[ ٢١ ]
ومن التي أولها:
عَواذِلُ ذَاتِ الخالِ فِيَّ حَوَاسِدُ
يَرُدُّ يَدًا عَنْ ثَوبِها وَهو قادِرٌ وَيَعصِي الهَوَى في طَيفِها وَهو راقدُ
قال أبو الفتح: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا، فلما لم يجد إليه سبيلا شحا على الوزن جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر، ليصرف اللفظان من التجانس على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادرا أيضا، لأنه لا يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك عن غير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر ومعنى البيت لأنه يعصي الهوى في منازعته إياها راقدا ويقظان يصف نفسه بالنزاهة.
متى يَشتَفي من لاعِجِ الشَّوقِ في الحَشَى مُحِبٌ لَها في قُربِهِ مُتباعِدُ
قال ابن جني: يقول تشتفي مما بك، وأنت كلما قدرت عليها امتنعت منها، ولاعج الشوق أشد حرقة.
تَثَنَّى على قَدرِ الطّعِانِ كأنَّما مفَاثِلُها تحتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ
قال أبو العلاء: يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها، فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس، وهذه من الدعوى المستحيلة، ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها بجهة من خوف الطعن، وشبه مفاصل الفرس بالمراود لأن المرود من شأنه أن ديور ويتصرف وهو من راد يريد إذا ذهب وجاء.
قال ابن فورجة: ما غرض الشيخ أبو الفتح لنفسه هذا البيت، وقد ذكر القاضي أبو الحسن أنه من الشعر الذي لا عيب فيه وزعم أنه مقلوب. وإنما يصح المعنى لو قال كأنما الرماح تحت مفاصلها مراود. وشبه هذا بقولهم: طلع الجوزاء وأنتصب العود على الحرباء. وقول الشاعر: كأنَّنا رعنُ قفٍ يَرفع الآلا وعنده أن المراود جمع مرود ميل المكحلة. وعندي أن المراود في هذا البيت هو المسمار الذي فيه حلقة يدور فيه. لفظة أظنها مولدة، وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب إلا أنه جود ما شاء هو.
ألِميّ بعَرافِ النَقا وتَيمَّنِي مَهبَ النَعامَى واجعَليِ الليل مروَدَا
ألا ترى أنه لا يصح معنى هذا البيت، إلا أن يكون المرود تدور حلقته كيف ما أديرت، يريد لين انعطافه في الميدان وعند الطراد، وليس يريد كون الرمح في مفاصلها إذا طعنت، ولو كان أراد ذلك لما قال تحت الرماح لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحصل بعض المفاصل وبعضها تحتها فلا معنى إذا لقوله تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي أبو الحسن غير حسن ولا غريب، يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل، يفعل الميل فيها فعل الميل في العين. وهذا رديء ممتنع بشيء آخر، وهو أنه خص المفاصل وليس كل الطعن في المفاصل وليست هي أيضا بمقاتل فلا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول: فرائصها تحت الرماح أو جواشنها، أما الفرائص فأنها مقاتل وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو، ويمتنع أيضا ما ذهب إليه لقوله) تثنى على قدر الطعان (فإذا كانت الرماح في مفاصلها كالأميال في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، وما الحاجة إلى قوله على قدر الطعان وإنما يقول تثني في الطعان أن كان على بعد منها أو على قرب، فأن التثني مع قرب الطعنة ممتنع جدا، وليس كل الخيل تفعل ذلك ألا ترى إلى قول القائل يصف فرسا:
تُنَكَسهُمْ والسَّابِقاتُ جِبالُهُمْ وَتَطعُنُ فِيهم والرّماحُ المَكايِدُ
قال ابن جني: جعل الجبال كالخيل، وتنكسه إياهم عنها إنزالهم من الجبال للقتل والأسر، وتقيم مكايده إياهم مقام الرماح التي تطعنهم.
وَمِنْ شَرَفِ الإقدامِ أنَّكَ فِيهُمُ على القَتلِ مَومُوقٌ كَأنَّكَ شاكِدُ
قال أبو العلاء: الشاكد المعطي من غير مسألة. وقيل هو الذي يعطي ولا يريد عوضا. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقته مع ما يفعل بهم من القتل والأسر وذلك من الدعوى الباطلة.
وقال الأحسائي: يقول أن من فضل الإقدام وشرفه أن الشجاع محمود عند أعدائه، وأنه إذا قتل كبيرا منهم لم يكن هجنة على قومه بل يفتخرون فيقولون ما قتله إلا شجاع، ولولا شجاعته ما بارزه ووافقه وأن المنهزم منك المروع يكثر مدحك وغرضه إقامته العذر في هزيمته منك.
وأنت أبو الهَيجا بنُ حَمدانَ يا أبنَهُ تشابَهَ مَولُودٌ كَريمٌ وَوالِدُ
وحَمدانُ حُمدونُ حارِثٌ وحارِثُ لُقمانُ وَلُقمانُ رَاشِدُ
[ ٢٢ ]
قال أبو العلاء: اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه، وتشبيه أبيه بجده، ثم كذلك حتى استوفى سبعة في النسب وعشرة في المقابلة، وحمدون اسم لم يتسم به العرب في القديم، وقل ما بنوا اسما على فعلون، وقد ذهب قوم إلى أن زيتون فعلون وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامة لزيت ومثل هذا يبعد.
قال أبو علي ابن فورجة: هذا المعنى من أحسن معاني أبيات هذه القصيدة، والبيتان من جياد أبياتها، وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أجود منها، وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر:
إن يقتُلوكَ فقد ثَلَلتَ عُرُوشَهُمْ بعُتَيبَةَ بنِ الحارِثِ بنِ شِهابِ
وقوله الآخر: عِياذَ بن أسماء بن زيدِ بنِ قَاربِ واحتذى هذا الفاضل على طرقهم، فقال وأنت أبو الهيجاء البيتين وهذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس هذا كلامه. فليت شعري مم العجب؟ من استقباحه ما هو أحسن شعره؟ أم من تهزئه الذي لا يليق بما نحن بصدده؟ أم من ظنه أنه إذا تهزأ توهم الناس فيه أنه يعلم ما ليس يعلمونه، ولقد جود أبو الطيب حيث يقول:
وكمْ مِنْ عائِبٍ قَولًا صَحيحًا وَأفَتُهُ منَ الفَهمِ السَّقيمِ
ويقول:
وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍ مَريضٍ يَجِدْ مُرًّا بِه الماءَ الزُّلالا
أما سبك البيت فأحسن سبك، يريد أنك تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، فأنت أبوك إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء فليت شعري ما الذي استقبحه؟ وقد جاراني بعض أهل العلم في هذا البيت فقال استقبح قوله) حمدان حمدون وحمدون حارث (وليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ ولا المعنى، ولنسلم له أن حمدان وحمدونا لفظتان مستهجنتان، فكيف يصنع والرجل أسمه هذا وهل يستعير له أبا غير أبيه أم هل يسميه بلفظة حسنة يخترعها؟ ولقد كان الذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي. وقد قال أبو بكر محمد بن دريد الأزدري في بعض قصائده:
وَقيسُ بن عَمرو بنِ العُبيد بن ضَاطرٍ أناخ على ساسٍ مَسيرًا فَجعجعَا
وقال في أخرى:
وقيسُ بنُ مَسعودٍ بن قَيس بن خالدٍ وعمرو بنُ كلثومٍ شهاب الأراقمِ
فما الذي غض من قوله ضاطر، واسم الرجل ضاطر وهل أقبح منه؟.
وأما قوله هذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون، فلا يقاس به كلام. أترى من باب الفلسفة أن يقال فلان مثل أبيه في الشبه؟ أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة؟ سبحان من سخر له هذا الكلام وما كنا له مقرنين!.
ومن التي أولها: ما سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَورُودِ
تَحمِلُ أغمادُها الفِداءَ لَهُمْ فانتَقَدُوا الضَّربَ كالأخادِيدِ
قال أبو العلاء: يريد أنه وعدهم المال فأقام الخيل التي له ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربا كالأخاديد، أي جعلوا ذلك كنقد المال، وهذا على سبيل الهزء.
ومن التي أولها: لكُلِّ أمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدَا
سَرَيتَ إلى جَيحانَ من أرضِ آمِدٍ ثَلاثًا لقَد أدناكَ رَكضٌ وأبعَدَا
[ ٢٣ ]
قال ابن فورجة: لم يفسر الشيخ أبو الفتح هذا البيت تفسيرا شافيا، وهذا كلامه قال: جيحان نهر، أي أدناك سيرك من النهر وأبعدك من آمد، وهذا. أيدك الله كلام غير مفيد. إذ كان من سار من موضع إلى موضع آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث انفصل عنه. ولو سار غلوة أو فرسخا، فما وجه المدح في هذا؟ إذا تأولناه على ما تأوله الشيخ أبو الفتح وما فائدة البيت؟ ووجه تأويله عندي ما أقول، وذلك أن جيحان من آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك بقوله:) سريت إلى جيحان من أرض آمد (وهذه مسافة لا يصل فيها أحد بمسرى ثلاث ليال، ولو أن قائلا قال سريت إلى الكوفة من بغداد. لفهم عنه أنه وصل إلى الكوفة إذ سرى إليها من بغداد، ويجوز أن يفهم عنه أنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها، ولكن الكلام يدل بعضه على بعض، ولا سيما ومن عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب) سريت إلى جيحان من أرض آمد (أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال، ليصح معنى تعجبه) لقد أدناك ركض وأبعد (وقوله ثلاثا يريد في ثلاث فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه سريت.
هَنيئًا لكَ العيدُ الذي عيدُه وعيدٌ لمنَ سمي وضَحَّى وَعَيَّدَا
قال أبو العلاء: ينتصب) هنيئا (عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل بل هو اسم موضع المصدر، كأنه قال: هناك هنيئا، لأنهم ربما وضعوا أسم الفاعل في هذا الموضع، كما قلت بعض نساء العرب وهي ترقص أبنها:
قُمْ قائِمًا قُم قائمًا لَقيتَ عَبدًا نائمًا
تريد: قياما.
والعيد مأخوذ من عاد يعود، وقالوا فيه معه أعياد، كراهة أن يقولوا أعواد بجمع العود، وقولهم عيد الأضحى يريدون جمع أضحاة، كما يقال أرطاة وأرطى وفيه أربع لغات أضحية وأضحية وضحية وأضحاة، ويقال في جمع ضحية ضحايا، وفي جمع أضحية وإضحية أضاحي، وإنما قيل أضحية لأنها تذبح إذا أضحى النهار.
وقال أبو علي: تكلم على العيد الشيخ أبو الفتح بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب إذ كان العيد مما يفرح له الناس وكذلك العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:
جاءَ نَورُوزُنا وأنتَ مُرادُهْ وَوَرَتْ بالَذِي أرَادَ زِنادُهْ
وقوله لمن سمى يريد ذكر أسم الله على أضحيته سبحانه) وأنعام لا يذكرون أسم الله عليها (وقوله تعالى:) فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منه (وذكر اسم الله واجب على المسلمين، فيريد أنت عيد لكل مسلم.
فَواعَجَبا مِنْ دَائِلٍ أنتَ سَيفُهُ أما يَتَوقَّى شَفرتَيْ ما تَقَلَّدَا
قال ابن جني: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، يريد هنا الدولة فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التامر واللابن. أي ذو تمر ولبن ودولة.
وَمَنْ يجعَلِ الضِّرغامَ للصَيدِ بَازَه يُصَيَرُهُ الضّرغامُ فيما تَصيَّدَا
قال أبو الفتح: قلت له وقت القراءة: لم جعلت من شرطا صريحا وهلا جعلتها بمنزلة الذي وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا ترتكب الضرورة؟ كقوله تعالى:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم (. فقال هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء، وإنما جئت بلفظ الشرط صريحا لأنه أبلغ وأكد، وأردت الفاء في) يصيره (وحذفتها، والذي قال له جائز والوجه ما سمته إياه، ومذهب سيبويه في مثل هذا التقديم والتأخير، كأنه قال: يصير الضرغام بازا من يجعله فيما تصيده، واكتفى بهذا القول من جواب الشرط.
وقال أبو العلاء: رواية أهل هذه جزم) يجعل (ورفع) يصيره (وذلك ضعيف جدا، لأنه يحوج إلى أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير:
وإن أتاهُ خَليلٌ يومَ مَسألةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ
كأنه أراد فيقول أي فأنه يقول، وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع) يصيره (وجزم) يجعل (لأنه إذا رفع) يجعل (وحمل الكلام على المبتدأ والخبر صرفه عن الشرط والجزاء، كفى هذه المئونة ويكون) من (في معنى الذي. كأنه قال والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره فيكون) يصيره (في موضع خبر المبتدأ.
وقوله:
[ ٢٤ ]
فارَقُتُكم فإذَا ما كان عِندَكُمُ قَبل الفِراقِ أذىً بعدَ الفِراقِ يَدُ
إذَا تَذَكَّرتُ ما بَيني وَبَينَكُمُ أعانَ قَلبي على الوَجدِ الذي أجِدُ
قال أبو علي: أي كانت منكم أحوال أكرهها، فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يدا عندي، لني أتسلى إذا ذكرتها عنكم، وتزهدني فيكم، فهي في الحقيقة يد إذ كانت سببا للسلو عنكم، وفسر ذلك بقوله بعده:
إذَا تَذَكرتُ ما بينِي وبينكُمُ أعانَ قَلبي على الوَجدِ الَذي أجِدُ
وقال العجلي: يحتمل ذلك معنيين أحدهما: المدح، والآخر: الذم. أما المدح فأنه يقول أن الذي كنت أتأذى به عندكم وأشكوه لما فارقتكم وبليت بغيركم لقيت منه من الأذى ما صار الذي شكوته منكم إلى جنبه نعمة، ثم قال في البيت الثاني وما يمنعني من العود إليكم على شدة الشوق إلا ما أذكره من تلك الأذاة فهي التي تعينني على الشوق، وأما وجه الذم فهو ما أورده ابن فورجة ولا حاجة إلى إعادته.
ومن التي أولها:
أهلًا بِدَارٍ سَباكَ أغيَدُها
لا ناقَتِي تَقبلُ الرَّديفَ وَلا بالسَّوطِ يومَ الرّهانِ أُجهدُها
قال ابن جني: يريد بناقته نعله قال الشاعر:
رَوَاحلُنا سِتٌ ونحنُ ثَلاثَةٌ نُجَنِّبُهُنَّ المَاءَ في كُلِّ مَنزِلِ
يا ليتَ بي ضَربَةً أُتِيحَ لها كمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحمَّدُها
قال أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين. أحدهما: أن يريد أن هذه الضربة حسنت وجه الممدوح وشرفته ودلت على شجاعته. والآخر: أن يكون أراد يا ليت بي هذه الضربة، أي ليتني فديته منها فهو في الوجه الأول متمن خيرا، وفي الثاني جاعل نفسه فداء للممدوح، وأتيح لها أي قدر.
ومن التي أولها:
اليَوم عَهدُكُمُ فأينَ المُوعِدُ هَيهاتَ ليَوم عَهدِكُمُ غَدُ
قال ابن فورجة، قال الشيخ أبو الفتح: يقول أني أموت يوم فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم عندي غد، هذا على ما قاله ﵀، إلا أن البيت ليس ينكشف معنى سائره بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم، أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه، فعرفوني متى الوعد باللقاء إذا افترقنا، ثم تدارك بقوله:) هيهات ليس ليوم عهدكم غد (. قوله:) أين الموعد (كأنه نعى على نفسه ما أتاه، وقال: ما سؤالك عن موعد اللقاء وأنت لا تحيين بعد فراقهم؟ وقوله: اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:
وآخرُ يومٍ منه يومَ لَقِيتُهُ بأسفلِ وادي الدَّوم والثَّوبُ يُغسَلُ
ليس هذا من العهد الذي هو العقد مثل قول بن حلزة: واذُكُروا حِلفَ ذِي المَجَازِ وما قُدَمَ فيهِ العُهُودُ والكُفَلاَءُ
فَرأيتُ قَرنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَى مُتأوَدًا غُصنٌ بِهِ يَتَأوَّدُ
قال أبو العلاء: يحتمل البيت معنيين، أحدهما: أن يعني رأيت نورا كنور قرن الشمس في وجه مثل قمر الدجى، والآخر: أن يعني بقمر الدجى القمر الذي يطلع بالليل، كأنه رآها في ليل فقال ذلك، والمتأود المتعطف المائل.
قال الأحسائي: نصب متأودا حالا لقرن الشمس، والتقدير رأيت الشمس متأودا، يتأود به غصن، فالغصن هو فاعل يتأود وليس له تعلق بمتأود.
أبَرحْتَ يا مَرضَ الجفون بِمُمرَضٍ مَرِضَ الطَّبيبُ له وَعِيدَ العُوَّدُ
قال ابن جني: يعني بالممرض جفنها،) ومرض الطبيب له وعيد العود (مثل ولا طبيب ولا عود، ولكنه لما ذكر الجفون وذكر مرضا ذكر له طبيبا وعودا، وإنما يريد نظرها إليه ومرض الطبيب معناه: أنه إذا نظر الإنسان إلى عينيها مرض من عشقها. أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود، فبالغ في شدة مرض جفونها، ويقال: مرض فهو مريض ومارض.
وقال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الممرض أراد به الشاعر نفسه، وقال للمحبوب يا مرض الجفون، لأن كل من نظر إليه مرضت جفونه، لأنه يحملها على البكاء والسهر وبعض الناس ينشده يا مرض بكسر الراء وهو قليل في الاستعمال، إنما يقولون فلان مريض، والقياس لا يمنع أن يقال مرض، كما يقال سقم فهو سقيم وسقم، قال الأعشى:
يقضِي بها المَرءُ حاجاتِه ويُشفَى عَلَيها الفُؤادُ السَّقيمْ
وأبرحت أي صرت إلى البرح، وهو الأمر الشديد الشاق.
[ ٢٥ ]
قَطَّعتَهُمْ حَسدًا أرَاهُمْ ما بِهِمْ فَتَقَطَّعُوا حَسَدًا لِمَن لا يحسُدُ
قال ابن جني: أي تقطعوا حسدا، لأنك لا تحسد أحدا، لأنك فوق كل أحد، وقوله:) أراهم ما بهم (أي كشف عن أحوالهم في التقصير عنك، والتقصير دونك.
صِحْ يا لَجُلهُمَةٍ تَذَرْكَ وإنَّما أشفارُ عَينكَ ذَابِلٌ ومُهَنَّدُ
قال أبو العلاء: جلهمة هو أسم طي، والجلهمة مثل الجلهمة وهو ما استقبلك من الوادي، وقوله) أشفار عينيك ذابل ومهند (أي أنصارك قريب منك، فكأنهم في ذلك أشفار عينيك، ويجوز أن يكون المعنى أنهم إذا اجتمعوا إليك هابك الناس، فإذا نظرت إلى بعض أعدائك قام نظرك مقام الذابل، والمهند، ونسب ذلك إلى الأشفار لأنها مجاورة لناظر العين، فعلم الغرض في الكلام.
قال ابن فورجة: فسر ابن جني هذا البيت تفسيرا مضطربا، فقال أي تحدق بك الرماح والسيوف، فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار، وهذا كأنه من قول الآخر:
وإذا دُعوا لِنزالِ يَومِ كَريهةٍ ستروا شُعاعَ الشَّمسِ بالفُرسَانِ
هذا تفسير. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك، وما بال الرماح والسيوف تغطي بها عينه دون سائر أعضائه. بل أي موضع في هذا البيت يدل على التغطية؟ وإنما قوله) تذرك وإنما أشفار عينك ذابل ومهند (كقولك: تركت عينه سماء هاطلة، وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذ أثخنته ضربا، يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فها بك كل أحد، كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحا وصلت عليه بسيوف، كأنه قال صح لهم لنجدتك تتركك، وهذه حالة من الهيبة في القلوب.
حَيٌّ يُشارَ إليكَ ذَا مَولاهُمُ وَهُمُ المَوَالي والخَلِيقَةُ أعبُدُ
قال ابن فورجة: قوله حي يريد به جلهمة، أي جلهمة حي يشار إليك أيها الممدوح أنك مولى لهم أي سيد، وهم أيضا الموالي أي السادات يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيدا، بل أنت سيدهم وهم سادات الناس، وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها) حتى يشار إليك (ولم نر نوره إلا أن هذه الرواية سائغة لطيفة، يعني أنهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد، إذا صحت يا لجلهمة، فعل المسودين المذعنين لك بالفضل والرئاسة والسؤدد.
أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌ وأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ
قال ابن جني: في إعراب هذا البيت تعسف وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان، ففصل بين المبتدأ الذي) هو أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة التي هي قوله) والثقلان أنت (وهي أجنبية، أي أنت جميع الأنس والجن. وآدم واحد من الأنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا البرية؟ ومعنى) والثقلان أنت (أي أنك تقوم مقام الأنس والجن بغناك وفضلك.
ومن التي أولها:
أحُلمًا نرى أم زَمانًا جَديدَا أم الخَلقُ في شَخصِ حَيّ أُعِيدَا
قال ابن فورجة: يريد بحي رجلا واحدا، دعته الضرورة إلى ذلك وإنما هذا معنى قول أبي نواس:
وليسَ لِلهِ بِمُستَنكَرٍ أن يَجمَعَ العالَمَ في وَاحِدِ
إلا أنه أراد الزيادة في هذا المعنى، فمعنى أن الخلق الهالكين أيضا أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير، وهو كقوله أيضا:
وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كأنَّما رَدَّ الإلَهُ نُفُوسَهُمْ والأعصُرَا
رأينا بِبَدرٍ وآبائِهِ لِبَدرٍ وَلُودًا وبَدَرًا وَلِيدَا
قال أبو العلاء: لما شبه الممدوح بالبدر: إذ كان أسمه بدرا ادعى أنه قد رأى للبدر ولودا أي أبا، وللبدر وليدا أي مولودا، وهذه من الدعاوى الباطلة لأنه لا يعني إلا بدر السماء، وقوله لبدر نكرة، ولا يحتمل أن يكون معرفة لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح.
بَهِجرِ سُيُوفِكَ أغمادَها تَمَّنَّى الطُّلَى أن تكونَ الغُمُودَا
إلى الَهامِ تَصدُرُ عَن مِثلِهِ تَرَى صَدَرًا عَن وُرُودٍ وُرُودَا
قال ابن جني: يقول سيوفك لا ترجع إلى أغمادها، لأنك أبدا تضرب بها أعناق أعدائك، وهي تمنى أن تكون أغمادا لسيوفك، فلا تجتمع معها أبدا. وقوله إلى الهام البيت. أي أبدا سيوفك تصدر عن الهام إلى هام أخرى. فصدرها أبدا ورود.
[ ٢٦ ]
قال أبو العلاء: البيت الأول قد كمل معناه، وهو غير محتاج إلى ما بعده، وقوله إلى الهام يفتقر إلى فعل مضمر يكون راجعا إلى السيوف، كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر) بهجر (في البيت الثاني، يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام، كما قال: هجرت إليه الغيث أي تركت الغيث ليتصل به، وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام.
ومن التي أولها: ما الشَّوقُ مُقتَنعًا مِني بذَا الكَمَدِ
ولا الدّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِها تشكُو إليَّ ولا أشكُو إلى أحَدِ
قال أبو علي: قال الشيخ أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى ولا في الدار أيضا فضل لها لأن الزمان أبلاها. هذا على ما قاله أبو الفتح. وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره، وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد لا أنا أشكو إلى أحد، ولا الديار تشكو إلي لجفاها ودروسها، فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله، فصار مضطربا من المحتمل السائغ لا من الظاهر البارز، والأجود أن يكون قوله ولا الديار عطفا على قوله) ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد (كأنه يقول ولا الديار تقنع مني به، ثم فسر لأي حال لا تقنع به منه، فقال تشك إلي أي شكواها سائغ، وهي مما لا يعقل، كأنها تشكو إلي بدروسها وزوال جمالها، وأنا لا تحسن بي الشكوى إلى أحد، لأنني ممن يعقل جمالها، وأنا لا يحسن بي إظهار الحب وإفشاء السر. فيكون عطف نفيا على نفي تقدمه، لا عطف جملة على جملة لم تأت بعدن ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله لا تشكو إلي الديار لأنه لم يبق فيها فضل للشكوى، فإذا لم يبق فيها فضل فكيف عرفها، وإذا بلغ الحال إلى هذا في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.
ومن التي أولها:
أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ لُيَيلَتُنا المَنُوطَةُ بالتَّنادِ
قال ابو العلاء: يجب أن يكون هذا الكلام على تقدير ألف الاستفهام، ويدل على ذلك مجيء) أم (في أوله، كأنه قال: أواحدة أم ست هذه الليلة؟.
وحكي عن ابن جني أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثر. بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، يردي أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض. إذ كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم، بدليل قوله:) وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (وهو قول حسن، ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى أن الحديث جاء فيه أنه إذا جاءت القيامة وقضى الله أن تطلع الشمس من مغربها تأخر طلوعها ثلاثة أيام. فينكر الناس ذلك ويفزعون إلى المساجد، ثم تطلع بعد ثلاث سوداء، والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال فهي حينئذ ست. ويوقي هذا القول قوله) لييلتنا المنوطة بالتناد (لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة، وصغر الليلة على معنى التعظيم، كما قال لبيد:
وكلُّ أُناسٍ سَوفَ تَدخُلُ بَينَهُم دُوَيهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأنامِلُ
والبصريون المتقدمون لا يرون تصغير الشيء على معنى التعظيم، ويرون أن قول لبيد) دويهية (وهو يريد الموت فصغرها، إذ كان الموت لا يرى، فكأنه خفي إذ كان العيان لايدركه.
وقال الأحسائي: ليالي الزمان سبع ليال، يقال هذه الليلة الطويلة واحدة وهي ست ليال في ليلة، فكأنه ضرب واحدة من السبع في البقية وهي الست.
متى لَحَظَتْ بَياضَ الشَّيبِ عَينٌ فقَد وَجَدَتْهُ مِنها في السَّوَادِ
قال أبو العلاء: أي أني إذا لحظت بياض الشيب فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني. ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت لجاز أن يحمل على سواد القلب، فيكون نحوا من قول الطائي:
شَابَ رَأسِي ومَا عَهدتُ مَشِيبَ الرأسِ إلا من فَضلِ شَيبِ الفُؤادِ
إلا أن الطائي جعل مشيب فؤاده متقدما شيب رأسه، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه لبياض الشيب.
[ ٢٧ ]
قال ابن فورجة: قال ابن جني أي كان ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرها له. هذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى، وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود، ولو كانت العين من العضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها بياض الشعر النابت فيها، ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال إذا نظرت عيني إلى الشيب فكأنها عاينت فيها بياضا ينزل في سوادها من البياض المكره الذي ينزل فيه من العلة. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسن، وذلك أنه يزيد بياضا مستهجنا مستقبحا كبياض الشيب كما قال البحتري:
ودَدتُ بياضَ السَّيفِ يوم لَقينَني مكانَ بَياضِ الشَّيب حَلَّ بمَفرقي
وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به فأراد التسوية بين البياضين.
مَتى ما ازدَدتُ مِن بَعدِ التَّناهي فَقد وَقَعَ انتِقاصِي في ازديادِي
قال ابن فورجة: المعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان، كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء أربعين سنة، فإذا ازددت بعدها نقصت القوى، وعدت أنتقص، بعدما كنت أزداد، وكأنه من المعنى الذي له:
فَبعَثنا بأربعينَ مِهارًا كُلُّ مُهرٍ مَيدانُهُ إنشادُهُ
عَدَدٌ عِشتَهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ أرَبا لا يَرَاهُ فِيما يُزَادُهْ
وقوله: فقد وقع انتقاصي في ازديادي يريد فقد ابتدأ نقصاني يزيد وهذا المعنى من قوله:
وَلُجدْتَ حتى كِدتَ تَبخَلُ حائِلًا للمُنتَهَى وَمِن السُّرُورِ بُكاءُمأخوذ من قول القائل:
وأُسَرُّ في الدُّنيَا بكُلّ زِيادةٍ وزِيادَتي فيها هو النَّقصُ
والأول فيهما جميعا قول حميد: وحَسبُكَ دَاءً أَنّ تَصِحَّ وتَسلَمَا
وأبعَدَ بُعدَنا بُعدَ التَّدَانِي وَقَرَّبَ قُربَنا قُربَ البِعادِ
قال أبو العلاء: في أبعد وقرب ضمير عائد على المسير، والمعنى أنه دعا للمسير بأن يجزي خيرا، لأنه قرب الأمد الذي كان بينه وبين الممدوح، فيصير مقداره كعرض النجاد، وهو ما يقع على الكتف من حمائل السيف. يقول كان تدانينا بعيدا، فابعد المسير بعدنا فصبره في النأي بمنزلة ما كان عليه التداني من قبل، وجعل قربنا قريبا منا كما كان البعاد في الدهر الأول مقاربا لنا. ومن التي أولها:
أقَلُّ فَعالي بَلهَ أكثَرَهُ مَجدُ وَذَا الجِدُّ فيهِ نِلتُ أم لم أنَلْ جَدُّ
قال ابن جني: أكثره بالنصب والجر، والنصب أجود، لأنه بله أسم مسمى به الفعل مثل) رويد وحيهل (وبله في معنى دع أكثره، وهي اسم دع، كما أن صه اسم أسكت. والجر في أكثره على أنه جعل بله مصدرا وأضافه إلى أكثره كقوله تعالى) فضرب الرقاب (والنصب بع دبله أقوى، لأنه لو كان بله مصدرا لوجد فعله، ولا نعرف له تصرفا، فينبغي أن يكون غير مشتق منه بمنزلة صه. ومه وإنما جوزنا الجر على أن يكون بله مصدرا، لأنا قد وجدنا مصادر لا أفعال لها) نحو ويل وويح وويس (وقالوا) الابن: الإعياء (ولا فعل له) والإد للعجب (والمراد الفعل يقول: وذا الجد الذي أنا عليه في أمري فيه حظ، نلت ما أطلبه أو لم أنله، فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان لي جدا، وهذا قريب من قول البصري:
فأن لَم تَنَلْ مَطلبًا رُمَتهُ فليسَ عليكَ عدا الاجتهادِ
سأطلُبُ حَقِّي بالقَنا وَمَشايخٍ كأنَّهُمُ من طُولِ ما التَثَموا مُردُ
قال أبو العلاء: المشايخ جمع مشيخة، وهي جماعة الشيوخ وكأن المشيخة في الأصل مصدر، كأن المراد قوم ذو مشيخة أي شيخوخة، أو يكونون جعلوا كالموضع لتلك الحال، وكان ابن دريد يذهب إلى أن المشيخة كلمة ليست بفصيحة، وجاء في كلام الفراء: سمعنا المشيخة وحدثتنا المشيخة. والفراء أقرب إلى زمان الفصاحة من ابن دريد، ولا يجوز همز مشايخ لأن الياء أصلية وهي متحركة في الواحد، وبعض الناس يذهب إلى أن المعنى أن هؤلاء المشايخ كأنهم من طول تلثمهم مرد لا لحى لهم لأن لحاهم مستورة باللثم، فهذا قول حسن، ويجوز أن يذهب ذاهب إلى أن طول التلثم قد حص شعر لحاهم، كما قال أبو قيس بن الأسلت:
قد حَصَّتِ البَيضَةُ رَأسي فَما أطعَمُ نَومًَا غيرَ تَهجَاعِ
[ ٢٨ ]
ويَمنَعُنِي مَّمنْ سِوَى ابن مُحَمَّدٍ أيادٍ لَهُ عِندي يَضِيقُ بها عِندُ
قال أبو العلاء: عند يحكي فيها) عند وعند وعند (حكى ذلك يونس. وهي من قولهم:) عند ذا مال (وإذا قال القائل كذا وكذا عند فلان، فالمعنى أنه في الموضع الذي يميل إليه، وكانت) لعند (سعة وليست لغيرها من الظروف وذلك أن الجهات ست: أمام ووراء، وتحت، وفوق، ويمين، وشمال، وكل واحدة من هذه الجهات مختصة بناحية و) عند (تقع على جميعها فلذلك حسن قول القائل) يضيق بها عند (.
يكادُ يًصِيبُ الشّيءَ مِن قبل رَمِبِهِ ويُمكِنُهُ في سَهمِهِ المُرسَلِ الرَّدُّ
وقال ابن جني: يمكنه معطوف على يصيب لا على يكاد.
وقال أبو العلاء: قوله يمكنه معطوف على يصيب، قول فيه تخليص للشاعر من المبالغة في الكذب، لأنه قال يكاد يصيب الشيء فهو لم يصبه، فإذا عطف يمكن على يصيب فالمعنى ويكاد يمكنه في سهمه، وإذا جعل يمكنه معطوفا على يكاد فقد حكم بأنه يمكنه أن يرد سهمه المرسل، وهذا أشد في المبالغة واحسن في نقد الشعر.
بنَفسِي الذي لا يُزدَهَي بِخَديعَةٍ وَأن كَثُرتْ فيه الذَّرائِعُ والقَصدُ
قال ابن جني: كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أنا أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول، لأن هذا مما لا يجوز مثله، وإنما هو سخر مني بك وهذا مذهبه وهو كقوله:
فأن نِلتُ ما أمَّلتُ منك فَرُبمَّا شَرِبتُ بِماءٍ يُعجِزُ الطَّيرَ وِردُهُ
قال أبو العلاء: المعنى الذي قصده الشاعر أنه قال بنفسي الذي لا يخدع ولا يغر ولا يجوز عليه تمويه القائلين، والمعنى بنفسي أفديه، والمعنى الذي ذكره أبو الفتح ﵀ بعيد لا يليق بالممدوح.
مَضى وَبَنُوهُ وانفَرَدْتَ بِفَصلِهِم وألفٌ إذا ما جُمَّعَتْ وَاحِدٌ فَردُ
قال أبو العلاء: الألف مذكر وقال جمعت فأنث، لأنه ذهب مذهب الجماعة، لأنه آحاد كثيرة، وإذا جعل الألف أجزاء على مائة أو دون ذلك فهو جماعة، فلذلك أنث في هذا الموضع، وبعض العرب يقول في الألف:) عشر مائة (وقالوا في جمع ألف آلاف، وعلى ذلك أكثر الاستعمال مثل زند وأزناد. وفرخ وأفراخ قال الأعشى:
وُجِدتَ إذَا اصطَبَحُوا خَيرَهُمْ وَزَندُكَ أثقَبُ أزنَادِهَا
وقال الحطيئة:
ماذا تَقولُ لأفرَاخٍ بِذي مَرَخٍ حُمرِ الحَوَاصِلِ لا مَاءٌ ولا شَجَرُ
وقالوا آلف وهي قليلة والجمع الكثير ألوف.
وأردِيةٌ خُضرٌ وَمُلكٌ مُطاعَةٌ وَمَركوزَةً سُمرٌ وَمُقرَبَةٌ جُردُ
قال ابن جني: أردية خضر يقول هم ملوك وأنت الملك لأنه ذهب إلى السلطان وهو مؤنث.
قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد بالأردية السيوف، ومعروف عند العرب أنهم يسمون السيف الرداء، ومن ذلك قول عمرو بن شأس:
كأنَّ رِدَاءَيُهِ إذا قَامَ عُلِّقَا على جِذعِ نَخلٍ لا سَحُوقٍ ولا بَالِ
يعني رداءه وسيفه، وقد جاء هذا المعنى مشروحا في بعض الشعر كقوله:
يُنازِعُني رِدَائِي عَبُد شَمسٍ رَويدَكَ يا أخَا سَعدِ بنِ بَكرِ
لي الشَطرُ الذي مَلكتْ يَميني ودونَكَ فاعتَجِر منه بشطرِ
وملك جمع ملك مثل تمر وتمر، وبيت ابن أحمر يحمل على وجهين:
مدَتْ عليه المُلكُ أقطارَهَا كأسٌ زَنَوناةٌ وطِرفٌ طِمِرْ
قيل ملك جمع ملك وقيل بل أراد المملكة فأنث.
ومَا عِشتُ ما ماتُوا وَلا أبَواهُمُ تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وابن طابِخَةٍ أُدُّ
قال أبو العلاء: يقول بنو سيار بن مكرم لم يموتوا ما دمت أيها الممدوح في الحياة. وكذلك لم يمت أبواهم، جعل الجدين القديمين أبوين، وكذلك موضوع اللغة لأن الرجل يقول: أبي آدم وبينهما ما شاء الله، وتميم بن مر بن أد بن طابخة وأد يقول بعض الناس هو من الود قلبت الواو همزة لوقوعها مضمومة في أول الاسم ويجوز أن يكون اشتقاق أد من كل لفظ يشتق منه أدد.
ومن التي أولها: لَقَدْ حازَني وَجدٌ بِمَن حازَهُ بُعدُ
أسَرُّ بتَجدِيدِ الهَوَى ذِكرَ ما مَضَى وإنْ كانَ لا يَبقَى لَهُ الحَجَرُ الصَّلدُ
قال ابن جني: يقول أسر بتذكر ما خلا من اللذة، وإن كان ذلك لا يبقي عليه الحجر الصلد تأسفا وحنينا إليه.
[ ٢٩ ]
قال أبو العلاء:) ذكر ما مضى (ينتصب على أحد وجهين، أجودهما أن يكون مفعولا لتجديد الهوى إياه، والآخر: أن يكون مفعولا له، كأنه قال أسر بتجديد الهوى لذكر ما مضى، أي لذكري إياه.
وَسَيفي لأنتَ السَّيفُ لا ما تَسلُّهُ لضَربٍ ومَّما السَّيفُ منهُ لكَ الغِمدُ
قال أبو العلاء: وسيفي أراد به معنى القسم، كأنه آلى بسيفه. أن هذا الممدوح هو السيف الذي يسله للضرب) ومما السيف منه لك الغمد (أي عليك درع أو جوشن. وهما يتخذان من الحديد، كما أن السيف منه يطبع.
وقد ذهب قوم إلى أن قوله وسيفي يريد به ويا سيفي، لأنت السيف، فحذف حرف النداء، وهذا لا يمتنع ولكن الأول أحسن، والقول في قوله) ورمحي (مثل القول في قوله) وسيفي (.
مِنَ القاسِمِينَ الشُّكرَ بَيني وبَينَهُمْ لأنَّهُمُ يُسدَى إليهِمْ بأنْ يُسدُوا
وقال ابن فورجة: يريد أنهم لكونهم يعتقدون منه فضلا عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك، فأنا أشكرهم على ما أولوني من الجميل، فهم يشكرونني على أخذي نوالهم. وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين، إذ جعلهم يسدى إليهم بان يقبض نوالهم، وهذا هجو، إذ جعلهم بقبض نوالهم بمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:
وَقَبضُ نَوَالِهِ شَرَفٌ وَعِزٌّ وَقَبضُ نَوَالِ بَعضِ القَومِ ذَامُ
على أنه وأن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه، فقد علم أن ما يريده شدة فرحه بالعطاء، حتى كأن من يسأله يمن عليه، فما أكثر ما جاء نظير هذا في شعره وشعر غيره، وأجوده قول القائل:
وأنَّكَ لا تَدرِي إذا جاءَ سَائِلٌ أأنتَ بما تُعطِيهِ أم هُوَ أسعَد
ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكرا، وما حمله على الرضا بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في البيت الثاني، وهو قوله:
فَشكري لهم شُكرانِ: شُكرٌ على النَّدَى وشُكرٌ على الشُّكرِ الذي وَهَبُوا بَعدُ
فهذا المعنى مع تعسفه فيه أغرب مما مضى، يقول فإذا شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي، وشكرتهم على ما أعطوني، فصار شكري لهم شاكرين. وقوله الذي) وهبوا بعد (جعل الشكر الذي أتوه هبة ثانية منهم له، وصار لفظ الهبة مستحسنا وزيادة في المعنى والصنعة.
ومن التي أولها:
وشَامِخٍ مِنَ الجِبالِ أقوَدِ
زُرناهُ للأمر الذي لمْ يُعهَدِ
للِصَّيدِ والنُّزهَةِ والتَّمرُّدِ
قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال:) لم يعهد (أي لأن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب. والتفسير على ما حكاه أن كانت الرواية لم) يعهد (بضم الياء لا محيص عنه، والأجود عندي وهو ما أرويه) لم يعهد (بفتح الياء. ويكون ضميره للشامخ يعني أنه لم يعهد الصيد فيه لعلوه وإرتفاعه، ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير، لعظم شأنه ألا تراه يقول: فَردٍ كَيافُوخِ البَعيرِ الأصيَدِ يُسارُ من مَضيقِهِ وَالجَلمدِ في مثلِ مَتنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق، فهذا أراد بقوله) لم يعهد (، ألا تراهم يتمدحون بالصيد ومطاردة الوحش، حتى أن عامة) شعر (امرئ القيس وكثير من الشعراء بعده، افتخار بالطرد، وقد مدح أبو الطيب كثيرا به، ولم يستنكف لأحد من الممدوحين به كقوله:
وَذي لَجَبٍ لا ذُو الجَناحِ أمامَهُ بنَاجٍ ولا الوحوشُ المُثارُ بسالِمِ
وقوله:
لهُ مِنَ الوَحشِ ما اختارَتْ أسنَّتُهُ عَيرٌ وَهَيقٌ وخنساءٌ وَذَيَّالُ
وقوله لعضد الدولة:
لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ
على ظُهورِ الإبلِ الأُبَّالِ ومن التي أولها: أَوَدُّ مِنَ الأَيامِ ما لا تَوَدُّهُ
يُباعِدْنَ حِبًَّا يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُ فكيفَ بحبٍّ يَجتَمِعنَ وَصدُّهُ
قال أبو العلاء: زعم أن الأيام يباعدن الحب المواصل، فكيف بحب موصوف بالصدود، أي هذا الحب المذكور صاد عنا، فذلك أجدر لمعونته الأيام على الفراق، وعطف) وصله وصده (على الضمير المرفوع في يجتمعن، والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه، مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله.
[ ٣٠ ]
رَعَى اللهُ عِيسًا فارقَتنا وَفَوقَها مَها كُلُّها يُولي بِجفَنَيهِ خَدُّهُ
قال الأحسائي: رد الضمير في) جفنيه وخده (إلى لفظ كل لا إلى المها، ومعنى يولي أي قد بكت للوداع ثم بكت للفراق والدمع الثاني هو الولي والأول الوسمي.
بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كأنَّهُ وقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَناثَر عِقدُهُ
قال أبو العلاء: أدعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم كما يجد الآدميون فيه من الأسف كما في قلوب الإنس، وكأنه لما رحلوا جيد انتشر عقده، فقد بقي عاطلا، وهذا المعنى الواضح. وقد يجوز أن يعني بقوله) بواد به ما بالقلوب (أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك.
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: قوله) به ما بالقلوب (أي قد قتله الوجد لفقدهم، فيجري هذا مجرى قوله أيضا:
لا تَحسَبُوا رَبعَكُم ولا طَلَلَهْ أوَّلَ حَيّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ
ومعنى هذا البيت: لأن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا، فأما قول أبي الفتح أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل، ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء، ولا أدري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسير هذا البيت الظاهر!.
أنا اليَوم مِنْ غِلمانِهِ في عَشِيرَةٍ لَنا وَالِدٌ مِنهُ يُفدِّيه وُلدُهُ
قال ابن فورجة: قد كان يجب أن يقول في عشيرة لهم والد منه، إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة وإتمام الخبر، وهو كثير في كلامهم ولو لم يأت إلا قول الله تعالى:) الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (. وقوله تعالى:) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (لكفى وأقنع، إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول) والذين (من الأسماء النواقص، فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى، ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز:
يا أبجَرَ بنَ أبجَرٍ يا أنتَا أنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعتَا
قَدْ أحسَنَ اللهُ وقدْ أسأتَا ومثله:
وأنتِ التي حَبَّبتِ شَغبًا إلى بَدَا إليَّ وأوطَانِي بِلاَدٌ سِوَاهُما
قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فأعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ولعمري أنه لكما ذكر ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع ولا يحسن، هذا كلام ابن جني. وقال أيضا: ولولا أنا سمعنا مثله في الشعر للعرب لرددناه، فقوله) لنا والد منه يفديه ولده (يريد أن الجاري في العادة أن يفدي الوالد ولده لفظا أن تقول فديته، فيقول أبو الطيب: كافور لنا بمنزلة الوالد، إلا أنا نحن نفديه ولا يفدينا هو. كأنه يردي بلفظ الوالد التعريض له بأنه مخصي وأنه ربي ولد ابن طفج تربية الوالد، وكرر ذلك فقال:
إنَّما أنتَ وَالدٌ والأبُ القَا طِعُ أحنَى من قَاطِعِ الأولاَدِ
وقال:
وأنتَ الذي رَبَّيتَ ذَا المُلكِ مُرضَعا وليسَ لَهُ أُمُّ سِوَاكَ ولا أبُ
سَبائِكُ كافُورٍ وعِقيانُهُ الّذِي بِصُمّ القَنَا لا بالأصَابِعِ نَقدُهُ
قال ابن جني: يقول فيها سبائك كافور وذهبه، أي لا ذهب هناك ولا سبائك، وإنما هناك غلمان مختارون وأصحاب مصطفون اختارهم بعد أن أمتحنهم بالطعان بين يديه، وجربهم فأقامهم مقام ماله وذخائره، لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل بالمال، ولم يرد المال في الحقيقة.
فيا أيُّها المَنصُورُ بالجَدّ سَعيُهُ ويا أيُّها المَنصُورُ بالسَّعي جَدُّهُ
قال أبو العلاء: أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو الحظ، وبين الجد الذي هو السعي في طلب المكارم، فكل واحدة من الخلتين تنصر الأخرى، لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك يقضي عليه، وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير، لأن المثل السائر) غثني بجدك لا بكدك (.
وألقى الفَمَ الضِّحَّاكَ أعلمُ أنَّهُ قَرِيبٌ بذي الكَفِّ المُفَدَّاةِ عَهدُهُ
[ ٣١ ]
قال الأحسائي: يقول قد ثبت عندي أن من والاك لا يزال بطاعتك مسرورا، ومن عاداك لا ينفك خائفا مغموما، فأستدل بما أراه من مرح من اختار به وسروره على طاعتك، وأنه قريب العهد برضاك عنه وتقبيله يدك، لأن من وصل إليها فقد فاز بالحظ الجسيم، وأستدل على عدوك بانقباضه وغمه.
وَوَعدُك فِعلٌ قَبلَ وَعدٍ لأنَّهُ نَظيرُ فَعالِ الصَّادِقِ القَولِ وَعدُهُ
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: يقول الصادق إذا وعد وفى، فكان وعده بصحة وقوع موعوده وفعله، هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا، يقول كل من وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله، أي كان إذا وعد شيئا فقد فعله لركون النفس إليه وشدة الاعتماد عليه، وتقيض هذا قوله:
أصبَحْتُ أروَحَ مُثرٍ خازنًا وَبَدًا أنا الغَنِيُّ وأموالي المَوَاعِيدُ
وهذا هزء ويقول أنا مثر لا تعب على خازني ولا على يدي، إذ كان أبرأني من المواعيد وكذلك قوله:
جُودُ الرّجال مِن الأيدي وَجُودُهُمُ مِنَ اللّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجُودُ
ومن التي أولها: حَسَمَ الصُّلحُ ما اشتَهَتهُ الأعادِي
وَكلامُ الوُشاةِ لَيسَ عَلَى الأحْباب سُلطانُهُ عَلى الأضدَادِ
قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين: أقواهما: أن يكون سلطانه مرفوعا بليس، وقوله على متعلق بسلطانه أي ليس سلطان كلام الوشاة الذي يتسلط على الأضداد واقعا على الأحباب، والآخر: أن يكون الكلام قد تم عند قوله) على الأحباب (ثم ابتدأ مخبرا فقال: سلطانه. أي سلطان الكلام على الأضداد، كما تقول: ليس شرك على صديقك إنما هو على عدوك.
ومن التي أولها:
عِيدُ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ بِمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تَجدِيدُ
قال ابن جني: كأنه قال هذا عيد، ثم انتقل يخاطب العيد، فقال بأية حال عدت يا أيها العيد أي: هل عدت بما عهد من الحال أم تجدد فيك أمر.
قال أبو العلاء: عيد مرفوع، لأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه جاء فأنكر مجيئه، فقال له أنت عيد كما تقول للرجل إذا لقيته: فلان أي أنت فلان. ويدل على أنه أنكر لقاه قوله) بأية حال عدت (. وقوله) بما مضى (يجب أن تكون الباء متعلقة بقوله عدت، ودخلت) أم (هاهنا لأن في أول الكلام استفهاما، ويحتمل أن يكون أراد ألف الاستفهام بقوله بما مضى، كأنه قال أبما مضى عدت. أم لأمر لا نعلمه جددت. وقد رويت اللام مكان الباء في قوله بما مضى. ومنهم من يروي لأية حال باللام أيضا، واللام فيما أراه أحسن من الباء.
لَولا العُلى لم تُجبْ بي ما أجُوبُ بِها وَجناءُ حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدُودُ
قال ابن جني: الوجناء العظيمة الوجنات من النوق، ويقال بل هي الغليظة الخلق أخذت من الوجين وهو الغليظ من الأرض، قال الشاعر:
أنختُ بها الوجَناءَ مِن غَير سَامةٍ لثنتَين بينَ أثنين جَاءٍ وذَاهِب
لثنتين يعني ركعتي العصر، بين أثنين يريد الليل والنهار، وأراد سامة فحذف الألف. ومثله للكميت: لا يَتَداوىَ بنزلَةٍ منهم المُدنَفُ من هَيضَة الكَرى الوَصبُ إلاَّ بخَمسٍ هي المُنيِخَةُ للأركُبِ في حيثُ تُنْكَأُ الحَلبُ يعني بالخمس الصلوات، وبالحلب مواضع السجود، أي لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي الفلاة والمهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.
قال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الحلب التي في ظهور العيس، لأن الحلب في الحياة لا يستعمل.
ما يُقبِضُ المَوتُ نَفسًا مُنْ نفوسِهِم إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتنها عُودُ
[ ٣٢ ]
قال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى، وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ما كان غنيا عنه، وذكر أنه عيب بهذا، وقيل أن العود يعني الطيب ليس بذي رائحة فيفي عند الشم أو يفزع إليه من نتن ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنما يعني أنه لا يباشر الموت قبض روحه بيده تقززا وإستقذارا، فيحمل عودا من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به، ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب أنه يعني عود الطيب لعاجز، وأن الاحتجاج عنه والنفخ دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدءا من غير تعريج على محال أو توهم لغير الواجب، وما أغوى القاضي إلا ذكره للنتن، فحسب ألا بد من طيب يقابل النتن، وقد علم أن أبا الطيب جد عالم أن العرب لم تسم العود المتبخر به عودا، إلا أنه بعض العيدان وجنس منها، وأنهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض ولم نسمع أحدا من الشعراء ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عودا من الأعواد، وناولني فلان عودا على معنى لفظ التنكير، واملراد هذا الطيب وإنما يقولون: أخذت مندلا وألوة، أو مجمرا أو العود معرفا في الأسماء التي تختص به، والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله لا يقال أخذت عودا فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه كقول بشار:
إذا قَلّدَتْ أطرافُها العُودَ زَلزَلَتْ قُلوبًا دَعَاها للصَبَابةِ دَاعِ
العَبدُ لَيسَ لُحرٍّ صَالِحٍ بأخٍ لَو أنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
قال أبو العلاء: لو أن هذا الكلام منثور لكان الأحسن أن يقول ولو أنه بالواو كما يقال: لا تركن إلى عبد، ولو أنك قد وليت تربيته، وحذف الواو للضرورة وإقامة الوزن. وقال ابن فورجة: هذا يعرض بابن طغج، يقول كان لا يجب أن تركن إليه ولا تتخذه أخا وصاحبا لو أنه حر وولد في ثياب حر، والهاء في قوله لو أنه عائدة إلى ابن طغج، كأنه يقول لو كان حرا لما اتخذ العبد أخا، يريد هو ولد زنى ولولا ذاك لما رضي بهذه الهضيمة، يغريه به ويذمه على تسليطه.
إنَّ أمرًا أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ لُمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفئُودُ
قال ابن جني: يعرض بالإخشيد ويريد بالأمة الحبلى كافورا، ومفئود بلا عقل كأنه قد أصيب فؤاده.
وَعندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُ إنَّ المَنيَّةَ عِندَ الذُّلِّ قِندِيدُ
قال أبو العلاء: القنديد شراب من عنب يطبخ وتطرح فيه أفاويه، فأما القند فمعروف أنه ضرب من السكر، يقال: قندت السويق فهو مقنود وقندته. قال الشاعر:
أهَاجَتكَ أظَعَانٌ تَحَملنَ غدوةً بكرمانَ يُصبَحنَ السَّويقَ المقَنَّدا
واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس.
ومن التي أولها:
جاءَ نَورزُنا وأنتَ مُرَادُهْ
كُلّما استُلَّ ضَاحَكَتْهُ إياةٌ تَزعُمُ الشَّمسُ أنَّها أرادُهْ
قال أبو العلاء: إياة الشمس ضوءها، وقال قوم الإياة عين الشمس، قال طرفة:
سَقَتْهُ إياةُ الشَّمسِ إلا لِثِاتِهِ أُسِفّ وَلم تكدِمْ عليهِ بإثِمدِ
يريد أن نور الشمس إذا قابل فرند هذا السيف حدث بينهما أنوار، تزعم الشمس أنها أرآده هذا الحسام وإنما ذلك زعم لا حقيقة له، واكثر ما يستعمل الزعم فيما لا يثبت، كما قال الله سبحانه:) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا (أي ليس الأكر كذلك. وقال الضبي:
زَعَمتُ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أمُتْ يَسدُدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلتي
أي أنها تدعي ذلك وليس هو على ما تزعم.
وقال ابن فورجة: الشمس مؤنثة ولا ذكر ههنا ترجع إليه الهاء في أرآدة السيف. وإياة نكرة يحتاج بها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام، أو صفة، وأن كانت الهاء في) أنها (راجعة. فالهاء في أرآدة أما للشمس وأما للسيف، وأن كانت الهاء في أنها للشمس فالهاء في) أرآدة (لا تصلح أن ترجع إلى إياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث، وأرآد جمع والشمس وإيادة معا موحدان، والذي عندي في هذا البيت أنه ذكر الشمس إذ ليس تأنيثها حقيقيا، واضطرته القافية إلى تذكيره وقد فعلت العرب مثل ذلك كثيرا. يقول القائل:
[ ٣٣ ]
فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدقَها ولا أرضْ أبقَل إيقَالَها
وقول الأعشى:
أرَى رَجُلاُ منهم أسيفًا كأنَّما يَضُمُّ إلى كَشحَيهِ كَفًَّا مُخَضبا
فأما وجه جمعه الأرآد والإياة موحدة، فأنه حملها على المعنى في قوله) كلما أستل (فكأنه عنى سلات كثيرة، فكل سلة راد للشمس، وفي البيت نظر آخر: وهو أن الرئد الترب، وإنما يقال فلانة أي هي في سنها، ولا فائدة في كون ضوء السيف رئدا للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه مثل ضوئها، والقول في ذلك عندي أنه أقام الرئد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام.
مَثَّلُوهُ في جَفنِهِ خَشيَةَ الفَقدِ فَفي مِثل أُثِرِهِ أغمادُهْ قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد أن أصحاب هذا السيف كانوا معجبين به، يؤثرون أن لا يغيب عنهم في حال، فمثلوه في غمده من الفضة، بشبه أثره، ليكونوا وهو مغمد كأنهم ينظرون إليه وهو مسلول، لأنهم يختارون أن لا يغيب عنهم، ولا يمتنع أن يكونوا صاغوا له غمدا من الفضة، والسيف يوصف بالبياض والفضة بيضاء فكأنه مغمد في فرنده.
وقال ابن فورجة: هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. وقد قال أبو الفتح ابن جني: أن جفن هذا السيف كان مغشى بفضة منسوجة عليه، فكأنهم بنقاء الفضة التي على جفنه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه. هذا كلامه. وفيه زلل في مواضع سابينها فأحد ما زال فيه قوله حكوه بنقاء الفضة التي على جفنه، مع قوله كان مغشى بفضة منسوجة، فأن كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بفضة مطروقة مصفاة ليكون نقاؤها مثل نقائه، وهيئتها كهيئة، فأما المنسوجة فلا نقاء لها، وقد زعم أنها كانت منسوجة، فقد نقض آخر كلامه أوله، والآخر قوله صونا له من الفقد فقد ظن أبو الفتح أنه يعني لو لم يغش بالفضة لفقد، وليت شعري كيف يفقد هذا السيف من بين السيوف وكلها غير مغشاة بفضة فما تفقد! والآخر قوله لئلا يأكل جفنه وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد، والذي عنى أبو الطيب غير ما حكى وإنما شبه أثره بنسج الفضة على جفنه، فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفا حدودها فولاذ ومتونها حديد من المذيل، وهو المسمى بالفارسية) الترماهن (يهز أحدها ثم يعطف طرفه فيلتقي مع قائمه للينه ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسج، فيزعمون أنها تتخذ من حديد يمطل الفضة، فإذا صار في دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة، فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه، حتى إذا صار نارا طرق فأنحلت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، وألبس حدا من) الشابرقان (الجيد، فلا ترى فرندا أحسن من فرندها، وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها، فأدعى أبو الطيب، لحذقه بصنعة الشعر، أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند، فعل به ذلك إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده، بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله) خشية الفقد (خشية ضياعه وذهابه، بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقده منظره بإغماده.
وَتَقَلَّدْتُ شامَةً في نَدَاهُ جِلدُها مُنفِساتُهُ وَعَتَادُهْ
قال أبو العلاء: لما كانت الشامة تكون في الجلد، استعاره أبو الطيب في هذا البيت، فجعل السيف شامة في يدي الممدوح، والجلد الذي هي فيه المنفسات والعتاد وهي قليلة فيه لأن الشامة إنما تشغل ما قل من جلد الإنسان.
فَرَّسَتنا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ فارَقَتْ لِبدَهُ وفيها طِرادُهْ
قال أبو العلاء: الهاء في) فيه (راجعة على الندى، وقوله) فرستنا (أي جعلتنا حاذقين بالفروسية، لأن كل من ركب الفرس سمي فارسا، إلا أنه وأن ركب جائزا ألا يكون صاحب فروسة على ظهور الخيل، والهاء في) لبده (راجعة إلى الممدوح، واللبد هاهنا واحد في معنى الجمع، والهاء في) طراده (يرجع إلى الممدوح أيضا، أي أنه فارس على الخيل، فهذه السوابق قد فارقت ركابه إلا أنها متعودة ما عدوها من الطراد، فنحن نجده فيها إذا أردناه.
وَرَجَتْ رَاحَةً بنا لا نَرَاها وَبِلادٌ تَسِيرُ فِيها بِلادُهْ
[ ٣٤ ]
قال ابن جني: أي لما انتقلت خيله إلي رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي مادمت أسير في بلاده، والعمل الذي يتولاه لسعة وامتداد الناحية التي تحت يده.
وقال أبو العلاء: يقول هذه سوابق رجت أن تستريح إذا صارت إلينا، لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها بألا تنال ذلك أي: إنا نتعبها لأنا نتبع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء، وهذا معنى مستطرف لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح مادامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها جاز أن يحتاج أربابها إلى القتال.
ومن أبيات له قوله:
ذَمّ الزَّمانُ إلَيهِ منْ أحبَتِهِ ما ذَمَّ مِنْ بَدرِهِ في حَمدِ أحمَدِهِ
قال ابن فورجة ما قال ابن جني: الهاء في) أحبته (عائد على العاشق، والهاء في) بدره وأحمده (جميعا عائدة على الزمان، والفاعل المضمر في) ذم (الثانية عائد على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق، وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله.
وقال أيضا: فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده.
أي: يحمد أحمد لفضله ونجابته، وهذا البيت على ما فسره. إلا أنا نزيد وضوحا وبيانا. ونقول فيه غير ما قاله، غذ كان البيت مما يستصعب كثيرا على أفهام قوم) قوله ذم الزمان إليه (. هو من قولهم: أحمد إليك الله تعالى وأذم إليك زيدا كما قال أيضا: أَذُمُّ إلى هَذا الزَّمانِ أُهَيلَهُ وقوله) من أحبته (جائز أن تكون الهاء للعاشق على ما ذكره، والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان، يريد أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه، كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم، كما قد ذممت بدرك، ثم قال في) حمد أحمده (يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي ففي بمعنى مع كما تقول مر وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره، ومثله قول الشاعر:
رأَيتُ اللَّيالي يَنتَهِبنَ شَبِيبَتي فأوضَعْتُ باللَّذاتِ في ذلك النَّهب
ومن التي أولها: نَسِيتُ ومَا أنسَ عِتابًا عَلى الصًّدِّ
وَمَنْ لي بيومٍ يَومٍ كَرِهتُهُ قَرُبتُ به عندَ الوَداعِ مِنَ البُعدِ
قال ابن جني: أي من لي بيوم مثل يوم الوداع، لأن المودع على كل حال يحظى بالنظر والتسليم، وهي الآن قد بعدت عني فلا نظر ولا عيان، وهو كقول الشاعر:
رُبَّ يَومٍ بكيتُ مِنهُ فَلَمَّا صِرتُ في غَيرهِ بكيتُ عَليهِ
وأنْ لا يَخُصَّ الفَقدُ شَيئًا فأنَّني فَقدْتُ فلم أفقِدْ دُموعِي ولا وَجدي
قال ابن جني: أي ومن لي بأن لا يخص الفقد شيئا، دون شيء، وإنما قلت هذا القول لأني فقدت محبوبتي ولم أفقد دموعي عليه ولا وجدي به.
وَمَن يَصحَبِ أسمَ ابن العَميدِ مُحَمَّدٍ يَسِرْ بينَ أنيابِ الأساوِدِ والأُسْدِ
قال ابن جني: يجوز محمد ومحمدا، والذي قاله بالجر وهو أمدح من أن ينصب، لأنه إذا نصب أبدله من اسم، وإذا جر أبدله من ابن العميد، أي هذه اللفظة أعني أن يقول ابن العميد يصير سببا للنجاة له ليركبها، وامتناع الأعداء من الإقدام على من يجري ذكره، وإنما صار أمدح لأن ابن العميد لا يشاركه فيه غيره، ومحمد اسم مشترك.
إذا ما استَحَينَ المَاءَ يَعرضُ نَفسَهُ كَرَعْنَ بِسبتٍ في إناءٍ من الوَردِ
قال أبو العلاء: استحين في معنى استحيين، يقول هذه الإبل غنية عن الورد وهن يعبرن بالمياه كثيرا، فالماء كالذي يعرض نفسه عليها فتستحي منه ألا تشرب فتكرع فيه، وأصل الكروع في الماشية التي تدخل في الماء حتى تغيب فيه أكرعها، ثم كثر ذلك حتى قيل كرع الشارب في القدح بمعنى شرب، يقول كرعت هذه الإبل بسبت لأن مشافرها تشبه بالسبت وهو نعال تدبغ بالقرظ، وقوله في إناء من الورد يريد أن الماء قد اجتمع في موضع منخفض وقد نبت الزهر حوله، وكل زهر يسمى وردا على الإستعارة، فكأن ذلك الموضع إناء من الورد، لأن الماء قد غطى ما ليس فيه ورد منه، فدق صار كالماء في القدح، وما حوله من زهر كفضلة الإناء التي ليس فيها ماء.
لَنا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ وإتبانِهِ نَبغِي الرَّغائِب بالزُّهدِ
[ ٣٥ ]
قال أبو العلاء: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبة فيما هو أعظم منه، وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة، فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد، لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك. وإنما زهدنا فيهم كثرة ما نرجوه من الرغائب التي لا نجدها لديهم، وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص.
فَتىً فاتَتِ العَدوَى من النَّاسِ عَينُهُ فما أرمَدَتْ أَجفانهُ كَثرةُ الرُّمْدِ
قال الشيخ: يزعمون أن الجرب والرمد والثوباء من المعديات، وقالوا في المثل: هو أعدى من الثوباء، وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلا لما في الناس من العيوب، أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة.
يُغَيَرُ ألوَانَ اللَّيالي على العِدَا بِمَنشورَةِ الرّاياتِ مَنصُوَرةِ الجُندِ
قال ابن جني: يقول من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار بعساكره فيه وأبلق بريق الحديد عليه بما يسايره من النيران، أما للاستضاءة وإما لإحراق أعدائه انجابت الظلمة فتغير لون الليلة ببريق الحديد، وهذا قريب من قول أبي تمام:
قَومٌ إذا اسوَدَّ الزَّمانُ تَوضَّحُوا فيه فغُودِرَ وَهوَ مِنهم أبلَقُ
وقال الأحسائي: يعني أنه يضيء الليالي السود بلمعان السيوف والمشاعل، وسود الليالي المقمرة بالعجاج ودخان القرى وما جرى مجراه، ويطول الليالي القصار بالخوف والذعر، ويقتصر الليالي الطوال بالسرور واللذات، فهو مغير ألوان الليالي وأحوالها.
يَغِضْنَ إذا ما عدْنَ في مُتفاقِدٍ من الكُثرِ غَانٍ بالعَبيدِ عَن الحَشدِ
قال ابن جني: يغضن أي تدخل الكتائب التي أنفذها للفارة، إذا عادت إلى معظم جيشه، في عسكر متفاقد من الكثرة، فتختفي فيه، كما يغيض الماء في الأرض، ومعنى متفاقد أن الشيء يطلب فيه فلا يوجد من كثرته، أي يخفي بعضه بعضا لاضطرابه وتموجه، وقوله) غان بالعبيد عن الحشد (أي قد استغنى الجيش العظيم بعبيد صاحبه وبرئيسه عن الحشد للرجال الغرباء، والحشد الجمع، أي جميع رجال هذا العسكر العظيم عبيد الممدوح.
حَثَتُ كلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ فَهُنَّ عَليهِ كالطَّريقِ في البُردِ
قال ابن جني: أي إذا مر هذا العسكر بأرض سوداء علاه غبار أسود، وإذا مر بأرض حمراء علاه تراب أحمر، وإذا مر بأرض غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان كطرائق وألوان في برد بصفة تبعد السرية لأنه يمر بأرضين وترب مختلفة، ويقال حثوت التراب وحشيته حثوا وحثيا قالت امرأة لبنتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تأيَّيتِهِ من حَثيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ
قال الشيخ أبو العلاء: قالت جارية لأمها:
يا أمّتَا أبصَرني راكِبٌ في بلدٍ مُسحَنفرٍ لاَغِبِ
فَظَلْتُ أحثُوا التُّربَ في وجهِهِ خَوفًا وأحمِي حَوزَة الغَائِبِ
فأجابتها أمها بالبيت المتقدم.
وكلُّ شريكٍ في السُّرورِ بِمُصحِبي أرَى بعدَهُ من لا يَرَى مثلَهُ بَعدِي
قال ابن جني: قوله) كل شريك (أي من يشاركني في السرور بمصحبي عنده إذا عدت إليه من أهل وغيرهم، فرأى ما قد افدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، إذ لا نظير لك في الدنيا جميعا.
وقال أبو العلاء: الهاء في قوله) أرى بعده (عائدة على المصحب، وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك، والهاء في) مثله (عائدة على الشريك.
وقال الأحسائي: وروى بمصحبي، أي ويصيرني كل شريك في السرور بمصبحي في أهلي، أرى بعده أي بعد فراقي له من لا يرى مثله بعدي، أي أنا أرى ابن العميد بعد فراقي هذا الشريك، وهو لا يرى مثل ابن العميد بعد فراقي، وإذا رأيت من لا يراه فقد خنته في المسرة لأنه شريكي فيها.
ومن التي أولها: أزَائِرٌ يا خَيالُ أم عائِدْ قال أبو العلاء: وهي مما لم يذكره الخليل من الأوزان لأن العرب عنده لم تستعمله وقد ذكره غيره، وخروجه من ثاني المنسرح، وقوله أزائر خبر مقدم محذوف المبتدأ، كأنه قال أزائر أنت يا خيال؟.
وَجُدْتُ فيه بِمَا يَشِحُّ بهِ مِنَ الشَّتِيتِ المُؤَشَّرِ البارِدْ
[ ٣٦ ]
قال الشيخ ﵀: يقال شح ويشح وحكى يشح بفتح الشين، وقالوا شحيح وشحاح قال ابن هرمة:
وإنّي وَتَركي نَدَى الأكرمِينَ وقَدْ حي بكَفِّي زَندًا شَحاحا
كتارِكةٍ بَيضها بالعَراء ومُلبِسَةٍ بَيضَ أُخرى جَناحا
والمؤشر الذي به الأشر وهو تخزيز في أطراف الأسنان، يدل على حداثة السن، يقال أشور وأشر فإذا قالوا مؤشر جاز أن يجعل الهمزة واوا خالصة لأنها مفتوحة قبلها ضمة.
حَكَيْتَ يا لَيْلُ فَرْعَها الوَارِدْ فاحْكِ نَوَاها لَجفنِي السَّاهِدْ
قال الشيخ ﵀: الفرع الشعر، والوارد يحتمل وجهين أحدهما أنه قد طال حتى قد ورد إلى الكفل، والآخر أنه يعمل بالأدهان الطيبة فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها وقوله) حكيت يا ليل فرعها (أي أنك طويل شديد السواد. وقوله) فاحك نواها لجفني الساهد (أي أبعد عني كما بعدت هي، فأنك ثقيل علي.
أوْ مُوضِعًا في فِتان ناجِيَةٍ تَحمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العَاقِدْ
قال ابن جني: الموضع هو المسرع في سيره، والفتان غشاء من أدم يكون للرجل، الناحية الناقة السريعة، أي يرد عليه كل ساعة مبشر بهلاك عدو وأخذ رأسه في تاجه الذي عقده عليه فيجيئه به.
وَمُتَّقٍ والسّهامُ مُرسَلَةٌ يحيصُ عَنْ حابضٍ إلى صَارِدْ
قال ابن جني: حبض السهم إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه، وقد أحبضه صاحبه، وصرد السهم إذا نفذ من الرمية، ومعنى البيت أي رب إنسان يعدل عن أمر ليس بالعظيم إلى ما فيه هلاكه، وهو كقول الآخر:
المسّتَغيثُ بعَمروٍ عندَ كُربتهِ كالمُستَجِير من الرّمضاء بالنَّارِ
ويحيص: يعدل.
ومن التي أولها: كم قَتيلٍ كَما قُتِلْتُ شَهيدِ
عَمرَكَ اللهَ هَلْ رأيتَ بُدُورًا طَلَعَتْ في بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ
قال الشيخ ﵀: عمرك كلمة تستعمل في القسم، فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعة، وكان الخبر محذوفا، وإذا فقدت اللام فهي منصوبة وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال، والعمر يجب أن يكون مصدر عمر يعمر وهو هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله. أخذ من قولهم عمرت البيت الحرام إذا زرته، ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، وقال غالب بن الحر الجعفي أنشده ابن الأعرابي في صفة النخل:
يَطوفُ بها الزُوارُ كُلٌّ كما طافَتْ العُمَّارُ حول المناسِكِ
فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرا، وقال قوم ومعنى قولهم: عمرك الله أي حلفك بعمرة إذا قال لعمر، والعمر البقاء وقالوا عمرتك الله أي جعلتك تحلف بعمرة، قال الشاعر:
عَمّرتُكِ الله إلاَّ ما ذَكرتِ لنا هل كُنتِ جارتَنا أيامَ ذِي سَلَمِ
ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله مأخوذ من عمرت الدنيا من العمارة، أي يعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته، ويكون هذا الكلام مجانسا لقوله تعالى:) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (أي: أمر الله فحذف المضاف.