[ ١ / ٢١٣ ]
(١) وأَنشَدَنا أبو بكر بن دريد فيما أملاه علينا من معاني الشعر:
إذا ما أجتلى إليها بطرفه غروب ثناياها أنار وأظلمّا
الغروب: حد الأسنان، واحدها غرب. والراني: المديم النظر.
وقوله: انار واظلم، أي ضوءًا وظلمّا، والظلم: ماء الاسنان.
(٢) وحدثنا أبو بكر ﵀ قالَ حدثنا عبد الرحمن عن عمه قالَ: قدم أعرأبي البصرة فنزل على قوم من بني العنبر وكان فصيحًا، فكنا نسير إليه فلا نعدم منه فائدة، فجدر ثم برأ، فأتيناه يوما فأَنشَدَنا.
ألم ياتها إني تلبست بعدها مفوفة صناعها غير أخرقا
وقد كنت منا عاريا قبل لبسها فكان لباسيها أمر وأعلقا
قالَ أبو علي: أعلق: أشد مرارة، وهذه الكلمة أول كلمة سمعتها من أبي بكر بن دريد، دخلت عليه وهو يملي على الناس، العرب تقول: هذا أعلق من هذا، أي أمر منه، وأَنشَدَنا:
[ ١ / ٢١٥ ]
نهار شراحيل طود يريبني وليل أبي ليلى أمر وأعلق
أي أشد مرارة.
(٣) قالَ أبو علي: وأملى علينا ﵀، قالَ: أخبرنا أبو حاتم أن أبا عُبَيْدة أَنشَدَهم لربيعة الأَسَدِيُّ يرثي ابنه ذؤابًا:
ابلغ قبائل جعفر مخصوصة ما إن أحاول جعفر بن كلاب
ان المودة والهوادة بيننا خلق كسحق الريطة المنجاب
قالَ ويروي:
ان البقية والهوادة بيننا سمل كسحق الريطة المنجاب
إلا بجيش لايكت عديدة سود الجلود من الحديد غضاب
قالَ ابو علي وقال ابو بكر من كلام العرب: لا تكته أو تكت النجوم أي لا تعده.
[ ١ / ٢١٦ ]
ولقد علمت على التجلد والاسي أن الرزية كان يوم ذؤاب
أذؤاب إني أهبك ولم اقم للبيع عند تحضر الاجلاب
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبهم فقد إلى اعدائهم وأشدهم فقدا على الأصحاب
ويروي:
بأشدهم أواقًا على أعدائهم واجلهم رزءًا على الاصحاب
وعمادهم في كل يوم كريهة وثمال كل مصعب قرضاب
قالَ ابو علي: القرضاب والقرضوب: الفقير، والقرضاب في لاغير هذا الموضع: اللص.
أهوى له تحت العجاج بطعنة والخيل تردي في الغبار الكأبي
الكأبي: المنتفخ. يقال فلان كأبي الرماد إذا كان سخيًا، ومن هذا قيل: كبا الفرس يكبو إذا ربا وانتفخ.
اذؤاب صاب على صداك فجداه صوب الربيع بوابل سكاب
ما انس لا أنساه آخر عيشنا مالاح بالمعزاء ريع سراب.
[ ١ / ٢١٧ ]
قالَ أبو علي: الريع: الرجوع، وريعان الشباب: اوله، والريع أيضًا: الزيادة، ومنه حديث عمر ﵁: املكوا العجين فإنه أحد الريعين.
واملى علينا أبو بكر قالَ أَنشَدَنا أبو حاتم عن أبي عُبَيْدة لخرنق بنت هفان ترثي زوجها عمرو بن مرثد وابنها علقمة بن عمرو واخويه حسان وشرحبيل:
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداةوافة الجزر
النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الازر
ويروي: النازلين والطيبين معاقد الازر، ويروي النازلون والطيبين.
ان يشربوا يهبوا وان يذروا يتواعظوا عن منطق الهجر
قوم اذا ركبوا سمعت لهم لغطا من التأبيه والزجر
والخاطين نحيتهم بنضارهم وذوي الغني منهم بذي الفقر
هذا ثنائي ما بقيت عليهم فاذا هلكت اجنني قبري
قالَ ابو على: الهجر: الفحش. واللغط: الجلبة. والتأييه: الصوت، يقال: ايهت به تأييها اذا صحت به، والنحيت: المنحوت. والنضار: الذهب
[ ١ / ٢١٨ ]
(٥) قالَ: وحدثنا ابو بكر قالَ حدثنا ابو حاتم قالَ حدثني عمارة بن عقيل قالَ حدثني أبي - يعني عقيل بن بلال - قالَ سمعت أبي - يعني بلال بن جرير - يقول سمعت جريرا يقول: دخلت على بعض الخلفاء بني امية فقال: الا تحدثني عن الشعراء؟ فقلت: بلى، قالَ: فما تقول في ابن أبي سلمة والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه، قالَ: فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء، قالَ: فما تقول في ذي الرمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه احد، قالَ: فما تقول في الاخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات، قالَ: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضا عليها، قالَ: فما ابقيت لنفسك شيئا! قلت: بلى يا امير المؤمنين انا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود اليها، ولانا سبحت الشعر تسبيحا ما سبحه احد قبلى، قالَ: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطرفت، وهجوت فأرذيت، ومدحت فأسنيت، ورملت فأغرزت، ورجزت فأبحرت، فانا قلت ضروبا من الشعر لم يقلها احد قبلي.
[ ١ / ٢١٩ ]
قالَ ابو على: كذا املي علينا ارذيت، وهو صحيح ومعناه غير اسقطت، لانه هاجي في زمانه عدة من الشعراء فأسقطهم غير الفرزدق. والرذية: الساقطة من الابل من الهزال او من الاعياء.
[ ١ / ٢٢٠ ]
(١) وقال ابن دريد في اماليه: اخبرنا الاشنانداني عن التوزي عن أبي عُبَيْدة قالَ: اجتمع عند يزيد بن معاويةابو زبيد الطائي، وجميل بن معمر العذري، والاخطل التغلبي، فقال لهم: ايكم يصف لي الاسد صفة في غير شعر؟ فقال ابو زبيد: انا يا امير المؤمنين، لونه ورد، وزئيره رعد - وقال مرة اخرى: زغد - ووثبه شد، واخذه جد، وهوله شديد، وشره عتيد، ونابه حديد، وانفه اخثم وخده ادرم، ومشفره ادلم، وكفاه عراضتان ووجناه ناتئتان، وعيناه وقادتان، كأنهما لمح بارق، او نجم طارق، اذا استقبلته قلت افدع، واذا استعرضته قلت اكوع، واذا استدبرته قلت اصمع، بصير اذا استغضى، هموس اذا مشى، اذا قفى كمش، واذا جرى طمش، براثنه شثنة، ومفاصله مترصة
[ ١ / ٢٢١ ]
مصعق لقلب الجبان، مروع لمّاضي الجنان، اذا قاسم ظلم وان كابر دهم، وان نازل غشم، ثم انشأ يقول:
جبعثن اشوس ذو تهكم مشتبك الانياب ذو تبرطم
وذو اهاويل وذو تجهم ساط على الليث الهزبر الضغيم
وعينه مثل الشهاب المضرم وهامه كالحجر الململم
فقال: حسبك يا ابا زبيد.
ثم قالَ: قل يا جميل. فقال: يا امير المؤمنين: وجهه فدغم، وشدقه شدقم، ولغده معرنزم مقدمه كثيف، ومؤخره لطيف، ووثبه خفيف، واخذه عنيف، عبل الذراع، شديد النخاع، مرد للسباع، مصعق الزئير، شديد المرير، اهرن الشدقين، مترص الحصيرين، يركب الاهوال، ويهتصر الابطال، ويمنع الاشبال، ما ان يزال جاثما في خيس، او رابضا على
[ ١ / ٢٢٢ ]
فريس، او ذا ولغ ونهيس، ثم قالَ:
ليث عرين ضيغم غضنفر مداخل في خلقه مضبر
يخاف من انيابه ويذعر ما ان يزال قائما يزمجر
له على كل السباع مفخر قضاقض شئن البنان قسور
فقال: حسبك يابن معمر.
ثم قالَ: قل يا اخطل: فقال: ضيغم ضرغام، غشمشم همهام، على الاهوال مقدام، وللاقران هضام، رئبال عنبس، جرئ دلهمس، ذو صدر مفردس، ظلوم اهوس، ليث كروس، ثم قالَ:
شرنبث الكفين حامي اشبل اذا لقاه بطل لم ينكل
قضاقض جهم شديد المفصل مضبر الساعد، ذو تعثكل
[ ١ / ٢٢٣ ]
ململم الهامة كمش الارجل ذو لبد يغتال في تمهل
انيابه في فيه مثل الانصل وعينه مثل الشهاب المشعل
فقال له: حسبك، وامر لهم بجوائز.
هذا منقطع ابو عُبَيْدة لم يدرك يزيد.
(٢) وقال ابن دريد في اماليه: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه الأَصمعي قالَ: سمعت صبية بحمى ضرية يتراجزون، فوقفت وصدوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع، إذا أقبل شيخ فقال: أتكتب كلام هؤلاء الأقزام الأدناع.
(٣) وقال ابن دريد في أماليه: أخبرنا ابو حاتم قالَ: جئت ابا عُبَيْدة يوما ومعي شعر عروة بن الورد، فقال لي: ما معك؟ فقلت: شعر عروة. فقال: فارغ حمل شعر فقير يقرأه على فقير.
(٤) وقال ابن دريد في امليه: اجاز لي عمي سنة ستين ومئتين قالَ: حدثني أبي هشام بن محمد السائب، قالَ حدثني ثابت بن الوليد الزهري عن أبيه عن ثابت
[ ١ / ٢٢٤ ]
ابن عبد الله بن سباع، قالَ: حدثني قيس بن مخرمة قالَ: اوصي قصي بن كلاب بنيه، وهم يومئذ جماعة، فقال يا بني، إنكم أصبحتم من قومكم موضع الخرزة من القلادة، يا بني، فأكرموا انفسكم تكرمكم قومكن، ولا تبغوا عليهم فتبوروا، وإياكم والغدر فانه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، وإياكم وشرب الخمر فانها إن اصلحت بدنا افسدت ذهنا، وذكر الوصية بطولها.
(٥) وقال ابن دريد في اماليه: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عُبَيْدة قالَ: سئل يوما عن المثل: مجير أم عامر، فقال: خرج فتيان من العرب للصيد فأثاروا ضبعًا فأنفلت بين ايديهم ودخلت خباء بعض العرب فخرج اليهم. فقال: والله لا تصلونه اليها. فقد استجارت بي، فخلوا بينه وبينها فلمّا انصرفوا عمد إلى خبز ولبن وسمن، فثرده وقربه اليها فأكلت حتى شبعت وتمددت في جانب الخباؤ، وغلب الاعرأبي النوم، فلمّا استثقل وثبت عليه فقرضت حلقه، وبقرت بطنه. وأكلت حشوته، وخرجت تسعى، وجاء اخ للأعرأبي فلمّا نظر اليه أنشا يقول:
[ ١ / ٢٢٥ ]
ومن يصنع المعروف في غير اهله يلاقي الذي لاقى أم عامر
اعد لها لمّا استجارت ببيته قراها من ألبان اللقاح البهارز
فأشبعها حتى إذا ما تمطرت فرته بانياب لها وأظافر
فقل لذي المعروف: هذا جزاء من يجود بمعروف إلى غير شاكر
(٦) وقال ابن دريد في امليه: اخبرنا السكن بن سعيد الجرموذي عن محمد بن عباد، عن الكلبي، قالَ: وفد الصقعب بن عمرو النهدي في عشرة من بني نهد على النعمان بن المنذر، وكان الصقعب رجلا قصيرًا دميما تقتحمه العين شريفًا بعيد الصوت، وكان قد بلغ النعمان حديثه، فلمّا اخبر النعمان بهم قالَ للآذن: ائذن للقصعب، فنظر الآذن 'لى اعظمهم واجلهم، فقال: انت الصقعب، قالَ: لا فقال للذي يليه في العظم والهيئة: أأنت هو؟ فقال: لا. فاستحيا، فقال: ايكم الصقعب؟ فقال الصقعب: هأنذا! فأدخله إلى النعمان، فلمّا رآه قالَ: تسمع بالمعيدي خير من ان تراه! فقال له الصقعب: أبيت اللعن! ان الرجال ليسوا بالمسوك يستقي فيها، إنما الرجل بأصغريه بلسانه وقلبه؟ إن قاتل قاتل بجنان، وغن نطق نطق ببيان فقال له النعمان: فلله ابوك:! فكيف بصرك بالامور؟
[ ١ / ٢٢٦ ]
فقال: انقض منها المفتول، وابرم منها المسحول، واحيلها حتى تحول، ثم انظر إلى ما يئول، وليس لها بصاحب من لم ينظر في العواقب. قالَ: قد احلت واحسنت، فأخبرني عن العجز الظاهر، والفقر الحاضر. قالَ: اما العجز الظاهر فالشاب الضعيف الحيلة، التبوع للحيلة، الذي يحوم حولها، ويسمع قولها، ان غضبت ترضاها، وان رضيت تفداه، فذاك الذي لا كان ولا ولد النساء مثله، واما الفقر الحاضر فالذي لا تشبع نفسه، وان كان له قنطار من ذهب.
قالَ: فأخبرني عن السوءة السوءاء، والداء العياء. قالَ: اما السوءة السوءاء فالمراة السليطة التي تعجب من غير عجب، وتغضب من غير غضب، فصاحبها لا ينعم باله ولا يحسن حاله، ان كان ذا مال لم ينفعه، وان كان فقيرا عير به، فأراح الله منها بعلها، ولا متع بها اهلها.
واما الداء العياء فالجار جار البيت ان شهدك صسافهك، وان غبت عنه سبعك، وان قاولته بهتك، وان سكت عنه ظلمك.
فقال له النعمان: انت انت! فأحسن صلته وصلة اصحابه،
[ ١ / ٢٢٧ ]
(٧) وقال ابن دريد في اماليه: حدثنا العكلي عن أبيه عن سليطبن سعد: كان اكثم بن صيفي يقول: رب عجلة تهب ريئا. ادرعوا الليل فأن الليل اخفى للويل، المرء يعجز لا المحالة. لا جماعة لمن اختلف، لكل امرئ سلطان على اخيه حتى يأخذ السلاح فأنه كفى بالمشرفية واعظا، اسرع العقوبات عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، والم الاخلاق اضيقها، واسوأ الاداب سرعة العقاب، ورب قول انفذ من صول. الحر حر وان مسه الضر، والعبد عبد وان ساعده الجد، واذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد، رب كلام ليس فيه اكتتام، حافظ على الصديق ولو في الحريق، ليس من العدل سرعة العذل. ليس بيسير تقويم العسير. اذا بالغت في النصيحة هجمت بك على الفضيحة. لو انصف المظلوم لم يبق فينا ملوم. قد يبلغ الخضم بالقضم. استأن اخاك فأن مع اليوم غدا. كل ذات بعل ستئيم. النفس عروف فلا تطمع في كل ما تسمع.
(٨) قالَ ابن دريد في اماليه: اخبرني السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن أبي الكلبي عن عوانة قالَ: اول من كتب بخطنا هذا، وهو الجزم، مرامر بن مرة واسلم بن جدرة
[ ١ / ٢٢٨ ]
الطائيان، ثم علموه اهل الانبار، فتعلمه بشر بن عبد الملك اخو اكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن امية اخت أبي سفيان، فعلم جماعة من اهل مكة، فلذلك كثر من يكتب بمكة من قريش، فقال رجل من اهل دومة الجندل من كندة يمن على قريش بذلك:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو فقد كان ميمون النقيبة ازهرا
اتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو من المّال نا قد كان شتى مبعثرا
واتقنتمو ما كان بالمّال مهملا وطامنتمو ما كان منه منفرا
فأجريتم الاقلام عودا وبدأة وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا
واغنيتمو عن مسند الحي حمير وما زبرت في الصحف اقيال حميرا
(٩) وقال ابن دريد في اماليه: اخبرنا ابو حاتم قالَ: قالَ الأَصمعي: وقف اعرأبي علينا في جامع البصرة، ومعه اب له شيخ، فقال: ايها الناس. اتى الازلم الجذع على شيخي فأخنى عليه، فأطر قناته، وحص
[ ١ / ٢٢٩ ]
شواته، واختلج كفاته فغادره في متيهه ابوال البغال، فأزعجه الضماد عن بلده، وسلبه فيض عدده، وفت في ايد عضده، على فقر حاضر، وضعف ظاهر، فنستنجد الله ثم اياكم للضريك النزيك بعد الابلات والربلات ورماه بالذآليل المصمئلات، فصار كالمتقى النسيء، لا يؤمن عليه وطأة منسم، ولا نكزة ارقم، ولا عدوة ملهم، فاقرضونا على من فسح لكم المسارب، وانبط لكم المشارب.
(١٠) قالَ ابن دريد في اماليه: اخبرنا عبد الرحمن قالَ: اخبرني عمي، قالَ: قيل لابنة الخس: ماضبك؟ قالت: ضبي اعور عينين، ساح حابل، لم ير انثى ولم تره.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قولها اعور، أي لا يبرح جحره. والساحي: الذي يأكل السحاة، والحابل: الذي يأكل الحبلة، وهوثمر الالاء والسرح.
[ ١ / ٢٣١ ]