ثانيًا: النثر:
كان من أوضح الظواهر الأدبية في تلك الفترة أن النثر قد ازدهر، حتى سبق الشعر، وتصدر ميدان الأدب، بعد أن كان في الفترات السابقة يأتي خلف الشعر، وقد كان طبيعيًا أن يزدهر النثر بعد ما كان من تقدم ثقافي ونضج فكري٢، فالتقدم الثقافي والنضج الفكري يستتبعان دائمًا ازدهار النثر، لاحتياجه أبدًا إلى الثقافة، وقيامه أساسًا على الفكرة، بخلاف الشعر الذي قد تكفيه الفطرة الملهمة، وقد يقنع بالعاطفة الساذجة.
كذلك كان طبيعيًا أن يتصدر النثر في تلك الفترة بعد ما كان من
_________________
(١) ١ مثل قوله: "قم أيا عارف المنون وغني"، وقوله: "ليت شعري فأين أثوي وأينت"، انظر: جماعة أبولو ص٥٧٩. ٢ اقرأ المقال رقم ٣ من هذا الباب بعنوان: "نمو الحياة الثقافية".
[ ٣٧٠ ]
تغلب للاتجاه الفكري الذي يولي وجهه شطر الغرب، وبعد ما كان من تصدر للأدباء الذين لا يرون في التراث العربي وحده المثل الأعلى١. فالتراث كان يقدم الشعر، وكان الشعر دائمًا هو الفن الأدبي الأول، على حين عرفت الآداب الغربية فنونًا من النثر قد سبقت الشعر بأشواط، أو على الأقل لم تدع له مكان الصدارة، ومن هنا كان تغلب الاتجاه الغربي، وتصدر أدباء من المثقفين ثقافة غربية، ومن المتصلين بآداب الغرب، مستتبعًا بالضرورة تصدر النثر الذي يعملون في ميدانه، ويتصلون في الآداب الأوروبية بأنواعه، ويحاولون أن يتفوقوا على غيرهم بالخوض في هذه الميادين التي لم يكن لغيرهم فيها نصيب يذكر.
وهكذا كان من مظاهر ازدهار النثر وسبقه، ظهور أنواع أدبية نثرية لم تكن معروفة في أدبنا العربي من قبل كالترجمة الذاتية واليوميات والمسرحية المقروءة، بالإضافة إلى ألوان روائية جديدة.
كما كان من مظاهر هذا الازدهار والسبق الذي حظا به النثر، اختفاء الطريقة البديعية تمامًا، واتضاح اتجاهين فنيين للأداء النثري، هما: "الاتجاه الأسلوبي" و"الاتجاه الفكري".
أما الاتجاه الأسلوبي فقد جاء امتدادًا لطريقة المنفلوطي، التي تعني بإشراق الديباجة وروعة البيان، وتعطي عناية خاصة للصياغة٢.
وقد كان أعلام هذا الاتجاه من ذوي الثقافة العربية القديمة أساسًا، وإن أضاف بعضهم إلى تلك الثقافة ثقافة أوروبية واسعة، كطه حسين، وأحمد حسن الزيات.
_________________
(١) ١ اقرأ ما كتب تحت عنوان "غلبة التيار الفكري الغربي" في أول الحديث عن الأدب في الفصل الرابع. ٢ اقرأ الفقرة المقال١ من المقالات الخاصة بالثنر في الفصل السابق، وعنوانها "المقالة، وظهور أول فنية للنثر الحديث".
[ ٣٧١ ]
كذلك كان من أعلام هذا الاتجاه من بدأوا يشقون طريقهم في أواخر الفترة السابقة كهذين العلمين١، كما كان منهم من شق طريقه تمامًا فيما مضى ولكن كشاعر، ولم ينصرف إلى النثر ويجعله فنه الأدبي الأول إلا في هذه الفترة، كمصطفى صادق الرافعي٢.
_________________
(١) ١ كان طه حسين قد بدأ يكتب في بعض الصحف في أواخر الفترة السابقة، مثل الجريدة والبيان، كما كتب كذلك رسالته التي تقدم بها إلى الجامعة القديمة عن أبي العلاء المعري ١٩١٤، كذلك كان الزيات يكتب في بعض الصحف في أواخر الفترة السابقة، مثل السفور التي كان قد بدأ يترجم على صفحاتها "رفائيل". ٢ نشر الرافعي الجزء الأول من ديوانه الأول سنة ١٩٠٢، ونشر الجزء الثاني سنة ١٩٠٣، وقد قرظه البارودي والمنفلوطي، وحياة الشيخ محمد عبده، ثم نشر الجزء الثالث سنة ١٩١٢، وقرظه حافظ إبراهيم، وكان قد نشر ديوانًا آخر سنة ١٩٠٨ باسم "النظرات"، قد بدأ الرافعي يتجه إلى النثر بجانب الشعر، وذلك في أوائل العشرينيات، حين نشر سنة ١٩١١، الجزء الأول من كتابه "تاريخ آداب العرب"، الذي ألفه بمناسبة إعلان الجامعة على جائزة لكتاب في أدبيات اللغة العربية، وفي السنة التالية سنة ١٩١٢ أصدر الجزء الثاني، وقصره على إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ثم طبعه بعد ذلك باسم "إعجاز القرآن"، وقد قرظه سعد زغلول، كذلك أصدر سنة ١٩١٢، "حديث قمر" بعد رحلة إلى لبنان، وتعرفه على شاعرة كان بينه وبينها حديث حب طويل، وفي سنة ١٩١٧ أخرج "المساكين"، وهو فصول عن هؤلاء التعساء، وآلامهم وحظوظهم، وعن الخير والشر، وإلى جانب ذلك كان يقول الشعر من حين إلى حين، حتى أسهم به في ثورة سنة ١٩١٩، حيث اهتم بالشعر الحماسي، والنشيد الوطني، وأخرج نشيده المشهور "اسلمي يا مصر" ثم اتجه تمامًا إلى النثر بعد ثورة ١٩١٩، وفي خلال الفترة التي يساق عنها الحديث، فأخرج "رسائل الأحزان" سنة ١٩٢٤، ثم أخرج "السحاب الأحمر" في السنة نفسها، ثم أخرج بعد نحو ست سنوات "أوراق الورد"، وهذه الكتب الثلاثة تدور حول فلسفة الحب والجمال، والمرأة والرجل، والعشق والزواج، وأخيرًا اتصل الرافعي بمجلة الرسالة، وكانت مقالاته فيها آخر صورة لنثره بعد أن تطور، واتضحت ملامحه، وقد جمعت معظم هذه المقالات في مجلدات باسم "وحي القلم". اقرأ الترجمة الموجزة التي كتبت له في هامش صفحة ٢٤١، واقرأ عنه: "حياة الرافعي" لمحمد سعيد العريان. وفي: "الأدب المعاصر في مصر" لشوقي ضيف ص٢٤٢.
[ ٣٧٢ ]
على أن جميعهم لم يقفوا عند مرحلة المنفلوطي، بل تجاوزوها تجويدًا، واتفاقًا في المضمون، وفي الشكل على السواء، فهم قد حاولوا أن يتجنبوا العيوب التي أخذت على طريقة المنفلوطي، كما حاولوا أن يضيفوا إلى حسناتها حسنات، حتى وصلوا بتلك "الطريقة الأسلوبية" إلى مرتبة عظيمة من الرقي، وذلك على اختلاف بينهم في الدرجة والطابع، والسمات الشخصية كما سيتضح فيما بعد.
وقد تبع هذه الطريقة بعد أعلامها الأول، طائفة من ذلك الجبل التالي من الكتاب، الذين بدأوا يظهرون في النصف الثاني من تلك الفترة، وكانوا من ذوي الثقافة العربية أساسًا، من أمثال محمد سعيد العريان، ومحمد عبد المنعم خلاف.
وأما الاتجاه الفكري فقد جاء امتدادًا لطريقة أحمد لطفي السيد، تلك الطريقة التي تعني قبل كل شيء بالمضمون وما يحمل من قيم، وتهتم في المحل الأول بالفكرة، وما يدور حولها من معان، وهي لا تهمل الشكل ولكن لا تنمقه تنميقًا، ولا تغفل الأسلوب ولكن لا تجعل العناية به فوق الصحة والبساطة والدقة والوضوح١.
وقد كان أعلام هذا الاتجاه ممن بدأوا يشقون طريقهم في أواخر الفترة السابقة، مثل الدكتور محمد حسين هيكل٢، وعباس محمود العقاد٣،
_________________
(١) ١ اقرأ ص١٨٢ من هذا الكتاب. ٢ كان هيكل قد بدأ يكتب منذ أواخر الفترة السابقة في الجريدة والسفور والبيان، كما كان قد نشر قصة زينب سنة ١٩١٢، ثم أصبح رئيسًا لتحرير "السياسة" جريدة الأحرار الدستوريين، اقرأ ترجمته في هامش ص٢١١ من هذا الكتاب. ٣ وكان العقاد قد كتب في عدد من الصحف في الفترة السابقة، مثل: الظاهر والدستور والبيان، ثم أصبح في فترة ما بين الحربين الكاتب الأول لصحافة الوفد، وكان في "البلاغ" يقابل هيكل في "السياسة"، إلى أن أخرج من الوفد، فصار يكتب في صحف خصوم هذا الحزب وخاصة السعديين. وكان كتابه الأول قد ظهر سنة ١٩١٢ باسم خلاص اليومية، وأما ديوانه الأول فقد ظهر سنة ١٩١٦، اقرأ ترجمة له في هامش ص١٥٥ من هذا الكتاب.
[ ٣٧٣ ]
وسلامه موسى١، وقد كانوا جميعًا من ذوي الثقافة الغربية أساسًا، وإن أضافوا إلى تلك الثقافة ثقافة عربية على درجات متفاوتة.
وقد تجاوز أعلام هذا الاتجاه أيضًا مرحلة طريقة لطفي السيد، التي كانت تتسم بالانحصار في دائرة ضيقة من الكتابات الفلسفية والسياسية، ويوشك أن يغلب عليها جفاف لغة العلم، وانطلقوا إلى مجالات شتى أدبية وتاريخية واجتماعية ونفسية وحضارية وفنية؛ كما خطوا بالأسلوب الفكري خطوات، فساح نحو الصقل والإشراق والجمال.
وقد سار في هذا الاتجاه طائفة أخرى من كتاب الجيل التالي لجيل أعلامه، وكانوا كسابقيهم ممن آمنوا بعمق الثقافة في الأدب، وغزارة الفكر في الفن، وممن كان أساسهم الثقافي قائمًا على الثقافة الغربية، ومن هؤلاء محمد مندور وزكي نجيب محمود.
وإذا كان لا بد لكل اتجاه من طرف متطرف، فطرف الاتجاه الأسلوب المتطرف هو الرافعي، وطرف الاتجاه الفكري المتطرف هو سلامة موسى.
وفيما يلي لما سبق من إجمال:
_________________
(١) ١ كان يكتب في المقتطف سنة ١٩٠٨، ثم سافر إلى أوروبا في تلك السنة، وعاد سنة ١٩١٣، بعد أن قضى سنوات بين إنجلترا وفرنسا، وبعد أن تأثر بالثقافة الإنجليزية بصفة خاصة، ولما عاد إلى مصر واصل الكتابة في المجلات والصحف، وبخاصة تلك التي كانت تعني بالفكر والأدب، فكتب في الهلال والبلاغ وغيرهما، ثم أصدر مجلة باسم "المجلة الجديدة" سنة ١٩٢٩، اقرأ ترجمة موجزة له في هامش صفحة ٢٤٣ من هذا الكتاب.
[ ٣٧٤ ]
١- المقالة وتميز الأساليب الفنية:
في تلك الفترة عرفت المقالة عهدها الذهبي، فقد تعددت الصحف نتيجة للصراع الحزبي، واهتمت كل صحيفة باستكتاب اللامعين من حملة الأقلام، لكسب أوفر عدد من القراء، ولم يقتصر الأمر على الصحف الحزبية، بل تعددت كذلك المجلات الثقافية والأدبية، نتيجة للتقدم الثقافي والوعي الصحفي والازدهار الأدبي، فكما كانت هناك: "السياسة" و"البلاغ" و"كوكب الشرق" و"الجهاد" في الميدان السياسي، كانت هناك: "الهلال" و"المقتطف" و"العصور" و"الرسالة"، و"المجلة الجديدة" في الميدان الثقافي والأدبي١.
وكانت المقالة هي أهم الوسائل التي يخاطب بها الأدباء قراءهم عن طريق تلك الصحف والمجلات، وكان للصراع الحزبي بين الصحف الناطقة بلسان الأحزاب؛ كما كان للتنافس الشديد بين المجلات الناطقة بلسان الثقافة والأدب؛ أثر هائل في تنشيط كتابة المقالة، التي توفرت لها كل عوامل الازدهار في ذلك الحين.
وقد كان من مظاهر هذا الازدهار تعدد ألوان المقالات، فكان منها المقالة الأدبية، التي تدرس شخصية أو ظاهرة، أو اتجاهًا أو أثرًا في الأدب العربي القديم أو الحديث، أو في الأدب الأوروبي الغابر أو المعاصر، وكان منها المقالة النقدية، التي تحدد قيمة أو تشرح مبدأ من قيم النقد أو مبادئه، أو تطبق هذا أو ذاك على بعض الدواوين، أو الكتب أو النصوص الأدبية على وجه العموم، كما كان منها المقالة الفلسفية التي تعرف ببعض الفلاسفة، أو تشرح بعض نظرياتهم وأفكارهم، لكن بلغة الأدب وأسلوب الأدباء، لا بلغة الفلاسفة وأسلوب الحكماء، كذلك كان منها المقالة التاريخية، التي تعرض لعصر مضى أو ثورة سلفت، أو بطل غبر أو شخصية ولت، وذلك
_________________
(١) ١ كانت السياسة لسان حال الأحرار الدستوريين، وكان البلاغ وكوكب الشرق والجهاد، من أهم صحف الوفد، وكان الهلال والمقتطف مجلات ثقافية على اختلاف بينهما في الطابع، فالهلال يغلب عليها الطابع الأدبي والمقتطف يغلب عليها الطابع العلمي، والعصور لإسماعيل مظهر، والمجلة الجديدة لسلامه موسى يغلب عليها الطابع العلمي التقدمي كذلك، أما الرسالة، فكان يغلب عليها الطباع العربي الإسلامي.
[ ٣٧٥ ]
أيضًا بلغة الأدب وطريقة الناثرين، لا بلغة التاريخ، وأسلوب المؤرخين، ثم كان من المقالة التي ازدهرت في تلك الفترة، المقالة الاجتماعية، التي تندرج تحتها الكتابة في كل ما يتصل بالمجتمع من أمور سياسية واقتصادية وتعليمية، وخلقية وما إلى ذلك، مما يتناول الأدباء لا كمتخصصين في السياسة والاقتصاد والتعليم والأخلاق، وإنما كمثقفين لهم مشاركتهم فيما يدور حولهم، ولهم آراؤهم فيما يتصل بمجتمعهم، وذلك أيضًا على طريقتهم الفنية.
وأخيرًا كان من أهم ألوان المقالة حينذاك، المقالة التعبيرية التي موضوعها انطباع الكاتب أو شعوره حيال حدث معين، أو موقف خاص أو مشهد ما.
وفي هذا اللون من المقالات يكون الكاتب أشبه بالشاعر، ولا ينقصه غالبًا إلا الجانب الموسيقي المعهود في الشعر، حتى يكون عمله قصيدة لا مقالة.
وقد بلغ من ازدهار المقالة في تلك الفترة، أن كثيرًا من الكتب الجيدة التي نراها الآن لكبار الكتاب، ونراهم يعتزون بها ويذكرونها في مقدمة آثارهم؛ إنما نشرت أولًا في الصحف على هيئة مقالات، ثم جمعت بعد ذلك في شكل كتب، ومن تلك الكتب: "حديث الأربعاء" لطه حسين، و"في أوقات الفراغ" لمحمد حسين هيكل، و"مطالعات في الكتب والحياة"، و"ساعات بين الكتب" لعباس محمود العقاد، و"حصاد الهشيم" و"قبض الريح" لإبراهيم عبد القادر المازني.
"فحديث الأربعاء" مجموعة مقالات نشر معظمها في السياسة الأسبوعية١، وقد ضمن المؤلف الجزء الأول من هذا الكتاب مقالاته التي قد نشرها حول الشعر الجاهلي والإسلامي، وبعض الشعراء الجاهليين والإسلاميين، وفي آخره فصول عن "الغزل والغزليين" من حسيين وعذريين، ممن عاشوا في العصر الأموي، كذلك ضمن المؤلف الجزء الثاني من "حديث الأربعاء"
_________________
(١) ١بعض المقالات نشر في صحف أخرى "كالجهاد".
[ ٣٧٦ ]
مقالاته التي كان قد نشرها عن الشعر العباسي والشعراء العباسيين، وعن تصوير هذا الشعر وهؤلاء الشعراء لذلك العصر عصر لهو وزندقة.. ثم خص المؤلف الجزء الثالث من هذا الكتاب بمقالاته في الأدب الحديث وقضاياه، ففيه حديث عن القديم والجديد، ومناقشة للرافعي في مذهبه في الأدب، وفيه نقد لبعض الكتب والدواوين المصرية والمهجرية، كدواوين علي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وفوزي المعلوف.
و"في أوقات الفراغ" لمحمد حسين هيكل، مجموعة مقالات أيضًا نشر معظمها في السياسة، وقد رتبها المؤلف في كتابه ثلاث طوائف، وأهم ما في الطائفة الأولى مباحث مختلفة في النقد، وترجمات منوعة "لأناتول فرانس"، و"بييرلوتي" وقاسم أمين.. وأهم ما في الطائفة الثانية مقالات عن مصر وتاريخها القديم، بمناسبة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.. وأهم ما في الطائفة الثالثة تلك المقالات الخاصة بالدعوة إلى الأدب القومي، الذي يمثل البيئة المصرية والحياة المصرية، وتتضح فيه سمات الأمة وخصائص الشعب، بما يميز المصريين عن أسلافهم الأقدمين، وجيرانهم المعاصرين.
و"مطالعات في الكتب والحياة" للعقاد مجموعة مقالات أيضًا نشر معظمها في"البلاغ"١، وتلك المجموعة من المقالات منوعة غاية التنوع، فهي تتناول شخصيات عربية وأوروبية مثل: المعري والمتنبي و"أناتول فرانس" و"عمانويل كانت" كما تتناول مباحث جمالية وفنية، مثل: "عبقرية الجمال" و"الحرية والفنون الجميلة" و"معرض الصور" وتتناول كذلك دراسات أدبية نقدية، مثل: "الأدب كما يفهم الجيل" و"القديم والجديد" و"الشعر ومزاياه" و"خواطر عن الطبع والتقليد".. وأخيرًا تتناول تلك المقالات بعض الانطباعات والصور الوصفية مثل: "الألم واللذة"، و"على معبد إيزيس" و"التمثيل في مصر".
_________________
(١) ١ نشر بعضها في صحف أخرى مثل: الأهرام والنيل والمشكاة والشذور.
[ ٣٧٧ ]
ومثل هذا الكتاب كتاب "ساعات بين الكتب"؛ فهو الآخر مجموعة مقالات نشرت في الصحف والمجلات التي كان العقاد يتعاون معها في ذلك الحين، وهو أيضًا يضم ألوانًا منوعة من تلك المقالات؛ ففيه مقالات عن شخصيات عربية وأوروبية، مثل: ابن الرومي والمتنبي، و"شكسبير" و"توماس هاردي" و"بلاسكو إيبانيث" و"كبلنج" و"إبسن" و"رسو" و"فولتير"، وفي الكتاب أيضًا مقالات عن "الشعر في مصر"، وأخرى في النقد مثل: "التجميل في الأسلوب والمعاني" و"الصحيح والزائف في الشعر" و"النثر والشعر".. وفيه كذلك مقالات إسلامية تتصل بالجانب الأدبي والنقدي، وهي تلك المقالات التي كتبها حول "إعجاز القرآن".. وفي الكتاب أخيرًا طائفة من المقالات التي تعبر عن خاطر، أو انطباع أو وجهة نظر، مثل: "حب المرأة" و"الغيرة" و"النكتة" و"البطولة" و"الوطنية".
و"حصاد الهشيم" للمازني قريب الشبه بكتابي العقاد، فهو مجموعة مقالات منوعة، قد نشرها صاحبها أولًا في الصحف التي كان يعمل بها، وخاصة "الأخبار١"، وبعض تلك المقالات عن المتنبي وابن الرومي، و"تاجر البندقية" و"رباعيات الخيام"، وبعضها عن الفن واللغة "كمعرض الصور" و"الحقيقة والمجاز"، كما أن بعض تلك المقالات من النوع الإنشائي، الذي يتناول الانطباع ويسجل الخاطرة ويصف المشهد، مثل حديث المازني عن "الصحراء".
ومثل حصاد الهشيم "قبض الريح"، ففيه مقالات عديدة في النقد، وجهت طائفة منها إلى طه حسين وكتابه "حديث الأربعاء"، كما اختص بعضها بالحديث عن بشار وأبي العلاء، وجاء بعضها الآخر من قبيل وجهات
_________________
(١) ١ المراد الأخبار القديمة التي كان يصدرها أمين الرافعي شقيق المؤرخ عبد الرحمن الرافعي.
[ ٣٧٨ ]
النظر والحواضر والانطباعات، مثل: "نشأة الشعر"، و"المرأة واللغة" و"المفعول المطلق".
وقد قصد بهذا العرض لتلك الكتب وألوان المقالات التي تحويها، إعطاء صورة للمقالة في جوانبها الموضوعية، وميادينها المتعددة، مما كان مظهرًا جليًّا من مظاهر ازدهار هذا النوع النثري في تلك الفترة.. فإذا تركنا هذه الجوانب المتصلة بالموضوع ونظرنا فيما يتصل بالمقالة من ناحية الأسلوب، وجدنا جانبًا آخر من جوانب الازدهار يفوق هذا الجانب، ويتجاوزه بأشواط.
فقد أدت الثقافة الفنية التي تمتع بها كبار كتاب تلك الفترة، وما كان لهم من شعور قوي باستقلال الشخصية، وإحساس عارم بالحرية الفردية، ثم ما كان من ممارسة متصلة للكتابة، ومعاناة دائبة للانتاج -قد أدت كل تلك العوامل إلى تعدد طرق التعبير، وتميز أساليب الأداء، برغم اندماجها جميعًا تحت اتجاهين رئيسيين، هما: "الاتجاه الأسلوبي" و"الاتجاه الفكري".
ويمكن أن نتعرف على خمس من تلك الطرق، هي" طريقة طه حسين التي يمكن أن نسميها "طريقة التصوير المتتابع"، وطريقه العقاد التي يمكن أن نطلق عليها "طريقة التعبير المحكم"، وطريقة الرافعي التي نستطيع أن نقول إنها: "طريقة البيان المقطر"، وطريقة الزيات التي نستطيع أن نعرفها "بطريقة البيان المنسق". وأخيرًا طريقة المازني التي لا نبعد عن الحق إذا وصفناها بأنها طريقة "الأداء المصري".
١- طريقة طه حسين:
وقد اخترت لطريقة طه حسين اسم "طريقة التصوير المتتابع"؛ لأن هذا الكتاب يغلب عليه في أسلوبه التصوير بالألفاظ والجمل، وتقديم المشاهد المتتابعة والصور المتعاقبة، التي قد يكون بعضها لرسم شيء حسي خارجي،
[ ٣٧٩ ]
وبعضها لنقل جو نفسي داخلي، وبعضها لتجسيم معنى أو إبراز فكرة، أو تعميق إحساس.
ولطه حسين وسائل عديدة في رسم صورة، وإيرادها في تتابع وتعاقب ومن أهم تلك الوسائل، الاعتماد على الجمل والقصار، وإيراد تلك الجمل -أو بعض أجزائها- فيما يشبه التكرار والإعادة١، مما يحقق بالكلمة والعبارة تجسيم الصورة أولًا، ويهبها التحرك والتتابع ثانيًا.. ومن أهم وسائل طه حسين كذلك، استخدام الروابط -كحروف الجر ونحوها- في وفرة وتنوع وتقابل، مما يزيد التجسيم الذي يبرز الصورة، ويضاعف التتابع الذي يهبها الحيوية.
على أن لطريقة طه حسين بعد تلك الوسائل، سمات أخرى تحدد بقية أبعادها، وتميز آخر ملامحها، ومن تلك السمات المميزة، استخدام طائفة من "اللازمات" في البدء والانتقال والتفصيل، وكقوله: "ليس من شك"، و"مما لا شك فيه" و"مهما يكن من أمر"، وكقوله: "يحدث هذا حينًا ويحدث ذلك حينًا، ويحدث كذا في كثير من الأحايين"، وكقوله عن شيء: تستطيع أن تسميه "كذا"، وتستطيع أن تسميه "كيت"، وأنا زعيم لك بأنه ليس "بكذا"، وليس "بكيت" وإنما هو شيء آخر غير "كذا"، وغير "كيت" جميعًا.
ومن سمات طريقة طه حسين المميزة كذلك، ميله إلى التوجيه بالحديث إلى المخاطب، حتى ليبدو وكأنه يحدث قارئه، ولا يكتب إليه.
ومن سماته الفنية أيضًا الإلمام بالسجع الخفيف غير المتكلف، حين تدعو الحاجة إلى إشاعة لون من النغم في الحديث، أو حين يتطلب الموقف بعض التأثير بموسيقى الكلم، على أن هذا السجع في كثير من الحالات لا يأتي في نهاية الجمل -شأن السجع التقليدي- وإنما يأتي بين كلمتين متجاورتين في
_________________
(١) ١ علل بعض الباحثين هذا التكرار بكون طه حسين يملي ولا يكتب، فأخذت طريقته بعض خصائص الخطابة، اقرأ حديث "جيب" عن أسلوب طه حسين في كتابه: Studies on the Civilzation of Islam p.٢٧٩.
[ ٣٨٠ ]
الجملة الواحدة، وقد يجاوره بعد ذلك سجع بين نهايتي جملتين؛ كقوله: "كان الشيخ مهيبًا رهيبًا، وكان فخمًا ضخمًا، قد ارتفعت قامته في السماء، وامتد جسمه في الفضاء١".
وكلف طه حسين بتلك الوسائل السابقة المحققة للتتابع يورطه أحيانًا في اللف والدوران من غير ضرورة، كما يورطه أحيانًا أخرى في بطء الحركة الأسلوبية، ويجعل من صورة -في بعض ما يكتب- شيئًا شبيهًا بصور السينما التي تعرض بالطريقة البطيئة، لتوضيح حركة خفية، أو تسجيل موقف غريب.
على أن الغالب على طريقة طه حسين، استخدام التتابع بوسائله العديدة في تجسيم أبعاد الصور الحسية، وتعميق الإحساس بأبعاد الصور النفسية، وتأكيد الإيمان بالفكرة المجردة، فما يبدو في ظاهره تكرارًا وإعادة، إنما هو في حقيقته تتابع، في كل جزء من أجزائه زيادة ولو طفيفة، وتغيير ولو يسير، ونمو ولو غير ملحوظ، أشبه ما يكون بكل لقطة من لقطات "الفيلم" الجزئية التي تؤلف في جملتها اللقطة الكلية في حركتها وحيويتها، ثم تؤلف مع اللقطات الكلية الأخرى أبعاد العمل الفني، وأعماقه وإيحاءات فنه.
ونستطيع أن نتبين طريقه "التصوير المتتابع" التي أطلقناها على طريقة طه حسين، في النموذج التالي، وهو جزء من مقال له "عن الحب في شعر عمر بن أبي ربيعة".. وفي هذا النموذج يقول طه حسين.
" وكان كل شيء في حياة عمر وسيلة إلى الاتصال بالمرأة وذكرها، والتحدث إليها، ولا سيما الحج، فلم يكن ابن أبي ربيعة يفهم من موسم الحج إلا أنه معرض إسلامي للجمال، كان إذا قرب الموسم اتخذ أجمل ما كان يستطيع من زينة، وظهر في مظهر الفتوة والقوة، وفارق مكة،
_________________
(١) ١ انظر: "على هامش السيرة" لطه حسين جـ٣ ص١.
[ ٣٨١ ]
فتعرض للحجيج في طريق المدينة والشام والعراق، يتلمس نساءهم ويتبين هوادجهن، ويعرض منها لمن تظهر عليها آثار النعمة والترف، فإذا وافى الحجيج مكة وغيرها من مواضع المناسك، كان عمر قد أحصى النساء اللاتي يجب أن يكون بينه وبينهن لقاء، أو حديث أو مكاتبة، وكانت له رسل تعمل في ذلك، فتأتيه المواعيد في مكة حينًا، وفي منى حينًا آخر، وكانت أحب ساعات الدهر إليه أوائل الليل من أيام الموسم، حين ينتهز النساء فرصة الليل فيخرجن للطواف، هنالك كان عمر بن أبي ربيعة يترصدهن، ومنهن من كانت تترصده. وهنالك كانت تبتدئ الأحاديث لتتم بعيدًا عن البيت، حتى إذا انتهى الموسم وأزمع الحجيج العودة إلى بلادهم، رأيت عمر مقسما بين نساء المدينة، ونساء الشام ونساء العراق، يشيع هذه ثم يعود فيشيع تلك، ثم يترك هاتين ليشيع امرأة أخرى، وهو لا يفرغ من تشييع امرأة إلا قال الشعر الجيد يسبقها إلى موطنها، ولا يلبث أن يسقط بين أيدي المغنين، فإذا هو مصدر للهو والطرب لهذه الأرستقراطية المترفة من أبناء قريش والأنصار، فكان موسم الحج موسم شعر وغناء في الحجاز".
" منذ سنين كتب صديقي الأستاذ ضيف رسالة باللغة الفرنسية قدمها إلى "السربون"، وقارن فيها بين عمر بن أبي ربيعة، وبين الشاعر الفرنسي "ألفرد دي موسيه"، وقد تكون هذه المقارنة خلابة في ظاهر الأمر، فعمر بن أبي ربيعة أظهر عشاق العرب، و"ألفرد دي موسيه" أظهر الغزلين من شعراء فرنسا في القرن الماضي، وكلاهما وقف حياته على المرأة وحبها، وكلاهما وقف شعره على جمال المرأة والتغني به، ولكن الفرق عظيم جدًا بين الشاعرين، عظيم إلى حد أن المقارنة بينهما مستحيلة، فليس بين نفسيهما شبه ما، أنت محزون حين تقرأ "ألفرد دي موسيه"، يتفرط قلبك لوعة وأسى، ويأخذك شيء من اليأس والسخط على الحياة والزهد فيها، حين تنظر إلى هذا الحب القوي المتين، فترى أنه على قوته وصدقه، ومتانته جريح يدمي.
[ ٣٨٢ ]
"ولكنك مبتهج راض للحياة، حين تقرأ شعر ابن أبي ربيعة؛ فلم يكن قلبه جريحًا، ولم تكن نفسه كئيبة، ولم يكن يرى الحياة إلا لهوًا أو سبيلًا إلى اللهو. وأنت حين تقرأ ما يظهر ابن أبي ربيعة فيه الحزن والأسى مطمئن راض، بل مبتسم؛ لأنك تعلم أن هذا الحزن إنما هو وسيلة إلى السرور، ومذهب من مذاهب الاستعطاف، وسبيل من سبل اللذة".
"لا أضع ابن أبي ربيعة بإزاء "ألفرد دي موسيه"، وإنما أضعه بإزاء رجل فرنسي آخر هو أخوه حقًا، هو صورته الصادقة لولا ما بينهما من فروق البيئة والجيل، ولكن نفسيهما نفس واحدة، ولكن حسيهما حس واحد، ولكن مذهبيهما في الحب، وإعلانه مذهب واحد، كلاهما أحب بحسه وأخضع قلبه لحسه، وكلاهما فتن النساء، وكلاهما تحدث بفنه للنساء حديثًا حلوًا خلابًا، وكلاهمها تعمق الحب الحسي حتى وصل إلى قرارته، وكلاهما أحب حتى كره الحب، ولذ حتى زهد اللذة، وكلاهما لم يعرف لحبه موضعًا يقصره عليه، فكان يترك هذه ليحب تلك، ويخلص من هذه ليقع في شراك تلك".
"سألتني عن هذا الفرنسي الذي يشبه عمر بن أبي ربيعة هذا الشبه القوي الغريب، ليس شاعرًا ولكنه ناثر كالشاعر، أنت تعرفه حق المعرفة؛ لأن بينك وبينه صلة قوية؛ لأنه صديق الشرق عامة وصديق مصر خاصة: بييرلوتي ١".
ب- طريقة العقاد:
وإنما آثرت لطريقة العقاد اسم "طريقة التعبير المحكم"؛ لأنه يعمد إلى التعبير عما عنده بألفاظ وجمل محكمة، فيها الدقة، وفيها القصد، وفيها التركيز، وفيها دسامة الزاد قبل أن يكون فيها رونق الشكل، فلا إفراط في
_________________
(١) ١ انظر: حديث الأربعاء جـ٢ ص٣٠٩ وما بعدها.
[ ٣٨٣ ]
المقدمات، بل أحيانًا لا تكون هناك مقدمات، ولا لجوء إلى التكرار أو اللف أو التوكيد بالكلمة أو بالجملة؛ لأنه لا محل لشيء من ذلك، وإنما المحل الأول لإعطاء أوفر معان وأغزر أفكار؛ وحسب الكلمة والعبارة أن تؤدي المعنى وتنقل الخاطرة وتفصح عن الشعور، وهي تتبع كلمة أو عبارة أخرى، لكن لا لتحدث معها إيقاعًا أو تزيد الفكرة تأكيدًا، وإنما لتزيد المعني ولتضيف إلى الفكرة جديدًا.
فهذه الطريقة لإحكامها لا تتزيد، ولا تهتم بالإطار، وإنما تجعله لباسًا محبوكًا مفصلًا على قد المعاني، بل إن هذا الإحكام قد يبالغ فيه أحيانًا إلى حد الضيق، فلا تتسع العبارة للمعاني بالقدر الكافي، وقد تطول الجملة مع ذلك أكثر من المألوف، فيبدو جزء من الأسلوب على شيء من الغموض أو الجفاف، أو الالتواء، ويتطلب من القارئ تنبهًا عظيمًا كما يقول الأستاذ "جيب"١.
على أن الغالب على تلك الطريقة الإبانة والإفصاح، ولا ينقصها الجمال الطبيعي البعيد عن التلاعب بالعواطف، وعن التوجه المباشر إلى العين بالصورة أو إلى الأذن بالجرس، بل إن هذا الجمال قد يصل أحيانًا إلى حد الشاعرية إذا كان الموقف متطلبًا لذلك، وهذا يأتي جريًا وراء الإحكام الذي يلبس كل مضمون شكله، ويختار لكل موقف ما يناسبه.
ومن سمات هذه الطريقة المميزة، استخدام التذييلات الضابطة، والاحتراسات المتحفظة، ضمانًا لإحكام التعبير، وصونًا لدقة المعنى.
ومن سمات هذه الطريقة كذلك الميل إلى التفصيلات المنقطية لا اللغوية، واستخدام المقابلات العقلية لا البديعية، وكل ذلك يأتي أيضًا جريًا وراء الإحكام، ورعاية لدقة أداء المعاني.
_________________
(١) ١ ذكر الأستاذ جيب أيضًا عن أسلوب العقاد أنه شديد الشبه في نسجه بالأساليب الغربية. اقرأ حديثه في: Studies on the Civilization of Islam: Gibb. p.٢٣٣
[ ٣٨٤ ]
الحياة وحدها، أو تعد هذه الحياة المتوحدة غايتها، وأمنيتها من السعادة والخلو من الألم؟؟ ".
"وإما أن يكون معك في الوجود غيرك على ألا تحس به، أو على ألا يصدمك من هذه الأشياء صادم، ولا يقابلك منها ما ترى أن بينه، وبين حياتك اختلافًا وفرقًا، وهذه هي أشبه الحالات بـ"النرفانا" البوذية، أو هي الموت بذاته في صورة غير صورته المعهودة".
"ولست أفرض لهاتين الحياتين حياة ثالثة، إلا أن يتمنى المتمني أن تسره الأشياء الأخرى التي تصادمه في هذا الوجود، فلا يكون إلا مبتهجًا بها راضيًا عن جميع حالاتها، وهذا كالجمع بين المتناقضات؛ لأن منس ره قرب شيء ساءه البعد عنه، ومن أرضاه أن يدرك أملا أغضبه أن يحرمه، فإما حياة متشابهة من جميع الجوانب، فيستوي فيها الخير والشر والحسن والقبيح، بل لا يكون فيها خير ولا شر ولا حسن ولا قبيح، بل لا يكون فيها شيء تتمناه؛ لأنك لا تحرم فيها شيئًا، فكيف تكون هذه الحياة هي رضى النفس، وأمنيتها التي نتمناها؟ وإما حياة تختلف جوانبها ففيها النقيض ونقيضه، وفيها حينئذ ما يسر وما يسوء، وما يلذ
وما يؤلم".
"وخلاصة هذه الفروض، أن النازل عن الألم نازل عن ذاته، أو حياته في هذا العالم، وأن العقل الإنساني لن يستطيع أن يتخيل حياة مبرأة من الألم، وإن كان يتمناها أحيانًا.. ولو أننا دفعنا خوف الألم يومًا واحدًا من نفوس الأحياء لبادوا جميعًا في ذلك اليوم الواحد؛ ذلك أن أحدًا منهم لا يبالي أن يخبط بجدار، أو يسقط من علٍ أو يغرق في نهر، أو يلقى بنفسه في المهالك التي فيها تلف، وهو لا يتحرك في غيبوبة الألم حركة إلا كان مشفيًا على تلف أو واقعًا فيه، فنحن إنما نحفظ حياتنا الحاضرة بذخيرة من الآلام السابقة، التي عاناها أسلافنا وتعلموا منها ما تعلموه من حيطة ومقدرة، ولا نكاد نضيف شيئًا جديدًا على ما ادخروه من كنوز الحياة، حتى نسلك إليه من سراديب الألم وأنفاقه المظلمة. ولولا أنني أعلم أن الحياة نفس أكب من الألم، وأنكر
[ ٣٨٦ ]
أنه كل شيء فيها، لقلت: إن الحياة هي قابلية الألم، وإننا كلما ازداد نصيبنا من الحياة ازداد معه قسطنا من الألم".
وليس معنى هذا بالبداهة أنني أمنع الشكوى على المتألمين، فإن الألم الذي لا يشتكي صاحبه فلا فائدة فيه، ولا أنني آبى العطف عليهم؛ فإن النفس التي تتسع للآلام تتسع للعطف عليها، ولكنني أعني أن أجعل الحياة أكبر من ألمها، وأن أقول: إن الحياة التي نألم في سبيلها جديرة أن تكون شيئًا عظيمًا، لا أن أعكس الأمر كما يعكسه بعض الساخطين المتذمرين، فأقول: إنها لحقيرة؛ لأننا نألم في سبيلها١..".
جـ- طريقة الرافعي:
وإنما فضلت لطريقة الرافعي اسم "طريقة البيان المقطر"؛ لأنه يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويهتم في المقام الأول بجمال الصياغة وروعة الديباجة، ثم؛ لأن بيانه ليس ذلك البيان القريب التناول، البسيط العناصر، الهين الأداء، وإنما هو بيان فيه بعد وتركيب وجهد؛ حيث يجنح صاحبه إلى اعتصار المعاني، وتوليد الأفكرا، ومزج الخواطر، من خلال مجازات مركبة واستعارات بعيدة، وكنايات خفية، فيأت بيانه آخر الأمر أشبه بعملية تقطير لألوان من الزهور المعروفة، والورود المألوفة، والرياحين الشائعة، لاستخلاص عطر مركب مركز غريب، فيه جمال ولكن ليس فيه بساطة، وفيه متعة ولكن ليس فيه جلاء، وفيه فن ولكنه فن المهارة التي تسيطر على الفطرة.
وهكذا كان أسلوب الرافعي في النثر قريب الشبه بأسلوب أبي تمام في الشعر؛ تزدحم فيه الاستعارات والمجازات والكنايات والتشبيهات، ولكن في جدة وطرافة وإبداع في كثير من الأحايين، وهذا كله يأتيها من جهة إعمال الفكر وتحكيم المهارة، مما يبعدها كثيرًا عن المألوف، ويجنح بها
_________________
(١) ١ انظر: مطالعات في الكتب والحياة للعقاد ص٢٥٤ وما بعدها.
[ ٣٨٧ ]
إلى غير المتوقع، وقد يسبب ذلك بعض الغموض الذي يصل أحيانًا إلى حد الإلغاز.
ومن خصائص طريقة الرافعي -أو طريقة البيان المفطر- أنها تستلهم المعجم القرآني والسني والتراثي على وجه العموم؛ حيث يتكئ الكاتب في كثير من المواطن على لفظة أو عبارة من القرآن الكريم، أو على كلمة أو جملة من الحديث الشريف، أو على حكمة أو مثل أو بيت شعر من مأثورات العرب.
ومما يكلم صورة طريقة الرافعي بعد ذلك كله، أنها تميل إلى استخدام بعض البديع، ولكن في اقتصاد وفنية، وبعض هذا البديع يأتي لخدمة الجانب البياني المتصل بروعة الصياغة، كالسجع والجناس، وبعضه يأتي لخدمة الجانب المعنوي الجاانح إلى توليد الأفكار كالمقابلة والتورية.
وأهم ما يمثل فن المقالة عند الرافعي وأسلوبه الذي تم له في هذا الفن، تلك المقالات التي كان ينشرها في "الرسالة"، والتي جمع طائفة منها في كتابه "وحي القلم"، وهي تتناول خواطر نفسية، ومشاعر إنسانية، ومواقف إسلامية، وصورًا وصفية، ونظرات إصلاحية، ويغلب عليها جميعًا الطابع العربي، ويشيع فيها الروح الإسلامي، وتتسم في اتجاهها العام بالالتفات إلى التراث.
ولعل النموذج التالي يوضح ما ذُكر لطريقة الرافعي من خصائص، وهو جزء من مقال له بعنوان "حقيقة المسلم"، يقول فيه الكاتب:
"لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تصب المادة في المادة، لتمتزج بها، فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذ هو ﷺ وجود سار فيها، فما تبرح الإنسانية تنمو به وتتحول".
"كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية، كأنما وهن من طول الدهر عليه
[ ٣٨٨ ]
يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشكر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد. بدأت به الدنيا تطورها الأعلى، من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان في محمد سر كمالها".
"ولذا سمي الدين "بالإسلام"؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها، فلاحظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية به الحظ".
"وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدًا يروضها على هذه الحركة ما دام حيًا، فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية، يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات، لا يكون الإسلام إسلامًا بغيرها، فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ: هي عماد الدين، بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار المعاني الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في حيز من الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك كله تحقيق المسلم لوجود روحه، إذا كانت أعمال الدنيا في جملتها طرقًا تشتت فيه الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه، فتنكرها ولا تعرفها".
"وهذا الوجود الروحي هو مبعث العقلية التي جاء بها الإسلام؛ ليهدي الإنسانية إليها، حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا
[ ٣٨٩ ]
المهلكة حربًا خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله والإنسانية عليه، فلا يكون ذهبه وفضته مما كتب عليه "ضرب في مملكة كذا"، ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي"، ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي الأخذ فحسب، بل للعطاء أيضًا، فإن قانون المال هو الجمع، أما قانون العمل فهو البذل".
"بالانصراف إلى الصالة، وجمع النية عليها يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يحد فيها إلا بالله وحده".
"وبالقيام في الصلاة يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده".
"وبالتولي شطر القبلة في سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة، فيحمل قلبه معنى الاطمئنان، والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها".
"وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو، والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون".
"وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسًا فوق الدنيا يحمد الله، ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو".
"وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالًا جديدًا من جهتي السلام والرحمة".
"وهي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا، لجمح الشهوات، وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها، وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء كل يوم خمس مرات عن النفس، فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر روحه أنها تنمو وتتسع، هي خمس صلوات، وهي كذلك
[ ٣٩٠ ]
خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا ١".
د- طريقة الزيات:
كذلك آثرت تسمية طريقة لازيات باسم "طريقة البيان المنسق"؛ لأن هذا الكاابت أولًا يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويجعلها في المحل الأول، ثم؛ لأنه ثانيًا لا يعمد إلى البيان البسيط أو إلى البيان المركب، وإنما إلى البيان الذي يقوم على التنسيق والهندسة، فالجملة فيه تعادل الجملة، بل الكلمة تقابل الكلمة، والفقرة توازي الفقرة، حتى ليتألف من الكلمات والجمل والفقرات لوحة بيانية تتقابلب خطوطها، وتتعادل مساحاتها وتتوازن ألوانها، كاللوحات التي ترسم على مسطح قسم أولًا إلى مربعات، كيلا ينحرف خط أو تزيد مساحة، أو يجور لون.
والزيات يهتم -لتحقيق ذلك- باستخدام ألوان من المحسنات، ولكن في مهارة فائقة، ورشاقة شفافة، وبعض هذه المحسنات يأتي به لتحقيق التناسق الصوتي كالسجع والجناس، وبعضها يأتي به لتحقيق التناسق المعنوي كالمقابلة والطباق.
وهكذا يحس قارئ مقالة الزيات، أنه أمام عمل هندسي مصمم مقسم مهندم، قد اعتنى فيه بالحرف والمقطع والكلمة، مثل العناية بالجملة والعبارة والفقرة. فلا تثقل كلمة وتخف كلمة، ولا تطول عبارة وتقصر عبارة، ولا يوضع جزء من الجملة "نشازًا" دون جزء آخر يقابله ويسانده، ويكون معه عملًا جماليًا أساسه التناسق والتعادل.
وأهم ما يمثل فن المقالة عند الزيات، تلك المقالات التي كان يفتتح بها أعداد مجلة "الرسالة"، والتي جمع أكثرها بعد ذلك في مجلدات باسم "وحي الرسالة"، وتلك المقالات تتنوع بين أدبية وسياسية ووصفية، ويغلب عليها وفرة العناية بالإطار، وشدة رعاية جانب الشكل، حتى ليقل الزاد الفكري
_________________
(١) ١ انظر: مجلة الرسالة عدد ١٥ إبريل سنة ١٩٣٥.
[ ٣٩١ ]
فيها، ويتضاءل المضمون بها في كثير من الأحايين، ولكنها تبقى -برغم ذلك- باهرة بإشراق صياغتها، أخاذة بروعة بيانها، هذه الروعة التي تجعل منها في بعض الأحيان شيئًا شبيهًا بالشعر، وخاصة في الموضوعات العاطفية والوصفية.
وهذا نموذج "لطريقة البيان المنسق" التي عرف بها الزيات تتضح فيها أهم سمات تلك الطريقة التي سلف عنها الحديث، والنموذج جزء من مقال للكاتب بعنوان: "أوروبا والإسلام"، وفيه يقول:
"شيع الناس بالأمس عاما قالوا: إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عامًا يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلامًا سيعقبه دمار! ".
"حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الدكتاتورية، وزعمتا للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تمثل الإخاء والمساواة، فالحرب بينها وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض،والتعصب للجنس والتطلع إلى السعادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل، ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطوه على مياه "الأطلسي"، واتخذوا من الحريات الأربع التي ضمنها هذا الميثاق مادة للدعاية شغلت الإذاعة والصحافة والتمثيل، والتأليف أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح يتنزلون في كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت، وتشرشل وستالين، وأن الله الذي أكمل الدين وأتم النعمة وختم الرسالة، قد عاد فأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرأوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو! وعلى هذا الوهم الأثيم بذلت الأمم الصغرى للدول الكبرى قسطها الأوفى من الدموع والدماء والعرق؛ فأقامت مصر من حريتها، وثروتها وسلامتها في "العلمين" سدًّا دون القناة، وحجزت تركية
[ ٣٩٢ ]
بحيادها الودي سيل النازية عن الهند، وفتحت إيران طرقها البحرية والبرية ليمر منها العتاد إلى روسيا، ولولا هذه النعم الإسلامية الثلاث لدقت أجراس النصر في كنائس أخرى".
"ثم تمت المعجزة وصرع الجبارون ووقف الأنبياء الثلاثة، على رءوس الشياطين الثلاثة، يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلعت شعوب الأرض إلى مشارق الوحي في الوجوه المقدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقرون تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تنهتك، وإذا التسابيح والتراتيل عواء وزئير، والوعود والمواثيق خداع وتغرير، وإذا الديمقراطية والشيوعية والنازية والفاشية كلها ألفاظ تترادف على معنى واحد، هو استعمار المشرق واستعباد أهله! ".
"إذن برح الخفاء وانفضح الرياء، وعادت أوروبا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام١ ".
هـ- طريقة المازني:
وأخيرًا فصلت لطريقة المازني اسم "طريقة الأداء المصري"؛ لأن هذا الكاتب يميل في أسلوبه إلى أن يؤدي مشاعره وأحاسيسه وأفكاره وانطباعاته، بروح مصرية، وبلغة فيها ظلال لغة المصريين، فهو يميل إلى الدعابة والسخرية وإبراز المفارقات، مما عرفت به الروح المصرية في تناولها للأشياء، ثم هو يعمد إلى البساطة واليسر في التعبير، ويستخدم -غالبًا- الألفاظ الأليفة التي تعودتها الآذان، ويلجأ إلى العبارات المأنوسة التي ألفتها الألسنة٢، وهو يؤثر من هذه وتلك ماله رصيد نفسي مصري، وإشعاع شعبي غني، ما دامت الفصحى لا تنكرها، والعربية السليمة لا ترفضها، بل إنه في
_________________
(١) ١ انظر: مجلة الرسالة، عدد ٧ يناير سنة ١٩٤٦. ٢ اقرأ ما كتب "جيب" عن أسلوب المازني وتطوره في: Studies on the Civilization of Islam: Gibb. pp.٢٨٣-٢٨٤
[ ٣٩٣ ]
كلفه بمثل تلك الألفاظ والتعابير، يوشك أن يجري جريًا وراء اللفظة الشعبية والعبارة المصرية التي تحاشاها الاستعمال المتفاصح، حتى ظُن أنها ليست عربية. وفوق كل هذا يكلف المازني بالمثل الشعبي كما يكلف برسم الصورة المصرية التي تستمد عناصرها من البيئة المحلية، ومن البيئة القاهرية على وجه الخصوص. والمازني في كل ذلك قاصد إلى الأداء بأسلوب فيه ظلال اللغة المصرية، كما هو قاصد بسخريته ودعابته ومفارقاته إلى الأداء بأسلوب فيه عطر الروح المصرية كذلك، ومن تآزر عطر الروح المصرية، وظلال اللغة المصرية في أسلوب المازني، يتحقق ما سميته "بطريقة الأداء المصري".
على أننا نجد في أسلوب المازني أحيانًا بعض الألفاظ الغربية، أو المغالية في مستوى الفصاحة، وأغلب الظن أنه يستخدم مثل تلك الألفاظ في معارض السخرية، أو إظهار المفارقة أو الإضحاك، كأن يخاطب متعاليًا بقوله: "أيها الفطحل"، وكأن يتحدث عن متحذلق بقوله: "إنه من الجهابذة"، وكأن يقول عن حالته امتلائه: "إنه شعر بالكظة".
وبرغم هذا "الأداء المصري" في طريقة المازني، قد كان -غالبًا- لا يتورط في إهمال قواعد اللغة أو اللجوء إلى الألفاظ، أو التراكيب العامية، وإنما كان يحافظ على الإطار اللغوي الفصيح، في قواعده، وتراكيبه ومفردات ألفاظه، اللهم إلا ما قد يكون من استعمال للفظة هنا أو عبارة هناك، حين يفرضها رسم لجو ما، أو يحتمها تصوير لشخصية معينة، أو يدعو إليها إيحاء خاص.
وهذا نموذج يصور إلى حد كبير طريقة المازني، أو "طريقة الأداء المصري"، وسماتها التي سلف عنها الحديث، والنموذج جزء من مقال للمازني بعنوان "بين القراءة والكتابة"، وفيه يقول:
"مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب؛ لأني كنت أقرأ! والقراءة والكتابة عندي نقيضان، وقد كنت -وما زلت- امرءًا يتعذر عليه، ولا يتأتى له، أن يجمع بينهما في فترة واحدة، ولكم أطلت الفكر في ذلك
[ ٣٩٤ ]
فلم يفتح علي بتعليل يستريح إليه العقل ويأنس له القلب، وما أظن بي إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز "عربات الرش"، التي تتخذها مصلحة التنظيم -خزان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ! وكذلك أنا فيما أرى؛ أحس الفراغ في رأسي، وما أكثر ما أحس ذلك! فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي، هذا الذي خلقه الله لي خلقة عربات الرش كما قلت! حتى إذا شعرت بالكظة وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء، وقمت عنه متثاقلًا متثائبًا من التخمة، فلا ينجيني إلا أن أفتح الثقوب وأسح! وهكذا دواليك!
"ولكم قلت لنفسي: أهذا الذي ركبه الله لك يا مازني بين كتفيك، رأس كرءوس الناس أم معدة أخرى؟؟ وأداة نظر وإدراك وتفكير هو أم مخزم يكتظ حينا ويخلو أحيانًا تبعًا لانتقال الأحوال بك؟ والحق أقول: إن الجواب يعييني؟ وإذا لم أكن قد ركبت من الوهم شر الحمير! فالناس في الأكثر والأعم إنما يعالجون الكتابة؛ لأن في رءوسهم فكرة أو خالجة، كائنة ما كانت، يبغون العبارة عنها والإفصاح بها، ولست أرى كذلك، ولقد يخيل إلي في بعض الأحايين أن في نفسي معنى معينًا، ويؤكد ذلك عندي ويقرر اعتقاديه، ما أحسه من جيشان الصدر واضطرابه، فأذهب ألتمس هذا المعنى أو الخاطر، فإذا به قد تبخر! وإذا بي كابني حين يجلس إلى جانبي ويحاول أن يقبض على الدخان الذي يتصاعد من سيجارتي، وأنا أضحك من هذا الذي يحاوله، وألهو به وأقول: إنه يجرب في عالم المحسوسات بعض ما أعانيه في عالم المعنويات!
" وأحيانًا أفعل هذا: أسأل نفسي "أفي رأسك شيء؟، وأعني بالشيء ماله قيمة، لا أي شيء على الإطلاق، فتساورني الشكوك، فأنقر بأصبعي على جوانب رأسي كمن يريد أن يتبين من الرنين مبلغ الخلو! وربما أسفت؛ لأني لا أستطيع أن أتناول رأسي هذا، وأن أقلبه بين كفي، وأن أفعل به ما يفعل المرء حين يختبر البطيخ!
[ ٣٩٥ ]
" وأمري مع الكتب أغرب، كنت في أول عهدي بها -أي منذ عشرين سنة أو نحو ذلك- أذهب في أول كل شهر إلى واحد من باعتها، فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له، فيرفع رأسه إلى الرفوف، ويدور حول نفسه وهو في مكانه، ثم يلتفت إلي وعلى شفته -دون عينيه- ابتسامة جهل وغباء، ويهز لي رأسه أسفًا، فأنحيه عن الطريق وأمضي إلى الرفوف وأجيل عيني فيها، وآخذ منها ما يروقني، وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار! وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين، إن كان فوقهما شيء يستحق الذكر! ".
" وإني لأمر الآن بالمكاتب فأشيح بوجهي عنها وأغمض عيني دونها، ويردني الكتاب بكرهي فأتركه حيث يقع، وأهمله الأسابيع والشهور، وإذا فتحته اكتفيت بأن أعبره تزجية للوقت، ولم أبال من أي موضع بدأت، وسيان عندي أن أقرأه من أوله إلى آخره، أو من آخره إلى أوله، أو أن لا أقرأه، وقد تعاودني الحمى القديمة، ويتأوبني الحنين الماضي إلى الكتب، فأدافع نفسي عنها ما استطعت، فإن عجزت وغلبت على أمري، طاوعتها على حذر وسايرتها متحفزًا، وذهبت أتخير لها الكتب وأنتقيها، ومهما يكن من الأمر، فلست الآن ذلك الذي كان كأنما يعبد منها دمى وأصنامًا، ولقد غنمت أول فرصة سنحت فبعتها جملة، وتحريت بعد ذلك أن أزداد جهلًا! ".
"ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب! كما يقول المثل العامي، وللعادة حكم! لا يقوى المرء كل حين على مغالبته، والنفس لا تطاوع المرء دائمًا على ما يريدها عليه من الخمود والتبلد، وقد يزعج المرء أن يرى نفسه يقضي أيامه بطين الجسد وحده، أو يموتها على الأصح؛ فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد لا ينقصها إلا الرمي، وما لا يصح سلوى ومتعة قد يصلح دواء، وعسير على من تعنود أن يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد ويخلد إلى الركود، فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينًا بعد حين١".
_________________
(١) ١ انظر: قبض الريح للمازني ص٥ وما بعدها.
[ ٣٩٦ ]