعفر أنه كان يحب جارية فبلغه أنها تهوى عبدًا من عبيده، فقال لها في ذلك فقالت أعيذك بالله من هذا فأقسم عليها أن تصدقه فأطرقت ساكتة فزوجها منه ثم داخله من حبها ما كاد أن يذهب عقله، فدعا الغلام فقال له هل تنزل عنها بعشرة آلاف درهم. فقال ولا مائة ألف. فقال بارك الله لك فيها، فلم يكن إلا قليل ومات العبد فأعادها ابن جعفر، وقيل أنه حين دخل بها أنشد:
رضيت بحكم الله في كل أمره وسلمت أمر الله فيه كما مضى
بلاني وأبلاني بحب دنية وصبرني حتى انمحى الحب فانقضى
لعمري ما حب بحب ملالة ولا كان حبي زائلًا فتنقضا
ولكن حبي معه دل يزينه ويعرض أحيانًا إذا الحب أعرضا
حكى الرياشي قال اشترى بصري جارية على أرفع ما يكون من الجمال والفصاحة، فكلف بها وكان مثريًا، فأنفق عليها ما في يده حتى إذا أملق ولم يبق معه شيء أشارت عليه ببيعها شفقة عليه.
فلما حضر بها السوق أخذت إلى ابن معمرة، وكان عاملًا على البصرة، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت:
هنيئًا لك المال الذي قد حويته ولم يبق في كفي غير التذكر
أقول لنفسي وهي في غشى كرية أقلى فقد بان الحبيب أو أكثرى
إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ولم تجدي شيئًا سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء مولاها وأنشد:
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري
أروح بهم في الفؤاد مبرح أناجي به قلبًا طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر للبصري خذها ولك المال فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سببًا لفرقة محبين.
وحكى عن ابن دأب أنه مرض مرضًا شديدًا وطال به الأمر فدعوا له أطباء الروم فعالجوه بضروب من العلاج فلم يؤثر فيه شيء فأمروا أهله أن يوكلوا به امرأة تسقيه من الخمر دون السكر لعله يبوح بما عنده، فأرسل إليه عمه جارية، فلما سقته وغنت عنده، أنشد يخاطب الجارية المغنية وحاضنة كانت له يقول:
دعوني لما بي وانهضوا في كلاءة من الله قد أيقنت أني لست باقيا
وإذ قد دنا موتي وحانت منيتي وقد جلبت عيني إليّ الدواهيا
أموت بشوق في فؤاد مبرح فيا ويح نفسي من به مثل ما بيا
فأعلموا عمه بذلك فرحمه، وبعث إليه بجارية ظريفة كثيرة الأدب فاستخرجت ما عنده بلطف، فأخبرها أنه رأى جارية أخته في نومه فعشقها وأصابه هذا الحال، فأعلمت أخته فوهبت له الجارية فبرىء من علته.
وحكى رجل، قال عشق عبد أسود لصديق لي بالمدينة جارية لرجل أيضًا، وكان يواصلها سرًا، فلما علم مولاها جاء إلى مولى العبد فأخبره بذلك فضرب العبد وسجنهن فتوله وطار عقله فدخلت عليه يومًا فقلت له ما هذا الحال قد فضحتنا بهذه السوداء فهل عندها ما عندك فبكى وأنشد:
كلانا سواء في الهوى غير أنها تجلد أحيانًا وما بي تجلد
نخاف وعيد الكاشحين وإنما جنوني عليها حين أنهي وأوعد
فخرجت وأعلمت مولاه فحلف لا يبيتن حتى يجمع بينهما فاشتراها باثني عشر دينارًا وزوجها منه.
وحكى عن ابن جعفر أيضًا أن أحب جارية عنده اسمها عمارة وحبًا شديدًا فكان لا يستطيع فراقها سفرًا ولا حضرًا، فقدم على معاوية سنة من السنين لأخذ حقه فزاره يزيد فغنت الجارية بحضرتهن فأخذت بمجامع قلبه وتمكن حبها من نفسه وكان ذا دهاء فكتم أمرها.
فلما أفضت إليه الخلافة استشار أهل سره في أمرها، وأنه لا يهنأ له قرار دونها. فقالوا له ابن جعفر عند الناس بمنزلة، وتعرف ما كان عليه مع أبيك، ولا نأمن عليك في ذلك، فالزم المهلة واجتهد في الحيلة فأخذ في تدبير ذلك حتى ظهر له، فأحضر رجلًا عراقيًا معروفًا بالدهاء والحيل، وأطلعه على أمره، فقال له مكني مما أريد، ولك علي أن آتيك بها، فقال لك ذلك وسترى مني ما يسرك، ثم أعطاه مالًا وثيابًا وجواهر.
[ ١ / ١٠٧ ]
وخرج العراقي كبعض التجار حتى نزل بساحة عبد الله بن جعفر وبلغه، فأحسن ملتقاه، وأخذ العراقي في التودد إليه، فأرسل إليه بقماش وجواهر وهدايا تزيد على ألف دينار وساله قبولها، فقبلها ونقله إلى خواصه، فزاد في الهدايا إلى أن صار من ندمائه.
فأحضر الجارية، فلما غنت أعجب بها العراقي حتى قال ما ظننت أن في الدنيا مثل هذه، فقال له كم تساوي عندك؟ قال الخلافة. قال عبد الله تقول ذلك لتزين لي شانها وتطلب بذلك سروري. قال يا سيدي أنا تاجر جمع الدرهم إلى الدرهم ولو بعتنيها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال قد بعتك. قال اشتريت، وقام العراقي فرحًا بما ظفر به، وبات ابن جعفر متفكرًا.
فما أصبح إلا وقد جاء العراقي بالمال، فقال له ابن جعفر أنا كنت مازحًا فقال له يا سيدي أنت تعلم أن المزح في البيع جد وهذا لا يليق بمثلك وأنت معروف بالكرم والصلات، فكيف ترضى أن يشيع عنك مثل هذا.
وطال بينهما الكلام إلى أن خدعه، فأخرجها له وهو كالمجنون لا يملك نفسه، فرحل بها من يومه، وأقام ابن جعفر حزينًا باكيًا لا يقر له قرار. فلما دخل العراقي الشام وجد يزيد قد مات، فاجتمع بولده معاوية، فقص عليه الخبر وكان صالحًا، فقال له اخرج عني بها فلا ترني وجهك.
فخرج العراقي وكان قد قال للجارية، أنا لست من رجالك، وإنما أخذتك للخليفة فاستترت فلم ير لها وجهًا، فلما قال له معاوية ما قال جاء إليها وقال قد صرت لي، ولكن استتري فإني معيدك إلى مولاك، ثم رحل بها حتى دخل على ابن جعفر.
فلما تلاقيا أخبره بالقصة وأنه لم يكن تاجرًا ولكن كان مطلوبه الجارية ليزيد وأنه حين رآه قد هلك لم ير نفسه أهلًا لها، فأعادها إليه ولم ير لها وجهًا ثم أخذها فسلمها إليه، فلما تلاقيا وتعانقا خرا مغشيين ساعه، ثم أدخلها ورفع منزلة العراقي حتى صار أعظم الناس عنده ووهب له المال، وانصرف وأقاما على ما كانا عليه.
وحكى في الأغاني عن ابن أبي مليكة عن جده، قال كان في المدينة رجل ناسك كثير العبادة، فمر يومًا بجارية تغني شعر أعشى بني قيس وهو:
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا واحتلت العود فالحدين فالفرعا
وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فهام حتى كاد أن يخرج عقله وذهب إليه عطاء وطاوس يلومانه في ذلك فأنشد:
يلومني فيك أقوام أجالسهم فما أبالي اطار اللوم أم وقعا
وسمع ابن جعفر بذلك فاشترى الجارية بأربعين ألف درهم، ثم احضر الناسك وكان الصوت الذي سمعه من الجارية بتلحين عزة الميلاء فأحضرها وقال له تحب أن تسمع الصوت من صاحبته، قال نعم فأمرها فغنت فسقط مغشيًا عليه.
فقال ابن جعفر قد أثمنا فيه الماء الماء، فأتى بالماء فجعل ينضحه حتى أفاق، فقال له اسمعه من الجارية، قال قد رأيت ما وقع لي منه مع من لا أحبها فكيف منها فقلل أتعرفها؟ قال وهل أعرف غيرها، فأخرجها له وسلمها إليه وقال هي لك والله ما رأيتها، فقبل يديه ورجليه وقال قد أعدت عقلي وأحييت نفسي ودعا له، فقال يا غلام احمل معه مثل ثمنها مالًا وثيابًا وطيبًا يتطيب به فأخذ ذلك وانصرف.
وحكى أنه كان ببغداد رجل من ذوي النعم، فعشق قينه على أوفر ما تكون من الجمال والمعرفة بالغناء والضرب، فأنفق عليها ما معه حتى ضاق حاله، فأشار عليه بعض أصدقائه أن يأذن لها في الغناء عند الناس فإنها مطلوبة ويحصل له بذلك الثروة، فغم لذلك وأخبره أن الموت عنده أسهل من ذلك وقالت له الرأي أن تبيعني فتحصل من ثمني على غناك أو أكون أنا في ثروة فإنه لا يشتري مثلي إلا غني.
[ ١ / ١٠٨ ]
فحضر بها السوق فاشتراها هاشمي من أهل البصرة بألف وخمسمائة دينارًا فلما قبض المال وتفارقا صار كل منهما على أقبح حال من البكاء، واجتهد في الإقالة، قال فخرجت لا أدري إلى أين أذهب إذ لا يمكنني الدخول إلى البيت وقد أوحش منها، فدخلت مسجدًا فجعلت الكيس تحت رأسي، فما انتبهت إلا وشاب قد أخذ الكيس فقمت لأعدو خلفه، فإذا رجلي مشدودة فما تخلصت إلا وقد ذهب فاشتد ما بي فجئت فلففت وجهي وألقيت نفسي في دجلة طالبًا أن أغرق، فأنقذني الحاضرون ظانين أني وقعت غلطًا، فلما أخبرتهم بقصتي فمنهم من عنف، ومنهم من رحم، فخلا بي شيخ منهم فوعظني، وقال لست أول من افتقر بعد غنى، أما كفاك ذهاب مالك حتى تذهب نفسك وتصير في النار، فسكن ما بي قليلًا ثم عاودني القلق، فأخبرت صديقًا لي فأعطاني خمسين درهمًا، وأشار على أن أخرج من بغداد فعسى أن أجد من أكتب عنده من الأكابر لحسن خطي.
فعزمت على واسط لأن لي بها صديقًا من الكتاب فجئت فرأيت زلالًا مهيأ، فطلبت النزول معهم فقالوا نحملك بدرهمين ولكن الزلال لهاشمي لا يريد معه غريبًا فتزيا بزينا كأنك بعض الملاحين فوقع بقلبي أن الزلال للذي اشترى جاريتي فأتسلى حينئذ بصوتها فاشتريت الجبة ولبستها كالملاحين فما وقفت إلا وجاريتي قد أقبلت ومولاها فضربت لها ستارة، فلما انحدروا وجاء العشاء وأكلوا وشربوا، قال للجارية إلى كم هذا الحزن والمدافعة عن الغناء أأنت أول من فارقت مولاها، وأحلوا عليها فأخذت العود وغنت:
بان الخليط بمن علمت فادلجوا عمدًا لقتلك ثم لم يتحرجوا
وغدت كان على ترائب نحرها جمر الغضى في ساعة يتأجج
ثم غلب عليها البكاء ونهضت، فانتفضت وصرعت فنضحوا علي الماء، وأذنوا في أذني فأفقت ولم يزالوا يتلطفون بها حتى عادت فغنت:
فوقفت أنشد بالذين أحبهم وكان قلبي بالشفار يقطع
فدخلت دارهم أسائل عنهم والدار خالية المنازل بلقع
فشهقت فكادت تتلف وصرعت، فقالوا كيف حملتم مجنونًا اطرحوه، فلحقني أمر عظيم فتصبرت، فلما شارف القوم المنزل في بعض الطريق، أوقفوا الزلال وصعدوا يتنزهون، وخلا الزلال فعمدت على غفلة إلى العود فأصلحته على طريقة معروفة بيني وبينها.
فلما رجعوا وكان الوقت مقمرًا تلطفوا بها، وقالوا ترين ما نحن عليه في هذا الوقت فبالله عليك إلا ما انشرحت معنا، فأخذت العود فشهقت شهقة منكرة، ثم قالت هذا العود على طريقة كان يحبها مولاي ويضرب معي، وأنه لمعنا فقالوا لها والله لو كان معنا ما امتنعنا عن عشرته ليخف ما بك، فقالت هو معنا لا محالة، فقالوا للملاحين هل حملتم أحدًا، وأشفقت أن ينقطع السؤال.
فقلت أنا يا سيدي فاحضرني، وقال إني والله ما وطئتها وأنا رجل قد وسع الله علي ما أخذتها إلا لسماع غنائها فكن معنا إلى منزلنا فأعتقها، وأزوجك بها ولا أريد منك إلا أن تحضرها كل ليلة وراء ستارة فسمع غناءها وننصرف.
فقلت كيف أمنع ذلك عنك وأنت سبب حياتي، فقال للجارية أرضيت بذلك؟ قالت نعم، وشكرته وزاد سرورها فجعلت تغني وأنا أقترح عليها الأصوات فتضاعف سرور الرجل ودمنا على ذلك حتى بلغنا نهر معقل ليلًا ونحن ثملون، فصعدت حتى ربطت الزلال لقضاء الحاجة، فأخذني النوم ولم يدروا بي حتى سافر، فأفقت بحر الشمس فلم أجدهم، وعدت إلى المحنة، فجاز بي سمارية فنزلت معهم إلى البصرة فدخلتها لم أعرف بها موضعًا ولا أحدًا ولم أكن سألت الرجل عن اسمه ولا موضعه.
فرأيت رجلًا من بغداد مارًا فقمت لأشكو إليه حالي، فقال اتبعني فتبعته حتى عرفت موضعهن وجئت به إلى بقال فأخذت منه ورقة لأكتب عن حالي إلى الرجل فاستحسن البقال خطي واسترث حالي وسألني عنه، فلم أشرح له أكثر من أنه لم يبق في يدي شيء، فقال هل لك أن تكتب عندي في كل يوم بنصف درهم وما تحتاج إليه فتضبط مالي، فأجبته فرأى بعد شهر الزيادة بضبطي وحفظي ما كان يسرق له فزاد في إكرامي، فزوجني بعد حول بابنته وأشركني في ماله غير إني في خلال ذلك منكسر النفس حزين القلب.
[ ١ / ١٠٩ ]
فلما كان ذات يوم رأيت الناس مجتازين بأنواع الزينة فسألت عن ذلك فقيل عيد الشعانين للنصارى، والناس تخرج للفرجة فوقع في نفسي أن أخرج معهم وأن عسى أن أظفر بأصحابي، فاستأذنت الرجل فأصلح لي ما أحتاج إليه، وخرجت فما وصلت إلا والزلال بعينه في أوساط الناس، فلم أملك إن طرت إليهم فحين رأوني فرحوا بي وقالوا نحن منذ فقدناك ما شككنا أنك غرقت.
فخرجت الجارية من ثيابها وكسرت العود وجزت شعرها. فلما وصلنا البصرة خيرناها فيما تريد، فاختارت لبس السواد وتمثيل قبر تجلس عنده تبكي، ثم أخذوني وأدخلوني عليه وهي على تلك الحالة، فلما رأتني شهقت شهقة ما شككت في موتها.
فلما أفاقت قال مولاها قد وهبتها لك، قلت لا ولكن افعل ما تقدم من العتق والتزويج، ففعل بالشروط السابقة وأعطاني ثيابًا وخمسمائة دينار، وقال هذا مقدار ما كنت أجريه عليك إلى اليوم وهو مستمر لك فجئت إلى البقال فأعلمته بذلك وطلقت ابنته وأقمت مع الجارية في أحسن حال.
وحكى أن جعفر بن يحيى حين قدم البصرة مع الرشيد، قال لاسحاق بن إبراهيم قد بلغني أن هنا جارية لم ير مثلها لكن لا يريها مولاها إلا في بيته فاخرج بنا ننظر إليها، فخرجنا والنخاس مستخفين حتى طرقنا الباب فخرج شاب متغير اللون في ثوب خشن فأدخلنا دارًا خربة، ففرش لنا حصيرًا وأجلسنا ورحل، فخرجت جارية بذلك الثوب إلا أنها تفوق الشمس حسنًا وجمالًا فأخذت العود وغنت:
أن يمس حبلك بعد طول تواصل خلقًا وبيتك موحشًا مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى البلا دهرًا بوصلك راضيًا مسرورا
كنت المنى وأعز من وطىء الحصى عندي وكنت بذاك منك جديرا
ثم غلبها البكاء حتى منعها الغناء، فنهضت إلى البيت تعثر في القميص، فسمعنا لهما بكاء وشهيقًا، ثم خفيت أصواتهما حتى ظننا أنهما قبضا، ثم خرج الشاب بالثوب بعينه، وقال أشهدكم أنها حرة وأريد أن تزوجوني بها ففعلوا وغم جعفر لفواتها، وقال له ما حملك على هذا قال حديثي طويل إن شئت حدثتك به، قال قل فقال أنا ابن فلان، وقد كنا من ذوي العلم وهذا يعرف ذلك وأشار إلى النخاس.
ثم قال وكانت هذه الجارية لأمي فنشأت أنا وإياها فادخلنا المكتب فبرعنا في الأدب وأخرجت هي لتعليم الغناء فلم أطق فراقها فصرت معها، فلما برعت فيه طلبت أمي بيعها فأيقنت بالموت فصدقتها الخبر فوهبتها لي وجهزوها لي ودخلت بها بعد أن امتنعت من تزويج بنات الأكابر وأظهرت الزهد والعفة كل ذلك لقصور شهوتي عليها، والناس يظنونه عفة. فأقمنا في أرغد عيش إلى أن مات أبي فلم أحفظ النعمة، فأنفقت الأموال وأكثرت من الهبة وأسرفت حتى لم يبق عندي إلا هذا الثوب أتناوبه أنا وإياها، فأشفقت عليها فقلت لها حين دخل الخليفة الرأي أني أبيعك واعلم أني هالك أثر ذلك، ولكني أختار أن تعيشي بخير.
فلما عرضت عليكم ودخلت إلي، قالت لو كان عندك مني ما عندي منك ما ذكرت بيعًا، فقالت أتحبين أن أعتقك وأتزوج بك وتقيمي معي على هذا الحال. فقالت إن كنت صادقًا في الحب فافعل، فخرجت وفعلت ذلك، فعذره جعفر، قال إسحاق: فلما ركبنا قلت له أنت تبزل الأموال وتغني المحاويج أفلا ترق لهذا؟ قال بلى. ولكن قد غبت لفوت الجارية، ثم التفت إلى النخاس وقال كم صحبت من المال؟ قال ثلثمائة ألف دينار، قال أدفعها إليه وأمره أن يأتيني غدًا وفلما أعطاه النخاس المال وأخبره أن الذي كان عنده جعفر وأنه يدعوك إليهن كاد أن يطير فرحًا وأقبل إليه من الغد وقد تزين فأخبر به الخليفة، فأجرى عليه رزقًا وجعله من الكتاب، لما رأى عنده من الظرف والأدب وأمر كلًا من العسكر أن يهاديهه ففعلوا وأقام في النعم.
وأغرب من ذلك، ما حكى أن أندلسيًا كان مغرمًا بجارية يحبها حبًا شديدًا وأنه أراد بيعها لوحشة، فلما حقت الصفقة كاد أن يطير عقله فحكم المشتري في ماله فأبى فتشفع عنده بأكابر بلدته فلم يجب، فمضى إلى الملك وأخبره بحاله، فأحضر المشتري وشفع عنده وبذل له مالًا كثيرًا فامتنع وادعى محبتها.
[ ١ / ١١٠ ]
فلما رأى الأندلسي اليأس منها ألقى نفسه من شاهق فأبهت الملك وأمر أن يتلقى فقدر أنه لم يصب بشيء وجيء به إلى الملك، فقال الله أكبر قد ظهر الحكم في ذلك، ثم قال للمشتري قد رأيت ما فعل هذا من حبها فإن كنت تحبها كما تقول فافعل كفعله فإن عشت فأنت أحق بها، فقال أفعل ثم هم بذلك ورجع فأمر أن يلقي غصبًا، فلما حقق ذلك قال أعطيته إياها فأخذت منه وأعيدت إلى مالكها.
وحكى أن المأمون افتتن بجارية من جواري أبيه الرشيد، وكان يكتم أمره وكانت من خواص الخدمة، فبينا هي يومًا تصب على يديه وقد التفت إذ أشار لها المأمون بقبلة فغمزته مشيرة بحاجبها إلى أنها خائفة ففترت بصب الماء ففطن الرشيد فحلف إن لم تخبره ليفتكن بها، فأعلمته فنظر إلى المأمون وقد كاد أن يقضي من الخوف فضمه وسكن ما به ثم قال له أتحبها؟ قال نعم. قال قم فاختلي بها في هذه الخلوة ففعل، فلما خرج قال له أنشد في هذه فأنشد:
ظبي كنيت بطرفي عن الضمير إليه
قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه
وردّ أخبث ردّ بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني حتى قدرت عليه
وحكى أن إبراهيم بن المهدي زمن اختفائه من المأمون مكث عند عمه عليه بنت المنصور، وكان عندها جارية قد أحسنت تأديبها وتعليمها حتى صارت من الطف أهل زمنها فوكلتها بخدمة إبراهيم فعلقها وزاد به الوجد وهو يكتمه حياء حتى سكر يومًا فغنى:
يا غزالًا لي إليه شافع من مقلتيه
والذي أجللت خد يه فقبلت يديه
بأبى وجهك ما أكثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه
ففطنت للطفها بما أراد فأخبرت مولاتها فوهبتها له، فلما رآها مقبلة أعاد الصوت فقبلت رأسه فنهاها فأخبرته أنها له فقرت عينه.
وحكى أن رجلًا مكيًا كان عنده جارية وكانت على أحسن صورة، وألطف هيئة قد كملت فوق حسنها بالبراعة بالغناء والضرب، حتى أن الناس كانوا يقصدون الحج لينظروا إليها لأنه كان لا يخرجها إلا زمن الموسم يطلب فيها الزيادة.
وأنه كان بمكة فتى ناسك قد عرف عند الناس بالعبادة فوقع عنده من حب الجاريه ما غير حاله وهيج بلبابه وانحل بدنه وأهاج شجنه، فكان يقنع في كل سنة بالنظر إليها زمن الموسم، ثم يمكث باقي السنة عليلًا في بيته. فدخل عليه صديق له فعاين من حاله ما حير قلبه، وأطار لبه، فتلطف به حتى عرف أمره، وما هو عليه من أمر الجارية.
ورغب إليه أن لا يفشي سره، فخرج حتى اجتمع بمولاها فحدثه القصة فزينها وخرج بها كيوم الموسم، فلما اجتمع الناس، قال أشهدكم أني وهبت هذه الجارية لهذا الفتى، فقيل له كيف تفعل هذا وقد بذل لك فيها الأموال. قال دعوني إني أحييت كل من على الأرض، لأن الله يقول: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ".
وحكى عن الحرث بن سليمان، قال كنا بمجلس سليمان بن عبد الملك، فأتاه سعيد بن خالد فقال له أنا شاك إليك من ظلمني وانتقص حرمتي. قال من قال موسى شهوات، قال علي به فاحضر، فقال له أنت شتمت هذا؟ قال لا وأيد الله أمير المؤمنين إنما مدحت ابن عمه فاغتاظ، فقال سليمان وعلام مدحته. قال موسى يا أمير المؤمنين عشقت جاريه حتى كادت نفسي تتلف في حبها ولم أكن أقدر على ثمنها فشكوت حالي إلى أصدقائي فلم يجبني أحد فشكوت إليه فاستمهلني ثلاثًا وأتيته وهو جالس فقال لغلام عنده، أخرج الوديعة فإذا بالجارية، فقال هذه طلبتك. قلت نعم، فقال تسلمها ثم قال للغلام أخرج ما عندي من النفقة فأخرجها فإذا هي مائة دينار فصرها مع طيب في ملحفة ودفع الكل إلي، فقال سليمان وما قلت فيه فأنشد:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي أبو ابويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الن دى فإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم وما هو عن إحسانكم برقود
[ ١ / ١١١ ]
فأحضره سليمان وقال أحق ما يقول عنك موسى، قال قد كان ذلك. فقال كم عليك من الديون؟ قال ثلاثون ألفًا. قال هي لك ومثلها وثلث مثلها قال موسى فلقيته صبيحة اليوم فقلت كم عندك من المال قال والله لم يبق منه شيء. قلت ففيم أنفقته؟ قال في تفريج عن صديق واعطاء محتاج وصلة رحم.
وحكى عن الربيع، قال سمعت الشافعي ﵁ يقول اشتريت جارية وكنت أحبها فأقول لها:
ومن السعادة أن تحب وأن يحبك من تحبه
ومن الشقاوة أن تحب ولا يحبك من تحبه
فتقول:
ويصدّ عنك بوجهه وتلح أنت فلا تغبه
وحكى عن إبراهيم بن ميمون، قال حججت فإذا أنا بسوداء قائمة ساهية فأنكرت حالها فمكثت ساعة ثم أنشدت:
أعمر وعلام تجنبتني أخذت فؤادي وعذبتكم
فلو كنت يا عمرو وأخبر تني أخذت حذاري فما نلتني
فقلت لها ومن عمرو؟ قالت زوجي أوهمني أنه يحبني حتى تزوجه، وعندي من الحب له ما عنده لي، فتركني ومضى إلى جدة. فقلت له لك أن أجمع بينكما؟ قالت ومن لي بذاك، فمضيت حتى وقفت بالساحل فصرت أنادي من يخرج من المركب يا عمرو وكانت قد وصفته لي بأنه أحسن ما أرى فإذا أنا بفتى على ما وصفت فأنشدته الشعر فقال قد رأيتها. قلت فما يمنعك منها؟ قال والله عندي أضعاف ما عندها وإنما منعني الاكتساب. قلت فكم يكفيك في كل سنة؟ قال ثلثمائة درهم فأعطيته ثلاثة آلاف درهم، وقلت هذه بعشر سنين، فإذا فنيت أو قاربت فاتني أوجه إليه بمثلها، ثم جمعت بينهما فكان أعظم عندي من الحج.
وحكى أن بعض التجار قدم لأصدقائه طعامًا وفيه ديك، وقال ابن الجوزي سكباج وأبى أن يكأل معهم فامتنعوا لأجله، فقال كلوا فلولا أذى يلحقني منها لأكلت ثم عاود نفسه، وقال أتحمل وآكل.
فلما فرغو وجيء بالغسول غسل يديه أربعين، فقالوا له أبك وسواس؟ قال لا، ولكن هذا الأذى الذي قلت لكم وله حديث عجيب قالوا وما هو؟ قال أوصاني أبي وكان من ذوي النعم ولا وارث له غيري أن أحسن الانفاق والتكسب وأن أسبق إلى السوق وأتجر فيه فحفظت ما قال. فبينا أنا يومًا في السوق سحرًا، وقد عرفني الناس بذلك فكان ربما يأتي ذو حاجة في وقت لا يجد غيري فأقضيها فاكتسبت بذلك مالًا وجاهًا.
فبينا أنا يومًا جالس إذا بامرأة على حمار وخادم يمسكه فنزلت عندي، فرحبت بها فرأيت نغمة وشكلًا بهرني، فقلت ماذا تريدين؟ قالت ثيابًا صفتها كذا. فقلت إجلسي حتى يتكامل الناس وقد أذهبت عقلي وأطارت لي، فجمعت لها ثيابًا بخمسة آلاف درهم، فأخذتها وانصرفت ولم تعطني شيئًا ولم أفق من دهشتي أن أقول لها في ذلك، ووقع عندي أنها محتالة. فقلت أبيع ما عندي وأعطي الناس وألزم بيتي.
فمضى على ذلك أسبوع، فبينا أنا جالس إذ أقبلت على العادة فقمت وأجلستها ونسيت ما كان عندي. فقالت قد أبطأنا عليك، فقلت رفع الله قدرك عن هذا فأخرجت المال جميعه فأعطيته لأربابه مع ما ربحت في ذلك ثم طلبت ثيابًا بألف دينار فأخذها ومضت، فعاودني ما مضى فأبطأت فقلت والله هذه حيلة أوفت خمسة آلاف درهم وأخذت ألف دينار، ثم طالت غيبتها شهرًا وطالبني الناس فعزمت على بيع عقاري وما لي أو قال بعت وأوفيت، وإذا هي قد أتت على العادة ونزلت عندي فأنسيت ذلك فأخرجت المال جميعه وطلبت غيره.
فشاغلتها بإحضار التجار. فقالت هل لك زوجة، قلت لا والله وطمعت فيها فأخذت خادمها على خلوة وأرغبته في أن يكلمها فضحك وقال هي والله أعشق منك لها فرجعت وكلمتها في ذلك فضحكت وقالت الخادم يأتيك برسالتي.
ومضت ولم تأخذ شيئًا إذ لم يكن بها حاجة من الأصل إلا العشق، فما كان بعد أيام حتى جاء الخادم فأكرمته وشرح لي أنها مملوكة لأم المقتدر، وقد رغبت في جعلها قهرمانة. فلما تألفت بك مضت فشكت إليها حبك ورغبت إليها أن تزوجها بك، فأبت دون أن تراك وقد أخذوا في حيلة يدخلونك بها إليها فإن تمت تم أمرك وهي أن تجلس الليلة بمسجد كذا فمضيت إلية، فما كان السحر أقبل خدام ومعهم صناديق فوضعوها وإذا أنا بالخادم والجارية فأدخلوني في صندوق منها وجعلوا في الباقي ثيابًا وحملوها إلى الدار فكلما جاروا بطبقة من البوابين يريدون أن يفتشوا ذلك فتمنعهم، حتى عارض خادم وقال لا بد من تفتيش هذا الصندوق.
[ ١ / ١١٢ ]
فأدركني الخوف حتى انساب معه البول مني، فصاحت أفسدت المتاع، وكسرت عليه أواني ماء الورد. فقال اذهبي فمضوا حتى أخرجوني في خلوة وجعلت تطعمني وتسقيني حتى أتتني يومًا فعرضتني على السيدة فرضيتني لها، فاحتالت في خروجي وأمرتني بأن أتزين في أحسن زينة إلى باب الخلافة، ففعلت فأخذوني وأجلسوني في بيت وجعلوا يدخلون ويخرجون ويذكرون أن هذا وقت زفاف فلانة على البزاز ويذكرون صاحبتي ففرحت فرحًا أطار عقلي غير أني جعت جوعًا أحرق أحشائي، واستطعمت الخدام فلم يطعموني لأنهم لم يعرفوني حتى جاء خادم يعرفني فشكوت إليه الجوع فقدم لي ديك فأكلت وغسلت يدي غسلًا ظننت معه النقاء.
فلما خلوت بها رفستني وقالت عجبت كيف تفلح وأنت عامي سفلة، وهمت بالخروج فتعلقت بها وأخبرتها القصة، ثم قلت يلزمني صوم الأبد والحج ماشيًا والطلاق والعتاق وصدقة مالي أن لا آكلها بعد اليوم إلا وأغسل يدي أربعين مرة فضحكت.
ودعت بطعام وشراب فأكلنا وشربنا، ولما مضى أسبوع أعطتني مالًا وأمرتني أن أشتري به دارًا فاشتريت وتحولنا وقد صحبت نعمة عظيمة فأقمنا على أحسن حال.
وحكى التنوخي في المستجاد ونقله في نديم المسامرة، قال حمل المأمون من البصرة عشرة قد رموا بالزندقة، فلما اجتمعوا للنزول في السفينة، جاء طفيل فنزل معهم، وقال ما أظن هؤلاء اجتمعوا إلا لوليمه، فلما قيدوا ندم وعلم أن لا خلاص له. فحين ضربت أعناقهم وكان المأمون يعرفهم سأل عنه فقالوا لم نعرفه. فسأله فقال زوجتي طالق إن كنت أعرفهم أو أحوالهم، وإنما رأيتهم مجتمعين فظننت أنها وليمة.
فقال المأمون يبلغ التطفل بأصحابه إلى هذا، عزروه لئلا يعود إلى مثلها فقال ابن المهدي هبه لي يا أمير المؤمنين وأحدثك عن التطفل بحديث عجيب قال وهبته لك فحدثني قال يا أمير المؤمنين ركبت يومًا حتى مروت بموضع فشممت رائحة طعام وأبازير ما شممت مثلها قط، ورأيت معصمًا من الشباك أخذ بقلبي أيضًا فاشتهيت أن آكل منه وأخذت في الحيلة إذ لم أكن أعرف أحدًا من أهل المكان، فجئت إلى خياط قريب من المنزل فسألته عن اسم صاحب المكان فقال لي عن اسمه، وأنه تاجر يحب عشرة مثله، أيشرب الخمر؟ قال نعم. وأظن عنده اليوم جماعة من أصحابه.
فمكثت ساعة فإذا هم مقبلون، فقال لي هؤلاء أصحابه، فحركت دابتي حتى لحقت بهم فقلت قد أبطأتم وفلان ينتظركم. ثم دخلنا وهم يظنون أني من جماعة صاحب المنزل وهو يظن أني معهم فأكرمني كل منهم، وقدم الطعام فأكلنا فقلت في نفسي هذا الطعام قد قضيت منه شهوتي وبقي الكف والمعصم، ثم رفع الطعام ووضع الشراب وجاءت جارية ومعها عود فغنت:
توهمها طرفي فأصبح خدّها وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي فآلم كفها فمن ضم كفي في أناملها عقر
فهيجت بلابلي وطربت لحسن شعرها ثم غنت أيضًا:
أشرت إليها هل عرفت مودتي فردّت بطرف العين أني على العهد
فحدث عن الاظهار عمدًا لسرها وحادت عن الاظهار أيضًا على عمد
فصحت وطربت وطرب القوم حتى لم نملك نفوسنا ثم غنت أيضًا:
أليس عجيبًا أن بيتًا يضمني وإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تبدي سرائر نفس وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها على الحذق والاصابة غير أني قلت بقي عليك شيء، فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون في مجالسكم البغضاء فتألموا مني فقلت قد فاتني ما أملت أن لم اتلاف قلوبهم. فقلت هل عندكم عود؟ قالوا نعم، وأحضروه فأحكمت إصلاحه وغنيت:
ما للمنازل لا تجيب حزينا أصممن أم قدم البلا فبلينا
لا بل بلين فهجن داء ساكنًا لمتيم واثرن منه دفينا
راحوا العشية روحة مذكورة إن متن متنا أو حيين حيينا
فقبلت عند ذلك يدي وقالت معذرة إليك، وزاد القوم في إكرامي، فلما رأيت مزيد بسطهم اندفعت أيضًا فغنيت:
أفي العدل أن تمسين لا تذكرينني وقد سجمت عيناي من ذكراك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي لها عسل مني وتبذل علقما
[ ١ / ١١٣ ]