وقد كان للنضال المصري في تلك الفترة معالم بارزة في شتى الميادين، وارتبطت بعض تلك المعالم ببعض الأحداث الكبرى التي شهدتها هذه السنوات، وكان هذا النضال هو الرد الطبيعي على جرائم الاحتلال، ومحاولته لقتل كل القوى الواعية في البلاد.
فقد قوبلت مجاربته للتعليم بحركة مضادة، تدعو إلى بذل الجهود الوطنية في إنشاء المدارس ونشر الثقافة١، وقد توجت تلك الجهوند بإنشاء الجامعة المصرية الأهلية سنة "١٩٠٨"٢، وقد أضيف إلى نضال المصريين في هذا الشأن، مقاومتهم للحيلولة بين أبنائهم، وبين البعثات التي عوقها كرومر، فراح القادرون منهم يبعثون بأولادهم لاستكمال دراساتهم في فرنسا التي كان الإنجليز يحاربون ثقافتها، كما عملت الجامعة بعد إنشائها على إيفاد بعض خريجيها الممتازين إلى فرنسا لاستكمال دراستهم٣.
_________________
(١) ١ اقرأ عن بعض النشاط المتصل بتلك الدعوة في: مصطفى كامل ص١٣٩-١٤٠. ٢ كان مصطفى كامل قد دعا إلى إنشائها سنة ١٩٠٤، ثم سنة ١٩٠٥، ولكن التحمس للفكرة ازداد بعد حادث دنشواي سنة ١٩٠٦، وكان في طليعة القائمين على المشروع سعد زغلول، وقاسم أمين. انظر: مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص٢٢٣-٢٢٥. ٣ يعتبر الدكتور طه حسين ثمرة من ثمار الجامعة وبعثاتها.
[ ١٠٥ ]
كذلك قوبل ضغط الاحتلال على الحريات وخنقه للصحافة، بإظهار مزيد من الصحف التي فضحت جرائمه، وشهرت بعدوانه، وقد كان في طليعة الصحف الوطنية في ذلك العهد صحيفة "المؤيد" للشيخ علي يوسف، وقد ظهرت سنة ١٨٨٩، وارتفع صوتها منذ العام الأول بمسألة الجلاء١، ثم ظهرت صحيفة "الأستاذ" للسيد عبد الله النديم سنة ١٨٩٢، وحملت على الاحتلال والفساد الذي جرَّه على البلاد، حتى ضاق بها الإنجليز، وضغطوا على الخديو حتى أبعد صاحبها عن مصر٢، ثم ظهرت "اللواء" لمصطفى كامل سنة ١٩٠٠، فكانت سوط عذاب على الإنجليز وعملائهم وجرائمهم، ثم ظهرت "الجريدة" لسان حال حزب الأمة سنة ١٩٠٧، وكان يرأس تحريرها لطفي السيد٣، وقامت هي الأخرى بدور في تحرير الفرد والجماعة لا يمكن أن يجحد، وإن لم تكن في حماس "المؤيد" و"الأستاذ" و"اللواء" فيما يتعلق بموضوع الجلاء، والتشهير بالإنجليز.
وقد كان من أبرز الأحداث التي وجد فيها الوطنيون، والصحافة الوطنية مجالا لمهاجمة الإنجليز، حادث دنشواي الذي وقع سنة ١٩٠٦، والذي نصب فيه الإنجليز المشانق وأدوات التعذيب لأبناء تلك القرية المسالمة من قرى المنوفية، قبل أن يحاكموا بتهمة قتل أحد الإنجليز، الذين كانوا قد ذهبوا إلى تلك القرية لصيد الحمام، فأصيب بضربة شمس أنهت حياته٤.
وكذلك قوبل الضغط الاقتصادي، وما خلفه من فقر وعدم، بدعوات إلى مساعدة المعوزين، ومديد العون إلى المحتاجين، وأنشئت الجمعيات الخيرية، وأسست الملاجئ ونحوها من دور البر.
كذلك قوبل ما بثه الاحتلال من مفاسد خلقية، وما أشاعه من مباذل،
_________________
(١) ١ انظر: منتخبات المؤيد، السنة الأولى ص٣٠. ٢ وقد مات النديم بعد قليل من نفيه بالآستانة سنة ١٨٩٦. ٣ اقرأ ترجمة موجزة عنه في مبحث النثر من هذا الفصل "هامش". ٤ انظر: مصطفى كامل للرافعي ص١٩٧، وما بعدها.
[ ١٠٦ ]
بدعوات حارة إلى الأخذ بالأخلاق الكريمة، وازدراء العادات المريضة الوافدة من الغرب العادي، وكان أكثر الداعين إلى صلابة الخلق، واستقامة السلوك من أصحاب الاتجاه العربي الإسلامي١، وكانت دعوتهم تتخذ أشكالًا مختلفة من أشكال الأدب، كما سنرى حين نفصل القول في أدب هذه الفترة، وكان التراث العربي الإسلامي، وتقاليده الحضارية في ماضيها المشرق تمد هؤلاء الدعاة بكثير مما يؤدي دعوتهم، ويمنحها المادة والشكل على السواء.
وعلى الجملة، قد أشعلت آثام الاحتلال، ومفاسده روح المقاومة، وشحذت النفوس للنضال، الذي تحرك في كل الميادين، وتوجته ثورة سنة ١٩١٩.
_________________
(١) ١ من أمثال الشيخ علي يوسف، والسيد عبد الله النديم، ومحمد المويلحي، وعبد العزيز جاويش.
[ ١٠٧ ]