قال بينما أنا جالس إذ طرق بابي فقلت للغلام أخرج فانظر من بالباب، فخرج وعاد مستأذنًا، فأذنت فدخل غلام فوضع بين يدي ثلثمائة دينار وقال غن لي:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبو حنّ حتى يحجبوا سكني فلا أراه ولو أدرجت في الكفن
فعملت لهما لحنًا شجيًا وغنيته به فأغمى عليه فنضحت عليه الماء، فلما أفاق جعل يقبل يدي ورجلي على أن أعيد الصوت فقلت أخشى أن تموت فقال من لي بذلك فغنيته الصوت فخر مغشيًا عليه فلم أزل أنضجه بالورد والطيب حتى أفاق فوضعت الدنانير بين يديه، وقلت خذها وامض عني، فقال لك مثلها إن أعدته فشرهت عيني، فقلت له إن أقمت عندي وأكلت طعامي حتى تقوي نفسك وأخبرتني بقصتك أعدته ففعل وحدثني أنه خرج غب سماء وقد سال العقيق مع فتية إلى منتزه فإذا هم بنسوة بينهن فتاة قد فضحت الشمس بعينين لا يرتدان إلا باقتناص النفس فأوقعت به وعاد مسلوب العقل فأقام لا يعرف لها خبرًا حتى كاد أن يقضي عليه فقالت له قرابته، لا بأس عليك إذا أربع الوقت خرجنا بك ولا نعود إلا بخبرها، قال فلما جاء الابان خرجنا إلى المنتزه، فإذا نحن والنسوة كفرسي رهان فقلت لبعض قرابتي قولوا لهذه الجارية لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانتنت وقد غادرت جرحًا به وندوبا
فقالت الجارية قد أحسن من أجاب:
بنا مثل ما نشكو فصبرًا لعلنا نرى فرجًا يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب وتبعتها حتى عرفت المنزل فكنا نجتمع ونتحادث إلى أن علم أهلها فحجبوها وخطبتها فامتنعوا محتجين بالشهرة فها أنا على ما ترى. قال معبد فغنيته الصوت، ومضى فلما حضرت مع جعفر غنيته إياه فطرب وسأل عنه فأخبرته القصة فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فطيب قلبه وذهب إلى الخليفة فحدثه بالحديث، فاستحضرتا جميعًا وطلب أن أغنيه الصوت فغنيته فطرب وكتب إلى عامله على الحجاز بإحضار الرجل وأهله، فلما حضروا أمهرها الخليفة وزوجها منه.
ومنهم رجل عذري دخل على معاوية في جمع، فلما أخذ كل مجلسه قام فأنشد:
معاوي يا ذا الحلم والفضل والعقل وذا البر والاحسان والجود والبزل
[ ١ / ١٠٢ ]
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي وأنكرت مما قد أصيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإنني لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذا أتيته فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني فهذا أمير المؤمنين من العدل
فاستدناه وقال له ما شأنك، قال تزوجت ابنة عمي وكانت من المبررات في الجمال والحياء، فأنفقت عليها إلى أن أملقت، فرفع أبوها القصة إلى ابن أم الحكم فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهًا، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها فأتيتك مستغيثًا بعدلك، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها، ويقول في آخر الكتاب:
ركبت ذنبًا عظيمًا لست أعرفه فاستغفر الله من جور أمرىء زاني
قد كنت تشبه صوفيًا له كتب من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحبًا يشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهودًا لا أخيس بها أولًا فبرئت من ديني وإيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت به لأجعلنك لحمًا بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع واشهد على ذاك نصر أو ابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب ولا فعالك حقًا فعل إنسان
فلما وقف عليه، قال وددت لو خلي بيني وبينها سنة، ثم عرضني على السيف ثم طلقها فأخرجها، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها، وقالوا هذه لا تصلح لأعرابي، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم استنطقها، فإذ هي فتنة فقال له هل لك عوض عنها، قال نعم إذا بان رأسي عن بدني، ثم أنشد:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي كالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئب يمسي ويصبح في همّ وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق وأشعر القلب منه أي أشعار
والله والله لا أنسى محبتها حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها وأصبح القلب عنها غير صبار
فغضب معاوية من ذلك وخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها، فأنشدت:
هذا وإن أصبح في اطمار وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار خل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للديار وإن عسى نظفر بالأوطار
فقال خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة، فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب عن بعض الحمدونية، قال صحبت المتوكل إلى الشام، وكنت مغرمًا بالفراديس لظرفها، فحين بلغناها قال المتوكل هل لك في أن تتصفح الكنائس والرياض فتتنزه فيها، فقلت نعم، فأخذ بيدي وجعلنا نستقري الأماكن ونشاهد ما فيها من العجائب، وحسن ثياب النصارى، حتى خلوت براهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر، حتى أقبلت جارية لم يرمق أحسن منها، وبيدها مجمرة تبخر فسأله عنها فقال هي ابنتي، قال ما اسمها قال شعانين، فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء، فقالت يا سيدي ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك ولو كانت حياتي ترويك لجدت بها، وأسرعت بكوز فضة فأومأ إلي أن أشربه فشربته، ثم قال لها إن هويتك تساعديني، فقالت أنا الآن بإمرتك وأما إذا صدق المحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حبًا ثم لما ملكت صرت عدوّا
أين ذاك السرور عند التلاقي صار مني تجنبًا ونبوأ
[ ١ / ١٠٣ ]
فطرب حتى كاد يشق ثوبه، ثم قال لها هبيني نفسك اليوم فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمر لم ير مثله وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما أخذ منه الشراب أحضرت آله وغنت:
يا خاطبًا مني المودة مرحبًا روحي فداؤك لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني واعدل بكأسك عن جليسك إذ أبى
قد والذي رفع السماء ملكتني وتركت قلبي في هواك معذبا
فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من النساء عنده.
ويقرب من ذلك ما حكي عن الوليد بن يزيد أنه عشق نصرانية، وراسلها فأبت عليه فكاد أن يطيش عقله فتنكر يوم عيد للنصارى، وبايع صاحب بستان تتنزه فيه بناة النصارى فأدخله، فلما رأته قالت للبواب من هذا؟ قال لها مصاب، فجعلت تمازحه حتى اشتفى بالنظر إليها، فقيل أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا لها هو الخليفة، فأجابت حينئذ وتزوج بها وفيها يقول:
أضحى فؤادك يا وليد عميدًا صبًا قديمًا للحسان صيودا
من حب واضحة العوارض طفلة برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح نفسي من رأى منكم صليبًا مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه وأكون في لهب الجحيم وقودا
وفي ذلك يقول أيضًا لما اشتهر أمره بها:
ألا حبذا سعدى وإن قيل إنني كلفت بنصرانية تشرب الخمرا
يهون علينا أن نظل نهارا إلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا
وكان يقال لم يبلغ مدرك هذا المبلغ لأنه لم يطلب إلا أن يكون صليبًا في الزنار.
ومثل ذلك ما حكي عن ابن العباس بن المفضل أنه عشق نصرانية، بدير سرماجيس فكان لا يفارق البيع شغفًا بها، فوجدها يومًا في بستان فجلست معه أسبوعًا فقال في ذلك:
رب صهباء من شراب المجوس قهوة بابلية خندريس
قد تجليتها بناي وعود قبل ضرب الشماس بالناقوس
وغزال مكحل ذي دلال ساحر الطرف سامري عروس
قد خلونا بظبية نجتليه يوم سبت إلى صباح الخميس
بين ورد وبين آس جنى وسط بستان دير سرماجيس
يتثنى في حسن جيد غزال في صليب مفضض أبنوس
كم لثمت الصليب في الجيد منها كهلاك مكلل بشموس
وبقرب من ذلك ما حكاه الصلاح الصفدي في تاريخه، قال رأيت بحماة رجلًا وافر الحظ من الخط وقد أوثقه المؤيد ليكتب عنده، فكان لا يمكنه من الخروج فحكى أنه علق نصرانية بشيزر فكان يكتب إلى المغرب بحماة ثم يذهب إليها فيجلس معها إلى الصباح ويأتي وأقام على ذلك طويلًا، وأنها قالت له يومًا أن أحببتني فاكو على رأسك صليبًا ففعل وأنا رأيته.
ومنهم الشحمي وهو رجل من فزارة أو هو على زبالة، عشق ابنة عمه وكلف بها وأبى عمه أن يزوجه بها فتسور عليها ليلة فأحس به، فقبض عليه وأتى به إلى خالد القسري فأقام جماعة فشهدوا أنه سارق وسأله فأقر ليسترها فأمر بقطع يده فرفع أخوه إلى خالد رقعة يقول فيها:
أخالد قد وطئت والله عشوة وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقر بما يأته المرء أنه رأى القطع خير من فضيحة عاتق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفه لألقيت في أمر له غير ناطق
إذا مدت الكعبان في السبق للعلا فأنت ابن عبد الله أول سابق
فتجسس خالد على الأمر فلما استصحه أحضر أباها وأمره أن يزوجها من الغلام فأبى، فأجبره ودفع المهر من عنده.