شهدت تلك الفترة تحولًا خطيرًا في الحياة الفكرية، وقد تمثل هذا التحول في تغلب التيار الفكري المتجه إلى الغرب، والمستدبر للشرق، والقائم أولًا على الشعور الوطني لا الإسلامي ولا العربي، والمهتم ثانيًا بالارتباط بالواقع المحلي، واتخاذ الغرب مثلًا أعلى لترقية هذا الواقع والنهوض به، ثم المبتعد آخر الأمر على التراث وتمجيده١.
وقد كان هناك أسباب عديدة دفعت بهذا الاتجاه الفكري إلى الأمام، بعد أن كان في الفترة السابقة يأتي في المحل الثاني، ويكاد ينحصر تفوقه في المجال السياسي والإصلاحي فحسب، مع ترك التفوق في المجال الفكري والأدبي للاتجاه المحافظ المؤمن أساسًا بالفكرة الإسلامية، والمتجه ابتداء إلى تطوير الحاضر بالاتكاء على أمجاد الماضي، وعدم الافتتان بكل ما هو غربي٢.
_________________
(١) ١ اقرأ ما ورد عن هذا التيار في الفصل السابق، المقال ٢- مراحل النضال وطرائقه وانظر مراجع هذا المقال. ٢ اقرأ ما ورد عن هذا التيار في الفصل السابق، المقال -مراحل للنضال وطرائقه، وانظر مراجع هذا المقال.
[ ٢٤٨ ]
أما أهم تلك الأسباب التي جعلت من الاتجاه الغربي اتجاهًا رئيسيًا متفوقًا، ودفعت به إلى الأمام في المجال الفكري والأدبي، فأهمها: تلك الروح التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، ومن بعدها ثورة سنة ١٩١٩؛ فشأن الحروب والثورات أن تزلزل القيم، وتدعو إلى التغيير، وتدفع إلى التطلع نحو الجديد.
كذلك كان من أهم الأسباب، هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، واتضاح فشل فكرة الخلافة والجامعة الإسلامية، بقيام ثائرين في تركيا نفسها، يلغون الخلافة، ويرفضون الجامعة الإسلامية، وينادون بفكرة الوطنية المحلية١؛ الأمر الذي شجع على تبني الفكرة نفسها في مصر، بل على ظهور كتاب جريء، يقرر أن الخلافة ليست شكلًا حتميًّا للحكم يفرضه الإسلام، وهو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، أحد كتاب جريدة السياسية٢.
ثم كان من أهم أسباب تفوق هذا الاتجاه كذلك، ازدياد الاتصال بالغرب في المجال الفكري بسبب عودة طائفة من الدارسين في أوروبا إلى مصر، ممن كانوا يؤمنون بهذا الاتجاه الغربي ويروجون له، من أمثال محمد حسين هيكل، ومحمود عزمي وطه حسين.
كما كان من أسباب تفوق هذا الاتجاه، سيطرة روح حزب الأمة على الحياة في تلك الفترة؛ فذلك الحزب الذي أسس ذلك الاتجاه في الفترة السابقة، قد تحول في هذه الفترة أولًا إلى الوفد، حين اشترك أعلامه في تبني القضية الوطنية تحت اسم "الوفد المصري" بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى٣،
_________________
(١) ١ انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ٢ ص١٢٨ وما بعدها. ٢ لمعرفة تفاصيل عن قضية هذا الكتاب اقرأ: في أعقاب الثورة المصرية لعبد الرحمن الرافعي جـ١ ص٢٢٦-٢٢٨. واقرأ المنار، م٢٦ جـ٣ ص٦١٢-٢١٧ وجـ٥ ص٣٦٣-٣٩١. ٣ انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ٢ ص١٢٩، وثورة سنة ١٩١٩ لعبد الرحمن الرافعي جـ١ ص٧٥.
[ ٢٤٩ ]
ثم تفرع عن هذا الحزب، حزب "الأحرار الدستوريين" مؤلفًا من الخارجين من الوفد، والمعارضين لسياسة سعد زغلول رئيس الوفد١، وهكذا جاء حزب "الوفد" وحزب "الأحرار" امتداد لحزب الأمة، حيث كان على رأس الأول سعد زغلول، المناصر في الفترة السابقة لذلك الحزب، والمؤازر لمفكرة لطفي السيد، كما كان على رأس الثاني عدلي يكن، ثم عبد العزيز فهمي، ثم محمد محمود، وكلهم ربيب حزب الأمة، بل إن ثالثهم كان ابن الرئيس الأول لذاك الحزب٢.
وبرغم أن حزب "الوفد" كان في عهوده الأولى يقود القوى الشعبية، ويمثلها من الناحية السياسية إلى حد كبير، قد كان في المجال الفكري كحزب "الأحرار" يمثل روح حزب الأمة، من حيث الاتجاه إلى الغرب واستدبار الشرق، ومن حيث الاعتماد أساسًا على فكرة الوطنية المحلية، وعدم الاتساع بها إلى فكرة القومية العربية، أو الجامعة الإسلامية.
وقد ساعد على ذلك استخدام هذين الحزبين الرئيسيين -اللذين يمثلان هذا الاتجاه الفكري- لطائفة من الكتاب الكبار، الذين كانوا في جملتهم من أصحاب هذا الاتجاه٣.
_________________
(١) ١ انظر: في أعقاب الثورة المصرية لعبد الرحمن الرافعي جـ١ ص٦٨. ٢ انظر: ثورة سنة ١٩١٩ جـ١ ص٧٥، وفي أعقاب الثورة المصرية جـ١ ص٦٨، والاتجاهات الوطنية جـ٢ ص١٢٩ "هامش". ٣ كان من صحف الوفد: "البلاغ" و"البلاغ الأسبوعي" و"كوكب الشرق"، وكان من صحف الأحرار: "السياسة"، و"السياسة الأسبوعية"، وكان من كتاب الوفد في أوائل تلك الفترة: عباس العقاد وسلامة موسى، كما كان من كتاب الأحرار في أوائل تلك الفترة: هيكل وطه حسين. وقد ظل العقاد كاتب الوفد الأولى حتى سنة ١٩٣٥، حين هاجم وزارة توفيق نسيم لعدم إعادتها للدستور، الذي يحقق آمال البلاد، فغضب مصطفى النحاس لهجوم العقاد على نسيم الذي كان في نظر النحاس تمهيدًا لعودة الوفد إلى الحكم، وإزاء إصرار العقاد على مهاجمة نسيم فصله الوفد "انظر: العقاد دراسة وتحية ص٦٥، وما بعدها". أما طه حسين فقد ظل مواليًا للأحرار، حتى سنة ١٩٣٢ حين أخرجه صدقي من الجامعة، وكان الوفديون والأحرار متضامنين لمحاربة صدقي، فأخذ طه حسين يكتب في صحف الوفد باسم هذا التضامن أولًا، وما زال يقرب من الوفد حتى لم يعد مع الأحرار حين فضوا التضامن، بل حتى صار وزيرًا في وزارة الوفد بعد ذلك بسنوات. "انظر: مجلة الهلال -أول فبراير سنة ١٩٦٦ ص ١٦١ و"طه حسين الكاتب والشاعر"، لمحمد السيد كيلاني".
[ ٢٥٠ ]
وقد بدأ هذا الاتجاه حادًّا في السنوات العشر الأولى من سني هذه الفترة، ومثل ما يشبه المراهقة الفكرية، أو الحيرة "الأيديلوجية" التي تبحث عن المثل في عصبية واندفاع، فتخطئه كثيرًا، ولا تكاد ترى وجه الحق إلا بعد جهد، ومن هنا دعا أصحاب هذا الاتجاه إلى خلق الأدب القومي١، كما دعوا إلى استلهام الماضي الفرعوني٢، ونادوا باتباع الغرب حينًا٣، وبالارتباط بشعوب البحر الأبيض حينًا آخر٤.
ثم بدأ أصحاب هذا الاتجاه يهدئون من ثورتهم، ويعدلون من خطتهم، بل بدأوا يقربون كثيرًا من نقطة الإشراق في الماضي العربي الإسلامي، ويخففون من اندفاعهم نحو كل ما هو غربي، فبدأ الدكتور محمد حسين هيكل، الذي احتضن دعوة الفرعونية حينًا، ودعوة الأدب القومي حينًا آخر، والذي جعل الغرب، وقيمه ورجالاته مثلًا أعلى في بعض الأحايين٥؛ بدأ يكتب عن "حياة
_________________
(١) ١ قام بهذه الدعوة طائفة من كتاب السياسة الأسبوعية "وفي مقدمتهم، هيكل، "انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر جـ٢ ص١٣٧ وما بعدها". وانظر: "في أوقات الفراغ" و"ثورة الأدب" للدكتور محمد حسين هيكل. ٢ تزعمت صحيفة "السياسة الأسبوعية" كذلك هذا الاتجاه الذي تبناه الدكتور محمد حسين هيكل أيضًا فترة من حياته، قبل أن يتحول إلى الاتجاه الإسلامي. "انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ٢ ص١٣٥ وما بعدها". ٣ كتب في ذلك كثيرون مثل طه حسين، ومحمود عزمي وهيكل. "انظر: أعداد السياسة الأسبوعية منذ سنة ١٩٢٦". ٤ كتب في ذلك طه حسين، وبسط فكرته عن هذا الموضوع في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر". ٥ لقد كتب في أول عهده عن "جاك جاك رسو"، حيث أخرج عنه كتابًا في جزأين، الأول سنة ١٩٢١، والثاني سنة ١٩٢٣، كما كتب عن آخرين من قادة الفكر الغربي مثل: "أناتول فرانس"، و"بيرلوتي" اللذين كتب عنهما في كتابه "في أوقات الفراغ" الذي ظهر سنة ١٩٢٥.
[ ٢٥١ ]
محمد١"، ويهيم في "منزل الوحي٢"، كما بدأ الدكتور طه حسين يحوم "على هامش السيرة٣"، وإن بقي سنوات بعد ذلك أكثر من صاحبه افتنانًا بالغرب وإيمانًا به٤، ثم تبعهما -بعد سنوات- الأستاذ عباس العقاد، فشرع يجلو العبقريات الإسلامية، ويتغنى بالحضارة العربية، ويزداد إيمانًا بتلك الحضارة وأعلامها على مر السنين٥.
أما الاتجاه المحافظ الذي كان له السبق في المجال الفكري خلال الفترة السابقة، فقد أصبح في المحال الثاني، وراحت فكرته السياسية تتطور رويدًا رويدًا لتحل فكرة الجامعة العربية محل فكرة الجامعة الإسلامية٦، كما راح يقاوم بعنف دعوات أصحاب الاتجاه الأول، ويخوض معهم صراعًا فكريًّا٧، تؤججه السياسة والحزبية، والصحافة في كثير من الأحايين٨، لكنه استطاع آخر الأمر، أن يحد من غلواء أصحاب الاتجاه الغربي، بل
_________________
(١) ١ بدأ يكتب عن سيدنا محمد ﷺ مقالات في: "السياسة الأسبوعية" منذ سنة ١٩٣٢، وأخرج كتابه حياة محمد سنة ١٩٣٥. ٢ أظهر هذا الكتاب سنة ١٩٣٦ بعد أن زار الأراضي المقدسة. ٣ بدأ طه حسين ينشر هذا الكتاب مقالات في "الرسالة" سنة ١٩٣٣، ثم أخرجه كتابًا بعد ذلك. ٤ تمثل في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي صدر سنة ١٩٣٨. ٥ بدأ العقاد يكتب "العبقريات"، والتراجم والدراسات الإسلامية منذ سنة ١٩٤٢ حين أصدر "عبقرية محمد". ٦ انظر: في تطور فكرة الجامعة العربية: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ٢ ص٨٨ وما بعدها. ٧ اقرأ صورة من هذا الصراع في كتاب: "المعركة بين القديم والجديد" لمصطفى صادق الرافعي. ٨ مما يصور ذلك مثلًا أن ردود الرافعي على طه حسين حول "الشعر الجاهلي" نشرت في كوكب الشرق، لسان حال الوفد، نظرًا لدفاع "السياسة" عن طه حسين، وهي لسان حال الأحرار.
[ ٢٥٢ ]
استطاع أن يكسب نفرًا من قادتهم، لا في جانب المحافظة والاتجاه إلى الماضي والإيمان بالجامعة الإسلامية، بل في جالنب الاعتدال والإنصاف، والإيمان بروائع التراث العربي، وأمجاد الماضي الإسلامي، حتى كفروا أخيرًا بما دعوا إليه أولًا من محلية ضيقة، وفرعونية منصرمة، وفرنجة تابعة١.
وإذا كان هيكل وطه حسين والعقاد يمثلون الاتجاه الغربي، في حدته أولًا ثم في اعتداله أخيرًا، فإن الرافعي وعزام والزيات٢ يمثلون الاتجاه المحافظ،
_________________
(١) ١ لقد عبر الدكتور محمد حسين هيكل عن العودة إلى الاعتدال والإنصاف، في مقدمة كتابه "في منزل الوحي". ٢ المراد مصطفى صادق الرافعي، وعبد الوهاب عزام، وأحمد حسن الزيات. أما الرافعي، فقد ولد في بهتيم من قرى القليوبية سنة ١٨٨٠، ونشأ بطنطا حيث كان يعمل والده، وتنقل معه في دمنهور والمنصورة، فتعلم بمدرسة دمنهور الابتدائية، والمنصورة الابتدائية، التي نال منها شهادته، ثم أصيب بالصمم في تلك المرحلة، وقعدت به تلك العاهة عن مواصلة الدراسة الرسمية، فتفرغ للدراسة الحرة والتثقيف الذاتي، وعمل كاتبًا بمحكمة طلخا الشرعية سنة ١٨٩٩، ثم نقل إلى إيتاي البارود، فطنطا حيث ظل كاتبا بمحكمتها إلى آخر حياته، ولم يتجاوز الدرجة السادسة، ثم توفي سنة ١٩٣٧، ودفن بطنطا. "اقرأ عنه في "حياة الرافعي" لسعيد العريان". وأما عزام فقد ولد في بلدة الشوبك بالجيزة في أول أغسطس سنة ١٨٩٥، وتعلم بالأزهر والقضاء الشرعي، واشتغل مدرسًا في كليات الشريعة واللغة العربية والآداب، وقد كان قد أوفد إمامًا في سفارة مصر بلندن، فاستغل وجوده في إنجلترا في تعلم الإنجليزية، وإعداد رسالته لنيل الدكتوراه، وكان موضوع رسالته "الشاهنامة"، وله رحلات كثيرة إلى تركيا والحجاز والعراق بالشرق، وإلى لندن وبروكسيل في الغرب، وقد عمل سفيرًا لمصر بالمملكة السعودية، وتوفي سنة ١٩٥٨، "اقرأ عنه في: النثر العربي المعاصر لأنور الجندي ص٧٢٥ وما بعدها". وأما الزيات، فقد ولد في قرية كفر دميرة القديمة مركز طلخا سنة ١٨٨٥، وتلقى علومه في الأزهر عشر سنين، ثم انتقل إلى الجامعة القديمة، ثم علم في الفرير، حيث تعلم الفرنسية، ثم دخل مدرسة الحقوق الفرنسية، وأدى امتحانها في باريس، ثم عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة سنة ١٩٢٥، ثم عين أستاذًا للأدب العربي في المعلمين العالية ببغداد سنة ١٩٢٩، ثم عاد من العراق سنة ١٩٣٢، وأصدر الرسالة سنة ١٩٣٣، ثم عين رئيسًا لتحرير مجلة الأزهر، ثم مجلة الرسالة التي أصدرتها وزارة الثقافة، ونال جائزة الدولة التقديرية سنة ١٩٦٣، وظل عضوًا بالمجمع اللغوي، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، إلى أن توفي سنة ١٩٦٨ "اقرأ عنه في: النثر العربي ص٦٥٥ وما بعدها".
[ ٢٥٣ ]
في صراعه من أجل الفكرة الإسلامية والتراث العربي، وفي انتصاره بعد ذلك في ترويض المندفعين، وحملهم على كثير من الاعتدال.
وهكذا أصبح التيار الفكري الرئيسي هو التيار العربي المعتدل، المؤمن بالفكر الغربي، واتخاذه مثلًا أعلى مع الالتفات إلى مواطن الإشراق في الماضي العربي والإسلامي، ومحاولة الإفادة من تلك المواطن ما أمكن، ووراء هذا التيار يأتي تيار أقل قوة منه، وهو التيار المحافظ المؤمن بالفكر العربي الإسلامي، واتخاذه فلسفة ومذهبًا بل حمى يذاد عنه ويحارب من أجله، هذا مع التسليم ببعض جوانب الخير في الحضارة الغربية، ومحاولة الانتفاع بها ولكن بحذر.
ووراء هذين التيارين وجد تيار ثالث كان في تلك الفترة أضعف من التيارين السابقين، ولكنه كان ذا أثر في الحياة الفكرية لا يخفى. هذا التيار، هو التيار الغربي المتطرف، الذي كان يؤمن بالغرب وماديته إيمانًا مطلقًا، ولا يرى في الشرق، وروحانيته شيئًا يستحق أن يؤخذ به، وقد تحمس هذا الاتجاه المتطرف لكل الدعوات التي دعا إليها الاتجاه الغربي، وزاد عليها تطرفًا وصل أحيانًا إلى حد الهدم، ومن ذلك الدعوة إلى احلال اللغة العامية محل اللغة الفصحى. وكان يمثل هذا الاتجاه سلامة موسى١، وإذا جاز أن نطلق على الاتجاه الأول الاتجاه الحضاري، وعلى الثاني الاتجاه الروحي، أمكن أن نطلق على الاتجاه الثالث الاتجاه المادي، فقد كان التفكير المادي بخاصة أساس الاتجاه الأخير٢.
_________________
(١) ١ اقرأ مثالًا من كتابات سلامة موسى حول إحلال العامية محل الفصحى في: مجلة الهلال عدد يولية سنة ١٩٢٦. واقرأ بعض آرائه في العربية والعرب في كتابه: "البلاغة العصرية"، وكتابه "اليوم والغد"، واقرأ تفصيل تاريخ الدعوة إلى العامية، وما لها من أصول استعمارية في كتاب الدكتورة نفوسة زكريا "تاريخ الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر"، واقرأ عرضًا للموضوع نفسه في مقال الأستاذ محمود شاكر في الرسالة العدد ١٠٥ الصادر في ٧ يناير سنة ١٩٦٥. ٢ لقد عنى سلامة موسى بترجمة آراء "ماركس" و"دارون" و"فرويد"، وكان من المبشرين دائمًا بالاتجاهات المادية، والمناهضين للاتجاهات الروحية، وقد ولد =
[ ٢٥٤ ]
وقد عاشت هذه الاتجاهات الثلاثة في الحياة الفكرية خلال تلك الفترة، وأثرت في أدبها تأثيرًا يختلف وضوحًا وخفاء، أو قوة وضعفًا، تبعًا لما كان لكل اتجاه من قوة ونفوذ، أو تبعًا لما كان لكل من ظروف ملائمة وأرض ميهأة، وسوف نرى ذلك كله حين يكون الحديث عن الأدب إن شاء الله، حيث نرى ابتداء أن أبرز نتاج، وأكثره وأهمه كما وكيفًا، هو الذي خلفه زعماء الاتجاه الأول، من أمثال هيكل وطه حسين والعقاد، كما أن النتاج الذي يليه هو نتاج زعماء الاتجاه الثاني، من أمثال الرافعي والزيات وعزام، وأخيرًا يأتي في نتاج الاتجاه المادي المتطرف الذي يتزعمه سلامة موسى، وهذا اللون الأخير برغم فاعليته وتأثيره في جيل تال، لا يعد عنه العبض نتاجًا أدبيًّا بقدر ما يعد كتابة إصلاحية، وفصولًا فكرية ومقالات صحفية.
_________________
(١) = سلامة موسى بإحدى قرى الشرقية سنة ١٨٧٧، وتعلم في المراحل الأولى بمصر، ثم سافر إلى أوروبا سنة ١٩٠٨، وقضى مدة بين فرنسا، وإنجلترا، ثم عاد إلى مصر سنة ١٩١٣، متأثرًا أكثر بالثقافة الإنجليزية، واشتغل بالصحافة، فكتب في الهلال والبلاغ وغيرهما، ثم أنشأ المجلة الجديدة سنة ١٩٢٩. وكان أول من ترجم التفسير المادي للتاريخ لماركس إلى العربية، وتوفي سنة ١٩٥٨. اقرأ عنه في: النثر العربي المعاصر لأنور الجندي ص٣٦٤ وما بعدها، واقرأ عن تزعمه للجناح الغربي المتطرف كلام "جيب" في كتابه: Studies on the Civilization of Islam، pp. ٢٨٤-٢٨٥
[ ٢٥٥ ]