(٧٧) وعن الأَصمعي، قال: اخبرني محمد بن حرب الهلالي قال: خرجت مرة اريد مكة، فنزلت بحي من بني اسد، ثم من بني والبة، فأذا انا بشيخ كبير السن، حسن اللباس، فسلمت عليه، ثم جلست، فسألته عن سنه، فقال: خنقت عشرين ومئة، فسألته عن طعمه، فقال: ما ازيد على الصبوح والغبوق شيئا، فسألته عن الباءة، فقال: ايهات والله، لقد وفدت على هشام وهو في رصافته يشرب اللبن، وذلك اني ذكرت له، فسالني عن طعمي، فقلت: الصبوح والغبوق، وسألني عن الباء، فقلت: والله ان لي لثلاث نسوة، بت عند احداهن ليلة، واصبحت غاديا إلى الاخرى وفي رأسي اثر الغسل فقالت: امط عني، افرغت ما في صلبك. فقلت: والله لافينك ما وفيتها. فلاعبتها، ثم توركتها، حتى اذا اردت الانزال اخرجته فأمسكته، فنزا المّاء حتى حاذا رأسها. فقلت: ايكون هذا ممن افرغ ماء صلبه؟ ثم تناولت عشر حصيات، فكلمّا صرت إلى الفراغ ناولتها حصاة، حتى اتيت على العشر، فسالتها كم في يدك؟ قالت: تسع، قلت لها: بل عشر،
[ ١ / ١١٩ ]
فقالت: لا، والله لا احسب لك ما لم يصل الي، فضحك هشام حتى استلقى على فراشه. ثم اني سألته كيف انت اليوم؟ فقال: هيهات والله اني لانال بين اليومين والثلاثة، وما في الثاني طائل، ثم ضرب بيده على فخذه وقال:
قد كبرت بعد شباب سني واضعف الازلم مني ركني
والدهر يبلى جده ويفني قد اعرضت ام عيالي عني
اذ عز عندي ما تريد مني وقالت الحسناء يوما ذرني
ولم ترد ذرني ولكن وانها عن ذاك كانت تكنى
(٧٨) وعن الأَصمعي، قال: اوصى اعرأبي بنيه فقال: اتقوا الظهيرة الغراء، والفلاة الغبراء، وردوا المّاء بالمّاء.
(٧٩) عن أبي حاتم قال الأَصمعي: تقول العرب: فلان لا تثنى به الشمال، أي لا يجعل السادس، وأَنشَدَ:
الم تك في يمنى يديك جعلتني فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ولو انني اذنبت لم اك هالكا على خصلة من صالحات خصالكا
[ ١ / ١٢٠ ]
(٨٠) وعن الهيثم، قال: شهد المسور على يزيد بن معاوية انه شرب الخمر اذ وفد عليه، فبلغ ذلك يزيد، فكتب إلى اهل المدينة يسألهم عن قوله، فشهدوا عليه انه قاله، فحده.
(٨١) وأَنشَدَ ابو عُبَيْدة لسليم بن ربيعة الضبي:
حلت تماضر غربة فاحتلت فلجا، واهلك باللوى فالحلة
وكأن في العينين حب قرنفل او سنبلا كحلت به فانهلت
زعمت تماضر انني اما امت يسدد أبينوها الاصاغر خلتي
تربت يداك وهل رأيت لقومه مثلي على يسرى وحين تعلتي
رجلا اذا ما النائبات غشيته اكفى لمضلعة وان هي جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس نهلت قناتي من مطاه وعلت
واذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالق بيدي من قمع العشار الجلة
ولقد رابت ثأى العشيرة بينها وكفيت جانيها اللتيا والتي
وصفحت عن ذي جهلها ورفدتها نصحى ولم تصب العشيرة زلتي
وكفيت مولاي الاحم جريرتي وحبست سائمتي على ذي الخلة
[ ١ / ١٢١ ]
(٨٢) وعن ابن أبي خالد: قال: سمع الهيثم رجلا يعير رجلا بأمه، فقال: مه، ام عنترة زبيبة سبية من تيم الرباب، وام زيد الخيل قوشة سبية من كلب، وام ذي الرقيبة فارس بني قشير اسيدة سبية من اسد السراة، وام عمرو بن العاص النابغة سبية من عنزة، وام عبد الله بن زياد مرجانة سبية من اصبهان، وام الشعبي سبية من جلولاء، وام خالد بن عبد الله القسري سبية رومية، وام القباع سبية حبشية بيضاء كانها القلب، وام السليك سبية سوداء. قال ابو عُبَيْدة: وهي من اماء بني الحارث بن كعب، وام وكيع بن عمير سبية من دورق، وام عبد الله بن حازم سبية سوداء، وام زياد سبية من زندورد.
(٨٣) وعن مروان بن قيس الدوسي قال: حضرت النبي ﷺ وقد ذكرت عنده الكهانة فيما كان من آياته عند مخرجه. فقلت له: يا رسول الله - صلى الله عليك - عندنا من ذلك شئ بين، كانت عندنا جارية حسانة ظرافة يقال لها الخلصة، ولم يعلم عليها الا خيرا، فاذا هي قد جاءتنا في مجلس لنا، فقالت: يا معشر دوس هل علمتم علىّ
[ ١ / ١٢٢ ]
الا خيرا؟ قلنا: لا والله، قالت: بينا انا في غنمي اليوم، اذ غشيتني ظلمة، وقد وجدت كحس الرجل مع المراة، وقد خشيت ان اكون قد حملت. فاستمرت حاملا، فولدت غلاما اغضف، له اذنان كأذني كلب، فمكث حتى اذا كان غلاما، فبينا هو يلعب مع الصبيان اذ القى ازاره، ووثب، وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله ياويل غنم وويل فهم، من قابس النار اتى بالدهم، بقتل همدان وقتل فهم، يا ويله يا ويله بالاجلاب، نزلوا والله بالمعشبة المحطاب، الخيل والله وراء العقبة، نقية كالجنة، ياويله، فركبنا واستلأمنا، فقلنا: ويلك، ما ترى؟ فقال: هل من جارية طامث لم تكعب، معها صبي؟ قلنا: وكيف لنا بها؟ فقال شيخ من الحي: عندي هي والله عفيفة عفيفة الام، رأيت امها نبذت في فراشها البارحة، فقال: عجلها. فأتت الجارية، فطلعت الخيل، فقال: اطرحي ثوبك، واعدي في وجهي وقال القوم: اتبعوا اثرها، وقال لرجل منا يقال له احمد بن حابس: يا احمد بن حابس اني حابس عليك اول فارس، وقال: فظهر والله اول مرتجل منا
[ ١ / ١٢٣ ]
يقال له: احمر، فلقى اول عادية القوم، فصرعه وغنمناهم، قال: فبنينا عليه بيتا وسميناه ذا الخلصة، كان لا يقول شيئا الا وجدناه كما يقول، حتى قال لنا يوما: يا معشر دوس، نزلت بنو الحارث بن كعب، والجيش عفاس، فاركبوا، فاستلأمنا وركبنا، فقال: والقوا القوم غدية، واشربوا الخمر عشية، فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فقلنا: ويلك: مالك وما صنعت بنا؟ واغتفرناها له، فمكثنا ما شاء الله، فاذا هو يقول: يا معشر دوس، هل لكم في غزوة تهب لكم عزا؟ قلنا: ما احوجنا اليها؟؟ قال: اركبوا، فركبنا، فقال: ايتوا بني الحارث بن مسلمة فاجعلوها بينه، ثم قال: عليكم بفهم، كلا، ليس لكم فيهم دم، عليكم بنصر وجشم، رهط دريد بن الصمة، كلا، قليل الحنث وفي الذمة، عليكم بكعب بن ربيعة، فانهم اهل فجيعة، فلتكن بهم الوقيعة، قال: فخرجنا فلقيناهم، فهزمونا وفضحونا. فقلنا: ويلك: ماذا تصنع بنا؟ فقال: ما ادري، اكذبني الذي صدقني؟ امكثوا عني ثلاثا ثم ائتوني. فلمّا مضت الثلاث خرج الينا، فقال: يا معشر دوس، خرست السماء، وحل القضاء، وخرج خاتم الانبياء. قلنا: اين؟ قال: مكة بكة، انا ميث لثلاث، فادفنوني في رأس موضع جفو،
[ ١ / ١٢٤ ]
فاني سوف اضطرم نارا، فلا اكونن عليكم عارا، فقولوا عند ذلك: باسم اللهم رب النار، وارموني بثلاثة احجار، ففعلنا، فطفئت النار، ورجع الينا الحاج فأخبرونا بمخرجك يا رسول الله.
(٨٤) وعن الهيثم بن عدي، قال: ذكرت عند رسول الله ﷺ الكهانة يوما، فقال الزبان العدواني: والله يا رسول الله لقد رايت من ذلك عجبا. قال: وما هو؟ قال: كانت لنا ام يقال لها: انيسة فولدتني واربعة اخوة معي، فكانت عدوان تتعجب منا، وتقول: بنو انيسة، فخرجت في سفر، فتركتهم في آثارهم لاطلبهم فأردهم، فلم اجد لهم خبرا، حتى انزل على رجل من نهد، فاني لعنده اذ طلعت جويرية امام غنم فرزاء، على عنقها علبة، والجارية فوق الخماسية، فلمّا راها قال: مرحبا يا بنيتي صحيبة، وانعمي واسلمي، قالت: قد كان ما قلت، وانت بمثله، لا زلت في غيث وواد يرف بقله، قال: اخبرينا يا بنية كيف كنت بعدنا وكيف كنا بعدك؟ واما انتم بعدي فان ضيفكم هذا ولدت بعده امراته غلاما، فسمته عصاما، ولقد نزل عليكم فتية اربعة
[ ١ / ١٢٥ ]
معهم ناقة جذعة، قالوا الضحى، فارتحلوا الظهيرة، فهم واردون ماء جويرة، فيردونه غلسا، فيشربون منه نفسا، ثم يميلون وهم كالون، فيموتون اجمعون، ثم القت العلبة وصفقت بيدها، وقالت: مه، فسدت اللعبة، اخوهم ورب الكعبة، قال: فهل ترين لهم من فرج؟ قالت: نعم، ان سار في الاصيل، حتى يدركهم بطفيل، في ورودهم حين تهب الريح، وينفخ الشيح، طاب الشراب وسلم الاياب.
قال: فخرجت سريعا، وكنت اذا استبطأت ناقتي طردت وسعيت، حتى ادركهم فأجدهم قد شربوا، واجدهم موتى اجمعين فذلك قولي:
ابعد بني امي ابتغي ندامى كراما او اظل اشاوف
لاصرف عنهم حتفهم واضمهم إلى
سبقت بهم اسعى واوضع وليس صارف قال فضحك رسوال الله صلى عليه وسلم:
(٨٥) وعن الشعبي، قال: كان قبل النبي ﷺوان ظلمة ظالم انتصر به، فاذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربه
[ ١ / ١٢٦ ]
واستنصره، وقد كنت في هذه الطبقات: وقد ظلمني ابن نهيك، في ضيعة لي في ولايته، فان نصرتني عليه اخذت لي بمظلمتي، والا استنصرت الله ﷿، ولجأت اليه، فانظر لنفسك ايها الامير، او دع. فتضاءل ابو جعفر، وقال: اعد علي الكلام، فأعاده. فقال: اما اول شئ فقد عزلت ابن نهيك عن ناحيته، وامر برد ضيعته.
(٨٦) وعن الكلبي، قال: وجه النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى ود - صنم لكلب - فكسره جذاذا وقاتل دونه ناس من كلب، فقتل منهم رجال، وقتل منهم غلام يقال له جامع، فجاءت امه تتصفح القتلى، فلمّا وجدته قالت:
الا تلك المسرة لا تدوم ولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى على الحدثان غفر بشاهقة له ام رؤوم
ثم اسندته إلى صدرها وقالت: يا جامعا جامع الاحشاء والكبد ياليتامك لم تولد ولم تلد ثم شهقت شهقة اتبعتها نفسها.
[ ١ / ١٢٧ ]
(٨٧) وعن العتبي قال: صعد عمر بن عبد العزيز يوما المنبر فحمد الله واثنى عليه، وقال: ان كنتم على يقين فانتم حمقى، وان كنتم في شك فانتم هلكى، ثم نزل.
(٨٨) وعن الأَصمعي قال: سمعت اعرأبيا يدعو لرجل، فقال: جنبك الله الامرين، وكفاك شر الاجوفين، واذاقك البردين.
(٨٩) وعن ابن الكلبي، عن أبيه قال: دخل الصقر بن صفوان الكلاعي على هشام بن عبد الملك، وعليه سيف عريض، فقال له مسلمة: ياصقر. فقال: انما يدعى الرجل بأحب أسمائه اليه، فأين الكنية؟ فقال له مسلمة: والله اني لاضنك أحمق. قال: قد كنا ننهي عن مجارة الصبيان. فقال له هشام: والله ما أظنك ضربت بسيفك هذا أحدًا، قال أما منذ ضربت به عن أبيك وجدك اذ أتينا هاربين خائفين فلا، ثم خرج وهو يقول:
ألا أبلغ مسيلمة بن عبد مقال ماجد قلب هجان
بالبنان
وتزعم لا أبالك أن سيفي بعيد العهد بالمهج الحوان
ولو ساءلت جدك عن شباه غداة الزج في رهج العنان
[ ١ / ١٢٨ ]
لاخبر أن تذبيبي بسيفي سرى عن وجه هول الجنان
أمسلم لو شهدت رجال قيس تعرض للضراب وللطعان وقد أوفت على مروان منهم سعير الموت ساطعة الدخان فلم يوئله الا منكبانا وطودا عزة متساميان ولولا نحن أصبح ملك فهر هزيم المتن منحرق الشنان فان تك نعمة لم تشكروها ولم تخشوا معاقبة الزمان فانا لا نقول لعاثريكم لعًا من بعدها بل للجران فبعث هشام إلى رجال من أكلب وحمير فترضاهم، وأمرهم بتأنيب الكلاعي وعذله، وأعطاه حتى رضى.
(٩٠) وعن محمد بن سلام، قال كان بالمدينة فتى من بني أميه من ولد سعيد بن عثمان بن عفان، وكان يختلف إلى قينة لبعض قريش، وكان طريرًا ظريفا، وكانت الجارية تحبه ولا يعلم، ويحبها ولاتعلم، فأرد يومًا أن يبلو ذلك، فقال لبعض اخوانه: امض بنا إلى فلانة (فلنكلمها)، فدخلا اليها، وتوافى فتيان من قريش والانصار فلمّا جلست مجلسها واحتجرت بمزهرها، قال الاموي تغنين:
[ ١ / ١٢٩ ]
أحبكم بكل جوارحي فهل لكم علم بما لكم عندي
وتجزون بالود المضاعف مثله فأن الكريم من جزى الود بالود فقالت أحسن منه، وغنت:
للذى ودنا المودة بالضعف وفضل البادي به لايجازى
لو بدا مابنا لكم ملا الارض وأقطار شاملها والحجازا فعجب القوم من سرعته مع شغل قلبه، ومن ذهنها وحسن جوابها. فازداد بها كلفًا، وصرح بما في قلبه، وقال:
أنت عذر الفتى اذا هتك الستر وان كان يوسف المعصوما
من يلم في هواك يقصر عن اللوم واما رأك كان الملوما وبلغ عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة، فاشتراها بعشر حدائق، ووهبها له بما يصلحها، فمكثت عنده حولًا ثم ماتت، فرثها فقال:
قد تمنيت جنة الخلد بالجهد فأدخلتها بلا استهلال
ثم أخرجت اذ تطعمت بالنعمة منها والموت أحمد حال
فكرر هذا الشعر مرارًا، وقضى فدفنا معًا، فقال أشعب:
هذا سيد شهداء الهوى، انحروا على قبره سبعين نحرة،
كما كبر رسول الله ﷺ على حمزة سبعين
[ ١ / ١٣٠ ]
تكبيرة. قال: وبلغ ذلك أبا حازم، فقال: ما محب لله يبلغ به الحب هذا المبلغ فهو اولى.
(٩١) وعن عبد الملك بن أبي السائب، قال: أخبرني ابن أبي عتيق، قال: إني لأسير في أرض بني عذرة إذا امرأَة تحمل غلامًا ليس مثله يتورك، فعجبت من ذلك، فإذاذ رجل له لحية، فقلت: من هذا رحمك الله؟ فقالت: أسمعت بعروة بن حزام؟ قال: قلت: نعم. قالت: هذا عروة، صيره الحب إلى ما ترى. فقلت: أأنت عروة؟ فكلمني وعيناه تدوران في رأسه، فقال: نعم، وانا والله الذي اقول:
جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا: نعم نشفي من الداء كله وراحا مع العواد يبتدران
فما تركا من سلوة يعلمّانها ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا: شفاك الله، والله مالنا بما ضمنت منك الضلوع يدان
فلهفي على عفراء لهفًا كأنه على القلب والأحشاء حد سنان
فعفراء أحظى الناس عندي مودة وعفراء عني المعرض المتواني
[ ١ / ١٣١ ]
ثم ذهبت، فما رحت عن المّاء حتى سمعت الصيحة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ما عروة. قال عبد الملك فقلت: أبا السائب، والله ما أراه إلا شرق. قال: بم شرق؟ قلت: بريقه، أفترى إنسانًا يموت من الحب؟ قال: سخنت عينك! والله لا تفلح ابدًا، فمن أي شئٍ مات؟ ويلك.
(٩٢) وعن الأَصمعي، قال: كان يقال: من أمل رجلًا هابه، ومن قصر عن شئٍ عابه. وإنما يعيب الشئ الذي قصر عنه حسدًا.
(٩٣) عن عبد الأول بن مزيد، قال: أخبرني أبي عن رجل لقيه بمكة، قال: دعا رجل فقال: اللهم إني أون كنت قد عصيتك فبحبي فيك من اطاعك إلا رحمتني، فهتف به هاتف: عقدت عقدًا لا ينحل أبدا.
(٩٤) وعن الأَصمعي، قالَ: ضرب هلال بن الاسعر المّازني عبيد بن جزءٍ المّازني فأثابه، ولم يمت، فحبس هلال ونقل عبيد، فخاف هلال إن مات عبيد أن يقتل به، فقال لرجل قد وكل به: اطلب لي مغرة وربا فأتاه به، فشربه، فأصابته خلفة، فظن الرجل انه
[ ١ / ١٣٢ ]
لمّا به، فتراخى عنه. قالَ هلال: فلمّا غفل عني قطعت القد وخرجت أزحف على بطني، فمضيت ليلتي، فأصبحت عند قوم، فألقوا على محشا لهم، فلبسته، ومضيت، فأصبح في اليوم الثالث عند راع، فمضى وترك بكرا، فلا أدري أتركه عمدًا أم أغفله، فنحرته بمروة، وجمعت حطبًا فأشتويته، فأكلت لحم العنق وأساود بطنه، وألقيت مذراعه وأخفاقه، واتيت عليه إلا بقية حملتها في كسائي، فحمل عنه الدية رجل من بني مازن.
(٩٥) قالَ الأَصمعي: وأخبرني من رأى هِلالًا أنه قد أكل ثلاث جفان ثريدًا، ثم استسقى فجئ بقربة نبيذ، ثم جئ بقمع في فيه، ثم صب في فيه حتى استوفاها.
(٩٦) وعن سحيم بن حفص، قالَ: كان ليحيى بن عبيد الله وكيل يشرف على ابله، فقال: لقيني أعرأبي فقال لي: هل لك في رجل لم يصب بقلًا منذ ثلاثة ايام فتؤجر فيه؟ قلت: نعم. فقمت إلى بكر فنحرته، ثم جمعت انا والاعرأبي حطبًا، فألقيناه على البكر حتى لم ير منه شئ، وألقينا فيه النار، وتحدثنا حتى خمدت النار، وبرد ما هناك، وكشطنا عن البكر، وجلس ناحية فأكلنا حتى اتينا
[ ١ / ١٣٣ ]
على الظهر ثم اخذنا العنق حتى اتينا عليها، ثم العجز، حتى اتينا على البكر. فلمّا فرغنا منه، قلت: هل انتهيت؟ قالَ: إن في لبقية.
(٩٧) وعن العباس بن هشام، عن أبيه قالَ: دخل أبو السربال الكلبي على سليمان بن عبد الملك - وهو امير، وعنده روح بن زنباع الجذامي، وحسان بن مالك بن بحدل الكلبي وهو يتغدى، فقال له سلمّان: ادن.
فقال: لا، حتى اعرف من أكلائي. فأشار سليمان إلى روح، فقال: هذا روح بن زنباع. فقال أبو السربال: هذار رجل قل ما اعتركت الأضياف بباب أبيه، ومن هذا؟ قالَ: هذا ابن بحدل. قالَ: إن هذا لصغير اللقمة، ومعهم رجل من قريش أمه رومية، فهو أقشر أحمر. فقال أبو السربال: أما هذا فلا أسأل عنه، هذا قيصر. فضحك سليمان والقوم، وجلس أبو السربال، فأكل، وجاءُوا بفالوذج، فجعل سليمان يعظم اللقمة، وقال: دونك يا أبا السربال، فإن هذا يزيد في الدماغ، فقال أبو السربال: أصلح الله الأمير، لو كان هذا كما تقول لكان رأسك مثل رأس البغل.
[ ١ / ١٣٤ ]
(٩٨) أَنشَدَ الأَصمعي لسليم بن ربيعة الضبي، أو لإياس بن الأرت الطائي:
هلم خليلي والغواية قد تصبى هلم نحيي المنتشين من الشرب
نسل سخيمات الرجال بشربة ونجري السرور اليوم باللهو واللعب
إذا ما تراخت ساعة فاجعلها بخيرٍ، فأن الدهر أعضل ذو عتب
فإن يك خيرًا أو يكن بعض راحة فإنك لاق من هموم ومن كرب (٩٩) وأَنشَدَ الأَصمعي لابن شبرمة الضبي:
ويوم شديد الحر قصر طوله دم الزق عنا، واصطكاك المزاهر
لدن غدوة حتى اروح وصحبتي عصاة على الناهين شم المناخر
كأن أباريق الشمول عشية إوزبأ على الطف عوج الحناجر
(١٠٠) عن موسى بن عبد الله الخزاعي، عن أبيه، قالَ: اجتمع عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم عند عائشة، فقال مروان: قاتل الله لبيدًا حيث يقول:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يعود رمادًا بعد إذ هو ساطع
فقال عبد الله: لقد أحسن، ولو شئت ان اقول احسن منه لقلت. فقال له مروان: قل، فمثلك قالَ وأحسن. فقال:
[ ١ / ١٣٥ ]
ففوض إلى الله الامور اذا اعترت وبالله لا بالاقربين فدافع
فقال مروان: احسنت، ولو قلت:
وفوض إلى الرحمن امرك انه اذا حم لم يشسع به الدهر شاسع
كان احسن. فاقبل عبد الله ينشده، كالمتعجب، فقال مروان:
ومن يشأ الرحمن يخفض بقدره وليس لمن لا يرفع الله رافع
فقال عبد الله: وما يستوي عبدان: عبد مظلم عتل لارحام الاقارب قاطع فقال مروان:
وعبد تجافى جنبه عن فراشه يبيت يناجي ربه وهو راكع
واشار اغلى نفسه، فقال عبد الله:
وللخير اهل يعرفون بهديهم اذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان:
وللشر اهل يعرفون بسلبهم تشير اليهم بالفجور الاصابع
واشار إلى عبد الله، فقال عبد الله: وفينا، ثم سكت.
فقال له مروان: اخرستك. فقال: لا.
فقال مروان: لعلك اردت ان تقول:
وفينا اناس لم تكن اقعدتهم عن الخير فيمن اقعدته المطامع
[ ١ / ١٣٦ ]
فقال: لا، وقد احسنت.
قالَ: فلعلك اردت ان تقول:
وفينا اناس يختلون بدينهم لكي يدركوا الدنيا وتلك الفجائع
فقال: لا، وقد اسأت.
فقال: انت والله اسوأ قريضا، واشد تعريضا.
فقالت عائشة لعبد الله: يا ابن اختي، ما منكما الا شاعر، ولكن لمروان ارث في الشعر ليس لك، من قبل آل صفوان بن محرث.
(١٠١) عن أبي طلحة موسى بن عبد الله الخزاعي قالَ: بلغني ان عمر بن عبد العزيز - ﵀ - كان لا يجف فوه من هذا البيت:
لا خير عيش امرئ لم يكن له من الله في دار القرار نصيب
(١٠٢) قالَ: وبلغني ان مروان كان كثير ما ينشد:
كأن شيئا من الدنيا يعاش به اذا انقضى غير تقوى الله لم يكن
(١٠٣) عن أبي طلحة، قالَ: قالَ أبي: كان ابو الزناد كثيرا ما ينشد:
ان الحرام غزيرة حلباته ووجدت حالبه الحلال مصورا
[ ١ / ١٣٧ ]
(١٠٤) وعن الأَصمعي، قالَ: قالَ اعرأبي لبعض الولاة: ان الذي اطلبه لله جل وعز رضى، وللامير طاعة، وانت المرء لا يشقى من حللت اليه، ولا يجار على من وليت عليه.
(١٠٥) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت اعرأبيا يقول: خرجنا نريد سفرا، والشمس فبي قلة السماء، حيث انتعل كل شئ ظله، وما زادنا الا التواكل، وما مطايانا الا الارجل، حتى لحقنا بغيتنا.
(١٠٦) عن الهيثم، قالَ: قالَ عبد الله بن مروان لعبيد الله بن ظبيان العائشي: بلغني انك لا تشبه اباك.
قالَ: والله لانا اشبه به من المّاء بالمّاء، والتمرة بالتمرة والغراب بالغراب، ولكن ان شئت انبأتك يا امير المؤمنين بمن لا يشبه اباه.
قالَ: من هو؟ قالَ: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الارحام، ولم يشبه الاخوال ولا الاعمام.
قالَ: ومن هو؟
[ ١ / ١٣٨ ]
قالَ: سويد بن منجوف. وكان سويد حاضرا، فقال عبد الملك اكذاك يا سويد؟ قالَ: نعم. ونهض عبد الملك وخرجا، فقال ابن ظبيان لسويد: والله ما يسرني ان لي بجوابك اياه سؤددا.
(١٠٧) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: قدم المنذر الاسلمي على المنذر بن الزبير، وكانت بينهما خصومة، فقال ابن الزبير: اما والله لقد قدمت على من يبغض طلعتك، وخرجت من عند من كان يشتهي الراحة منك.
فقال: الاسلمي: فلا انعم الله بمن قدمت عليه عينا، ولا خلف على من خرجت من عنده بخير.
(١٠٨) وعن العتبي، قالَ: سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يمدح فاطمة بنت الحسين - رحمة الله عليهما - فقال: لا تعرف الشر.
فقال عمر: معرفتها بالشر جنبتها اياه.
(١٠٩) وعن الأَصمعي، قالَ: شاور رجل من العرب رجلا في التزويج، فقال له: افعل، واياك والجمال الفائق، فانه مرعى انيق.
[ ١ / ١٣٩ ]
فقال الرجل: نهيتني عما اطلب فقال: او ما سمعت قول الشاعر:
ولت ترى الدهر مرعى مونقا ابدا الا وجدت به اثار مأكول
(١١٠) وعن أبي عُبَيْدة قالَ: دخل معاوية حائطا له بمكة ومعه خالد بن صفوان، فقال له معاوية: كيف ترى هذا الحائط يا ابا صفوان؟ فقال: اراه على خلاف ما وصف الله به هذا البلد، قالَ الله: (بوادٍ غير ذيِ زرع)، وقد جعلت فيه زرعا.
فقال له معاوية: متى تعلمت هذه الاية؟ فقال: اما انا فقد اوجعتك، فقل ما شئت.
(١١١) وعن الأَصمعي، قالَ: كان بالمدينة غلام احمق، فقال لامه: يوشك ان تريني عظيم الشأن.
قالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابتيها احمق منك.
فقال: والله ما رجوت هذا الامر الا من حيث يئست منه، اما علمت ان هذا زمان الحمقى، وانا احدهم.
[ ١ / ١٤٠ ]
(١١٢) وعن أبي يزيد، قققال: كانوا اذا قالوا: من اعبد اهل البصرة؟ قالوا ثابت البناني.
واذا قيل: من احفظ اهل البصرة؟ قالوا: قتادة واذا قالوا: من ازهدهم واعلمهم واحفظهم واورعهم واعبدهم؟ قالوا: الحسن.
(١١٣) وعن احمد بن المعذل، قالَ: كان الحجاج ينشد أبيات اسماء بن خارجة، ويقول: ما احسدني له فيها، فض الله فاه، وهي:
يا منزل الغيث بعد ما قنطوا ويا ولي النعماء والمنن
يكون ما شئت أن يكون وما قدرت أن لا يكون لم يكن
لو شئت إذ كان حبها عرضا لم ترني وجهها ولم ترني
[ ١ / ١٤١ ]
يا جارة البيت لي ساكنا إذ ليس بعض الجيران بالسكن
أذكر من جارتي ومجلسها طرائفًا من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقة ما لحديث الموموق من ثمن
(١١٤) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان المغيرة بن عبد الله الثقفي بخيلا، وكان واليا على الكوفة من قبل الحجاج، وكان يؤتي في طعامه بجدي لا يمسه غيره، وكان على شرط الكوفة عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي للحجاج فقال عبد الرحمن لرجل من الشرط من تيم الرباب: إن أكلت من جدي المغيرة لم أكلفك النوبة سنة، فأكل التيمي فبلغ المغيرة، فشكاه إلى الحجاج، فعزله.
(١١٥) قالَ أبو عُبَيْدة: وكان المغيرة يأكل ذات ليلة مع اصحابه تمرًا في طست، فطفئ المصباح، فأكل بعض القوم تمرتين، ورمى بناوتين، فقال المغيرة: من هذا الذي يضرب بالكعبين؟ (١١٦) وعن أبي عُبَيْدة: قالَ: كان الحكم بن ايوب من ولد أبي عقيل الثقفي بخيلًا، وكان عاملًا على البصرة للحجاج، فأستعمل رجلًا من بني مازن يقال له
[ ١ / ١٤٢ ]
جرير بن بهيس ولقبه العطرق على العرق موضع قريب من البصرة، كانت فيه إبل للحجاج يسقي الناس ألبانها فخرج الحكم متنزها إلى العرق، فأتى بغدائه، فدعا العطرق فتغدى معه، وجاؤا بدراجة، فتناول العطرق فخذها، فأنتزعها، فعزله الحكم، وأستعمل مكانه نويرة بن شقيق المّازني. فقال نويرة:
قد كان بالعرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن دراجة الحكم
وفي عوارض ما تنفك تأكلها لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
وفي وطاب مملاة مثممة فيها الصريح الذي يشفي من السقم
ثم استعمل الحكم رجلا من بني ضبة، يقال له المحلق فقال نويرة:
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ونصحي إذن ما بعتني بالمحلق
ولا اعتل سراق العراقة صالح على ولا كلفت ذنب العطرق
قالَ: أبو بكر: يعني صالح بن أبي كدير المّازني، وكان على استخراج للحجاج، فدفع اليه رجلًا، ليستخرج منه مالًا، فدفنه حيًا، فلقبه الحجاج قفل الأمانة.
[ ١ / ١٤٣ ]
وما جعل البازي الذي بات طاويا إلى خرب رخو الجناحين نقنق
(٣٤) رأى خفقة من طائر إن يقم له يفته، وإن يهرب من الموت يلحق (١١٧) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان حميد الأرقط، وهو احد رجاز بني تميم، هجاءً للضيفان، فحاشا عليهم، فنزل به ضيف ذات ليلة، فاق لامراته: نزل بك البلاء، فقومي فأعدي لنا شيئًا، فجعل الضيف يأكل متنفجا، ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلمّا فرغ، قالَ حميد:
يخر على الأطناب من حدل بيتنا هجف لمخزون التحية باذل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى فدى لك ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت: لعمري ما لهذا طرقتني فكل ودع الأخبار ما انت آكل
تجهز كفاه ويحدر حلقه إلى الصدر ما ضمت إليه الأنامل
[ ١ / ١٤٤ ]
أتانا ولم يعد له سحبان وائل بيانا وعلمّا بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كانه من العي لمّا ان تكلم باقل
(١١٨) وعن الأَصمعي، قالَ: سمع اعرأبي قومًا يتجادولن في الخنثى من أين يورث. فقال احدهم: قالَ الزهري: من حيث يبول. فقال الأعرأبي: أما سمعتم ما قالَ الشاعر في ذلك؟ قالوا: وما قالَ؟ قالَ: قالَ:
ومهمة يعي القضاة عياؤها تذر الفقيه يشك شك الجاهل
عجلت قبل حنيذها بشوائها وقطعت مشكلها بحكم فاصل
فتركتها بعد العماية سنة للمهتدين، وللإمام العادل
قالوا من اين يورث الخنثى فقد عمى الجواب؟ فقل مقال العاقل
قلت المبال عليكم، فتدينوا فالحكم يظهر في مبال البائل
[ ١ / ١٤٥ ]
قالَ ابو حاتم: وهي كلمة أولها:
انت ادركي بني غفار بعدما خافوا تأخر كل مولى خاذل
وهم بثغر الموت تنهب فوقهم غنم ويذمرها قبائل وائل
فرلددت في حر الوجوه دماءها ورددت خصمهم بأفوق ناصل
ومهمة أعي القضاة عياؤها تذر الفقيه يشك شك الجاهل
(١١٩) وعن الأَصمعي، قالَ: قالَ رجل لمّالك بن انس: قلت أبيات شعر، وذكرتك فيها، فأجعلني في حل. قالَ: أنت في حل. قالَ: احب أن تسمعها قالَ: لا حاجة لي بذلك. قالَ: بلى.
قالَ: فهات إذًا، فأَنشَدَه:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصبا وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبئكم اني مصيب وإنما أسلى هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى أثام وهل في ضمة المتهالك
فضحك مالك ﵀، وكان يظن انه قد هجاه.
[ ١ / ١٤٦ ]
(١٢٠) عن العتبي، قالَ: وقال: رجل من جلساء عمر بن عبد العزيز لرجل سمعه يتكلم بكلام أعجبه: لله أبوك، أني أوتيت هذا العلم؟ فقال الرجل: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا، ولو انا عملنا بما علمنا لأوتينا علمّا لا تقوم له أبداننا.
(١٢١) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني أن هرم بن حيان قالَ لأويس القرني: أني آنس بك. فقال أويس: ما كنت احسب ان أحدًا يستوحش مع الله. قالَ: فأين تأمرني ان انزل؟ قالَ: عليك بالشام، فأنزل سيف بحرها. قالَ: فكيف بالمعاش؟ قالَ: أفخالط القلوب فما تنفعها موعظة؟ تفر إلى الله وتتهمه في رزقك؟ (١٢٢) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت أعرأبيًا يعذل صاحبًا له في الشراب، فقال له:
فأنك لو شربت الخمر حتى يظل لكل انملة دبيب
إذًا لعذرتني وعلمت اني بما اتلفت من مالي مصيب
[ ١ / ١٤٧ ]
(١٢٣) وأَنشَدَ الأَصمعي:
تقول سليمى سار اهلك فارتحل فقلت: وهل تدرين ويحك من اهلي؟
وهل لي اهل غير ظهر مطيتي اروح واغدو ما يفارقها رحلي
(١٢٤) وأَنشَدَ ابو حاتم، ولم يسم قائلا:
لا تعديني الفقر يا ام مالك فان الغنى للمنفقين قريب
وما زلت مثل الغيث يبطيء مرة فيفلي ويولي مرة فيثوب
وللمّال اشراك وان ضن ربه يصاب الفتى من ماله ويصيب
فما السائل المحروم يرجع خائبا ولكن بخيل الاغنياء يخيب
(١٢٥) عن الهيثم بن عدي، قالَ: كتب عدي بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزيز: اما بعد، فأن قبلي ناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما لست اقدر على استخراجه من ايديهم، الا ان يمسهم شئ من العذاب، فان رأى امير المؤمنين ان يأذن لي في ذلك فعل، فكتب اليه عمر: اما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك اياي في عذاب بشر، كأني لك جنة من عذاب الله، وكأن رضائي ينجيك
[ ١ / ١٤٨ ]
من سخط الله. فانظر فمن قامت عليه البينة فخذه بما قامت به عليه، ومن اقر لك بشئ فخذه بما اقر به، ومن انكر فاستحلفه بالله وخل سبيله. فو الله لان يلقوا الله بجناياتهم احب الي من ان القى الله بدمائهم.
(١٢٦) وعن أبي عُبَيْدة، عن يونس، قالَ: بلغي أن أبن عباس كان يقول: كتب إلى علي بن أبى طالب - ﵇ - بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها: أما بعد، فان المرء يسره درك مالم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحًا، وما فاتك منها فلا تتبعه أسفًا، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت.
(١٢٧) وعن أبى حاتم، عن عبد الله بن مصعب الزبيري، قالَ: كنا بباب الفضل بن الربيع، والاذن يأذن لذوى اليئات والشارات، وأعرأبي يدنو، فكلمّا دنا صرخ به، فقام ناحية، وأنشأ يقول:
رأيت أذننا يعتام بزتنا وليس للحسب الزاكي بمعتام
[ ١ / ١٤٩ ]
ولو دعينا على الاحساب قدمنى مجد تليد وجد راجح نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمها خلطان من رخم قزع ومن هام؟
(١٢٨) وعن العتبى، قالَ: لمّا عقد معاوية البيعة ليزيد، قام الناس يخطبون، فقال معاوية لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فان يزيد بن معاوية أنبل ما تأملونه، وأجل ما تأمنونه، ان استضفتم إلى حلمه وسعكم، وان احتجنم إلى رأيه ارشدكم، وان افتقرتم إلى ذات يده اغناكم، جذع قارع، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع ففاز سهمه، فهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف منه. فقال معاوية: أوسعت يا أبا أمية فاجلس (١٢٩) وعن الأَصمعي، قالَ دخل أعرأبي على بعض الملوك فقال: رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لايخفي على الناظر، وأيقنت أنى حيث أنتهى في القول منسوب إلى العجز، مقصر عن
[ ١ / ١٥٠ ]
الغاية. فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء، لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك (١٣٠) عن العتبى، قالَ أسر معاوية رجلا من أصحاب علي يوم صفين، فلمّا أقيم بين يديه قالَ: الحمد لله الذي أمكن منك. قالَ لاتقل ذاك، فانها مصيبة. قالَ وأى نعمة أعظم من أن يكون الله أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحأبي؟ اضربا نقه، فقال الرجل: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا لانك ترضى قتلى، ولكن قتلني في الغلبة على حطام الدنيا، اللهم فان فعل فافعل به ما هو أهله، وان لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. فقال معاوية: قاتلك الله، لقد سببت فأوجعت في السب، ودعوت فأبلغت في الدعاء، خليا عنه.
(١٣١) وعن أبى عبيده، عن يونس، قالَ كان زياد اذا ولى رجلًا عملًا قالَ له: خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: انا ان وجدناك أمينا ضعيفًا استبدلنا بك لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمنتك، وان وجدناك قويًا خائنًا استهنا بقوتك، وأحسا على خيانتك أدبك،
[ ١ / ١٥١ ]
فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وان جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين، وان وجدناك أمينًا قويًا، زدنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك.
(١٣٢) وعن العتبي، قالَ: بعث إلى عمر - رحمة الله عليه - بحلل، فقسمها، فأصاب كل رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمّان: لا نسمع. فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قالَ: انك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك حلة. فقال: لاتعجل يا أبا عبد الله، بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. قالَ: نشدتك الله، الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قالَ: اللهم نعم. فقال سلمّان: أما الان فقل نسمع.
(٣٧) عن أبي عباس، قالَ لي أبى: يا بني، اني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك، ويقدمك على الاكبر من أصحاب محمد ﷺ، واني
[ ١ / ١٥٢ ]
أوصيك بخلال ثلاث، لاتفشين له سرا، ولا يجربن عليك كذبًا، ولاتغتأبين عنده أحدأ. قالَ الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منها خير من ألف. فقال: أي والله، ومن عشرة ألاف.
(١٣٤) قالَ ابن دريد: أخبرنا أبو حاتم، قالَ: قالَ بعض علمّاء الهند: صحبة السلطان، على ما فيها من العز والثروة، عظيمة الخطار، وانما تشبه بالجبل الوعر، فيه الثمار الطيبة، والسباع العادية، والارتقاء اليه شديد، والمقام فيه أشد، وليس يتكافأ خير السلطان وشره، لآن خير السلطان لايعدو مزيد الحال، وشر السلطان (قد) يزيل الحال، ويتلف النفس التي لها طلب المزيد، ولاخير في الشء الذي (في) سلامته مال وجاه، وفي نكبته الجائحة والتلف (١٣٥) وعن الأَصمعي، شاور أ'رأبي ابن عم له في أمر، فأشار عليه برأي، فقال: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق، الذي لايخلط حلو كلامه بمره، ونحزنه بسهله، ويحرك الاشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد
[ ١ / ١٥٣ ]
(٣٨) أوعيت النصح فيه، وقبلته، اذ كان مصدره من عند من لا يشك في مودته وصافي غيبه، ومازلت بحمد الله إلى الخير طريقًا منهجا، مهيعًا واضحًا (١٣٦) أَنشَدَنا عبد الرحمن، عن عمه، عن أبي عمرو قالَ - وهو مما صح عندي من شعر قريش - قول المطلب ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب يرثى اخاه هاشما:
يا للرجال لطول ليل سرمد امسى وبات على احق طويل
اذ بان ذو المجد الرفيع وذو العلا وتركت مثل متيم متبول
فأرقت فامتنع الرقاد فلم انم من ذكر فياض العطاء جزيل
من ذكر عمرو وذي السماحة والندى سهل الخليقة للكرام وصول
ضخم الدسيعة ماجد اعراقه ماض على مابات غير حدول
يهتز للخيرات مثل مهند عضب قد اخلص نصله مصقول
صافي السجية والطبيعة اروع حامي الحقيقة صارم بهلول
فسقى الغوادي قبره بمجلجل ذي هيدب هزم العشى هطول
ثم قالَ ابو عمرو: انظر إلى هذا الكلام السهل غير المتكلف انما يجئ به الطبع سمحا.
[ ١ / ١٥٤ ]