في هذه الفترة استقر القصص كجنس أدبي، ولم يعد مترددًا بين استلهام التراث وتأسي القصص الغربي١؛ فقد اتجه تمامًا إلى الطريق الذي سلكه القصاصون الغربيون، وتأسي القوالب الفنية في القصة القصيرة والرواية، مستدبرًا تلك المحاولات التي قصدت استلهام التراث، كما فعل المويلحي في "حديث عيسى بن هشام"، ثم متجاوزًا مرحلة التمهيد التي كانت تمزج القصة ببعض العناصر الغريبة عن فنها الصحيح، كما فعل المنفلوطي في "العبرات"، وإلى ذلك كله ظهر جيل من كتاب القصص المتمكنين، الذين تفرغوا فنيًا لهذا الجنس الأدبي، ولم يشاركوا -كأغلب الكتاب الكبار- في المجالات الصحفية والسياسية، ولم يكن همهم المقال أو الكتاب أو ما إلى ذلك، فهؤلاء الكتاب القصصيون الخلص، هم الذين جعلوا لهذا الجنس الأدبي مكانًا مرموقًا بين الأجناس الأدبية الأخرى.
وليس من شك في أن القصص مدين في استقراره -بجانب جهود هؤلاء الرواد- لما كان الفترة السابقة من محاولات ولد معها هذا الجنس الأدبي على صورته الفنية في الأدب الحديث، حيث كان ميلاد الرواية على يد الدكتور محمد حسين هيكل٢، كما كان ميلاد القصة القصيرة على يد محمد تيمور٣.
_________________
(١) ١ اقرأ عن هذا التردد ما كتب في المقال رقم ٣ من المقالات الخاصة بالنثر في الفترة السابقة. ٢ اقرأ ما كتب عنه وعنه ميلاد الرواية الفنية على يديه في المبحث "د" من مباحث المقال رقم ٣ من مقالات النثر في الفترة السابقة. ٣ اقرأ ما كتب عنه وعن ميلاد القصة القصيرة على يديه في المبحث "هـ" من مباحث المقال رقم ٣ من مقالات النثر في الفترة السابقة.
[ ٤١٣ ]
ثم إن القصص مدين في استقراره -بجانب ذلك- لما كان من جهود المنفلوطي في قصصه المعرب والمؤلف، برغم كل ما أخذ عليه من عيوب، فقد جذب القراء إلى هذا الجنس الأدبي، وحبب إليهم متابعته بفضل ما كان لهذا الكاتب المقتدر من أسلوب مشرق، وعاطفة حارة وخيال مجنح١.
ولا يمكن أن ينسى في هذا المقال فضل المترجمين والمعربين، الذين نقلوا إلى العربية -في هذه الفترة والفترة التي قبلها- نماذج مختلفة من القصص الغربي، ومن هؤلاء الذين أسهموا في هذا الميدان: يعقوب صروف، الذي ترجم "قلب الأسد" عن "والترسكوت"، ونجيب حداد، الذي ترجم "الفرسان الثلاثة" عن "إسكندر دوماس" الأب، وحافظ إبراهيم، الذي ترجم "البؤساء" عن "فيكتور هوجو"، وأحمد حسن الزيات، الذي ترجم "رفائيل" عن "لا مارتين"، كما ترجم "آلام فرتر" عن "جوته"، ومن هؤلاء الذين أسهموا في ميدان الترجمة القصصية محمد السباعي الذي ترجم "قصة مدينتين" عن "تشارلز دكنز"، كما ترجم عدًا كبيرًا من القصص القصيرة لمشاهير كتاب الغرب٢، كما لا ينسى في هذا المقام فصل أعلام آخرين كان لهم نشاط ملحوظ في حركة الترجمة القصصية، مثل: أحمد حافظ عوض، وعباس حافظ، وعبد القادر حمزة، وإبراهيم المازني، ومحمد عبد الله عنان.
فهذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى روح ثورة سنة ١٩١٩، وما سببته من غلبة التيار الفكري الغربي، ومن رغبة في خلق أدب مصري٣، قد منحت
_________________
(١) ١ اقرأ ما كتب عنه بالمبحث "ب" من مباحث المقال رقم ٣ من المقالات الخاصة بالنثر في الفترة السابقة. ٢ نشرت معظم هذه القصص مؤخرًا في مجموعة بعنوان "مائة قصة"، وقد نشرها الأستاذ يوسف السباعي نجل المترجم. ٣ اقرأ ما كتب عن ذلك في التمهيد للحديث عن أدب هذه الفترة في صدر هذا الفصل، وخاصة المقال رقم ٤، وهو تحت عنوان "الأدب وغلبة الاتجاه التجديدي".
[ ٤١٤ ]
القصص استقرارًا، ووهبته قوة، حتى احتل -منذ هذه الفترة- منزلة في الأدب الحديث، بعد أن كان بعض الكتاب في الفترة السابقة يستحي أن يضع اسمه على عمل قصصي، كما حدث للدكتور محمد حسين هيكل حين نشر "زينب" لأول مرة١.
وكان من مظاهر هذا الاستقرار، نمو القصة القصيرة ونضجها وتحدد ملامحها؛ حتى صارت كائنات قويًّا يوشك أن يدافع بقية الكائنات الأدبية الأخرى، وكان ذلك بفضل جيل من الرواد الذين اهتموا بالقصة القصيرة، وأوشكوا أن يوقفوا نتاجهم عليها، من أمثال عيسى عبيد وشحاته عبيد، ومحمود تيمور ومحمود طاهر لاشين٢. كما أسهم في هذا الفضل بعض الكتاب المرموقين ممن كان لهم نشاط كبير في ميادين عديدة من ميادين الأدب، مثل إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم٣، كما أسهم في هذا الفضل بعض شباب الأدب في ذلك الحين، ممن سيكون لهم شأن كبير في الفن القصصي بعد ذلك، مثل نجيب محفوظ٤.
كذلك كان من مظاهر هذا الاستقرار للفن القصصي -في هذه الفترة- نمو الرواية الفنية أيضًا؛ حيث كثرت الأعمال الروائية الجيدة، وتعددت
_________________
(١) ١ كان ذلك سنة ١٩١٢، وقد كتب المؤلف على الرواية: "زينب: مناظر وأخلاق ريفية -بقلم فلاح مصري". ٢ أخرج عيسى عبيد في هذه الفترة مجموعة "إحسان هانم" سنة ١٩٢١ وأخرج شحاته عبيد مجموعة "درس مؤلم" سنة ١٩٢٢، وأخرج محمود تيمور تسع مجموعات قصصية تبدأ "بالشيخ جمعة"، وتنتهي "بفرعون الصغير"، وأخرج محمود طاهر لاشين مجموعتين هما "سخرية الناي" سنة ١٩٢٦ و"يحكى أن" سنة ١٩٢٩. ٣ أخرج المازني في هذه الفترة ثلاث مجموعات هي: "صندوق الدنيا" سنة ١٩٢٢٩ و"خيوط العنكبوت" سنة ١٩٣٥، ثم "في الطريق" سنة ١٩٣٧. أما الحكيم فأخرج مجموعة "عهد الشيطان" سنة ١٩٣٨. ٤ أخرج نجيب في هذه الفترة مجموعة "همس الجنون" سنة ١٩٣٨.
[ ٤١٥ ]
ألوانها، وتمايزت اتجاهاتها؛ فكان منها اللون التحليلي النفسي، واللون التجريبي الشخصي، واللون الاجتماعي الإصلاحي، واللون الذهني الفكربي، واللون التاريخي القومي١.
كما كان من مظاهر استقرار الفن القصصي وقوته أيضًا، مشاركة كبار الكتاب في كتابة بعض الروايات، حيث ظهرت كتابات روائية للدكتور طه حسين، وللأستاذ العقاد وللأستاذ المازني، كل هذا بالإضافة إلى جهود جيل الكتاب القصصين الخلص؛ من أمثال عيسى عبيد، ومحمود طاهر لاشين، ومحمود تيمور، ثم نجيب محفوظ٢.
وعلاوة على هذا كله ظهرت بعض الفنون الأدبية ذات الملامح القصصية، كفن الترجمة الذاتية، الذي مثلته "الأيام" لطه حسين، وكفن "اليوميات" الذي مثلته "يوميات نائب في الأرياف"، لتوفيق الحكيم.
وتفصيل القول عن كل هذه الفنون القصصية المختلفة، وعن كل عمل من الأعمال المتصلة بها؛ في الكتاب الذي خصص لدراسة "الأدب القصصي والمسرحي في مصر"، وهو الكتاب الثاني المكمل لهذا الكتاب الأول.
_________________
(١) ١ الروايات التحليلية في هذه الفترة هي: "ثريا" لعيسى عبيد سنة ١٩٢٢، و"رجب أفندي" لمحمود تيمور سنة ١٩٢٨، و"الأطلال" للمؤلف نفسه سنة ١٩٣٤، و"أديب" لطه حسين سنة ١٩٣٥. وروايات التجربة الشخصية في هذه الفترة هي: "إبراهيم الكاتب" للمازني سنة ١٩٣١، و"سارة" للعقاد سنة ١٩٣٨، "عصفور من الشرق" للحكيم سنة ١٩٣٨ و"نداء المجهول" لتيمور سنة ١٩٣٩ وروايات الطبقة الاجتماعية تمثلها: "حواء بلا آدم" لمحمود طاهر لاشين سنة ١٩٣٤، و"دعاء الكروان" لطه حسين سنة ١٩٣٤ واللون الذهبي تمثله "عودة الروح" للحكيم سنة ١٩٣٣. أما اللون التاريخي فتمثله: "ابنة المملوك" لمحمد فريد أبي حديد سنة ١٩٢٦، و"عبث الأقدار" لنجيب محفوظ سنة ١٩٣٩. ٢ اقرأ تراجم لهؤلاء ودراسة لأعمالهم القصصية في: "الأدب القصصي والمسرحي في مصر" للمؤلف.
[ ٤١٦ ]