الفصل الرابع: فترة الصراع
من أعقاب ثورة ١٩ إلى قيام الحرب العالمية الثانية ١٩٢٢-١٩٣٩
دوافع الصراع ومجالاته:
١- بين الروح الوطنية والانحرافات الحزبية:
لقد خرجت مصر من ثورة ١٩١٩ ببعض المكاسب، وخطت في سبيل حريتها بعض الخطوات، فقد اضطرت إلى إعلان تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، الذي نص على إنهاء الحماية المفروضة على البلاد، ثم أعلن الاستقلال، وصدر الدستور، فسجل أن جميع السلطات مصدرها الأمة، وقرر أن الحرية الشخصية مكفولة، وأن حرية الرأي والصحافة مضمونة، كما قرر حق الأمة في حكم نفسها، وحقها في أن يكون لها برلمان يمثل إرادتها، ثم أجريت الانتخابات، وفاز بالأغلبية حزب الوفد، الذي كان يمثل العناصر الوطنية حينذاك، فأسند إلى رئيسه سعد زغلول تأليف الوزارة، ثم افتتح البرلمان١، وبدأت البلاد تستشعر الحرية والسيادة، وتأمل أن تمضي في طريق النصر، محافظة على حقوقها بالدستور، معلنة إرادتها بالبرلمان، محققة لتلك الإرادة بالحكومة الوطنية.
غير أن هذا الأمل لم يعش طويلًا، فقد تآمر القصر والإنجليز على استقلال مصر الوليد، وعلى دستورها الذي لم يجف مداده، وعلى برلمانها الذي لم تطو أعلام الاحتفال به، أما القصر، فكان يرى أن الدستور منحة منه، وأن السطلة العليا في البلاد يجب أن تكون له٢، وأما الإنجليز فكانوا يريدون للاستقلال أن يكون شكلًا لا مضمونًا، وللدستور أن يكون ملهاة تحول النضال الوطني ضدهم، إلى صراع سياسي على الحكم، كما كانوا يريدون من البرلمان أن يخرج سياسيين أمعات، يربطون بلادهم ببريطانيا ربطًا
_________________
(١) ١ اقرأ تفصيل أحداث هذه السنوات في كتاب: "في أعقاب الثورة المصرية" لعبد الرحمن الرافعي، جـ١ص٣٩ وما بعدها. ٢ انظر: المصدر السابق جـ٢ ص٢٣٧، وما بعدها إلى ٢٤٢.
[ ٢٣٣ ]
توثقه جمهرة الأصوات١، وقد ساعد بعض زعماء ثورة ١٩ على نجاح هذه المؤامرة، وذلك بتعلقهم بالحكم وميلهم إلى السلطة، وتمكينهم للأهواء الشخصية والمكاسب الذاتية، وقد استغل كل من القصر والإنجليز هذا الضعف في نفوس هؤلاء الزعماء، فوجهوا الضربات إلى الاستقلال والدستور، والحكم الوطني، بل إلى هؤلاء الزعماء أنفسهم؛ حيث ضربوا بعضهم بالبعض، وأحالوا طاقاتهم الوطنية النضالية، إلى خصومات حزبية نفعية، وهكذا أصبح القصر والإنجليز، والزعامات المنحرفة في جانب العدوان على الحرية والدستور، وأصبحت القوى الوطنية -تقودها بعض الزعامات المخلصة- في جانب الدفاع عن الحرية والدستور، ومكاسب ثورة ١٩ على وجه العموم.
وقد سجل تاريخنا الحديث أن القوى الوطنية كانت تمكن للزعامات المخلصة من السلطة عن طريق الانتخابات، والسير على هدى الدستور، وأن القوى العدوانية المتحالفة ضد مكاسب الشعب، كانت تمكن للزعامات المنحرفة من السلطة عن طريق الانقلابات والمؤامرات، والاعتداء على الدستور، فقد جاءت القوى الوطنية بسعد زغلول إلى الحكم عن طريق الدستور، والبرلمان في أوائل سنة ١٩٢٤، فأطاحت القوى العدوانية بسعد في أواخر العام نفسه، وجاءت بزيور، ومكنت له عن طريق تعطيل الدستور، وحل البرلمان٢، ثم جاءت القوى الوطنية -بعد نضال- بمصطفى النحاس الذي خلف سعدًا في رياسة الوفد، وكان يتمتع بتأييد الأغلبية البرلمانية، وبمساندة الدستور حين جاءت به إلى الحكم تلك القوى الوطنية سنة ١٩٢٨، ولكن القوى العدوانية المتحالفة ضد حرية الشعب ودستوره، وقد أطاحت به في نفس العام، وجاءت بمحمد محمود عن طريق تعطيل الدستور، وحل البرلمان٣، وبعد نضال آخر جاءت القوى الوطنية بمصطفى النحاس للمرة الثانية إلى الحكم
_________________
(١) ١ انظر: Allenby in Egypt: Viscount wavell، p.١٠٤. ٢ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ١ ص١٣٥، وما بعدها و١٩٥ وما بعدها. ٣ انظر: المصدر السابق جـ١ ص٢٢٩، وما بعدها وجـ٢ ص١١، ٥٢.
[ ٢٣٤ ]
في أول سنة ١٩٣٠، وكان ذلك عن طريق الانتخابات، ورعاية نصوص الدستور؛ ولكن قوى العدوان ما لبثت أن أطاحت به، وجاءت بصدقي بعد شهور من نفس العام، وكان هذا الانقلاب -ككل الانقلابات السابقة- عن طريق تعطيل البرلمان والعبث بالدستور، بل إن هذا الانقلاب قد أضاف إلى التآمر العدواني تزييف دستور خادع يسلب الأمة حقوقها، ويضع مقدراتها في قبضة القصر، كما أضاف إلى ذلك تشكيل برلمان شائه يزور إرادة الشعب ويحل محلها إرادة خصوم الشعب١، وبعد نضال أطول وجهاد أشق أتت القوى الوطنية بمصطفى النحاس إلى وزارته الثالثة في مايو سنة ١٩٣٦، وكان ذلك -كما حدث دائمًا- عن طريق الانتخابات ورعاية الدستور، غير أن قوى العدوان أطاحت به في العام التالي، وجاءت بمحمد محمود عن الطريق الذي سلكته دائمًا تلك القوى العدوانية، وهو طريق العبث بإرادة الشعب الممثلة في برلمانه، والزراية بحقوقه المسطرة في دستوره٢.
هذا، وقد نجحت قوى العدوان أخيرًا في تحويل البقية البقاية من الزعامات الوطنية، التي كانت تتصدر النضال الوطني في تلك السنين، فانحرفت عن الطريق القويم، وتورطت في مهادنة القصر، وفي الاستسلام للإنجليز، هذا الاستسلام الذي أكدته معاهدة ٣٦، التي أبرمت بين مصر وبريطانيا، واشترك في توقيعها عن مصر جبهة تضم ممثلين لكل الأحزاب السياسية العاملة في ذلك الوقت، فقد كانت تلك المعاهدة تحمل في طياتها خديعة كبرى، حيث نصت في مقدمتها على الاستقلال، ثم حوت في صلبها كل ما يسلب هذا الاستقلال٣.
كذلك تورطت البقية الباقية من الزعامات الوطنية في مصادرة الحريات
_________________
(١) ١ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص٥٣-١٥٢. ٢ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص١٥٤-٢١٨ وجـ٣ ص١٠-٥٩. ٣ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٣ ص١٨-٣١.
[ ٢٣٥ ]
والإغداق على المحاسيب، واتخاذ التأييد الشعبي -أو الأغلبية البرلمانية- مسوغًا لدكتاتورية حزبية، تعمل من أجل تأكيد سلطانها ونفع أنصارها، وإن كان ذلك على حساب الوطن والمواطنين.
ويرى هذا الانحراف بصورة واضحة، في مسلك مصطفى النحاس، منذ وزارته التي جاءت سنة ١٩٣٦؛ حيث مكن بما تورط فيه من انحرافات، لنجاح المؤامرة التي طوحت بوزارته، وجاءت بوزارة محمد محمود في أواخر سنة "١٩٣٧"١.
كذلك يرى هذا الانحراف بصورة أوضح في مسلك مصطفى النحاس أيام وزارته التي ألفها بأمر الإنجليز في فبراير سنة ١٩٤٢، خلال الحرب العالمية الثانية؛ ففي خلال حكم هذه الوزارة، اتضحت التبعية للاحتلال كما لم تتضح من قبل، واتخذت مساندة الإنجليز وسيلة لقهر الخصوم السياسيين، حتى أصدقاء الأمس الذين جرأوا فقط على النقد، أو المخالفة في الرأي٢.
ومن هنا تفككت القوى الشعبية، وانحرف زعماؤها، وأصبح حزب الوفد -الذي كان في أول عهده يمثل القيادة الوطنية المخلصة -يمثل دكتاتورية حزبية لا تقل ضررًا عن أحزاب الأقلية، بل إن انحرافات هذا الحزب ولدت منه أحزابًا أخرى، أضافت إلى الصراع الحزبي الممزق عناصر جديدة، تلقى الوقود في اللهب.
فقد بدأت الحياة الحزبية في الفترة السابقة بحزب الأمة، والحزب الوطني٣،
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق جـ٣ ص٤٤ وما بعدها. ٢ انظر: المصدر السابق جـ٣ ص١٠١-١٠٨ و١١٣-١٢٠. ٣ ألف حزب الأمة بصفة رسمية في ٢١ سبتمبر سنة ١٩٠٧ "انظر مذكراتي في نصف قرن أحمد شفيق جـ٢ ص١٢٩". وألف الحزب الوطني بصفة رسمية في ٢٧ ديسمبر سنة ١٩٠٧. وقد كان اسم الحزب الوطني يطلق أية جهاد مصطفى كامل، على جماعة الوطنيين الذين ينادون بالاستقلال والحرية "انظر: مصطفى عبد الرحمن الرافعي ص٢٢٥-٢٦٠".
[ ٢٣٦ ]
أما في هذه الفترة، فقد تحول حزب الأمة أولًا إلى حزب الوفد١، ثم انفصل المختلفون مع سعد -وأكثرهم من رجالات حزب الأمة السابق-، وألفوا حزب الأحرار الدستوريين٢، ومضى الصراع بين الوفد والأحرار حينا إلى أن أنفصل عن الوفد جماعة، وألفوا الهيئة السعدية٣، ثم انفصل آخرون وألفوا الكتلة الوفدية٤، كل هذا بالإضافة إلى تلك الأحزاب التي كانت تظهر أشبه بعمليات الإجهاض غير المشروع،، كحزب الاتحاد الذي افتعل لتأييد زيور٥، وحزب الشعب الذي اصطنع لمساندة صدقي٦.
وهكذا طبعت تلك الفترة من الناحية السياسية بطابع الصراع، الذي يمثل تحالف قوى القصر، والإنجليز والمستوزرين طرفه العدواني، وتمثل القوى الوطنية طرفه المناضل، وبرغم تفوق قوى العدوان، ونجاحها حتى في الانحراف بالبقية الباقية القليلة المخلصة من الزعامات الوطنية، قد تجلت مقاومة الشعب
_________________
(١) ١ تألف الوفد أول ما تألف في ١٣ نوفمبر سنة ١٩١٨، وكان أبرز أعضائه من أبناء حزب الأمة "انظر: ثورة سنة ١٩١٩ لعبد الرحمن الرافعي جـ١ ص٧٥". ٢ تألف حزب الأحرار في ٣٠ أكتوبر سنة ١٩٢٢، وكان رئيسه أولًا عدلي، ثم عبد العزيز فهمي، ثم محمد محمود "انظر: في أعقاب الثورة المصرية لعبد الرحمن الرافعي جـ١ ص٦٨". ٣ فصل محمود فهمي النقراشي من الوفد في سبتمبر سنة ١٩٣٧ لمعارضته، ثم فصل أحمد ماهر في يناير سنة ١٩٣٨ لتضامنه مع النقراشي؛ ولأنه حين كان رئيسًا لمجلس النواب أمر بعدم المناقشة في مرسوم تأليف وزارة محمد محمود ومرسوم تأجيل البرلمان، وكان هذان الرجلان دعامتي الهيئة السعدية. "انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٣ ص٥٠ وما بعدها وص٥٨". ٤ فصل مكرم عبيد من الوفد في مايو سنة ١٩٤٢ لعدم موافقته على استثناءات معينة، فألف ما سمي بالكتلة الوفدية "انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٣ ص١١٨، وما بعدها". ٥ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ١ ص٢١٢. وقد كان تأسيس هذا الحزب في يناير سنة ١٩٢٥. ٦ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص٢٤٢، وقد كان تأسيس هذا الحزب في نوفمبر سنة ١٩٣٠.
[ ٢٣٧ ]
نفسه في كثير من المواقف المشرقة، التي تشهد بأنه لا يمكن أن يقهر مهما كانت قوى الشر التي تحاربه، أو تحاول تعويق خطاه على طريق النصر، فقد قابل ممثلو الأمة قرارات حل البرلمان في عهود الانقلاب الدستوري، وسد مداخل دار النيابة بالجنود المدججين بالسلاح؛ قابلوا ذلك بالتحدي والاجتماع على شكل برلمان في أماكن أخرى، ثم اتخذوا قرارات جريئة تدين الحكومات الانقلابية بالاعتداء على الدستور والحريات، حدث ذلك في عهد زيور١، كما حدث في عهد محمد محمود٢، كما حدث في عهد صادق٣.
كذلك قابل كتاب الأمة، ومفكروها إجراءات المصادرة وكبت الحريات، بالصيحات الحرة والكتابات الجريئة، التي دفعت بعدد منهم إلى السجن، كما حدث للأستاذ العقاد، حين هاجم فؤادًا الملك الطاغية تحت قبة البرلمان٤.
بل إن كثيرين من أبناء الشعب قد قابلوا القهر بالتمرد، والعدوان بالثورة، وعرضوا أجسادهم لسياط العذاب، بل فتحوا صدورهم لرصاص القتل٥. وتاريخ مصر الحديث مزدان بكثير من أسماء هؤلاء الأبطال الذين سقطوا في سبيل الحرية، وفي مقدمة هؤلاء تأتي أسماء شهداء سنة ١٩٣٥: عبد الحكم الجراحي طالب الآداب، وعبد المجيد مرسي طالب الزراعة،
_________________
(١) ١ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ١ ص٢٣٦ وما بعدها. ٢ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص٦١ وما بعدها. ٣ انظر: في اعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص١١٨ وما بعدها. ٤ كان صدقي قد تولى الحكم ١٩٣٠ وأصبح من المتوقع -كما هي العادة- حل البرلمان وتعطيل الدستور، فاجتمع البرلمان اجتماعًا خاصًا للنظر فيما يراد بدستور البلاد، ونوقش الموضوع، ووقف العقاد خطيبًا، فكان مما قاله: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور، أو يعتدي عليه"، وكان من الواضح أن المقصود هو الملك فؤاد، فدبر للعقاد قضية عيب في الذات الملكية، وحكم عليه بالسجن تسعة أشهر "انظر: العقاد -دراسة وتحية ص٦٤-٦٥". ٥ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص١١٩، وما بعدها وص٥٠ وما بعدها، وص١٧٤ وما بعدها.
[ ٢٣٨ ]
وعلي عفيفي طالب دار العلوم١.
وبرغم أن قوى العدوان المتحالفة ضد مكاسب الشعب قد حولت الاستقلال إلى لفظ بلا معنى، وجعلت من الحرية شهيدًا تمزقه الحراب، وأحالت النضال الوطني إلى صراع حزبي، وخلقت من الدستور ملهاة يعبث بها القصر والمستوزرون، ومن البرلمان والحكومة مطمعًا يهرول نحوه هواة السلطة، ومحترفو الحكم؛ برغم ذلك كله قد التمعت في تلك الفترة إشراقات كانت ذات أثر بالغ في حياة مصر الاجتماعية والفكرية والأدبية، فقد بقيت الروح الوطنية حية نامية مناضلة، تتطلع إلى غد أكثر إشراقًا، وتبحث عن زعيم أعظم قدرة وأنفذ بصيرة، كما أصبح الناس أشد تعلقًا بالحرية التي كسبوها بدمائهم، وحاولوا جاهدين ممارستها، وتأكيدها في حياتهم، مما جعل من تلك الفترة خطوة واسعة على طريق النصر.
_________________
(١) ١ انظر: في أعقاب الثورة المصرية جـ٢ ص٢٠١ وما بعدها.
[ ٢٣٩ ]