ومن التي أولها:
رُبَّ نَجيعٍ بَسْيفِ الدَّوْلَة انْسَفَكا وَرُبَّ قَافَيةٍ غاظَتْ به مَلِكا
قال الشيخ: لم يزاحف أبو الطيب زحافا تنكره الغزيرة إلا في هذا البيت، ولا ريب أنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكمًا في البيت لجعلت أوله) كم من نجيع بسيف الدولة انسفكا (لأن) رب (تدل على القلة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء، ويحسن ذلك أن رب جاءت في النصف الثاني وهي ضد) كم (.
ومن التي أولها: بكَيْتُ يا رَبْعُ حتى) كِدْتُ (أبْكِيكا قوله:
ولو نَقَصْتُ كما قد زِدتَ مِن كَرَم على الوَرَى لرأوْني مِثلَ قَالِيكا
قال الشيخ: وضع هذا البيت على أنه يحب الممدوح محبة مفرطة، كما أن كرمه مفرط، فلو نقص حبه إياه لزيادة في كرمه لرآه الناس مثل من يبغضه، وإن كانت محبته في غاية الزيادة.
ومن التي أولها:
لم تَرَ مَنْ نادَمْتُ إلاَّكا لا لِسِوَي وُدّكَ لي ذَاكا
قال ابن جني: الوجه أن تكون) من (ههنا نكرة بمنزلة أحد أو رجلٍ ويكون) نادمت (صفة لا صلة فكأنه قال لم تر إنسانًا نادمته غيرك كما أنشد سيبويه.
يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أذْوادَنا رُحْنَ على بَغْضائِهِ واغْتَدينْ
وقوله) إلاّكا (قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، والوجه إلا إياكا؛ لأن) إلا (ليس لها قوة الفعل، ولا هي عاملة عمل كان ونحوها، وقد أنشدوا بيتًا وصلت فيه إلا بالكاف وهو:
فما نُبالي إذَا ما كُنُتِ جارَتَنا ألاَّ يُجاوِرَنا إلاَّكِ دَيَّارُ
وهذا شاذُّ لا يُقاس عليه، ومعنى البيت أنه يعتد عليه بمنادمته إياه، فيقول: لم تر أحدًا نادمته سواك، وليس ذاك لسوى ودك لي ومحبتك إياي.
ومن التي أولها:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصَّرُ عَنْ مَدَاكا فَلا مَلِكُ إذَنْ إلاَّ فَدَاكا
قال ابن جني: أي لو أجبيت هذه الدعوة فداك جميع الملوك لأنهم كلهم يقصرون عن مداك.
وقال الشيخ: المراد أن الخلق كلهم فدى للممدوح لأنهم يقصرون عن مداه.
ولو قُلْنا فدىً لَكَ مَنْ يُساوي دَعَوْنا بالبَقاء لَمنْ قَلاكا
قال الشيخ: يقول لو قلنا فدى لك من يساويك لكان ذلك دعاء لأعدائك بطول البقاء إذ ليس لك مساو في الخلق.
قال ابن فورجة: هذا الكلام كأنه محمول على دليل الخطاب، وكأنه إذا قال فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك، وهذا مجازلا حقيقة وقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب، فوقع دون أبي الطيب فقال:
أيُهذا الوَزير لا زَال يَفِديكَ منَ النَّاسِ كلُّ مَن هو دونكَْ
وإذا كانَ ذَاك أوَجب قولي أنْ يكونواُ بأسْرهِمْ يَفدُونَك
وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف، فمنهم مثبت ناف، يعني أن من قلاك ناقص غنك، فإنما يقليك لنقصانه عنك، وهذا أيضا مجاز، فكان من الواجب أن يقول جميع الناس ناقصون بالقياس إليك ولكن لما كان من يقليه أيضًا أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك.
وآمنَّا فِدَاءَكَ كُلَّ نَفْسٍ وإنْ كانَتْ لَمملَكةٍ مِلاكا
قال ابن جني: ملاك الشيء قوامه، أي هذه النفوس وإن كانت قواما لمهالك فهي مع هذه مقصرة عن شأوك، فقد أمنت أن تفديك إن أجيبت هذه الدعوة.
وقال الشيخ: هذا البيت معطوف على ما قبله أي لو قلنا فدي لك من يساويك لآمنا كل نفس أن تفديك وإن كانت نفس ملك.
وَمَنْ يَلَغَ التُّرَابَ بهِ كَرَاهُ وَقَدْ بَلَغَتْ بِهِ الحالُ السُّكاكا
قال الشيخ: السكاك الهواء بين السماء والأرض، يقول: لو قلنا فدي لك من يساوي لأمنت هذه الجماعة أن تفديك وفيهم من كأنه في كرى من غفلته، قد خفض ذلك منزلته، وإن كانت حالته قد رفعته في الهواء.
[ ٥٥ ]
لا تتركُني وعينُ الشَّمسِ نَعْلي فَتَقْطَعَ مِشَيتي فيها الشِراكاَ
قال الشيخ: هذا استفهام ليس عن جهل إنما هو تقرير وإعلام أن ما يفعله خطأ، ولكنه مضطر إلى فعله، كما يقول الرجل أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك، أي أن ذلك لا يجب ولا يحسن. لأنك رفعتني حتى جعلت عين الشمس تعلي، فأمشي فيها مشيًا يقطع الشراك، أي لا ينبغي أن أفعل ذلك، ويجوز نصب) يقطع (ورفعها فالرفع عطف على) تتركني (، والنصب على إضمار) أن (لأنه جواب استفهام بالفاء.
إذَا التَّودْيعُ أعْرضَ قَالَ قَلْبيِ عَليك الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاَكا
قال ابن جني: أي قال قلبي لا تمدح أحدا بعده.
وقال الشيخ: يقول إذا همت بالتوديع أمرني قلبي بالصمت ودعا علي فقال) لا صاحبت فاك (أي ليتك لا فم لك ينطق به فيودع
وَلَوْلاَ أنَّ أكَتَر ما تَمنَى مُعَاَوَدةً وَلاَ مُناكَا
قال الشيخ:) مناك (في موضع نصب لأنها كالمعطوف على قوله قال لا صاحبت فمك ولا أمانيك، وإنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه نحل عليه بأن يتمنى شيئًا بم يكن بعد.
وقال الأحسائي: يقولا لولا أن قلبي أكثر مناه المعاودة إليك لقلت له لما قال لي: لا صاحبت فاكا، لا صاحبت أنت يا قلبي مناكا.
قَد اسْتَشْفَيْتَ من داء بِداءَِ وأقْتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
قال ابن جني: أي أضمرت يا قلب شوقا إلى أهلك فكان ذلك داء لك فاستشفيت منه بأن فارقت أبا شجاع، ومفارقته أيضا داء لك أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدتك للشوق إلى أهلك، وهذا أيضا يشبه قول النبي ﷺ) كفى بالسلامة داء (. وقول حميد بن ثور:
أرَى بَصرِيِ قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ وَحَسْبُكَ دَاءٍ أنْ تَصِحَّ وَتَسْلماَ
وقال الشيخ: يقول قلبه قد استشفيت من داء وهو فراقك هذه الحضرة بداء وهو الوداع، وأقتل ما أعلك الذي يشفيك فيما تظن وهو وداعك.
وقال ابن فورجة: هذا قول قلبه له. يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من فراق وطنك والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة، وأقتل ما أسقمك ما استشفيت به، يعني فراق وطنك أعلك، وفراق عضد الدولة شفاك، وهو أقتل من ذلك.
فلا تَحْمَدْهما وَاحْمدْ هُمَامًا إذَا لَمْ يُسْمِ حلمِدُهُ عَناكا
قال ابن فورجة: لا تحمد فهري ومداكي فلست بمعزك شهادة، واحمدهما، أي احمد نفسك يريد أن المادح إذا لم يسم ممدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:
وإنْ جَرَتِ الأَلْفاظُ مِنَّا بمِدْحَةٍ اغَيْرِكَ إنْسانًا فأنتَ الَّذي نَعْنِي
وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة.
أذَمَّتْ مَكْرُماتُ أبي شُجاعٍ لِعَيْني مِنْ نَوايَ على أُولاكا
قال ابن جني: أي منعت مكرماته عيني أن يجري منها دموع أو أختار البعد عنه والمقام دونه، لأنني لا أعطي عنه الصبر لما فعله بي.
وقال الشيخ:) نواي (بعدي، وأذمت من الذمام أي أنه أعطاني ذمامًا على) الأولى (يعني أهله فزال بعدي عنهم، والمعنى أنه أذن في السير إليهم، فكأنه قد أذم لعيني من بعدهم والذي قاله الشيخ أبو الفتح لا يمتنع.
وقال الأحسائي: أي مكرماته تدنيني من بعد أحبابي وتزيل بعدي عنهم.
فَلَو سِرْنا وفي تَشْرينَ خَمْسُ رَأوْنِي قَبَلَ أنْ يَرَوُا السَّماكا
قال ابن جني: قد بالغ في ذكر السرعة وذلك أن السماك يطلع لخمس يخلون من تشرين الأول أي كنت أسبق بالطلوع على أهل الكوفة.
وقال الشيخ: السماك يطلع في أول تشرين، وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري الموضوع في الأنواء أنه يطلع لتسع يمضين من تشرين الأول، وقال غيره يطلع لأربع يمضين من تشرين، وبيت أبي الطيب يصح إذا حمل على حكاية الدينوري ويستحيل في القول الآخر، لأنه ذكر أنه إذا سار بعد خمس رأوه قبل أن يروا السماك وهو يطلع لأربع فهذا يتناقض.
وما أنا غَيْرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ يَعُودُ وَلمْ يَجِدْ فيه امْتِساكا
[ ٥٦ ]
قال ابن جني: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل اللبث شيء كهذا في المبالغة، اختلفت أهل النظر في هذا الموضع؛ فقال قوم إن السهم والحجر ونحوهما إذا رمي بهما صعدًا فبتناهي صعودهما كانت لهما في آخر ذلك لبثه ما، ثم يتصوب منحدرا، وقال آخرون: لا لبثة له هناك، وإنما أول وقت انحداره في عقيب وقت صعوده وهذا القول أشبه بأن يقال.
وقال ابن فورجة: هذا البيت مدخول لأن قوله) في هواء (ليس يوجب فوقًا ولا يمينيًا ولا شمالًا، إذ في كل الجهات غير تحت الهواء، وكل سهم رمى به فإن ممره في هواء سواء عاليت به في السماء أو خفضته إلى رمية على الأرض، إلا أنه لم يجد لفظة بقيمها هذا المقام يقيمها هذا المقام ونؤدي المعنى إلا السكاك وقد تقدمت، وهو لا يرى تكرير اللفظ في قصيدة وقد غلط به أيضا شاعر محدث فقال في غزل:
أرامٍيهنَّ باللحَظَاتِ خَلسًا فَترجِع نحو مقَلَتي سِهاَمِي
وذاك لأنّهن لِفَرطِ لُطفٍ هَواءُ ليس يَمسك سهمَ رامي
ألا ترى أن لقائل أن يقول: كل هواء لا يمسك السهم إلا أنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي، اللهم إلا أن يكون الهواء الذي فوقه وإنما هذا معنى قول الأول: ومن جول الطوى رماني لأنّ من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته
حَييَّ مِنْ إلَهيِ أنْ يَرَاني وقد فارقَتْ دَارَك وَاصْطِفاكا
قال ابن جني: الاصطفاء ممدود فقصره، وأنشد أحمد بن يحيى:
فلو أنَّ الأطَّبا كانَ حَوْلي وكانَ معَ الأطّباءِ الأساةُ
وعنه أيضا:
وأنْتَ لو باكَرْتَ مَشْمولةً صَفْرا كلَوْنِ الفَرسِ الأشْقَرٍ
وقال الشيخ: الأحسن في هذا البيت أن يكون اصطفاك في القافية فعلًا ماضيًا، ويكون معطوفًا على قوله) فارقت (، كأنه قال قد فارقت دارك وقد اصطفاك الله، وهذا أبلغ في خطاب الممدوح؛ لأنه يحكم له بأن الله اصطفاه. والوجه الآخر: إنما يصف فيه نفسه أنه فارقه، وفارق اصطفاءه، وليس في هذا تشريف الممدوح.
وقال ابن فورجة: ما قال الرجال إلا اصطفاكا بفتح الطاء، وكيف يجوز أن يقول اصطفاك ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة فاصطفاه، بل يجب أن يتقرب إلى الله ﷿ بتلك المفارقة والزهد في داره، وإنما كان يجب أن يقول حيي من أصدقائي وأقراني لذلك، إذا كانوا هم الذين يلومنه ويعيرونه بمفارقته له، وزهده في جنبته، ولا جنبة أعلى منها، فأما الله تعالى فرضاه في زهده في جنبته، وتركه إياها، إذ كان ملكًا ظالمًا، وإنما يقول: أنا حيي من إلهي أن أفارقك وقد اصطفاك الله ﷿، وجعل إليك الأرزاق، ووكل إليك العباد، ألا تراه كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكره لا مخلص من هذا السؤال.