لم يعرف أدبنا القديم هذا القالب الفني للكتابة النثرية، وهو قالب "المقالة"، وإن كان عرف شيئًا قريبًا منه، وهو "الرسالة" التي نراها في بعض كتابات علم مثل الجاحظ، حيث تناول موضوعات محددة في صورة مركزة، تشبه -إلى حد كبير- شكل المقالة، وإن لم تكن هي تمامًا.
فالمقالة تتناول موضوعًا أكثر تحديدًا، وتعرضه بصورة أشد تركيزًا، وهذا الموضوع يتصل بقضية حية، ويتجه فيه الحديث إلى الجماعة، ويخضع آخر الأمر في أسلوبه لمقتضيات الصحافة، التي نشأ معها هذا الفن١.
وهكذا جاء فن المقالة -في الأدب المصري- استجابة لضرورات سياسية واجتماعية، ثم تطور نتيجة لهذا الوعي الذي كان ينمو وينضج في تلك السنين، من النصف الثاني من القرن الماضي، فقد وعي المصريون واقعهم بكل ما فيه من حاجات إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني، واتجه فريق من مثقفيهم إلى الكتابة في تلك الجوانب الإصلاحية العديدة، متخذين من الصحافة -تلك الوسيلة الجديدة- أداة لتوصيل آرائهم، وأفكارهم إلى مواطنيهم، وبدءوا يكتبون بأسلوب قريب من الأسلوب التقليدي المزركش، ثم أخذوا تدريجيًّا يتخلصون من ذلك الترسل٢، فلم يكن من الممكن أن يتجهوا إلى جمهور المواطنين عن طريق الصحف، بتلك اللغة المتكلفة المتلاعبة الملتوية الثقيلة،
_________________
(١) ١ انظر: أدب المقالة الصحفية للدكتور عبد اللطيف حمزة جـ١. ٢ المصدر السابق جـ١ جـ٢.
[ ٧٠ ]
لأنها عاجزة عن علاج المشكلات أولًا ثم؛ لأنها لن تفهم من جمهور القراء ثانيًا. وكان الوعي قد لفت الأنظار إلى التراث العربي النثري المشرق، وأدرك الوراد من الكتاب١ ما فيه هذا النثر من ترسل، وبساطة، وحرية، وقوة، وكان قد أذيع -ضمن ما أذيع من تراث- آثار نثرية جيدة، يمكن أن تكون أنماطًا للكتابة التي يجب أن توجه الجماهير عن طريق الصحف، كبعض كتب ابن المقفع، وكبعض آثار ابن خلدون، فأخذ الرواد من المثقفين المصريين يكتبون موضوعات في السياسة، والاجتماع والدين، بهذه اللغة الجانحة إلى الموضوعية والوضوح والترسل، وهم في ذلك مراعون لمقتضيات الصحافة وتحديد أنهرها، ومستوى قرائها، ووسائل تأتيها، فكانت من هذه الكتابات المقالات الحقيقية الأولى في الأدب الحديث٢.
وقد كان يؤازر المصريين ويشاركهم تلك الحركة، إخوانهم من مهاجري الشام المسيحيين، كما كان يرودهم ويوجههم، ذلك المصلح الغيور السيد جمال الدين الأفغاني، ومن كل تلك الظروف ولدت المقالة في ألوانها السياسية والاجتماعية والدينية، حيث وجدت موضوعات عامة تدعو إلى الكتابة، ووجد جمهور كبير يتجه إليه الكتاب، كما وجدت صحف تنقل هذه الكتابات إلى أكبر عدد من المتلقين، وفيهم العاديون من المتعلمين، بل وفيهم المستمعون للقراء من الأميين، وأخيرًا حيث وجد في التراث العربي -الذي بدأ الاهتمام به- نمط أسلوبي يمكن أن يحتذى في الجانب التعبيري على الأقل.
وكان لهذا التحول من الموضوعات التقليدية الضيقة فيما يكتب أولًا، ثم من الفرد إلى الجماعة فيمن يكتب إليه ثانيًا، أكبر الآثار في أن اتخذت المقالة
_________________
(١) ١ في مقدمة هؤلاء الشيخ محمد عبده. ٢ سبق رفاعة الطهطاوي ببعض كتابات رائدة في "الوقائع"، ثم في "روضة المدارس"، ولكنها لم تتخلص تمامًا من المعوقات التي لم تجعلها مقالات مكتملة. انظر: أدب المقالة الصحفية في مصر للدكتور عبد اللطيف حمزة جـ١ ص١٢٢، وما بعدها.
[ ٧١ ]
لغة تنأى عن فردية الموضع وعن استقراطية التعبير، وتميل إلى الموضوعية في الأغراض، والديمقراطية في الأسلوب.
وليس من شأنك في أن حركة الترجمة، وانتشار الصحافة، وإسهام المهاجرين الشوام، وتوجيهات الأفغاني؛ قد ساعدت الرواد الأول من كتاب المقالة في الأدب المصري الحديث على أن يرسوا دعائم هذا الفن النثري.
ولقد كان من أوائل هؤلاء الرواد، الشيخ محمد عبده١؛ فهو صاحب
_________________
(١) ١ ولد بمحلة نصر إحدى قرى البحيرة سنة ١٨٤٩، وحفظ القرآن بالقرية، ثم التحق بالمسجد الأحمدي بطنطا، وفيه تلقى بعض علوم اللغة العربية والشريعة، ثم عاد إلى بلده بعد حين وقد يئس من مواصلة الدرس لما وجد من تعقيدات تملأ الكتب المقررة، ثم قدم على الأزهر سنة ١٨٦٦ بعد أن اتصل ببعض الشيوخ الذين شجعوه وشحذوا عزيمته، وفي الأزهر أكب على الدراسة على كبار الشيوخ، وحين قدم السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر للمرة الأولى سنة ١٨٦٩، اتصل به محمد عبده، وحين عاد للمرة الثانية سنة ١٨٧١ بادر محمد عبده إلى لقائه، وتعلم على يديه الكثير في الأدب والفلسفة والتاريخ، والسياسة والاجتماع، وقد قرب الأفغاني الشاب المصري من نفسه، وأحله منزلة المريد. وفي سنة ١٨٧٦ بدأ محمد عبده يكتب في الصحف فصولا في موضوعات ثقافية مختلفة، فاشتهر بين أقرانه، وبدأ يعرف بحسن الفهم وجمال البيان، وجرأة القلب، وقد أوغر هذا صدور بعض المتخلفين والحاقدين، وبدأ خصومه يظهرون، وحين أتم محمد عبده دراسته في الأزهر وعرض نفسه على لجنة امتحان العالمية سنة ١٨٧٧ اجتاز الامتحان بعد صدام مع بعض الشيوخ، وكانت النتيجة أننال العالمية من الدرجة الثانية، وتولى التدريس بعد ذلك في الأزهر، ثم عين مدرسًا للتاريخ في دار العلوم سنة ١٨٧٨. ثم حالت السياسة بينه وبين التعليم، حين أمر الخديو توفيق بإخراج الأفغاني من البلاد، وتحديد إقامة محمد عبده في محلة نصر، ثم استدعي للإشراف على الوقائع المصرية سنة ١٧٨٠. وحين بدأت بوادر الثورة العرابية لم يكن الشيخ مؤيدًا لها، ثم انضم إليها بعد ذلك، وبعد فشل الثورة قبض على محمد عبده وحوكم، وظل رهن المحاكمة ثلاثة شهور بالسجن، ثم حكم عليه بالنفي ثلاث سنوات في سوريا، فلجأ إلى بيروت، وبعد أن أقام في الشام نحو عام كتب إليه السيد جمال الدين الأفغاني من فرنسا ليلتحق به، فذهب إلى باريس عام ١٨٨٤، واتصل بأستاذه الذي كان قد عاد من الهند، وأقام بالعاصمة الفرنسية، وفي باريس أصدر مع أستاذه جريدة العروة الوثقى، وقد أتيح للشيخ أن يزور لندن بدعوة من بعض أصدقائه الإنجليز، ثم عاد إلى باريس ورجع إلى بيروت سنة ١٨٨٥، للتدريس في المدرسة السلطانية.
[ ٧٢ ]
أثر كبير في تخليص لغة النثر عمومًا من التفاهة وأثقال المحسنات، وذلك بعد أن تطور هذا الشيخ١، وآمن بوجوب التخلص من تلك الآفات المعوقة، وكان قد استجاب لتوجيهات الأفغاني في وجوب الترسل، كما كان قد قرأ بعض التراث العربي البعيد عن الزخرف، كمقدمة ابن خلدون، وفتن بأسلوبها المرسل القوي المعبر، فلما أسند إليه تحرير "الوقائع المصرية" في عهد توفيق، عمل على تخليص كتاباتها من أوضار التقليدية المتخلفة، فكان يكتب كتابة موضوعية حية مرسلة، تعد نماذج رائدة إلى حد كبير، كما كان يحث الآخرين من كتاب "الوقائع" وغيرها على الأخذ بهذا الأسلوب الحي المرسل فيما يكتبون، ومن هذه الناحية يعتبر الشيخ محمد عبده ذا دور في إحياء النثر يشبه -إلى حد ما- دور البارودي في إحياء الشعر٢.
ويلاحظ أن أسلوب المقالة -في تلك الفترة- لم يتخذ شكلًا واحدًا بطبيعة
_________________
(١) ثم صدر عفو عن الشيخ وعاد إلى وطنه، وعين قاضيًا في المحاكم الأهلية سنة ١٨٨٨، حيث عمل في محكمة بنها، ثم في محكمة الزقازيق، ثم في محكمة عابدين، ثم عين متسشارًا في محكمة الاستئناف، وسافر بعد ذلك مرات إلى فرنسا وسويسرا، وكان يحضر في جامعة جنيف أثناء العطلة الصيفية دروسًا في الآداب والحضارة، وكان قد أتقن الفرنسية، وعين سنة ١٨٩٩ مفتيًا للديار المصرية، كذلك عين عضوًا في مجلس شورى القوانين، وبذل جهدًا كبيرًا في إصلاح الأزهر، وإصلاح الفكر الديني على وجه العموم، وتوفي سنة ١٩٠٥. اقرأ عنه في: تاريخ الشيخ محمد عبده لمحمد رشيد رضا، وفي: أدب المقالة الصحفية لعبد اللطيف حمزة جـ٢، وفي: محمد عبده للدكتور عثمان أمين. ١ بدأ الشيخ بأسلوب متكلف فيه عيوب العصر التقليدية، وتمثله مقالاته في الأهرام. انظر: أدب المقالة الصحفية في مصر للدكتور حمزة جـ٢ ص٧٦، وما بعدها وانظر: في دور الشيخ محمد عبده: Studies on the Civilization of Islam Gibb p>.٢٥٣ ٢ انظر: أدب المقالة الصحفية جـ٢ ص٦٢، وما بعدها، والأدب العربي في مصر للدكتور شوقي ضيف، وفي الأدب الحديث لعمر الدسوقي، في حديثهما عن دور محمد عبده في تطوير النثر.
[ ٧٣ ]
الحال؛ فقد اختلفت أشكاله بعض الاختلافات نظرًا لاختلاف الكتاب وطبيعتهم وثقافتهم أولًا، ثم نظرًا لاختلاف الموضوع المعالج ثانيًا، فحين يكون الكاتب ذا ثقافة فكرية يغلب على أسلوبه الجانب الذهني، والقرب من القضايا المنطقية، وما فيها من استدلال واحتجاج؛ وحين يكون الكاتب ذا ثقافة فنية يغلب على أسلوبه طابع التصوير والخيال، والشاعرية أحيانًا، وخاصة إذا كان الموضوع على حظ من العاطفية يحتمل ذلك، ومن هنا لم تختف كل أنواع المحسنات تمامًا، بل ظل بعضها يأتي بين الحين والحين، وخاصة السجع والتقسيم اللذان يكسبان الكالم موسيقى ويزيدانه تأثيرًا، وذلك حين يأتيان مطبوعين، وفي مواقف تتحملهما.
وهذا نموذج من مقالات الشيخ محمد عبده في الوقائع بعد أن انتقل أسلوبه إلى المرحلة الثانية مرحلة الترسل والموضوعية والبساطة، وعنوانه "خطأ العقلاء"، يقول الشيخ في هذا المقال: "إن كثيرًا من ذوي القرائح الجيدة، إذا أكثروا من دراسة الفنون الأدبية، ومطالعة أخبار الأمم وأحوالهم الحاضرة، تتولد في عقولهم أفكار جليلة، وتنبعث في نفوسهم همم رفيعة، تندفع إلى قول الحق، وطلب الغاية التي ينبغي أن يكون العالم عليها، ولكونهم اكتسبوا هذه الأفكار، وحصلوا تلك الهمم من الكتب والأخبار، ومعاشرة أرباب المعارف ونحو ذلك، تراهم يظنون أن وصول غيرهم إلى الحد الذي وصلوا إليه، وساير العالم بأسره، أو الأمة التي هم فيها بتمامها -على مقتضى ما علموه- هو أمر سهل، مثل سهولة فهم العبارة عليهم، وقريب الوقوع، مثل قرب الكتب من أيديهم، والألفاظ في أسماعهم، فيطلبون من الناس طلبًا حاثًّا، أن يكونوا على مشاربهم، ويرغبون في أن يكون نظام الأمة، وناموسها العام على طبق أفكارهم، وإن كانت الأمة عدة ملايين، وحضرات المفكرين أشخاصًا معدودين، ويظنون أن أفكارهم العالية إذا برزت من عقولهم إلى حيز الكتب والدفاتر، ووضعت أصولًا وقواعد لسير الأمة بتمامها، ينقلب بها حال الامة من أسفل درك في الشقاء إلى أعلى درج في السيادة، وتتبدل
[ ٧٤ ]
العادات وتتحول الأخلاق، وليس بين غاية النقص والكمال، إلا أن ينادي على الناس باتباع آرائهم، تلك ظنونهم التي تحدثهم بها معارفهم المكتسبة من الكتب والمطالعات، وإنهم وإن كانوا أصابوا طرفًا من الفضل من جهة استقامة الفكر في حد ذاته، وارتفاع الهمة وانبعاث الغيرة، لكنهم أخطأوا خطأ عظيمًا، من حيث إنهم لم يقارنوا بين ما حصلوه، وبين طبيعة الأمة التي يريدون إرشادها. ولم يختبر قابلية الأذهان، واستعدادات الطبائع للانقياد إلى نصائحهم، واقتفاء آثارها"١.
_________________
(١) ١ أدب المقالة الصحفية، للدكتور عبد اللطيف حمزة جـ٢ ص٨٣، وما بعدها.
[ ٧٥ ]