(١٩٦) قالَ: لمّا بايع الناس معاوية اتاه رجل من همدان، قالَ: اما والله لابايعنك واني لك لكاره، فقال معاوية: بايع فقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا. واقبل آخر، فقال: اعوذ بالله من شرك يا معاوية. فقال معاوية: تعوذ بالله من شر نفسك، فشر نفسك عليك اضر من شري.
ثم تقدم اخر من همدان فقال: ابايعك على سيرة عمر بن الخطاب، فقبض يده وقال: فأين رجال عمر؟ بايعني على دهماء جامعة.
[ ١ / ١٨٢ ]
(١٩٧) وعن يونس، قالَ: قالَ سعيد اخو الحسن للحسن: انا اعبد منك، واعلم منك، وافصح. قالَ: اما هذه فلا. قالَ: ما تأخذ على حرف واحد؟ قالَ: قد اخذت هذه عليك.
(١٩٨) وعن أبي عبيد، قالَ: كان معاوية بن نجير لا يلحن، فمات بجير بالبصرة، ومعاوية بفارس خليفة أبيه، فداء العنج بنعيه فقال: اصلح الله الامير، مات بجيرا. فمسح عينه وقال: لحنت، ويلك؟ فقال بعض اخوانه:
الم تر ان شر بني بجير معاوية المحقق ما ظننتا
اتاه مخبر ينعى بجيرا علانية فقال له لحنتا
(١٩٩) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابان بن عثمان بن عفان فصيحا، فقام يوما يصلي، فمر رجلان يتحدثان، واحدهما يقول لصاحبه " ركبت بغلة فقمصت بي قماصا شديدا، فقطع ابان الصلاة وقال: قماصا لا ام لك.
[ ١ / ١٨٣ ]
(٢٠٠) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: سمعت يونس يذكر زيادا وكرم مجالسته. قالَ: حبق رجل في مجلسه فجاء بصوت منكر، فلمّا كان الغد، امر زياد غلاما له، فجاء بنفاخة فنفخها ووضعها تحت وسادة الرجل الذي كان منه الحدث، فلمّا جلس على الوسادة انصدعت النفاخة، فجاء صوتها كالصوت الذي جاء بالامس، فقال زياد للرجل: قم، فقام فأذا النفاخة منصدعة، فقال زياد: لقد اجترأ على من صنع هذا في مجلسي مرتين.
(٢٠١) وعن الأَصمعي، قالَ: كان عبد الله بن عامر بن كريز من فتيان قريش جودا وحياء وكرما. فدخل اعرأبي ليلا، فسأل عن دار ابن عامر، فأرشد اليها، فجاء حتى اناخ راحلته بفنائها، وانشغل عنه الحاجب والعبيد، فبات القفر، فلمّا اصبح ركب ناقته ووقف على الحاجب، وانشأ يقول:
كأني ونضوى عند باب ابن عامر من الجوع ذئبا قفرة هلعان
وقفت وصنبر الشتاء يلفني فقد مس برد ساعدي وبناني
فما اوقدوا نارا ولا اعرضوا قرى ولا اعتذروا من عسرة بلسان
[ ١ / ١٨٤ ]
فقال بعض شعراء البصريين:
كم من فتى تحمد اخلاقه ويسكن العافون في ذمته
قد كثر الحاجب اعداءه واحقد الناس على نعمته
فبلغ ذلك ابن عامر، فعاقب الحاجب، وامر الا يغلق بابه ليلا ولا نهارا (٢٠٢) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خطب رجل من بكر بن وائل إلى رجل من مراد ابنته، فهم ان يزوجها، فبينا الجارية يوما تلعب مع الجواري اذ جاء البكري، فقلن لها: هذا خاطبك. فقالت: ما رجل هو اجب الي ان اكون قد رأيته منه - فلمّا رأت رجلا كبير السن، قبيح الوجه، قالَ: اوقد رضي أبي؟ فقلن: نعم، فدخلت البيت، واشتملت على السيف، وشدت عليه، فسبقها عدوا، ونالته بضربة. فقال ابن همام السلولي، وهو يشبب بامرأَة:
اخاف بأن يجزي المحب كما جزت فتاة مراد شيخ بكر بن وائل
فلو لم يرع روع الحبارى تفتخت ذوائبه منها بأبيض ناصل
ولا ذنب للحسناء لمّا بدا لها ضعيف كخيط الصوف رخو المفاصل
[ ١ / ١٨٥ ]
(٢٠٣) وعن محمد بن السائب، قالَ: حدثني شيخ من اهل حضرموت بمكة، فتذاكرنا اولية العرب، فقال لي: لو حفظ عنهم كل ما سيروه وتذاكرنا اولية العرب من امثالهم وحكمهم، لاضعف على اخبار الامم. ثم حدثني عن أبيه، وكان اسمه عامر بن جهدم، عن جده عامر، وكان جاهليا، قالَ: كان بحضرموت شيخ ازاء مال، وكان له ثلاثة بنين، فدعا بنيه لمّا كبر، فقال لهم: يا بنيّ، قد بلغت من السن ما ترون، وقد اشفيت على يومي، فأنا هامة اليوم اوغد، فأيكم تكام بثلاث كلمّات من الحكم جعلت له ثلث مالي، وان قصرتم اعترضت بها سوق الرأبية، وقلت: من اخذ منها شيئا فهو له. فقال الاكبر:
ما طاب فرع لا يطيب اصله
حمى مؤاخاة الئيم فعله
فأن من آخى لئيما مثله
فقال: دونك ثلاثمائة ناقة ترعاها.
فقال الاخر:
يا رب حلو سيعود سما
ورب حمد سيكون ذما
ورب روح سيصير غما
[ ١ / ١٨٦ ]
فقال: دونك ثلاثمائة وقام الاصغر، فقال:
من مات فالحي له مباعد
بسرعة النقض مبير الرائد
كم ولد يموت ويحي الوالد
فقال: دونك اربعمئة.
(٢٠٤) وعن الأَصمعي، قالَ: مرض اعرأبي من بني نمير، يقال له حنيف بن مساور، وكانت له امرأَة من قومه يقال لها: زرعة بنت الاسود، وكان لها محبا، فلمّا اشتد وجعه جلست عند رأسه، فأنشأ يقول:
يا زرع دومي واحفظي لي عهدي كم من منير بيننا ومسدى
وكاشح يا زارع بادي الحقد يا زرع ان وسدتني في لحدي
وجاءك الخاطب بعد الوقد وقلت عبد بدل من عبد
فخصك الله بفدم وغد ينام في بيتك نوم الفهد
قالَ: فمات، فو الله ما انقضت عدتها الا ريث ما تزوجت، فكأنه كان يرى زوجها، فتزوجته كما وصف.
[ ١ / ١٨٧ ]
(٢٠٥) أَنشَدَ الرياشي:
ارى زمنا نوكاه اسعد اهله ولكنما يشقى به كل عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته فكب الاعالي بارتفاع الاسافل
(٢٠٦) وأَنشَدَنا الرياشي:
يا قوم ان سعيدا من يكون له من رأيه عن ركوب الغي مزدجر
لا تبطرن تلاد الله عندكم فقبلكم شان اهل النعمة البطر
ما غير الله من نعماء انعمها على معاشر حتى تبدو الغير (٢٠٧) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني ان معاذ بن جبل كان يقول اذا تعار من وسنه ليلا: اللهم غارت النجوم، ونامت العيون، وانت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، فراري من النار بطئ، وطلبي الجنة ضعيف، وليس عندي الا اني اشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك، وان محمدا عبدك ورسولك.
(٢٠٨) وعن يونس، قالَ: قالَ الفرزدق: لقيني ابو هريرة فقال لي: يا فريزد، اني ارى قدميك صغيرتين، فلو ابتغيت لهما يوم القيامة موضعا في الجنة. فقلت:
[ ١ / ١٨٨ ]
يا صاحب رسول الله، ﷺ، خلت لي ذنوب الخوف ان تكون قد اوثقتني. فقال لي: لا تخف فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان بالمشرق بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها.
(٢٠٩) وعن الربيع، قالَ: كنا وقوفا على رأس المنصور، وقد جلس على مهده، فطرحت للمنصور وسادة فجلس عليها، والناس سماطان، على قدر انسابهم ومراتبهم، فأقبل صالح بن المنصور - وقد كان رشحه لبعض امره - فقام بين السماطين، فأحسن الكلام، ثم استأذن في الثناء، فأذن له، فأثنى فأجاد، فمد المنصور يده اليه، وقال: الي يا بني، فلمّا دنا منه، اعتنقه واقعده قدام عرشه، ونظر في وجوه القوم، هل فيهم احد يذكر كلامه ويصف فضله ويثني عليه، فكل القوم يهاب المهدي. فقام شبة بن غفال، فاستقبل المنصور بوجهه، ثم قالَ: لله در خطيب قام عندك يا امير المؤمنين، ما افصح لسانه! واحسن بيانه! وامضى جنانه! وابل ريقه واسهل طريقه! واغمض عروقه! وكيف لا يكون كذلك، وامير المؤمنين ابوه، والمهدي اخوه، ثم قالَ:
[ ١ / ١٨٩ ]
هو الجواد فأن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا
او يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدما من صالح سبقا
قالَ الربيع: فأقبل على ابو عبيد الله، فقال: ما رأيت مثله متكلمّا، ارضى امير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهدي، فأمر له المنصور بجائزة، فأخذها وانصرف.
(٢١٠) وعن سليط بن سعد، قالَ: لمّا خرج علي بن أبي طالب - ﵇ - فأخذ على الفرات، وبعث بمعقل بن قيس الرياحي على دجلة، حتى اذا انتهى إلى حديثة الموصل - وهي يومئذ منزل العامل، وانما بنيت مدينة الموصل بعد ذلك، بناها محمد بن مروان بن الحكم - اذا هو بكبشين ينتطحان، وكل واحد منهما منتصف من صاحبه، اذ اقبل صاحباهما، فأخذ كل واحد منهما كبشه فذهب، وفي جيش معقل شداد بن ربيعة الخثعمي، وكان يزجر الطير، فجعل يقول: ايها ايها. فقال له معقل: ما تقول يا اخا خثعم؟ قالَ: اقول انكم ترجعون، ولا تَغلِبُون ولا تُغْلَبُون. قالَ له معقل: وكيف علمت ذلك؟ قالَ: اما رايت الكبشين، احدهما مشرق، والاخر مغرب،
[ ١ / ١٩٠ ]
ينتطحان، وكل واحد منهما منتصف من صاحبه افترقا؟ فقال معقل: يكون ان شاء اللخ خيرا مما تقول يا اخا خثعم. ثم سار معقل حتى وافى عليا ﵇ بالرقة، وشهد معه صفين، فعقد له راية خندف.
(٢١١) قالَ حماد بن الملحقي:
تشبه عبس هاشما ان تسربلت سرأبيل خز انكرتها جلودها
يمشون فيها مشية قرشية تلوى بها استاهها لا تجيدها
فلا تحسبن الخير ضربة لازب لعبس اذا مات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤها وسادة عبس في القديم عبيدها
كان حماد هذا قد وفد على الوليد بن عبد الملك، فوجد عنده نفرا من اخواله من بني عبس، ففخروا عليه، وفخر عليهم، فغضب الوليد لاخواله، فقام حماد وقال الأبيات المتقدمة في قطعة قالها: (٢١٢) وأَنشَدَ الأَصمعي لاعرأبي يرثى امراته:
يقولون الربيع عليك غاد فأبشر يالتنقل والحلول
وما يغنى الربيع وام سلمى تنازع جال مظلمة دحول
[ ١ / ١٩١ ]
(٢١٣) وأَنشَدَ الأَصمعي:
ولمّا رأيت القوم جاءوا زرافة إلى ولاحت بالاكف القبائع
دعوت بعباد وللنفس جهشة إذا جهشت للموت ثم تراجع
ووقرت من نفس على كريمة إذا جعلت نفس الحباب تطالع
(٢١٤) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: يا بني لا تتكلوا على الزمان، فإنه لم يزدد رجل على السن من اهله قربًا إلا ازدادوا منه بعدًا، استانوا العشيرة، ولا تمشوا بينهم بالنميمة، واتبعوا قومكم فيما أحبوا، وإياكم والخلاف عليهم، فإنه نقض، واجتنبوا البغي فإنه آخر مدة القوم، وجازوا بالحسنة، ولا تكافئوا بالسيئة، ولا تردوا الكرامة، ولا تتبعوا الملامة، واعلموا إنما يوثق في الشدة بالقرابة، ويركن إلى أهل الوفاء، خير السجية ما لم يتكلف، ومن خيب دق، ومن انجد أدى ما عليه من حق، الحيطة غاية الحفظ، والعفو منتهى البر، والصدق تمام المروءة، والكذب يهدم الفعال، وبالقربى يعيش الرجال، وخير السيرة في العدو، والعفو وترك العقوبة يسل السخيمة.
[ ١ / ١٩٢ ]
(٢١٥) قالَ: مر المهدي على الجسر يعبر على برذون له، والناس حوله، واعرأبي واقف، فقال:
عجبت لبحر يحمل البحر فوقه على ظهر برذون حواليه فيلق
ألا إن برذون الخليفة لايني يمر علينا بين بحرين يعنق
ترى تحته بحرًا تغشيه ظلمة ومن فوقه بحر به الارض تشرق
أبرذون أني لا نراك معرقًا وفوقك بحر جوده يتدفق
غشيت به امواج دجلة غدوة فكادت به امواج دجلة تغرق
(٢١٦) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: أخبرني رجل من موالي بني هاشم من اهل الكوفة، قالَ: كان بالكوفة كتاب كتبه عبد الله بن معاوية يتدارسونه بينهم، فيه: أما بعد، فإن الأدب مكتسب، والعقل مؤدب، واخلاق الناس مختلفة، والعادة سائس الاعمال، والقلب ملك البدن، والرأي على قدر المستشار، وأشقى الناس ملوكهم، والألسن مقاتل المتكلمين، والأبهة نزع الاساءة، ومن ارمضه القول ارعوى، ومن هوى باطلًا
[ ١ / ١٩٣ ]
زين له انفاذه، ومن خلا له العنان تمادى، ومن استوطأ العجز عثر به، وأزكى الناس أنقصهم خطوة، وأنصبهم قلوبًا أعظمهم من الدنيا نصيبًا.
(٢١٧) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل عبد الله بن فضالة الغنوي على قتيبة، فرأى منه جفوة، فقال:
أذا أنت كلفت امرًا فوق سعيه تنكرت منه بعض ما كنت تعرف
وابدى لك الشنان والحرذون الحيا يعاف فعال المستليم ويأنف
وكم من أخ لي ماجد قد رزئته وكنت به في نازل الدهر أعطف
تجلدت عنه والجلادة شيمتي إذا جعل الدهر المحرب يصرف
ويوعد إيعاد الهزبر تخمطًا وكل امرئ لا بد أن سوف يتلف
ويدركه ما ادرك الناس قبله وريب الزمان بالانام مكلف
وفي الارض ذات العرض عنك ابن مسلم منادح، لا يجتابها المتعجرف
فما ضاقت الدنيا علينا ابن مسلم فنرضى الذي يرضى اللئيم ونعرف
(٢١٨) وعن الأَصمعي، قالَ: كنت مارًا في بعض سكك البصرة، فإذا أنا بكناس ينقل العذرة، وهو يغني ويقول:
[ ١ / ١٩٤ ]
وأكرم نفسي إنني إن اهنتها وحقك لم تكرم على احد بعدي
قالَ: قلت ويحك! عن أي شئ أكرمتها وهذه الجرة على عاتقك؟ قالَ أكرمتها عن الوقوف على باب مثلك، ثم ولى وهو يقول:
لنقل الصخر من قلل الجبال أحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار فقلت: العار في ذل السؤال
(٢١٩) وعن الأَصمعي، قالَ: رأيت أعرأبيًا وقد وضع يده بباب الكعبة وهو يقول: بيا رب سائلك ببابك، مضت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه، وافع عنه، فإنما يعفي عن المسئ ويثاب المحسن، وانت أفضل من دعوت، وأكرم من رجوت.
(٢٢٠) وعن الأَصمعي، قالَ سمعت أعرأبيًا يدعو بعرفات، فقال: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد تقدمت إليك يا إله الذنوب، فأمنن على بما لا أستاهل، واطعني مالا استحق بطولك وفضلك وجودك.
[ ١ / ١٩٥ ]
(٢٢١) وعن الأَصمعي، قالَ: ودع أعرأبي رجلًا فقال: استودعك الله نائيًا ودانيًا وحيث استقرت بك النوى.
(٢٢٢) وعن الأَصمعي، قالَ: كان الربيع بن خثيم يقول: الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تناره.
(٢٢٣) وعن العتبي وأَنشَدَ ايضًا:
لعمري لئن أبطأت عنك فلم أزر لأحداث دهر ما تزال تعوق
لقد أصبحت نفسي عليك شفيقة ومثلي على أهل الوفاء شفيق
أسر بما فيه سرورك إنني جدير بمكنون الاخاء حقيق
عدو لمن عاديت سلم مسالم لكل امرئ يهوى هواك صديق
(٢٢٤) وأَنشَدَ المّازني:
إذا كان حلم المرء عون عدوه عليه، فأن الجهل ابقى وارواح
وفي الصفح ضعف، والعقوبة قوة اذا كنت تخشى كيد منعنه تصفح
(٢٢٥) عن سصليط بن سعد، قالَ: انفرد الحجاج يوما من اصحابه، فلقيه رجل، فقال له الحجاج: من اين اقبلت؟ واين تريد؟ قالَ: اريد هذا العاتي الجائر. فمضى وتركه، فلمّا كان من الغد جلس الحجاج، واذن
[ ١ / ١٩٦ ]
للناس، ودخلوا عليه، ودخل الرجل في من دخل، فعرفه الحجاج، فقال: انت صاحب القول بالامس؟ قالَ: نعم، فأمر بضرب عنقه. فقال: اصلح الله الامير، فأين حرمة الاسترسال؟ قالَ: اولى لك، وامر بتخلية سبيله.
(٢٢٦) أَنشَدَ ابو حاتم:
لا تعتبن على النوائب فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه ان الامور لها عواقب
ما كل من انكرته ورأيت جفوته تعاتب
فالدهر اولى من صبر ت له على كل المشارب
ولكل صافية قذى ولكل خالصة شوائب
كم فرجة مطوية لك بين اثناء النوائب
ومسرة قد اقبلت من حيث تنتظر المصائب
(٢٢٧) عن ابن الكلبي، قالَ: كان على احد ابواب صنعاء مكتوب بالمسند:
تلك المدائن بالافاق خاوية اضحت خرابا وذاق الموت بانيها
وعلى الاخر:
اين الملوك عن حظها غفلت حتى سقاها بكاس الموت ساقيها
[ ١ / ١٩٧ ]
(٢٢٨) وعن الأَصمعي، قالَ: كان عبد الله بن سبرة الحرشي بأذربيجان غازيااو بغيرها، فبلغه ان تاجرا يقال له: فيروز، يبيع العطر، ضرب بيده على عجز امرأَة من العرب، فقالت: يا عبد الله بن سبرة، فبلغه، فقال: يالبيكاه. فخرج من اذربيجان إلى الشام حتى قتل فيروز ورجع.
(٢٢٩) قالَ ومر مرة بمنزل امرأَة مغيبة فبعثت اليه خادمها، ان ها هنا امرأَة من قيس تريد ان تكلمك. فقال: نعم، فدخل اليها، فقالت: اني امرأَة مغيبة، وها هنا رجل يريدني على نفسي، ولا آمن ان يفضحني قالَ: فابعثي اليه، فبعثت، فلمّا جاء، قام اليه فقتله، وقال للجارية: احفري. فلمّا حفرت القاه في الحفيرة، وضرب عنق الجارية والقاها معه، واعطاها سبعين دينارا وقال: اشتري بها خادما مكان خادمك.
وقال:
الا كل سر جاوز اثنين شائع
[ ١ / ١٩٨ ]
(٢٣٠) وعن الأَصمعي، قالَ: هاجر خراش بن أبي خراش الهذلي، وكان قد ادرك الجاهلية، وكان يرعى لأبيه غنما على ماء لهذيل، يقال له: الرجيع، في خلافة عمر - رحمة اللع عليه - فترك اباه، وخرج سرا إلى العراق مجاهدا مع سعد بن أبي وقاص، فلمّا افتقده ابوه قالَ:
الا من مُبْلِغ عني خراشا وقد يأتيك بالخبر البريد
وقد يأتيك بالانباء من لا تجهز بالحذاء ولا تزيد
فأنك وابتغاء الاجر بعدي كمخضوب اللبان ولا يصيد
قالَ: فمرت رفقة بأبي خراش وقد اسن وضضعف، وليس على المّاء غيره. فقالوا: المنزل. فقال: هذا المنزل، وهذه جزر وشفرة ودلو واداوة وقدر، واما انا فشيخ كبير لا استطيع خدمتكم، وابني خراش غائب بالعراق، وخرج وتركني وحيدا، فأذبحوا واشتووا واستقوا. فقالوا: لا حاجة لنا في ذلك. فقام فأخذ القربة ليستقي لهم، وذلك في ليلة مظلمة، فنهشته افعى، فرجع ولم يخبرهم ولم يزل يئن ليلته حتى اصبح فأنشأ يقول:
[ ١ / ١٩٩ ]
لعمرك والمنايا غالبات على الساعين تطلع كل نجد
لقد اهلكت حية بطن واد على الفتيان ساقا ذات فقد
فما تركت بين بصري إلى صنعاء اطلبه بحقد
وبلغ عمر امر تلك الرفقة فمنع ضيافتهم من العرب، وكتب في نواحي المدينة: الا يجاهد رجل ابواه حيان الا بأذنهما.
(٢٣١) عن العباس بن هشام، عن أبيه، قالَ: هاجر بشر بن ذريح بن الحارث بن ربيعة، احد بني تيم الله، فشهد يوم قس الناطف، فقال ذريح، وجزع على ابنه وهو شيخ كبير:
[ ١ / ٢٠٠ ]
الا ايها الغادي وطيته المصر الكني إلى بشر فلا يبعدن بشر
ايا بشر قد خلفتني وتركتني على الة فيها إلى صاحب فقر
ويا بشر قد خلفتني وتركتني ارامي رجالا قد خلا لهم الظهر
صدورهم تغلي على كأنها مراجل يغليها التوقد والسعر
(٢٣٢) أَنشَدَنا عبد الرحمن:
لعبت وهل يلعب الاشيب وقد ذهب الاطيب الاطيب
اغرك انك في مهلة وقد ذهب الاقرب الاقرب
وانت تشيد ما تبتني وجسمك مستهدم يخرب
تباعدت بالذنب في كل يوم من الله والموت يستقرب
وتخشى ذنوبك بين العباد وتعتبهم حين تستعتب
وتأمنها عند رب العباد وحيث يضيق بك المذهب
وانت تبارزه بالذنوب وتركب منها الذي تركب
كأنك في كسبها محسن وانك في تركها مذنب
فيا جاهلا غره جهله لعبت ومثلك لا يلعب
[ ١ / ٢٠١ ]
(٢٣٣) أَنشَدَ ابو حاتم:
متى ترد الشفاء لكل غيظ تكن مما يغيظك في ازدياد
اذا ما المرء لم يولد لبيبا فليس اللب عن قدم الولاد
متى لا تتسع اخلاق قوم يضق بهم الفسيح من البلاد
(٢٣٤) أَنشَدَنا عبد الرحمن:
قلت لاهلي وقد راموا اميرهم بماء وجهي فلم افعل ولم اكد
لا يستوي ان تهينوني واكرمكم ولا يعود على تقويمكم اودى
فطيبوا عن فضول العيش انفسكم ولا تمدوا همكم في يومكم لغد
فرب مدخر ما ليس يأكله ومستعد ليوم ليس في العدد
وطالب جاهد ما ليس يدركه ومدرك ما تمنى غير مجتهد
(٢٣٥) أَنشَدَنا ابو عثمان، سعيد بن هارون الاشنانداني:
لا تقبلن نميمة انبئتها وتحرزن من الذي انباكها
ان القروض وان تقادم عهدها عند الكريم اذا يكون قضاكها
واذا اللئيم حبوته بمودة قبض المودة فكماكها
[ ١ / ٢٠٢ ]
أي سترها.
(٢٣٦) عن الزبير، وعن جماعة، من بني امية ممن كان يسير مع معاوية، قالوا: بينا معاوية ليلة يسمر، ومعه عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاصوعتبة بن أبي سفيان، اذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية فقال لهم معاوية: ايكم يحفظ كلامها؟ فقالوا جميعا: نحن نحفظ كلامها قالَ: فأشيروا على في امرها قالوا: نشير بقتلها قالَ: بئس ما اشرتم علىّ، ايحسن بمثلي ان يتحدث عنه انه قتل امرأَة بعد ان ظفر بها؟ وكتب إلى عامله ان ضع المراصد على الزرقاء بنت عدي الهمدانية مع نفر من قومها، وسماهم له، فاذا ظفرت بها وبهم فاحملهم الي، واوسع عليهم في النفقة.
فأخذها العامل مع من سمى له، فحملها في هودج، وحمل قومها على خيل، فلمّا قدمت قالَ لها معاوية:
[ ١ / ٢٠٣ ]
مرحبا ورحبا، قدمت على خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير والحمد لله.
قالَ: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: كنت كأني في بيت ممهد.
قالَ: بذلك امرناهم.
قالَ: هل تدرين فيما بعثت اليك؟ قالت: وانى لي علم ذلك؟ قالَ: الست الراكبة الجمل الاحمر بين الصفين - بصفين، تحرضين على القتال، وتوقدين الحرب؟
قالت: بان الرأس من الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو عجب، لا يعتب من عتب، ومن تفكر ابصر، والدهر ذو عبر، والامر يحدث بعده الامر، قالَ: لله انت، تقومين خطيبة فتقولين: يا ايها الناس، ان المصباح لا يضئ في الشمس، وان الكواكب لا تبين بالنهار، وان الزف لا يوازن الحجر، ولا يقطع الحديد الا الحديد، يا ايها الناس، ان الحق كان يطلب ضالته، يا معاشر المهاجرين والانصار، قد التأمت كلمة العدل،
[ ١ / ٢٠٤ ]
ودفع الحق باطله، فلا يجهل احد فيقول: كيف؟ ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا الا وان خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا الامر ما بعده والصبر خير في الامور عواقبا: - والله لقد شركت في كل دم سفكه علي بن أبي طالب قالت: احسن الله بشارتك فمثلك من بشر بخير جليسه قالَ: وقد سررت بذاك؟ قالت: أي والله لقد سررت، وانى لي بتصديق هذذا القول؟ فضحك معاوية وقال: اسألي حاجتك.
قالت: انى آليت ان لا اسلا احدا كنت له حربا، ومثلك من وصل عن غير مسألة، وجاد عن غير طلب. فأمر لها وللذين كانوا معها بجوائز، وردها إلى الكوفة.
قالَ ابو بكر الزف: صغار الريش الذي ينبت تحت الجناح، وزعم بعضهم انه لا يكون الا للنعام.
(٢٣٧) بكارة الهلالية قالت: من عاش كبر، ومن مات قُبر
[ ١ / ٢٠٥ ]
قد كنت اطمع ان اموت ولا ارى فوق المنابر من امية خاطبا
فالله اخر مدتي فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيبهم بين الجموع لال احمد عائبا
(٢٣٨) عن أبي عُبَيْدة لخالد بن يزيد بن معاوية:
هل انت منتفع بعل مك مرة والعلم نافع
ومن المشير عليك بال رأى المسدد انت سامع
فالموت حوض انت يو ما لا محالة فيه شارع
ومن التقى فازرع فان ك حاصد ما انت زارع
(٢٣٩) وأَنشَدَ الأَصمعي:
واني لاستحيي من المرء ان يرىعلى له فضل وان كان سيداتي وسادتي: واصرف نفسي عن امور لو انييتطلبتها اصبحت فيها مسودا
ولكنني لا ابتغي الدهر حاجة إلى احد حتى اسدي له يدا
(٢٤٠) لرجل من بني القين يصف الخمر:
كميت اذا شجت وفي الكأس وردة لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه لوجهك منها في الاناء قطوب
[ ١ / ٢٠٦ ]
(٢٤١) ابو عُبَيْدة، قالَ: بعث ملك من ملوك العرب إلى رجلين عابدين فقال لهما: مالكما لا تأتياني، انتما عبدان من عبيدي؟ فقالا له: ان صدقت نفسك فستعلم انا لسنا بعبدين لك.
قالَ: وكيف ذلك؟ قالا: هل تعمل شيئا لغضب او هوى؟ قالَ: نعم.
قالا: فأنا قد ملكنا غضبنا وهوانا، فهما عبدان لنا، وانت لم تملك غضبك ولا هواك، فأنت عبد لعبدينا.
(٢٤٢) عن يونس، قالَ: اوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا لمّا بعث به إلى خراسان. فقال له فيما يوصيه:
اذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي
[ ١ / ٢٠٧ ]
ثم قالَ: ان لأبيك صنائع فلا تفسدها، وحسب المرء لعنة ان يهدم ما بنى ابوه، واياك والدماء فانها لا بقية بعدها، واكفف عن اعراض الاحرار، فان الحر لا يرضيه من عرضه عوض، واجتنب العقوبة في الابشار، فانه وتر مطلوب، وعار باق، ولا يمنعك من ذي فضل تصطنعه ان يكون غيرك قد سبقك اليه، فأنما تصطنع الرجال لنفسك، واستعمل اهل العقل دون اهل الهوى، ولا تعزل عاملا الا عن فجور او خيانة، وليكن جلساؤك غير اسنانك، فأن الشباب شعبة من الجنون، واحمل الناس على احسن ادبك يكفوك انفسهم، وان نازعتك نفسك إلى اخذ شئ من هذا المّال فلا يكن خصمك فيه الا بيت المّال، فأن القول فيه قولك، ولتكن رسلك فيما بيني وبينك مرتفعة عنى وعنك، فأذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، فأن كتاب الرجل من عقله، واستودعك الله.
(٢٤٣) اقبل عمرو بن العاص على معاوية، فنظر اليه معاوية، وقد بان فيه الكبر فقال له معاوية: قرمطت يا ابا عبد الله.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فقال عمرو: من يعش يكبر، ومن يكبر يقرمط.
قالَ: ما بقى من لذتك؟
قالَ: لان منى ما كان جاسيا، وجسا مني ما كان لينا، ونمت في الملا، وانتبهت في الخلا، وذكرت القديم ونسيت الحديث، وابغضت بيت النساء، واحببت بيت الرجال. فما بقى من لذتك انت يا امير المؤمنين؟ قالَ: صحة البصر، ولي لذة اخرى قالَ: وما هي؟ قالَ: لا ارى مكرمة في يدي قومي الا احببت ان انزعها فأجعلها في ولدي من بعدي.
وكان معهما وردان مولى عمرو، فقال معاوية: ما بقى من لذتك انت يا وردان؟ قالَ: انا وابو عبد الله نجرى في مضمار واحد، ولى لذة لم يذكرها واحد منكما.
قالَ: وماهي؟ قالَ: عثرة كريم انعشها، ويد بيضاء اصطنعها.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فغضب معاوية، وقال له: ما انت وذاك ايها العبد، مولاك احق بها.
فقال: انت يا امير المؤمنين كنت احق بها. فأما الان فقائلها احق بها
[ ١ / ٢١٠ ]