ومن التي أولها:
أيَدري الرَّبْعُ أيَّ دَمٍ أراقَا
قوله:
وَقدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهم وأعْطانِي منَ السَّقَمِ المِحاقَا
قال ابن جني: أي كمل في حسنه فأسقمني.
وقال الشيخ: قوله) وقد أخذ التمام البدر فيهم (يحتمل وجهن: أحدهما أن يكون الذي عنى جماعة كل واحد منها كأنه بدر تمام، والآخر: أن يكون عنى واحدًا بعينه.
أباحَ الوَحْشَ يا وَحْشُ الأعادِي فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرّفاقَا
قال ابن جني: كان ربما أنشده) أباحك أيها الوحش الأعادي (والمعنيان واحد وقوله) فلم تتعرضين له الرفاقا (أي لم تتعرضين الرفاق التي تقصده يعني نفسه وأصحابه ومن يجري مجراه.
وقال الشيخ أبو العلاء: الرفاق في هذا البيت يحتمل أن يكون مصدر رافقت ويجوز أن يكون جمع رفقة، والمصدر أولى به من الجمع، وإذا جعل جمع رفقة فالمعنى لم تتعرض الرفاق التي تصحبه وهي له كالملك.
ومن التي أولها:
لِعَيْنَيْكَ ما يَلْقَى الفُؤادُ وما لَقِي وللبَين ما لم يَبْقَ مِنّي وما بَقِي
قال الشيخ: قوله) ما يلقى الفؤاد (في موضع رفع بالابتداء والتقدير ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك.
ومن التي أولها: تَذكَّرْتُ ما بين العُذّيْبِ وَبارِقِ
وجَائِزَةُ دَعْوى المَحَبَّةِ والهَوَى وإن كانَ لا يُخْفَى كَلامُ المُنافِقِ
وقال ابن جني: جائزة مرفوعة لأنها خبر دعوى المحبة، كأنه قال: دعوى المحبة جائزة، ثم عطف الجملة بالواو على ما قبلها، وهو تعريض بمشيخة بني كلاب إذ طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم.
أتاهُمُ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقنا سَنابِكُها تَحْشو بُطَونَ الحَمالِقِ
قال ابن جني: الهاء في بها للخيل وإن لم يجر ذكر، الجيش دل على الخيل، وقوله) حشو العجاجة والقنا (أي أتاهم الخيل والعجاجة متكاثفة، والقنا متضاغط كأنها قد حشيت حشوًا، فسنابك الخيل بطون الجفون بالعجاجة، ونصب حشو العجاجة على الحال كأنه قال محشوة.
أتَى الظُّعْنَ حتى ما تَطيرُ رَشاشَةُ مِنَ الخيل إلاَّ في نُحورِ العَوَاتِقِ
قال ابن جني: الظعن جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في هودجها، أي لحقوا بنسائهم فكانوا إذا طعنوا تنضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتق فهو أعظم من لحاقهم بغيرهن.
ومن التي أولها: أَتُرَاها لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ قوله: أنْتِ مِنَّا فَتَنْتِ نَفْسَكِ عُوفيتِ من ضَنىً واشِتياقِ
[ ٥٢ ]
قال الشيخ: قوله) أنت له (أي أنت عاشقة نفسك ساويت في محبتك إلا أنك معافاة من ضنى المحبين وشوقهم إليك) وفتنت نفسك (أي أحللت بها فتنة، وأصل الفتن قلب الشيء عما هو عليه.
إنَّ لَحْظًا أدَمْتِهِ وأدَمْنا كان عَمْدًا لنا وحَتْفَ اتَّفاق
قال ابن جني: أي كان النظر عن تعمد لنا، فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصد.
لَوْعَدَا عَنْكَ غَير هَجْرِكِ بُعْدُ لأرَارَ الرَّسيمُ مُخَّ المَناقِي
وَلَسِرْنَا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْها مِثْلَ أنْفاسِنا على الأرْماقِ
قال ابن فورجة: أما البيت الأول فهو كقوله:
أبْعَدَ نَأي المَليحَةِ البخَلُ في البخل ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
أي إنما البعد بيننا هجرك ولو كان بعدًا حقيقيًا لأعملنا الإبل حتى نصل إليك والبيتان معًا من قول العباس بن الأحنف:
لو كُنتِ عاتبةُ لسكَّنَ رَوعَتي أمَلي رِضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقِبِ
لكنْ مَلَلْتِ فلم تَكُنْ لي حِيلةُ صَدُ المَلُولِ خِلافُ صَدَّ العَاتِبِ
وقوله في البيت الثاني:) وصلنا عليها أنفاسنا على الأرماق (يعني نحافًا قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفاسنا وهو كقوله أيضًا:
براني السُّري بَريَ المُدى فرَددْنَنِي أخفَّ على المركوب من نفسي جِرمِي
والرمق بقية الحياة أي لم يبق منها إلا القليل يريد أن إبلنا أيضًا نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: أنْضَاءُ شَوْقٍ على أنْضَاءِ أسْفارِ
كاثّرَتُ نائِلَ الأميرِ من الما لِ بِمَا نَوَّلْتَ من الإيْرَاق
قال الشيخ: الإيراق هاهنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئًا، وأورق طالب الحاجة إذا لم يصل إليها، وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجر في مخلاته، فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده لأنه جواد وهي بخيلة وعطاؤه نعم وعطاؤها لا يوصل إليه، والآخر: أن يكون من قولهم أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره فيكون المعنى أن إيراقها للناس أي منعها إياهم من النوم كثير يكاثر به نائل الأمير وكلا الوجهين حسن.
فوْق شَقَّاءَ لِلأشَقّ مَجَالُ بَينَ أرْساغِها وَبَيْنَ الصَّفاقِ
قال الشيخ: الأشقّ فرس متباعد ما بين القوائم، وهم يحمدون ذلك في الخيل وروى أصحاب الأخبار أن جيشًا من العرب غزا فهزم، فجاء شيخ من الفل فاجتمع إليه جواري الحي يسألنه عن أخبار آبائهن، فقال: أخبرنني عن آبائكن أخبركن عنهم. فقالت إحداهن: كان أبي على شقاء مقاء، طويلة الأنقاء، تمطق أنثياها بالعرق، تمطق الشيخ بالمرق. فقال: سلم أبوك وقالت أخرى: كان أبي على قصير ظهرها، رحيب صدرها، هاديها شطرها، فقال: نجا أبوك. وقالت الأخرى: كان أبي على ضئيلة اللوح، يكفيها لبن لقوح. فقال: قتل أبوك. فلما قدم الفل كان الأمر على ما ذكر الشيخ. وقد أسرف أبو الطيب في هذا البيت، لأنه جعل الأشق في الخيل له ما بين أرساغ هذه الفرس وبين صفاتها، والصفاق جلد تحت الجلد الأعلى، أو لحم دقيق، وإنما جاء به للقافية.
كُلُ ذِمْرِ في المَوْتِ حُسْنًا كُبدُورٍ تَمامُها في المُحاقِ
قال ابن جني: الذمر الشجاع، وجمعه أذمار. والمحاق والمحاق جميعا نقصان القمر في الثلاث الأواخر من الشهر، وقوله) تمامها في المحاق (. كلام متناقض الظاهر لأن المحاق غاية النقصان فهو ضد الكمال ولكنه سوغ له ذلك قوله) يزيد في الموت حسنًا (أي هو من قوم أحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف كما قال أبو تمام.
يَسْتَعْذُبونَ مَنَايَاهمْ كأّنُهمُ لا ييأسُونَ مِنَ الدُّنْيا إذَا قُتِلُوا
فقوله يستعذبون مناياهم مثل قوله يزيد في الموت، فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها، فجاز له هذا اللفظ على سبيل الاستظراف له، والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا، ألا ترى قول الشاعر:
إذا شابَ الغُرابُ أَتيتُ أَهلي وصارَ القَارُ كاللَبنِ الحَليبِ
فعلق ما يجوز وقوعه بما لم يشاهد على حال من الأحوال.
[ ٥٣ ]
وقال الشيخ أبو العلاء: ادعى أن هؤلاء القوم يحسنون في الموت فكأنهم بدور تمامها في ليالي المحاق، والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا في الوقت الذي يحذر فيه الموت أحسن ما يكونون في أيام الحياة، لأن وجوههم تحسن وتشرق إذا اصفرت وجوه الشجعان، والآخر: أنهم إذا لقوا الموت في الحرب حسن ذكرهم بين الناس، وحمدوهم على الصبر ولقاء الحمام.
قال ابن فورجة: يريد أن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديرًا مجتمع النور فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير، فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها. بل أراد تمام الأمر المفتوح بالتاء تقول تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق.
جاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ لم يكُنُ دُونَها مِنَ العَارِ وَاقي
قال الشيخ: هذا معنى لطيف، والغرض فيه إن هذا الذمر لا يلبس درعًا، لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسرًا على الذي يشهدها دارعًا، قال الشاعر:
فلم أرَ يَومًا كانَ أكثَر سالِبًا ومُسْتَلَبًا سِرْباَله لا يُناكِرُ
وأكَثر مِنّا ناشِئًا يَطلبُ العُلي يُجالدُ قِرنًا دارِعًا وهو حاسُرٍ
ويقال إن كثيرًا لما أنشد عبد الملك قوله فيه:
علي ابن أبي العاصي دِلاصُ حَصِينةُ أجادَ المُسَدَّي سَرْدَها وأَذَالَها
قال له عبد الملك: ما قال الأعشى أحسن مما قلت. يعني قوله:
وإذا تَجِيءُ كَتِيبَةُ ملمُوَمةُ شَهباءُ يَغشَى الدَارِعُونَ نَكالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابسَ جُنَّةٍ بالسَّيْفِ تَضْربُ مُعْلمًا أْبطَالها
والذي أراد أبو الطيب أن هذا الفارس قد جعل منيته مثل الدرع يتقي بها ليسَ قًوْلي في شَمْسِ فِعْلِكَ كالشَّمْ - سِ وِلكنْ في الشَّمسِ كالإشرْاقِ قال الشيخ: جعل لفعل الممدوح شمسًا، وفضل نورها على نور ما يقول، أي أن شمس فعلك لا يحسنها قولي وهي تحسنه، كما أن الإشراق يحسن الشمس.
وقال ابن فورجة: جعل لفعله شمسًا استعارة لإضاءة أفعاله، ثم قال: ليس قولي نظير فعلك، ولكنه لما كان دليلًا عليه وإذاعة له تٍسييرًا إياه في البلاد صار كمنزلة الإشراق للشمس، إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول، و) في (هاهنا موضوعة موضع) إلى (يقول ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك كالشمس هذا أبين، وإن شئت كانت في موضع نفسها يريد الوعائية، ومثل قولك ليس فضلي إلا كالقطرة في البحر، ومثل هذا سواء قوله:
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرْضُكَ كانَ مِسْكًا وَذَاكَ الشَّعْرُ فِهْري والمَدَاكا
يعني أن شعري إذاعة لمجدك وتسيير له كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.
وقال الأحسائي: يقول لست أشبه فعلك بالشمس لأنه أشرف من الشمس، لأن الشمس تحرق ولا تبرد، ولا تصنع الشيء وضده، وأنت تفعل الأشياء وأضدادها ففعلك أشرف من الشمس، ولكنني أشبه فعلك في الانتشار والإشراق والإضاءة بإشراق الشمس.
ومن التي أولها: هُوَ البيْنُ حتى ما تَأنَّى الحَزائِقُ قوله:
شَدَوا بابنِ إسَحاق الحُسينِ فصَافَحَتْ ذَفارِيَها كِيرانُها والنَّمارقُ
قال الشيخ ﵀: شدوا أي رفعوا أصواتهم بمدحه، والذفاري جمع ذفري وهو الناتئ خلف أذن البعير، وهي من الفرس معقد العذار، والمراد أن هؤلاء الركبان شدوا بابن إسحاق الحسين، فلما سمعت للإبل ثنت رؤوسها إلى الركب، لتسمع ثناءهم عليه، فقدمت ذفاريها من الكيران والنمارق التي القوم وفي هذا البيت أصناف من الدعاوى التي تستحسن وقد بدأ الحكمي بوصف الناقة إلا أنه لم يستكمل هذه الصفة قوله:
وكأنَّها مُصْغٍ لُتسْمِعَهُ بعضَ الحديثِ بأُذْنِهِ وَقْرُ
ومن التي أولها: أرَقُ على أرَقٍ وَمِثْليَ يَأْرَقُ وقوله:
وَعَذَلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ فعَجْبتُ كيفَ يُموتُ مَنْ لا يعشَقُ
[ ٥٤ ]
قال ابن فورجة: وقد كثر كلام الناس في هذا البيت وادعي عليه قلب الكلام واحتجوا باحتجاجات، وزعموا أنه أراد كيف لا يموت من يعشق، وليس الأمر عندي على ما زعموا ولو قال ذلك أو أرده لكان معنى رذلا متداولًا خلقًا والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمعنى، أحسن مما ذهبوا إليه، وإنما يقول عجبت كيف يكون الموت من غير هذا هو أعظم الأدواء، والخطب الذي هو أشد الخطوب لأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره.