وقد أدى تعريب الدواوين في تلك الفترة إلى اتساع المجال أمام الكتابة لتطور نفسها بعض الشيء، فالكتابة الديوانية "كتابة رسمية"، ومن هنا لا تتحمل -كثيرًا- هذه الألاعيب اللغوية والمحسنات اللفظية، التي من شأنها أن تغلف الركاكة وتستر التفاهة، أو على الأقل تحدث جوًا من التسلية والتفكة بين أصداء يتناولون أمورًا شخصية، وفردية تخصهم وحدهم، لذلك نجد في الكتابة الديوانية -عمومًا- ميلا إلى الموضوعية، واتجاهًا إلى الترسل، وبعدًا عن أبرز عيوب الكتابة الإخوانية، وليس الأمر أمر كاتب وكاتب فحسب، بحيث يكون واحد يسير فقط على الطريقة التقليدية، ويسير آخر على الطريقة المترسلة، بل الأمر -أيضًا- أمر ميدانين للكتابة، أو فنيين من فنونها، هذا يميل إلى طريقة في الأداء، وذاك يؤثر أخرى في التعبير، وقد وجدنا أديبًا كعبد الله فكري١، يكتب كتابات إخوانية بطريقة،
_________________
(١) ١ اقرأ ترجمته في: الآداب العربية للويس شيخو جـ٢ ص٨٥-٨٧، وشعراء مصر للعقاد ص٧٨.
[ ٦٨ ]
ويكتب كتابات ديوانية بأخرى، فهو حين يكتب في المسائل الإخوانية، يجنس ويسجع ويتكلف ما يتكلفه هؤلاء التقليديون، ثم هو حين يكتب في المسائل الرسمية يبسط ويترسل، ويجنح إلى ما يجنح إليه المجددون.. وهكذا كانت الكتابة الديوانية ميدانًا من الميادين التي ساعدت على تطور النثر وترسل الكتابة، والتخلص من عيوب التقليدية المتخلفة١، وهذا نموذج من كتابات عبد الله فكري الديوانية، كتب به إلى الوزير رياض باشا، يسجل له ما حدث في مؤتمر المستشرقين الذي كان عبد الله فكري قد شارك فيه مندوبًا عن الحكومة في جوتمبرج.. يقول عبد الله فكري "ثم أشير إلي فقمت، وأنشدت قصيدة كنت أعددتها لذلك بعد ارتحالنا من باريس، فأتممتها في الطريق، وبيضتها في استكهولم، فابتدأت أقول:
اليوم أسفر للعلوم نهار وبدت لشمس نهارها أنوار
ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب، وبالجملة لي لما أتممت الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسانها.. وحضر كاتب المؤتمر على أثر الفراغ منها، وسارني بطلب نسختها، فأخذها في الحفلة، وخطب بعد ذلك أناس، منهم المسيو "شفر" وافد فرنسا، وكانت هذه الحفلة خاصة بذلك، ليس فيها تقديم موضوعات علمية، ثم قام الملك وودع الحاضرين، وصافح البعض، وصافحنا، وقال: "حسنًا" وانصرفنا، وانقضت الحفلة، وارفضت الجميعة"٢.
فإذا عرفنا أن عبد الله فكري هو القائل في تقريظ الوقائع المصرية:
"لار يب أن كل من عرف التمدن، وشم عرف التفنن، وأخذ بنصيب من الفهم والتفطن، كان أحب شيء إليه، وأوجب أمر لديه، أن يكون مطلعًا على وقائع مصره، وعارفًا بما تجدد بين بني عصره، من حوادث الزمان، وعجائب عالم الإمكان "٣ أقول: إذا عرفنا أن عبد الله فكري هو قائل
_________________
(١) ١ شعراء مصر للعقاد ص٨٤-٨٦. ٢ انظر: المصدر السابق ص٨٤-٨٥. ٣ المصدر نفسه ص٨٥.
[ ٦٩ ]
هذا الكلام، عرفنا كيف كانت تخالف الكتابة الديوانية الكتابة الإخوانية مخالفة توشك أن تكون تامة، وعرفنا أن المسألة لم تكن فقط اختلاف كاتب وكاتب في هذا الشأن، وإنما كانت كذلك اختلاف ميدان وميدان، أو نوع من الكتابة ونوع آخر.
[ ٧٠ ]