(١٣٧) ابن دريد، عن أبي عثمان، ان المهلب بن أبي صفرة اوصى عبد الملك ابنه فقال: اياك والسرعة عند المسألة بنعم، فأن اولها سهل في مخرجها، واخرها ثقيل في فعلها، واعلم ان لا وان قبحت فربما روحت، وان سئلت امرا فقدرت عليه فأجب، وان عرفت ان لا سبيل اليه فاعتذر منه، فأنه من لم يغد معتذرا فقد ظلم.
(١٣٨) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان عمر بن الخطاب - ﵀ - يقول: كفى بك عيبا ان يبدو لك من اخيك ما يغني عليك من نفسك فتؤذي جليسك بما تأتي مثله.
(١٣٩) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ رجل لعمرو بن عبيد: ان الاسواري ما زال يذكرك في قصصه، ويقول: عمرو بن عبيد الضال المبتدع. فقال له عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل، حيث نقلت الينا حديثه، ولا اديت حقي حين ابلغتني عن اخي، اعلمه ان الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تضمنا، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين.
[ ١ / ١٥٥ ]
(١٤٠) وعن الأَصمعي، قالَ: وقف اعرأبي على قوم يغتابون رجلا من اخوانه فقال لهم: ابئوا عن عيب من لو كان حاضرا اسرعتم إلى مدحه، فرب مغتاب لغيره بما هو فيه، ومادح لسواه بما لا يعرف به.
(١٤١) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت شيخا من بني عمرو بن كلاب يقول: خرج عبد الله بن جعفر يريد فأجاءه المطر إلى أبيات، فأذا فيها قبة حمراء بفنائها رجل ينادي الدار الدار، فأنخنا وخلنا القبة، وحط عن رحالنا، ثم اتى بجزور فعقرها، فبتنا في شواء وقدير، وتحدث معنا من الليل هنيهة، فلمّا اصبح وقف على القبة وسلم وسألنا عن مبيتنا، وانصرف واتى بجزور فعقرها، فقلنا: يرحمك الله ما تريد إلى هذا. فقال: انا لا نطعم اضيافنا غابا. قالَ عبد الله: فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا، وصررت فيه مائة دينار، وبعثت بها إلى اهله، فقالوا: انا لا نقدر على اخذها الا باذنه، فسألته ان يقبلها، فأبى. فلمّا ارتحلنا عنه ودعته، وانثنيت، فألقيت الثوب بين البيوت. وانا لنسير اذ لحقنا على فرسه، مشرعا رمحه، قد احمرت عيناه، والموت بين يديه. فصاح بنا: اغنوا عنى هذا ونبذه الينا وهو يقول:
[ ١ / ١٥٦ ]
واذا اخذت ثواب ما اعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا
(١٤٢) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خرج الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى مروان بالمدينة، واخبره بدين ركبه، فأمر له بعشرة الاف درهم، قالَ: واين تقع مني هذه؟ ولم يقبلها. ثم اتى المغيرة بن شعبة، فساله بمثل ما سأل مروان، فأعطاه عشرة الاف، فلم يقبلها. وانحدر إلى ابن عامر بالبصرة فأخبره خبره، فقال: وكم دينك؟ قالَ: اربع مئة الف. فقال: هي لك وصلة مئة الف. فأنشأ يقول:
الا جعل الله المغيرة وابنه ومروان نعلي بذلة لابن عامر
كفى الله ما ضيعتما بابن عامر هو الجابر الهلكي فيا خير جابر
يفيض الفرات للذين يلونه وسيبك مبذول لباد وحاضر
فقال له ابن عامر: ما اعطيتنا خير مما اعطيناك، لان ذاك يذهب، وهذا يبقى.
[ ١ / ١٥٧ ]
(١٤٣) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابو الاسود الدؤلي قد اتخذ دكانا على بابه قدر مجلسه وموضع طبق يضعه بين يديه، ويأكل منه، فأذا مر به مار سلم عليه، وعرض عليه طعامه، فينظر فلا يرى لنفسه موضعا، فيدعو له وينصرف. فمر به اعرأبي وهو يأكل، فدعاه فأجابه، واقبل يأكل معه وهو قائم، فلمّا اشتد عليه القيام اخذ الطبق فوضعه في الارض، وقال له: ان كانت لك في الطعام حاجة فانزل فكل، واقبل الاعرأبي يأكل وابو الاسود ينظر اليه، ويتغيظ، فقال له: ما اسمك يا اعرأبي؟ قالَ: لقمان. قالَ: لقد اصاب اسمك اهلك، ثم انشأ ابو الاسود يقول:
انظر إلى جلسته وهطه
ولقمه مبادرا وغطه
ولفه رقاقه ببطه
كأن جالينوس تحت ابطه
[ ١ / ١٥٨ ]
(١٤٤) عن ابراهيم بن خالد بن مخرمة، قالَ: كنت يوما عند مسلمة بن عبد الملك، وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافيا له، فاستؤذن لرجل من اهل الحيرة على مسلمة، فقيل: بالباب شيخ فزع اليك في مظلمة، وهو جار ضضيعتك بمكان كذا وكذا، فأذن له، فدخل، فأذا رجل طويل القامة، ضخم اللحية، جهم الوجه، قد اخذ عارضاه بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر محشو، فيه حشو ثلاثة مماطر في يوم صائف. فو الله ما هو الا ان طلع فمشى، وتفرج، وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج، ولغط وتخليط. فقال له مسلمة: اجلس، فجلس، فقال له: ما كنيتك؟ قالَ ابو العجيس، قالَ: ما اسمك؟ قالَ: صهاب بن حمال، وابدى يسراه فاذا فص خاتمه مثل الابهام، وعليه اسطار. فلمّا رآه مسلمة لم يصبر، فقال: ارى فصك ضخما، وارى سطورا فما فيه؟ فوالله ما حفظ اسمه حتى دفعه الي، فأذا فيه صهاب ابو العجيس، يؤمن بالواحد الاحد الصمد، وبالنبي الامي محمد، ويسأل الله حياة سعادة، وموت شهادة، على كل شئ قدير فما استتم
[ ١ / ١٥٩ ]
القراءة حتى ضحك عبد الله، واضحكني ما رأيت، وتبسم مسلمة، ثم قالَ لحاجبه: اقض حاجته، واحسن ضيافته، فلمّا توارى قالَ مسلمة:
ما بعد كنيته وعظم لحيته ونقش خاتمه شك لمعتبر
(١٤٥) وعن عبد الرحمن، قالَ: سمعت عمي يقول: التهنئة على آجل الثواب اولى من التعزية على عاجل المصيبة (١٤٦) وعن الأَصمعي، قالَ: دخل رجل من العرب على رجل يعزيه، فأَنشَدَه أبيات عمران بن حطان:
كيف اعزيك والاحداث مقبلة فيها لكل امرئ من غيره شغل
(١٤٧) وعن الاصصمعي، قالَ: قالَ بعض العرب: لا اعرف ضرا اوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لا تثق باشفاقه، ولا تأمن رده، واكلم المصائب فقد خليل لا عوض منه.
(١٤٨) وعن أبي نجيح، قالَ: قالَ عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه -: اني احب للرجل ان يكون في اهله كالصبي، فأذا احتيج اليه كان رجلا.
[ ١ / ١٦٠ ]
(١٤٩) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني انه قيل لأبي مسلم: ما اعظم ما نلت في دولتك؟ قالَ: القدرة على مكافأة الاخوان، وجزاء من كانت له عندي نعمة.
(١٥٠) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني عن رجل من العرب انه كان يقول: خالطت الناس منذ خمسين سنة، فما وجدت رجلا غفر لي فيها زلة، ولا اقالني عثرة، ولا ستر على عورة، ولا امنته اذا غضب.
(١٥١) وقال اخر: خالطت الناس منذ سبعين سنة، فما وجدت الا رجلا يركب هواه، حتى لو اخطأ لاحب ان يخطئ الناس معه، ولان يضرب ظهري بالسياط احب الي من ان يخطئ رجل مسلم.
(١٥٢) وأَنشَدَ الأَصمعي لاسماء بن خارجة:
اذا طارقات الهم ضاجعت الفتى واعمل فيه الفكر والليل عاكر
وباكرني اذ لم يجد ملجأ له سواي ولا من شدة الدهر ناصر
رأيت له فضلا على لظنه بي الخير اني للذي ظن شاكر
[ ١ / ١٦١ ]
(١٥٣) وأَنشَدَ ابو عُبَيْدة:
اقول وذاك من جزع ووجد ازال الله ملك بني زياد
وابعدهم بما غدروا وخانوا كما بعدت ثمود وقوم عاد
ولا رجعت ركابهم الينا اذا قفلوا إلى يوم التناد
(١٥٤) وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي عطاء السندي:
فما سألتك الا قلت تخدعني ولا استعنتك الا قلت مشغول
اجل شغلت ولو اعطيت من سعة حتى يواري لحيي رأسك الحول
(١٥٥) وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي الاسود، وقال مرة: هي لابن قيس الرقيات:
الزم وان بعد الطري ق عليك ما فيه السلامة
ودع التخارص انه امر عواقبه ندامة
لا تركبن من الامور ال ملحقات بك الملامة
(١٥٦) وعن العتبي، قالَ: قالَ يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان: أي الرجال افضل؟ قالَ: من تواضع عن رفعةٍ، وزهدَ عن قُدرةٍ، وترك النصرة عن قوة.
[ ١ / ١٦٤ ]
(١٥٧) عن ابن سلام، قالَ: بينما عمر بن الخطاب ذات يوم يمشي وبين يديه رجل يخطر ويقول: انا ابن بطحاء مكة كلها فلداتها، فوقف عليه عمر بن الخطاب فقال: انْ يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مرؤة، وان يكن لك مال فلك شرف، والا فأنت والحمار سواء.
(١٥٨) وعن مجالد، قالَ: قيل للشعبي: انا لنستحي مما تسأل فتقول لا ادري، فقال: لكن ملائكة الله المقربون لم يستحوا حيث سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: (لا عِلْم لَنَا اِلاَّ ما عَلَّمْتَنا انَّك أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم) .
(١٥٩) وعن العباس بن هشام، عن أبيه، قالَ: استعار الاشعث بن قيس من عدي بن حاتم قدورا، فبعث اليه بتسعين قدرا قد ملأها لحما يحملها الرجال. فأرسل اليه الاشعث: انما اردناها فارغة، فأرسل اليه عدي: انا لا نعيرها فارغة.
[ ١ / ١٦٥ ]
(١٦٠) وعن العباس، عن أبيه، قالَ: ارسل معاوية بن خديج السلولي إلى الاشعث بن قيس بخمسمئة فرس مصنفة، وكتب اليه ببيعها، فقسمها الاشعث في قومه، وكتب اليه: عهدتني نخاسا؟ وبعث اليه بأثمانها.
(١٦١) وعن العباس، عن أبيه، قالَ: كان لرجلٍ على الأشعث بن قيس حق، فأتاه يتقاضاه، فقال له: صل معي الغداة في المسجد، فصلى معه، فقال الأشعث: لا يخرجن أحد من المسجد، ودخل إلى منزله، فيعث إلى كل رجلٍ بحلة ونعلين، وبعث إلى الرجل بحقه، وانصرف بالحلة والنعلين وحقه.
(١٦٢) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من بني تميم:
كم من أخ لك لست تنكره ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته يلقاك بالترحيب، والبشر
يطرى الوفاء وذا الوفاء ويل حي الغدر مجتهدًا وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غير دهر عليك عدا مع الدهر
[ ١ / ١٦٦ ]
فارفض بإجمال مودة من يقلي المقل ويعشق المثرى
وعليك من حالاه واحدة في العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهم من يخلط العقيان بالصفر؟
(١٦٣) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: بلغني أن رجلًا من قيس، ثم من بني هلال، كان قد جعل على نفسه ألا يأتي سلطانًا، فجاءه مولى له، فشكا إليه أمرًا ناله، فلم يجد بدا من أن يصير إلى السلطان، فقال:
وإما تريني اليوم يا بنت مالك أحيد عن السلطان أو أتجنب
فقد علمت أفناء قومي أنني لدى الملك الجبار بالخصم مشغب
وإني على الاعداء سم وإنني اجيب إذا المولى اعتزى أين يذهب
وأصرف نفسي في الاهاويل دونه ويعلم أني غاضب حين يغضب
قالَ أبو بكر: غاضب لغة فصيحة.
(١٦٤) وعن الأَصمعي، عن رجل من قريش قالَ: علي بن عبد الله بن العباس:
وزهدني في كل شيٍ صنعته إلى الناس ما جربت من قلة الشكر.
[ ١ / ١٦٧ ]
(١٦٥) وأَنشَدَني عبد الرحمن:
من عذيري من قائل إخواني كلهم في مقالة غيروان
فضحوني بزعمهم قلت كفوا لا أرى شانكم يلائم شاني
لا أبيع الجزيل من عرض مثلى بخسيس من ناقص الأثمان
ماء وجهي يرد غرب لساني دون قد أردتم من بيان
ذهب المبتدون بالاحسان والمكافون بأبتذال اللسان
إن ذل السؤال يانفه الحر وإن عضه مضيض الزمان
(١٦٦) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَنا اعرأبي من بني تميم، ثم من بني حنظلة:
من تصدى لأخيه بالغنى فهو أخوه
فإن اظطر إليه راء منه ما يسره
يكرم المثرى وإن املق اقصاه بنوه
لو راى الناس نبيًا سائلًا ما وصلوه
وهم لو طمعوا في زاد كلب أكلوه
لا تراني آخر الده ر بتسآل أفوه
إن من يسأل غي ر اله يكثر محرموه
[ ١ / ١٦٨ ]
والذي قام بأرزا ق الورى طرًا سلوه
وعن الناس بفضل الله فاغنوا واحمدوه
تلبسوا أثواب عز فأسمعوا مني وعوه
انت ما استغنيت عن صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ساعة مجك فوه
أفضل المعروف ما لم تبتذل مجك فوه
(١٦٧) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من أهل البصرة:
فمالك يوم الحشر شئ سوى الذي تزودته قبل الحساب إلى الحشر
اذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ندمت على التضييع في زمن البذر
(١٦٨) وعن الهيثم، قالَ: كتب مالك بن اسماء بن خارجة إلى الهيثم بن الاسود النخعي يتشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجاج حتى خلصه منه: أما بعد، فأنه لمّا كلت الالسن عن بلوغ ما استحققت من الشكر، كان اعظم الحيل عندي في مكافأتك إخلاصك
[ ١ / ١٦٩ ]
صدق الضمير، وكما تعرف الزيادة في العلى إذ جريت غاية طولك، جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس غلا ما ألهمو من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحه يقينًا كماليست بغايته تدري
(١٦٩) وعن محمد بن سلام، قالَ: قالَ سلمّان الفارسي: اطلبوا العلم تستغنوا به في الناس عن علمّاء السوء، ولا تشهروا انفسكم فتهلكوا، فإنه لم يعص الله بشئ بعد الكفر شر ولا أضر على العبد من طلب الرئاسة في الدنيا بالدين. واعلموا أن الابقاء على العمل حتى يخلص لله ﷿ أشد من العمل.
(١٧٠) وعن الأَصمعي، قالَ: سمع يونس بن حبيب رجلًا ينشد:
استودع العلم قرطاسًا فضيعه وبئس مستودع العلم القراطيس
فقال: قاتله الله، ما اشد صبابته بالعلم، وصيانته للحفظ، ان علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك.
[ ١ / ١٧٠ ]
(١٧١) قالَ ابو حاتم: سمعت الأَصمعي كثيرا ما يقول: من قعد به نسبه نهض به ادبه.
(١٧٢) وعن سفيان، قالَ: دخل علي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليهم، فقال لي: يا سفيان، علمت اني نظرت في المعروف فوجدته لا يتم الا بثلاث. قلت: وماهن اصلك الله؟ قالَ: تعجيله، وستره، وتصغيره، فانك اذا عجلته هنأته، واذا سترته عممته، واذا صغرته عظمته، واذا مطلته وارخته وسوفته كدرته ونغصته وافسدته. ثم تمثل:
يرب معروفه ويحفظه وانما العرف بالربابات
فقلت: هذه العنيمة على غير زاد ولا راحلة، ولا تعب جارحة.
(١٧٣) أَنشَدَنا عبد الرحمن، ولم يذكر احدا:
غضبت لتستعتب الحادثات وان الحوادث لا تعتب
ستعطى وتسلب حتى تكو ن نفسك اخر ما تسلب
[ ١ / ١٧١ ]
(١٧٤) أَنشَدَنا عبد الرحمن، عن عمه لاعرأبية مات ابنها:
قل للمنايا اذ فجعن به ما بعد من افقدت مفتقد
لا عاش بعد معجل احد لا والد ولا ولد
فاليوم ليس لحادث جزع عندي ولا للمفرحات يد
(١٧٥) اخبرنا عبد الرحمن عن عمه، قالَ: اخبرني رجل من قريش قالَ: قالَ بعض الحكماء: اطلب الرزق من حيث كفل لك به، ولا تطلبه من طالب مثلك، لا ضمان عليه لك، ان وعدك اخلفك، وان ضمن لك خاس بك.
(١٧٦) عن أبي حاتم، عن الأَصمعي، عن يونس، عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: قدم اعرأبي المدينة فصلى الجمعة، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع، فلمّا صلى نظر إلى قوم يدخلون إلى دار عامل المدينة، فدخل معهم، فأتى بالطعام، فرأى الوانا لم تشبه ما تكلم به الخطيب، فقال:
لقد رابني من اهل يثرب انهم يهمهم تقويمنا وهم عصل
العصل: اعوجاج الباب، ويقال للرجل المعوج الساق اعصل.
[ ١ / ١٧٢ ]
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها افاويق حتى ما يدر لها ثعل
الثعل: حلمة الثدي
اذا ركبوا الاعواد قالوا فأحسنوا ولكن حسن القول يفسده الفعل
(١٧٧) قالَ الأَصمعي: قدم اعرأبي البصرة ومعه بنات له حسان، فذكر اهل البصرة حسنهن، فجاء شاب فجلس فنظر إلى بعضهن ونظرت اليه، ففطن ابوها، فقام اليها بعمود - وكان في يده - يضربها، فدخلت البيت، وانشأت تقول:
أيعذر صأبيهم واضرب في الصبا وما نحن والفتيان الا شقائق
(١٧٨) أَنشَدَنا ابو حاتم، ولم يذكر قائلا:
لعمرك ما المعروف في غير اهله وفي اهله الا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عنده ومستودع ما عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الصنائع بينهم وفي كفرها الا بعض المزارع
فمزرعة طابت فأضعفها نبتها ومزرعة اكدت على كل زارع
[ ١ / ١٧٣ ]
قالَ ابو حاتم: وزادني فيها رجل من اهل الكوفة:
اعاتب اقوامي وابقى عليهم ولست لهم عند العتاب بقاطع
واغفر من قومي لمن زل زلة اذا ما اتاها مكرها غير طائع
(١٧٩) أَنشَدَنا ابو حاتم، قالَ: أَنشَدَني ابو عُبَيْدة لعمران بن حطان، قالَ ابو عُبَيْدة: وكان صفريا وكان يكتم ذلك:
انكرت بعدك من قد كنت اعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
اما تكن ذقت كأسا دار اولها على القرون فذاقوا نهلة الكاس
وكل من لم يذقها شارب عجل منها بأنفاس ورد بعد انفاس
قد كنت ابكيك حينا ثم قد يئست نفسي فما رد عني عبرتي ياسي
(١٨٠) الأَصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: كان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل:
[ ١ / ١٧٤ ]
اذا انت حاولت البراءة فاجتنب حرى كل امر تعتريه المعاذر
(١٨١) قالَ ابو مسلم لبعض اصحابه: اذا عرض لك امر، فنازعك فيه من نفسك منازعان، فبعثك احدهما على الاقدام، والاخر على الكف، فأقدم، فأنه أنفى للعار وان قتلك.
(١٨٢) قالَ ابو عُبَيْدة: كتب عبد الملك إلى الحجاج ان ابغني رجلا جامعا للعلم والفقه، عاقلا لبيبا، فاضلا في اخلاقه ومرؤته، يكون مع ولدي. فلمّا اتاه الكتاب بعث اليه بعامر الشعبي، فقدم عليه رجل الغالب عليه الفقه والورع، فكأن عبد الملك لم ينشط له، فكان يختلف اليه فيسلم ثم يجلس لا يسأل عن شئ، ولا يخبر به، حتى دخل الوليد يوما على أبيه، فجلس اليه، ودخل عامر، فلمّا نظر اليه قالَ: من هذا يا امير المؤمنين؟ قالَ: هذا الوليد بن عبد الملك. قالَ الشعبي: يا امير المؤمنين، هذا كما قالَ النابغة يوم ملك النعمان بن الحارث. قالَ: وما قالَ؟ فأَنشَدَه:
هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الاكبر والحارث ال أصغر والاعرج خير الانام
[ ١ / ١٧٥ ]
ثم لهند ولهند وقد اسرع في الخيرات منه امام
ستة املاك هم ما هم هم خير من يشرب صوب الغمام
فانبسط عبد الملك بعد ذلك اليه، وامره بحضور اولاده.
(١٨٣) قالَ: لمّا مات النبي ﷺ ودفن رجعت فاطمة رضوان الله عليها إلى بيتها، واجتمع اليها نساؤها فقالت: انا لله وانا اليه راجعون انقطع خبر السماء، ثم قالت:
اغبر افاق السماء وكورت شمس النهار واظلم العصران
فالارض من بعد النبي حزينة اسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ولتبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطور المبارك جوه والبيت ذو الاستار والاركان
نفسي فداؤك ما لرأسك مائلا ما وسدوك وسادة الوسنان
[ ١ / ١٧٦ ]
(١٨٤) وعن العباس بن هشام، قالَ: عزى رجل المنذر ابن المنذر، ابا النعمان بن المنذر، فقال: اعلم ان خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله، ونحن اعوان الحتوف على انفسنا، وانفسنا تسوقنا إلى الفناء. ثم قالَ: اني نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا الا اسرعا الكرة في هدم ما رفعنا، وتفريق ما جعما، فاطلب الخير تكن من اهله، واعتصم بالصبر من عوارض الجزع، فلو ان جزعا على رزية وقى حلول نائبة، اورد فئتا، لتنافس فيه العاقل، واعتصم به الخائف، ولكنه الصبر طوعا او كرها.
(١٨٥) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل حماد عجرد على أبي عمرو بن العلاء، وعلى رأس أبي عمرو جارية، يقال لها: منيعة في يوم صائف، وهي رسحاء فتخاء وكان لها ظرف، فأقبلت تعجرد فنهاها ابو عمرو، فعاودت، فأَنشَدَت فأنشأ حماد يقول:
لو تأتي لك التحول حتى تجعلي خلفك اللطيف اماما
في كون الذي تقدم في ال خلقة خلقا مؤخرا لاستقاما
لاذا كنت يا منيعة خير ال ناس خلفا وخيرهم قداما
[ ١ / ١٧٧ ]
فقال لها عمرو: نهيتك عن العبث به.
(١٨٦) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي، كيف قتلت همام بن قبيصة النميري؟ قالَ: مر بي والناس منهزمون، لو شاء ان يذهب لذهب، فلمّا رآني قصدني، فضربته وضربني وسقط فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات النوف اجهز على امرئ يرى الموت خيرا من فرار وأكراما
ولا تتركني كالحشاشة انني صبورا اذا ما النكس مثلك احجما
فدنوت منه فقال: اجهز عليّ قبحك الله، فقد كنت احب ان يلي هذا مني من هو اربط جأشا منك، فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
(١٨٧) وعن أبي عُبَيْدة، عن رجل من بني تميم، قالَ: جاء رجل من كلب يوم المرج برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ فقال: انا. فقال مروان: كذبت. قالَ: المكذب اكذب، قالَ: انا والله قتلته، مر بي وهو تعدو به فرسه، وهو يقول:
[ ١ / ١٧٨ ]
قد طاب ورد الموت مروان فرد
لا تحسبن العيش ادنى للرشد
لا خير في طول الحياة في كمد
فطعنته فسقط، فنزلت اليه وهو مثبت، وهو يقول:
بعد سحقا لامرئ عاش في ذل وفي كفيه عضب صقيل
(١٨٨) قالَ: دخل ابو الاسود الدؤلي على معاوية، فقال له: اصبحت جميلا يا ابا الاسود، لو علقت تميمة تدفع عنك العين.
فقال ابو الاسود:
افنى الشباب الذي فارقت جدته مر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما شيئا تخاف عليه لدغة الحدق
(١٨٩) قالَ الأَصمعي: مر اعرأبي بامرأَة كان يهواها، وهي تسكت صبيا، وتقبله، فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت غلاما مرضعا تحملني الذلفاء حولا اجمعا
اذا بكيت قبلتني اربعا اذا بكيت الدهر كلا اكتعا
[ ١ / ١٧٩ ]
(١٩٠) وعن الأَصمعي، قالَ: ذكر ابو البيداء ان عبد الملك بن مروان وقف جارية للشعراء - وعنده جماعة منهم - فقال: من اجاز هذا البيت فهي له، ثم أَنشَدَتهم:
بكى كل ذي شوق شآم وتبعه يمان، فأنى يلتقي الشجنان؟
فقال جرير: ادني يا جارية، فقال:
يغور الذي بنجد، او ينجد الذي بغور تهامات فيلتقيان
فقال عبد الملك: خذ بيدها، ثم اقبل عبد الملك على جرير فقال: اتعرف هذا؟ يعني الاخطل.
فقال الاخطل: الا تعرفني وانا الذي اطلت شتمك، وارقت نومك، واهتضمت قومك؟ فقال جرير: ذاك وأبيك اشقى لك، اما قولك: اطلت شتمك، فقد فعلت، فما كففت ولا انتصرت، واما قولك: ارقت نومك، فلو كنت نمت عن عشيرتك وعن عيبك كان خيرا. واما قولك: اهتضمت قومك، فكيف يهتضم قومي من ضربت عليه الذلة والمسكنة وباء بغضب من الله؟
[ ١ / ١٨٠ ]
(١٩١) وعن يونس، قالَ: عاتب رجل من بكر بن وائل مسمع بن مالك فقال:
ان لنا سيدا ترجى فواضله يعطي الغني ولا يعطي من افتقرا
كذى الفصال يولي الدر اسمنها ويترك الاخر المهزول قد اضمرا
(١٩٢) وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فأسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
(١٩٣) وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فاسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
(١٩٣) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني ان اعرأبيا جاء إلى الحسن، فقال: يا ابا سعيد علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا، ولا ساقطا سقوطا: فقال. احسنت، لله ابوك عليك من الامور بأوساطها.
(١٩٤) قالَ: ضرب بعض عمال المدينة ابن أبي عتيق في الخمر، فلقيه ابو قتادة بن ربعي، فقال له: يابن اخي، افي خليلة ضربوك؟ فقال: كلا يا عمي، بل:
صرف من الداروم او من بابل او من بلاس يشمها المزكوم
راح ترد الروح بعد نفورها وبها ينال شفاءه المحموم
[ ١ / ١٨١ ]
قالَ: فما اراهم ظلموك.
(١٩٥) ابو عُبَيْدة قالَ: قالَ ارطاة بن سهية المري:
رأيت المرء تأكله الليالي كأكل الارض ساقطة الحديد
وما تجد المنية حين تأتي على نفس ابن آدم من مزيد
واعلم انها ستكر حتى توفي نذرها بأبي الوليد