لقد أثمرت تلك الجهود التي بذلها محمد عبده، وأنصاره منذ الفترة السابقة١، حتى تبلور الاتجاه الذي راده في طرقة فنية للمقالة، تعتبر
_________________
(١) ١ اقرأ ما كتب عن ذلك في مبحث النثر بالفصل السابق من هذا الكتاب.
[ ١٦٥ ]
الطريقة النثرية الأولى -من الناحية الزمنية- في الأدب الحديث، وقد كان مصطفى لطفي المنفلوطي١، وهو العلم البارز في تلك الطريقة، التي يمكن أن تحمل اسمه، فيقال لها: "طريقة المنفلوطي".
وطريقة المنفلوطي لها سمات أسلوبية واضحة، أهمها: البعد عن التكلف، والنأي عن التقليد، والقصد إلى الصدق، والاهتمام بحسن الصياغة، وجمال الإيقاع ورعاية الجانب العاطفي، ثم الميل إلى السهولة والترسل، وترك التعقيد والمحسنات، فيما عدا بعض السجع المطبوع، الذي يأتي بين الحين والحين للإسهام في موسيقى الصياغة٢.
وقد كان المثل الأعلى لتلك الطريقة، ذلك النثر المرسل الجيد الذي خلفته عصور الازدهار العربية، لكن لم تكن كتابات المنفلوطي مع ذلك محاكاة لتلك النماذج التي يمثلها نثر تلك العصور القديمة، وإنما كانت كتابات -برغم محافظتها- فيها كثير من الإبداع والأصالة، وعليها طابع الكاتب وفيها ملامح شخصيته، والطريقة التي أوضح معالمها المنفلوطي، طريقة محافظة بيانية، أشبه بطريقة شوقي في الشعر، وقد كان المنفلوطي قمة من كتبوا بها منذ رادها محمد عبده في الفترة السابقة، كما كان شوقي قمة من نظموا بالأسلوب المحافظ
_________________
(١) ١ ولد بمنفلوط سنة ١٨٧٦، وتدرج في تعليمه من الكتاب إلى الأزهر، وحضر دروس الشيخ محمد عبده، ثم ترك الأزهر بعد عشر سنوات، وذلك لغلبة الميول الأدبية عليه، واتجه إلى كتب الأدب ودواوين الشعر، وكتابات محمد عبده وكبار المفكرين وترجماتهم، وقد اتجه إلى الكتابة في الصحف، فكان من كتاب المؤيد البارزين، ثم عينه سعد زغلول محررًا عربيًا في وزارة المعارف، ثم انتقل مع سعد إلى وزارة العدل، ثم فصل بعد خروج سعد من الوزارة، وظل يكتب في الصحف، إلى أن عينه سعد من جديد في وظيفة تحريرية في مجلس الشيوخ بعد أن أعد البرلمان سنة ١٩٢٣، وظل في هذا العمل حتى توفي سنة ١٩٢٤. اقرأ عنه في: الأدب العربي المعاصر في مصر للدكتور شوقي ضيف ص٢٢٧، المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر لأنور الجندي، والمنفلوطي حياته وأدبه لمحمد أبو الأنوار "رسالة ماجستير"، واقرأ عنه أيضًا في: Studies on the civiaztion of Islam: Gibb. p. ٢٥٨ ٢ اقرأ مقدمة النظرات، والأدب العربي المعاصر في مصر ص٢٣٠، وما بعدها.
[ ١٦٦ ]
البياني، منذ اتجه إليه البارودي في الفترة السابقة أيضًا، كذلك كانت تلك الطريقة النثرية تسهم في النضال بكل ميادينه السياسية، والاجتماعية والإصلاحية، تمامًا كما كان الشعر المحافظ يفعل.
وأهم ما يمثل تلك الطريقة مقالات المنفلوطي، التي كان ينشرها في المؤيد١، والتي جمعها بعد ذلك في ثلاثة مجلدات باسم "النظرات"، وهي مقالات في الأدب والأخلاق والاجتماع، تتسم بهذه الخصائص الأسلوبية التي أشير إليها من قبل، والتي من أهمها: رعاية جمال الأسلوب دون اعتماد على المحسنات، باستثناء القليل من السجع المطبوع، ثم الاهتمام بتحريك العاطفة، وهزها بمختلف الوسائل.
وقد سيطرت تلك الطريقة، وغلبت نزعتها على الكتابة خلال تلك الفترة وبعدها بسنوات، حتى لقد طبعت النظرات إلى الآن ست عشرة مرة٢، نظرًا لأسلوبها الذي يجذب القراء، وخاصة الشادين في الأدب، والناشئة في صناعة القلم، فبقيت حية مقروءة على حين اختفت معظم الكتابات التي كانت تهاجم صاحبها، وذلك؛ لأنها كانت أكثر تمثيلًا لروح العصر٣.
ومع هذا لم تكن "طريقة المنفلوطي" هي المثل الأعلى لكتابة المقالة، فقد عيب عليها: الاهتمام البالغ بالأسلوب، وفقر الجانب الفكري، والمبالغة في اصطناع الأسى وإثارة العاطفة، ثم عدم الدقة في الاستعمال اللغوي أحيانًا، والميل إلى حشد الألفاظ المترادفة، والعبارات المكملة، والكلمات المؤكدة، دون حاجة إلى ذلك يقتضيها الموقف، أو تحتاجها الفكرة٤.
_________________
(١) ١ كان يصدر المؤيد الشيخ علي يوسف، وقد بدأ المنفلوطي كتابته لنظرات سنة ١٩٠٨، ونشر أول جزء منها في مجلد سنة ١٩٠٩. انظر: المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر لأنور الجندي ص٢٤٣. ٢ هكذا كانت طبعة النسخة التي بين يدي، ولعل طبعات أخرى قد تمت بعدها. ٣ انظر: Studies on the Civlization of Islam: Gibb p.٢٦٣ ٤ الديوان جـ٢ ص٧ وما بعدها، والأدب العربي المعاصر في مصر ص٢٣٣.
[ ١٦٧ ]
وبرغم ذلك وغيره مما أخذ على المنفلوطي وأسلوبه، قد كانت المقالات التي خلفها هذا الكاتب أول نماذج فنية للمقالة، يمكن أن تقرأ وتستعاد، فتمتع وتعجب، ويمكن لهذا أن تعتبر -بحق- قطعًا من الأدب، لا مجرد كتابات في الأدب، أو الأخلاق أو الاجتماع ككتابات كثيرين غيره.
وهذا نموذج من النظرات، عنوانه: "أيها المحزون" يقول فيه المنفلوطي:
"إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي، فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطالب، وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنحها،، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها، حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء، ومن ينام على بساط الغبراء؛ فخفض من حزنك، وكفكف من دمعك، فما أنت أول غرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بأول بدعة طريفة في جريدة المصائب والأحزان".
"أنت حزين؛ لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك، فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته فما وجدته. ولو أنك أجملت في أملك، لما غلوت في حزنك، ولو أنك أنعمت نظرك فيما تراءى لك، لرأيت برقًا خاطفًا، ما تظنه نجمًا زاهرًا، وهناك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله".
"أسعد الناس في هذه الحياة، من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظر المستريب بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وغلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل".
"لولا السرور في ساعة الميلاد، ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا
[ ١٦٨ ]
الوثوق بدوام الغنى، ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة الفراق١".
على أن طريقة المنفلوطي -أو الاتجاه المحافظ البياني- في النثر، لم تكن الطريقة الوحيدة لكتابة المقالة في تلك الفترة؛ فالحق أن تلك الطريقة كانت الطريقة الوسط، التي تأتي بين اتجاهين آخرين، لم يكونا من الوضوح والقوة حينذاك، بحيث يعتبران طريقتين مميزتين أخريين. أما أحد هذين الاتجاهين، فقد كان أكثر تشبثًا بالتراث، وأقوى تعلقًا ببعض مخلفاته، حيث اصطنع السجع على طريقة أسلوب المقامات، وكانت كتابات أصحاب هذا الاتجاه، مقالات في موضوعات أشبه بموضوعات طريقة المنفلوطي، فبعضها أدبي، وبعضها أخلاقي، وبعضها اجتماعي، ومع ذلك لم يتخذ أسلوبًا فيه كثير من طابع الكتابة التنليدية التي عرفت في الفترة السابقة٢، والتي كانت تتناول في أكثر الأحايين موضوعات ليس لها صفة العموم، وأغلب الظن أن امتداد تأثير هؤلاء السجاعين الشكليين من جانب، والتشبث الشديد بالتراث، وبفن المقامات من جانب آخر؛ ثم محاولة بعض الشعراء كتابة نثر فيه بعض خصائص الشعر من جانب ثالث؛ كل هذا قد أوجد هذا الاتجاه في كتابة المقالة المسجوعة، رغم انطلاق لغة المقالة وتحررها، وميلها إلى طبيعة الفن النثري الحي.
ومن أبرز ما يمثل هذا الاتجاه من اتجاهات الكتابة، كتاب "أسواق الذهب"٣ للشاعر أحمد شوقي، وكتاب "صهاريج اللؤلؤ" للسيد توفيق
_________________
(١) ١ النظرات للمنفلوطي جـ١ ص٦١. ٢ أقر مبحث النثر في الفصل السابق مقال١ -الكتابة الإخوانية، واتجاهها إلى التقليد. ٣ ظهر سنة ١٩١٦، انظر المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر لأنور الجندي ص٢٤٣، ونشأة النثر الحديث، وتطوره لعمر الدسوقي جـ١ ص١٢٧.
[ ١٦٩ ]
البكري١، إذا استثنينا منه قصائده المستقلة، فكل من الكتابين يحوي مقالات في موضوعات مختلفة، وإن غلب عليها طابع التأملات، والانطباعات والوصف، وما إلى ذلك من الموضوعات القريبة من ميدان الشعر، وكل مقالة تعتمد أساسًا في أسلوبها على السجع، وحشد المترادفات، وإيراد الإشارات التاريخية، وبث الحكم والأمثال، ويزيد "صهاريج اللؤلؤ" على ذلك، تضمين المقالات بعض ما يناسب المقام من الشعر، إما للمؤلف، وإما من التراث. كما يزيد "صهاريج اللؤلؤ" أيضًا اشتماله على بعض قصائد شعرية للمؤلف لا تتخلل النثر، وإنما ترد مستقلة.
وليس من شك في أن هذا الاتجاه -برغم جودة بعض نماذجه- كان صحوة الموت بالنسبة للنثر البديعي المتكلف، الذي لفظ آخر أنفاسه بعد سيطرة الاتجاه المرسل، وتطور طرقه وتنوعها، منذ الفترة التالية.
وهذا نموذج من "أسواق الذهب" لشوقي، يقول فيه تحت عنوان المال: "يا مال الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سحرت القرون، وسخرت من قارون، وسعرت النار يا نيرون. تعود الحقد أن يحالفك، وكتب على الشر أن يخالطك ويؤالفك، الفتنة إن حركتها اتقدت، وإن تركتها رقدت، والحرب وهي الحرب، تبعثها ذات لهب، منك الرياح ومنك الحطب، تزري بالكرام، وتغري بالحرام، وتضري بالإجرام، فقدانك العر والضر، ونكد الدنيا على الحر، حالك وحال الناس عجب، تملكهم من المهد، ويقولون: أصبنا وملكنا، وترثهم عند اللحد، ويقولون، ورثنا وتركنا، من عاش قوموه بما ملك، ومن هلك، تساءلوا: كم ترك؟ المحروم من أوثقك، والضائع من أطلقك، وهما فقيران، من جمعك ومن فرقك، كثير هم، وقليلك غم، ومع التوسط الخوف والطمع، والحرص والجشع؛ حذر النفاد، ورغبة في الازدياد. الملك سوقة إذا نزل إليك، والسوقة ملك إذا علا عليك.
_________________
(١) ١ اقرأ عنه في: الأعلام الزركلي جـ٦ ص٢٩١، وفي الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ٢ ص٤٢١ وما بعدها، وقد ظهر صهاريج اللؤلؤ قبل سنة ١٩١٢، التي نقل فيها المؤلف إلى لبنان للعلاج.
[ ١٧٠ ]
أرخصت الجمال، ونقصت الكمال، وخطبت لهجن الرجال ربات الحجال، صويحباتك هن المفضلات، وغيرهن المتروكات المعطلات. العريان من ليس له منك سترة، والمستضعف من ليس له منك قدرة، فسبحان من قهر بك الخلق، وقهرك برجال الخلق"١.
وهذا نموذج من "صهاريج اللؤلؤ" للبكري، يقول فيها تحت عنوان "العزلة" متحدثًا عن عوامل هجرة للحياة الاجتماعية الحضرية، وما فيها من مفاسد: " وأما الأخلاء، والصحب والسجراء٢، فحسبك من رجل غون في كل أمر لم ترده، ونصير في كل مطلب لم تقصده، فإن عرض لك بعض الحاج، فالعلوي يسترفد الحجاج. ماء يتلون بلون الإناء، ونيلوفر يدور مع الشمس في الإصباح والإمساء، إن جددت فإليك، أو شقيت فعليك، مدحٌ مع المادح، وقدح مع القادح.
والقوم من يلق خيرًا قائلون له ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل
أجسام متدانية، وقلوب متنائية، وإنكان خبر سوء فحماد الراوية.
حدث عن البحر ولا حرج، مئذنة في ظاهر مستقيم وباطن معوج.
له لطف قول دونه كل رقية ولكنه في فعله حية تسعى
وأما أبناء السامة٣، فإن أحدهم غادة ينقصها الحجاب، ينظر في المرأة ولا ينظر في كتاب، إنما هو لباس على غير ناس، كما تضع الباعة مبهرج الثياب على الأخشاب.
وهل ينفع الوشي السحيب مضللا وإن ذكوت في القوم قيمته خزي
رماد تخلف عن نار، وحوض شرب أوله، ولم يبق منه غير أكدار. آباء وأحساب، وحال كشجر السلجم٤ أحسن ما فيه ما كان تحت التراب "ترى
_________________
(١) ١ أسواق الذهب ص٦٧. ٢ جمع سجير، وهو الخليل الوفي. ٣ الذهب والفضة. ٤ نبات.
[ ١٧١ ]
الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل" إلى رطانة بالعجمية بين الأعراب "أبرد من استعمال النحو في الحساب"، "لو كان ذا حلية لتحول"، "وهل عند رسم دارس من معول".
وقح تواصوا بترك البر بينهم نقول: ذا شرهم بل ذاك بل هذا
ميسر يلعب، ومال يسلب. وخدن يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفح، وفرس يضبح.
أبا جعفر ليس فضل الفتى إذا راح في فضل عجابه
ولا في فراهة برذونه ولا في نظافة أثوابه
دنيا موجودة، ونفس مفقودة. وعقل أسير، وهو أمير. "اليوم خمر، وغدًا أمر". فبيناه غني يتملك، إذ هو فقير يتصعلك. قوت، كيلا تموت. ومن إيوان كسرى إلى بيت العنكبوت "١.
وأما الاتجاه الآخر، فقد كان كرد فعل للاتجاهين السابقين، فهو لم يكن شديد الكلف بتجويد الصياغة، ورعاية جانب البيان، كما لم يكن -من باب أولى- متكلفًا للسجع مصطنعًا لغة المقامات، وذلك؛ لأن السائرين في هذا الاتجاه، لم يكونوا من المتعلقين بالتراث، ولا من المؤمنين بفكرة الجامعة الإسلامية التي تشد إليه، وإنما كانوا من المولين وجوههم شطر الغرب، ومن المؤمنين بالحضارة الأوروبية أشد الإيمان، ومن هنا لم يشغلوا أنفسهم بتجويد الأسلوب تجويدًا بيانيًا كما فعل المنفلوطي، كما لم يرهقوا أقلامهم بتحميلها أعباء البديع كما فعل البكري، وإنما اهتموا أعظم الاهتمام بالجانب الفكري، فمالوا إلى الموضوعية، واصطناع المنطق، وجنحوا إلى الوضوح والدقة، والترسل الكامل. هذا إلى تحميل الكلام شحنة من الثقافة والفكر الغربي، وخير من يمثل هذا الاتجاه في تلك الفترة أحمد لطفي السيد٢، ومن أمثلة مقالاته ما كتبه تحت عنوان:
_________________
(١) ١ صهاريج اللؤلؤ ص١٤٢ وما بعدها. ٢ ولد بقريق برقين من أعمال السنبلاوين سنة ١٨٧٢، وتعلم في كتاب القرية، ثم =
[ ١٧٢ ]
"غرض الأمة هو الاستقلال"، حيث يقول: "استقلال الأمة في الحياة الاجتماعية، كالخبز في الحياة الفردية، لا غنى عنه؛ لأنه لا وجود إلا به، وكل وجود غير الاستقلال مرض يجب التداوي منه، وضعف يجب إزالته، بل عار يجب نفيه.. استقلال الأمة عمن عداها، أو حريتها السياسية حق لها بالفطرة، لا ينبغي لها أن تتسامح فيه، أو أن تني في العمل للحصول عليه، بل ليس لها حق التنازل عنه لغيرها، لا بكله ولا بجزئه؛ لأن الحرية لا تقبل القسمة، ولا تقبل التنازل، فكل تنازل من الأمة عن حريتها -كلها أو بعضها- باطل بطلانًا أصليًّا، لا تلحقه الصحة بأي حال من الأحوال، فلا جرم مع هذا المبدأ المسلم به عند علماء السياسة أن قلت: إنه يجب على الأمة أن توجه كل قواها -بغير استثناء- للحصول على وجودها، أي الحصول على الاستقلال١..".
هذا، وقد كانت تلك الاتجاهات الأسلوبية الثلاثة، تتقاسم أقلام الناثرين
_________________
(١) في مدرسة المنصورة الابتدائية، ثم في مدرسة الخديوية بالقاهرة، وانتهى من المرحلة الثانوية سنة ١٨٨٩. ثم التحق بالحقوق. وخلال دراسته في الحقوق تردد على الأزهر مع أستاذه الشيخ حسونه النواوي؛ ليقرأ له دروس الفقه التي كان يلقيها في الصباح الباكر، وأتم دراسة الحقوق سنة ١٨٩٤، وعين في النيابة. وفي سنة ١٨٩٧ سافر إلى سويسرا، "والتقى فيها بقاسم أمين، ومحمد عبده، وسعد زغلول"، واختلف إلى ما كان يلقي من محاضرات في جامعة جنيف ثم انتظم بعد عودته إلى مصر في سلك النيابة حتى سنة ١٩٠٥، فاستقال وعمل بالمحاماة، ثم أخرج الجريدة سنة ١٩٠٧، وشارك في الكفاح من أجل الجامعة التي افتتحت سنة ١٩٠٨ ثم عين مديرًا لدار الكتب خلال الحرب الأولى، ثم اختير مديرًا للجامعة بعد أن صارت حكومية سنة ١٩٢٥، وفي سنة ١٩٢٨ ترك الجامعة إلى وزارة المعارف، ثم ترك الوزارة، وعاد إلى الجامعة، ثم استقال بمناسبة أزمة طه حسين في عهد صدقي، ثم عاد بعد استقالة وزارة صدقي سنة ١٩٣٥، وظل في الجامعة إلى سنة ١٩٤١، فعين عضوًا بالشيوخ، وشارك في بعض الوزارات، ثم اختير رئيسًا للمجمع اللغوي، وظل كذلك إلى أن توفي سنة ١٩٦٣، اقرأ عنه في: الأدب العربي المعاصر في مصر لشوقي ضيف ص٢٥١، وفي المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر لأنور الجندي، وفي أدب المقالة الصحفية لعبد اللطيف حمزة جـ٦ ص٤٢، وما بعدها. ١ انظر: الأدب العربي المعاصر في مصر ص٢٥٧-٢٥٨.
[ ١٧٣ ]
عمومًا في تلك السنين، على اختلاف الميادين التي فيها يكتبون؛ فقد كانوا يسيرون في تلك الاتجاهات الثلاثة، ولكن مع غلبة الاتجاه المحافظ البياني، أو سيطرة الأسلوب المرسل الجانح إلى جمال العبارة وجودة الصياغة، حتى فيما سوى المقالة من فنون النثر الفني، ولذا يمكن أن يقال: إن تلك الفترة قد شهدت -بظهور أول طريقة فنية للمقالة- ظهور أول طريقة فنية للنثر الحديث، وهي طريقة المنفلوطي.
[ ١٧٤ ]