أن كعب بن مسعدة الغفاري، قال خرجت أنا ومالك بن غفيلة العذري نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن أي والله هو، ثم قربن منا فقالت إحداهن قل لصاحبك:
ليست لياليك في حاج بعائدة كما عهدت ولا أيام ذي سلم
فقالت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره:
فقلت لها يا عز كل مصيبة إذا وطنت يومًا لها النفس ذلت
وانصرفنا فما استقريت إلا وجارية تقول أجب المرأة التي كلمتك، فلما صرت إليها، قالت أنت المجيب. قلت نعم، قالت فما أقصى جوابك قلت لم يحضرني غيره فقالت لم يخلق الله أحب إلي من الذي كان معك فقلت علي أن أحضره إليك، فقالت هيهات فضمنته في الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة فلما كان الوقت مضينًا فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسنا فتعاتبا فأنشدته أبيات أميمة امرأة ابن الدمينة.
[ ١ / ١٢٣ ]
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني لها غرضًا أرمي وأنت سليم
فلو كان قول يكلم الجسم قد بدا بجسمي من قول الوشاة كلوم
فأجابها:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن وفي بعض هذا للمحب عزاء
جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتني فحبك في قلبي إلى اذاء
فالتفتت إلي وقالت ألا تسمع فغمزته فكف ثم أنشدت:
تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته نصيب ولي رأي وعقل موفر
ولكنما آذنت بالصرم بغتة ولست على مثل الذي جئت أقدر
فأجابها:
لقد جعلت نفسي وأنت احترمتها وكنت أعز الناس عنك نطيب
وفي روضة القلوب بدل هذا البيت:
لقد كنت أنهي النفس عنك لعلها إذا وعدت بالنأي عنك تطيب
وفيها أنه قبلها وأنشد:
دمعي عليك من الجفون سكوب والقلب منك مروع مكروب
لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى إن لم يخن عهد الحبيب حبيب
فأجابته:
خلوتم بأنواع السرور هناكم وأفردتموني للصبابة والحزن
وعذبتموني بالصدود وإنني لراض بما ترضونه لي من الغبن
والمشهور أنهما لم يأتلفا بعد بل حين أنشد لقد كنت أنهي النفس البيت، قالت له أو كنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا، فقالت لكعب ما قلت لك أنك لا تفي بضمانك، ولكن إذا كان السحر فأتني. قال كعب فجئت فإذا أنا بالصباح فسألت جارية فقالت حين خرجتما جعلت في عنقها انشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها فجلست ساعة تحادثنا وتفتكره فتقول إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت.
وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاء به في النوم، فقالت هلا كان هذا قبل، فمات من وقته.
قال في النزهة وأصل هذه الحكاية، أن هذه المرأة كانت من عذرة، واسمها سعدى وكانت وهذا الفتى على أعظم رتبة من شدة تعلق كل منهما بصاحبه، وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشي به إلى أهلها فحجبوها منه فتراسلا بالمحبة وبلغه فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل، ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكانت عند مالك أنفة.
فخرج إلى مكة ناقضًا للعهد، فلما بلغ زوجة ذلك الرجل وجه الحيلة، وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به وتم بينهما ما سمعته.