من التي أولها:
رُوَيَدَكَ أيُّها المَلِكُ الجَلِيلُ
قوله:
لأُكِيتَ حاسِدًا وأَرى عَدُوًا كأَّنُهما وَدَاعُكَ والرَّحِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا البيت فقال) أرى (من الورى. وهو داء في الجوف، قال: وشبهت الحاسد بالوداع، والعدو بالرحيل لقبحها عندي، وإتي أبغضها كما أبغض الوداع والرحيل.
ومَا أخْشَى نُبوَّكَ عن طَرِيقٍ وسَيفُ الدَّولةِ المَاضي الصَّقيلُ
قال الشيخ: لما أخبر عن السحاب بالهاء فقال) فها أنا بالسماح له عذول (رجع إلى خطاب سيف الدولة: لأنه ابتدأ في أول الأبيات بخطابه، ولو أمكنه أن يقول: وأنت سيف الدولة، لكان ذلك أبين، ولكنه لم يمكنه الوزن من المراد وهذا كقولك لرجل اسمه علي أو غيره:) قد فعلت جميلًا وعلي أهل لذاك (فاستغنى بعلم المخاطب بالمراد عن القول وأنت من أمرك.
وقال ابن فورجة: ليس قوله:) وسيف الدولة (ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار؛ إذ قد قال) نبوك (بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل، وأنت سيفها فلا تكون إلا ماضيًا صقيلًا وسيف الدولة في هذا البيت يعني به سيف الحديد لا الممدوح على أنه لا يمتنع أن يقال عناه ورجع من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار.
وُكلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمنىَّ لِسَيْرك أنَّ مَفْرقها السَّبِيلُ
[ ٥٧ ]
قال الأحسائي: هذا البيت يحتمل كثيرًا من الوجوه فمنها أن كل غطريف، وهو السيد من أولئك، يود لموضع الشفقة عليك والمحبة أن تسير على مفرقه، محمولًا على قوله) ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل (ومنها أنهم يحسدون الطريق التي تسلكها على القرب منك، فيودون أن مفارقتهم طرق لك، لتأمن من سطوتك كما تأمن الطرق إذا سرت فيها، ومنها أنهم لشدة ما يقاسون من خوفك يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأنهم تراب بعد في الأرض يوطأ عليه، لأن أصل الخلق من الطين، ومنها أن الطريق يقال له: مفرق، والمفرق من الرأس متفرق الشعر، فيقول: إن مفرق الرأس لما وافق الطريق في اللفظ قالوا ليته وافقه في المعنى على الوجوه التي ذكرناها.
ومن التي أولها: إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ قوله:
فَلماَّ نَشِفْنَ لَقِينَ السَّياطَ بمثلِ صَفا البَلَدِ الماَحِلِ
قال الشيخ: يقول إن عرق الخيل أبيض، فلما يبس على جلودها لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل، أي أنها مبيضة بالعرق، وكأن السياط تقع منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.
شَّفَنَّ لَخْمسٍ إلى مَنْ طَلَبْنَ قَبلَ الشُّفُونِ إلى نازِلِ قال ابن جني: شفن أي نظرن في اعتراض، وسئل عن معنى هذا البيت فقال: أردت أن الخيل نظرت إلى من طلبته بعد مسيرة خمس قبل أن ينظر إلى نازل عنها من أصحابها، أي طرد المسير عليها خمسًا حتى أدركوا.
فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَي على ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِلِ
قال الشيخ: دانت أي قاربت، ومرافقهن مرافق الخيل، والبري: التراب، يريد أنهن مددن أيديهن في الجري، حتى دنت مرافقهن من التراب، وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.
وَمَا بينَ كاذَتي المُسْتَغيرِ كَما بينَ كاذَتي البائِلِ
قال ابني جني: الكاذة لحم في أصل الفخذ من الفرس، والجمع كئاذ، والمستغير الذي يطلب الغارة، أي قد اتسعت فروجهن لشدة الجري والبائل الذي قد انفرج ليبول فتباعدت فخذاه.
وقال الشيخ: شبه العرق ونزوله بنزول البول، وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه، فكأنه قد فرجهما ليبول، والأول أشبه.
فَلُقَّينَ كُلّ رُدَْينيَّةٍ وَمَصْبًوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة بالهاء، فقال أردت الهاء وحذفتها ومثل هذا يجوز للشاعر كما قال كثير:
خَلِيليَّ إنْ أُمُّ الحَكيم تَبَدلتْ وأخْلَتْ لَخيماتِ العُذَيب ظِلالها
قيل أراد العذيبة فحذف الهاء، وسألته عن غرضه فقال إن الناقة إذا شال لبنها خف ومرؤ ونجع في شاربه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكره وبذلك وردت أشعارهم.
قال الشيخ: أراد بالشائل القليلة اللبن، وأكثر ما يقولون ناقة شائلة، إذا قل لبنها والجمع شول، والمراد أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن، وتشرك العيال، والعرب تفتخر بذلك قال الأخطل:
إذا مَا الخَيلُِ ضَيَعها أُناسُ رَبطْناها فَشاركَت العِيالا
نَهينُ لها الطَعامَ إذا شَتَونَا ونَكسُوهَا البَراقعَ والجِلالاَ
بضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جائِرٍ لَهُ فِيهمُ قِسْمَةُ العادِلِ
قال ابن جني: أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جورًا فإنه في الحقيقة عدل، لأن قتل مثلهم عدل وقربة من الله سبحانه وهذا كقول أبي تمام:
أنْ لَستَ نِعم الجارُ للسُّنَنِ الأُلَى إلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئسَ الجارُ
ويجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب لما عمهم وجار على جميعهم، ثم كان أكثره ومعظمه في الأبطال وذوي النجدة منهم، ظهرت فيه صورة العدل والأول أظهر.
وقال الشيخ: وصف الضرب بالجور، أي انه يسرف فيكون كأنه كمن يجوز، وقوله) له فيهم قسمة العادل (أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كالذي يروى عن علي ﵁ أنه كان اعتلى قد وإذا اعترض قط.
وَطَعْنٍ يُجَمَّعُ شُذَّاَنَهُمْ كَما اجْتمْعَت دِرَّةُ الحافِلِ
[ ٥٨ ]
قال الشيخ: الشذان ما شد من الشيء، والهاء والميم في شذانهم عائدة إلى أصحاب الخارجي، أي يجمع ما شذ منهم إلى معظمهم، كما اجتمعت درة الحافل، أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخرهم، كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع، إنما يعني أن الطعن يجمع ليصيبهم القتل عن أخرهم وهذا نحو من قول الأول.
مَنْ للجَعافِرِ يا قَوْمِي فَقَد صرِيَتَ وقد تُنَاخُ لذاتِ الصَّرَيَةِ الَحلَبُ
يقال صري اللبن إذا كان في الضرع.
ومن التي أولها: أعلى المَمالكِ مايُبْني على الأسَلِ
الفاعِلُ الفِعلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ والقائل القَوْلَ لم يُتركْ ولم يُقل
قال الشيخ: يقول أفعال سيف الدولة تتركها، الناس، لأنها مستصعبة، وقوله) والقائل القول لم يترك ولم يقل (أي أنه ينطق بالحكمة التي لم يصل إليها سواه، وقوله) لم يترك (أي لم يترك القائلون طلبه، ولما لم يصلوا إليه كان كأنه لم يقل.
وقال الأحسائي: يقول إنه قد فعل أفعالًا قد عرفها الناس قبل فعله وتركوها عجزًا عنها، ويقول القول في البلاغة لم يسبق إليه ولا عرفه الناس قبله فتركوه عن عجز.
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ فيما يَراهُ وحُكمُ القَلبِ في الجَذلِ
قال الشيخ: يعني بالناظرين ناظري الممدوح، أي له فيما يراه حكم ناظريه وقوله) وحكم القلب في الجذل (أي الفرح فإذا تمنى قلبه شيئًا وصل إليه، ومن روى الناظرين في معنى المنجمين فله معنى، ولا ينبغي أن يعدل عن الوجه الأولى لأن قوله) حكم القلب في الجذل (يشهد بأن الناظرين عينا الممدوح.
ومن التي أولها: بنا مَنك فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّملِ قوله:
تركْتَ خُدُودَ الغاِنياتِ وَفَوْقَها دموعُ تُذيبُ الحُسنَ في الأعينِ النُّجلِ
تَبُلُّ الثَرى سُودًا من المْسْك وَحْدهُ وقد قَطَرتْ حُمرًا على الشَّعَر الجَثلِ
قال ابن جني: معنى هذا البيت حسن جدًا، وذلك أنه يقول إن الدموع تقطر من أعين الغواني اللواتي يبكين عليك حمرًا، لأنهن يبكين دمًا، لإفراط حزنهن، فإذا وقع الدمع وهو أحمر على شعورهن وذوائبهن، وهي مضخمة بالمسك، وله في قوله) وحده (نكت حسن لطيف لأنه يريد أن السواد الذي يحصل في الدمع ليس هو إلا للمسك وحده وليس سواده لأن الكحل خالطه فاسود به، وكان غرضه في ذلك أنهن ليس يكتحلن في أعينهن ألا تراه يقول في موضع آخر: ليسَ التكحُّل في العَينين كالكَحَلِ فإن قيل إن مساقط الدموع إنما هي الخدان ونحوهما لا على الذوائب، قيل إنهن لما نشرن شعورهن وقعن على وجوههن فمر الدمع بهما فاسود منها.
وقال ابن فورجة: إنما وجه إذابة الدمع الحسن لأنه مما يفسد العين ويزيل حسنها كقول القائل:
أليسَ يَضيرُ العينَ أن تُكِثرَ البُكا ويُمَنعَ عنها نَوْمُها وسُروُرُها
وهذا ظاهر، وإنما دقة صنعته بقوله) يذيب الحسن (ولم يقل يزيد الحسن أو ما أشبهه، لأن الدمع لما كان يذيب الحسن أولًا فأولًا كان استعارة الإذابة بفعله أولى، كما قيل في الحب إذا هزل البدن أذابة، لأنه أخذ منه قليلًا قليلا وأيضا لما كان الذوب في معنى السيلان والدمع سائل فكأنه سال معه الحسن.
هل الوَلَدُ المَحُبوبُ إلا تَعِلَّةُ وهل خَلْوَةُ الحسْناءِ إلا أذَى البعْلِ
[ ٥٩ ]
قال ابن فورجة: قال الشيخ ابن جني: إذا خلت الحسناء مع محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها، إما لشغل قلبه عما سواها، أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصل الغواني، وهذا كلام لم ينضجه التأمل، وكأنه ظن أن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها ولا أذى للبعل في الخلوة بها، كل قرة عينه فيها، وليس وصاله لها داعية إلى مضرة على الإطلاق ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى، فضلا عن إباحتهن والأمر بالاستعفاف بهن، وما ورد في الآثار من الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولًا، والذي أراده أبو الطيب أن المرأة ذات البعل ليس ينال منها من خلا بها غير بعلها إلا أذاه، يريد أن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة في الحقيقة، وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط، يزهد بذلك في الولد، وفي طلب اللذة بأعراض الدنيا كلها، أي إذا كانت هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما سواهما أولى بالترك والزهد فيه، هذا عندي الأليق لمذهبه، والذي قاله أبو الفتح متحمل.
ومن التي أولها: لا الحُلْمُ جادَ بِهِ ولا بِمثالهِ قوله:
إنَّ المُعِيدَ لنا المَنامُ خَيالَهُ كانَتْ إعادَتُهُ خَيالَ خَيالِهِ
قال ابن جني: يقول إنما رأينا الآن في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما رؤي ثانيا خيال ما رؤي أولًا، والذي رؤي أولًا هو خياله، فصار الثاني خيال خياله يصف بعده عنه وتعذر طيفه عليه) وخيال (منصوب لأنه خبر كان، وليس) إعادته (وأقام المصدر مقام المفعول، لأنه يريد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر موضع المخلوق وهو المفعول.
قال ابن فورجة: هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إليه كل خاطر ووهم، وقد يحتمل معنى آخر لطيفًا، وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء لهذا الحبيب كان أيضًا خيالًا على معنى قوله:
نَصِيبُكَ في حَيَاتِكَ من حَبيبٍ نَصِيُبكَ في مَنامكَ من خَيالِ
فيقول إن وصاله أيضا كان خيالا تراءى لي في منام، تقليلًا له وتقصيرًا لزمانه، فلما زار الخيال كان خيال ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا وهو أن لا تكون) إعادته (مصدرًا لمعنى المفعول، بل يريد أن الإعادة نفسها كانت لخياله إذ كان أيضا معادًا، يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراه فيها إعادة لخيال رآه معادًا من قبل فافهمه فهو أحسن.
نجْنِي الكَواكبَ مِن قَلائدِ جيدةِ ونَنالُ عَينَ الشَّمسِ من خَلْخالِه
قال ابن جني: شبه ما في قلائده من الدر بالكواكب، وخلخاله بعين الشمس.
قال الشيخ ﵀: استقدت استفعلت من القود، وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر فيقاد قاتله إلى أهله، يقول إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه، وأذقته من عفتي ما هو جزاء له، والهوى في البيت يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض، فيكون هذا من مبالغة الشعر التي ليس لها حقيقة، لأن القود لا يصح من شيء يخطر في القلب، والآخر أن يريد بالهوى المرأة التي شبب بها، لأنهم يقولون فلانة هواي التي أهواها، وهذا على حذف المضاف كأنهم يريدون ذات هواي.
وكأنّما جدواه من إكثاره حَسدُ لسائِلهِ على إقْلاِلِه
قال ابن جني: جاذبته معنى هذا البيت فقال: أردت إفراطه في الجود، حتى كأنه يطلب أن يكون مقلا كسائله، فهو مفرط في إعطائه طلبًا للإقلال، قال: وإذا تمكن الحاسد من المحسود فحسبك به وهذا معنى لفظه.
إنَّ الرَياحَ إذَا عَمَدنَ لناظِرٍ أغْناهُ مُقْبلُها عَنِ اسْتعجالهِ
قال الشيخ: يقول الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها، وإنما ضرب هذا مثلا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.
وَهَب الذي ورثَ الجُدودَ وما رأى أفْعالَهمْ لابنٍ بلا أفْعالِهِ
قال الشيخ ﵀: هذا مأخوذ من قول الليثي:
إنّا وإنْ أحسابُنَا كَرُمَتْ لَسْنا على الأحسْابِ نَتَّكِلُ
نَبني كما كانتَ أوئِلُنا تبني ونفعلُ مِثلَ ما فَعلوا
والهاء في) أفعاله (راجعة إلى) الابن (و) لا (في معنى غير) ورأى (هاهنا تؤدي معنى رضي واختار، كما يقال فلان يرى أن تكون كذا أي يشير به ويرضاه.
[ ٦٠ ]
وقال ابن فورجة: يعني أنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف أما المال فللعفاة، وأما المجد فلسائر أسرته، واستجدت مجدًا وشرفًا بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط الدليل على ذلك قوله) وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله (فدل بقوله الأفعال أنه يريد المعالي والشرف وكأنه أراد قول القائل:
وإذا افتخرْتَ بأعْظُمٍ مقْبُوَرةٍ فالنَّاسُ بينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ
فأقمْ لنفسِكَ في انتِسابكَ شَاهِدًا بحَديثِ مَجْدٍ للقَدِيمِ مُحققِ
وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:
فَخَرْتُ بَنفسي لا بَقوْمي مُوَقَّرًا على ناقصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي
فقد زاد المعنى وضوحًا.
قال أبو الفتح ابن جني ورأى أن أفعال آبائه ليست نافعة ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها، ولو كان أراد ما قال أبو الفتح لقال: وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله بل الهاء في) أفعاله (لسيف الدولة، يقول ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة، فإن قال قائل فقد قال في البيت الذي يليه:
حتى إذَا فَنِيَ التُّراثُ سِوىَ العُلا قَصَدَ العُداةَ مِنَ القَنا بِطَوالهِ
وقد زعمت أنه عنى أنه وهب ما ورث من المعالي والمجد، فالجواب أن هذا البيت مؤكد لما قلناه، ويعني أنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه، لأن الهبة في مجد الآباء مجازلا حقيقة، وإنما يتأتى بتوفيره إياه على سائر أسرته واستحداثه مجدًا آخر كما صّرح به الشريف الموسوي.
كُلُ يُريدُ رجَالهُ لحياتَهِ يا مَنْ يُريُد حياتَهُ لرجالهِ
قال الشيخ: هذا البيت مبني على حكاية تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد، وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد، وجاء في جيش عظيم، وطرد سيف الدولة، ثم انصرف، فيقال إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك، فأينا غلب ملك، فوجه إليه الإخشيد: اعجب منك إنها جمعت هذا الجيش العظيم لاقي به نفسي، أفتريد أن أبارزك. وهذا جهل.
ومن التي أولها: أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذّلُ قوله:
فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لامَها ومَا فَصُّ خاتمِه يَذُبلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال) ما (في معنى ليس، وقال أردت إن جاز أن تلام هذه الخيمة على عجزها عن علوها على سيف الدولة، مع أن ذلك غير ممكن، بل هو متعذر، لأنه أعلى من أن تشتمل عليه خيمة، فلم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على أن فص خاتمه ليس يذبل، فكما أن لوم الإنسان على أن لا يكون فص خاتمه يذبل مستحيل، لأن هذا ليس في الطاقة، فكذلك لوم هذه الخيمة من لامها ليس فص خاتمه يذبل، وهو مبالغة عظيمة لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فص خاتمه يذبل، وهو الجبل المستعظم، وكيف تلومها وهو حقير إنما شخصه كشخص غيره من الناس.
يُفاجئ جَيْشًا بها حَيْنُهُ وَيُنذر جَيشًا بها القَسْطَلُ
قال ابن جني: أي تارة يسري ليلًا فيباكرها فيهلكه لأنه لم يشعر بها وتارة نهارًا نحوه فينشر قسطلًا فينذره فيهرب، ويجوز أن يكون أراد تارة تحزن فلا تنشر غبارًا وتارة تسهل فتنشره.
جَعَلتُك بالقَلْب لي عُدَّةً لأنكَ باليَدِ لا تُجعلُ
قال الشيخ ﵀: يقول جعلتك في قلب الجيش لي عدة لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب، فهذا وجه ووجه آخر وهو أجود، وهو أن يريد الشاعر قلب نفسه أي جعلتك عدتي بقلبي، لأنك أجل من أن تجعل باليد لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير حتى أنه يضمر ما لا يدرك.
فإنْ طِبُعَتْ قبلَكَ المرُهَفاتُ فإنك من قَبلها المِقْصَلُ
قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح بن جني: معناه أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول ما قطع، إذ لم ير قبلك مثلك، وهذا كما قال، ويحتمل وجهًا أجود مما ذهب إليه، وهو يريد غناؤك قبل غنائه ولولا قطعك لما قطع كما قال الآخر:
وما السَيّفُ إلاّ بَزُّ غَادٍ لزِينةٍ إذا لم يكن أمضَى من السيف حامِلُه
وكما قال:
[ ٦١ ]
وَلكنْ إذا لَمْ يَحْملِ القلبُ كَفَّهُ على حالَةٍ لم يَحْملِ الكَّف ساعدُ
وكقوله:
إذَا الهنْدُ سوَّتْ بينَ سَيفي كَريهةٍ فسَيفُكَ في كَفُّ تزيلُ التَّساويا
ومن التي أولها: أجابَ دَمعي وَما الدَّاعي سوَى طلَلِ قوله:
أشْكُو النَّوَى ولهم مِن عَبرَتي عَجبُ كذاكَ كانتْ وما أشكو سوى الكِللِ
قال الشيخ: أشكو النوى وأصحابي يعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يعجبوا لذلك. لأنها كانت على ما شاهدوه الآن والذين أحب قريب ليس بيني وبينهم سوى الكلل جمع كله وهو الستر، فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد.
وقد أرَني الشَّبابُ الرُّوح في بَدنِي وقد أرَانيِ المَشيبُ الرُّوحَ في بَدَلي
قال ابن جني: أي في غيري يقول كأن نفسه مفارقته في المشيب.
قال الشيخ ﵀: معنى هذا البيت أني كنت في حال شبيبتي على حال فغيرها تقادم الدهر، لأني شبت. وكان شعري حالكًا، وقل ماء وجهي وكان كثيرًا وضعفت أعضائي بعد قوة، وكأن جسمي قد بدل، وهذا معنى يتردد في الشعر كثيرًا ومنه قول النمر بن تولب:
لَعَمْري لقد أنكَرْتُ نَفْسِي ورَابَني مع الشَّيب أبْدَالي التي أتَبدّلُ
فُضُول أرَاها في أديميَ بعدَما يكون كِفافُ اللَحمِ أو هو أجَملُ
كأنّض مَحطًا في يَديْ حَارثيةٍ صَناعٍ عَلَتْ مني به الجلدَ من عَلُ
وقال الآخر:
وقد زَعَمتْ أنَّي تَغيرّتُ بعدها ومَنْ ذَا الذي يا عَزَّ لا يَتَغيرُ
وقال الآخر وهو كثير:
الدَّهرُ لأبِلاَني ومَا أَبلْيتُه والدَّهرُ غَيّرني ومَا يَتَغيرُ
والدَّهرُ قَيَّدني بحَبلٍ مُبرمٍ فَمشيتُ فيه فكلُّ يَومٍ يَقصُرُ
وقد ذهب قوم إلى أن معنى بيت أبي الطيب أنه كان شابا فلما ذهب الشباب عنه رآه في غيره من الناس والقول الأول أجود.
وقال ابن فورجة: البدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده لأنه كأنه بدل الإنسان إذ كان يشيب أوان شيخوخته ثم يرثه فيكون كأنه بدله في ماله وبدنه والروح يعني به روح نفسه لا الجنس كما قال الشاعر:
أَبي الَقْلبُ إلاَّ أمَّ عَمْروٍ وحبَّها عَجُوزًا وَمن يُحبب عَجوزًا يُفند
يريد قلب نفسه وهذا باب معروف كثير.
والمَدْحُ لاْبنِ أبي الهَيْجاءِ تُنْجِدُهُ بالجاهِليةٍ عَيْنُ الغَيَّ والخَطَلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا البيت فقال كان بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة وذكر أجداده وأسلافه يعني النامي وتنجده تعينه وقد فسره بقوله وبعده.
ليتَ المَدائحَ تَسْتَوفي مَناقِبهُ فما كُلْيبُ وأهلُ الأعْصُرِ الأولِ
تُمسي الأمانيُّ صَرْعى دونَ مَبْلَغها فما يَقُولُ لشَيء ليتَ ذَلَك لي
قال ابن جني: أي دون أن تبلغ إلى قلب فتستمليه، أو لسانه فتجري عليه.
وقال ابن فورجة: يريد أنه مسلط على الأيام ما لك الرقاب والأموال، فما يتمنى شيئًا لأنه كلما رأى نفيسًا كان له أو ما هو خير منه، وكان في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قَاتلَ اللهُ الطُّلولَ البَواليا وقَاتلَ ذِكراكَ السنين الخَواليا
وقِيلَك للشَّيء الذي لا تَنالُه إذا مَا حَلا في العَينِ يا ليتَ ذالِيا
ومثل هذا قوله أيضا:
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ فيما يَراهُ وحُكمُ القَلْبِ في الجَذلِ
وتمني الشيء عجز وقصور، والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
فالعُرْبُ مِنْهُ معَ الكُدْري طائرةُ والرُّومُ طائِرةُ مِنْهُ معَ الحَجَلِ
ومَا الفِرارُ إلى الأجْبالِ مِنْ أسَدٍ تَمشي النَّعامُ به مَعْقِلِ الوَعِلِ
قال ابن فورجة: فسر أبو الفتح هذا البيت بكلام طويل ولم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل، وهذا مما يسأل عنه، وإنما فعل ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، يقول: العرب والروم لا تقاوم سيف الدولة، فالعرب هاربة منه مع القطاني البراري، والروم هابة منه في الجبال مع الحجل، لأن بلادهم جبال وهذا المعنى مثل قوله:
يَسألُ أهْلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ قد مَسَخَتْهُ نَعَامَةُ شارِدْ
[ ٦٢ ]
وذلك أن) وهسوذان (هرب من عضد الدولة في البراري. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام مثل الهرب في القفار، والمعنى في البيت الذي يليه أن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعدها الوعول، وعنى بالنعام خيله على التشبيه لها بها في سرعة العدو وطول الساق، يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم، كما قال في البيت الآخر:
تَظُنُّ فِراخُ الفُتخِ أنَّكَ زُرْتها بأمَّاتها وَهْي العِتاقُ الصَّلادِمُ
ومن التي أولها:
شَديدُ البُعْدِ مِن شُرْبِ الشَّمولِ تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخيلِ
قال ابن جني: رفع) شديد البعد (لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنت شديد البعد ورفع) ترنج الهند (بالابتداء كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، ودلت الحال على ما أضمره كما تقول إذا رأيت رجلًا قد سدد سهمًا ثم سمعت صوتًا:) القرطاس. والله (. أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفرة:) خير مقدم (فتنصبه لأنك تريد: قدمت خير مقدم ويجوز أن يرفع فتقول: خير مقدم. أي مقدمك خير مقدم، فيجوز إضمار هذا كله، لأن في الحال دليلًا عليه.
وقال الشيخ ﵀ ردًا على من عاب قوله) ترنج الهند (: قد حكى ترنج غير واحد من أهل العلم، وليس الشعر مبنيًا على أن تذكر فيه الكلمة الفصحى دون غيرها، مما هو قريب منها، ألا ترى أنه يوجد في أشعار العرب الكلمة المنقولة من لسان غيرهم كقول ابن أحمر.
حنَّت قَلُوصي إلى بابوسِها طَربًا فما حَنينُكِ أم أَنتِ والذّكر
والبابوس ليس من كلام العرب وإنما هو منقول من لسان الروم. والأترنج قليل التردد في الشعر الفصيح على أن علقمة بن عبدة قال:
ردَّ القَيانُ جِمالَ الحَيَّ فاحتَملُوا فكلها بالتَزيدّياتِ مَعكُومُ
يَحْمِلْنَ أُتْرُجَّةٍ نَضْحُ العَبيرِ بها كأنّ تطيابها في الأنفِ مَشْمُومُ
ويجوز أترنج، وترنج وأترنج قال الراجز:
يا رُبَّ خَوْدٍ من بناتِ الزَّنجِ تحمل تَّنورًا شديدَ الوَهجِ
نكهَتُها كَعبقِ الأُترنجِ واشتقاق الأترنج لم يذكر في الكتب المتقدمة، ويجوز أن يكون معربًا، ويجوز أن يكون عربيًا في الأصل إلا أنه أميت ثلاثية، وقد قالوا) ترج (وهو اسم موضع كثير الأسد، ووزن الأترج) أفعل (يا هذا، ولو سمينا به رجلًا لم نصرفه وقد وجدناهم حذفوا الهمزة من أشياء ليس حذفها في أترج وأترنج بأبعد منها، فمن ذلك قولهم) أرز (في اللغة الفصيحة) ورز (في اللغة الأخرى. ويقال جئناهم في) أفرة الغيظ (وحكى بعضهم) فرة الغيظ (ومن التي أولها:
لَيالي بعدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُ طِوالُ وَلْيلُ العاشِقينَ طَوِيلُ
قال الشيخ ﵀: قوله شكول أي ضروب مختلفة.
وقال ابن فورجة: شكول أي متشابهة، فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان، فإن كان صيفًا قصرت وإن كان شتاء طالت، غير أن ليالي طوال أبدًا لبعد الحبيب عني، وامتناع نومي كقول القائل: ما أطولَ الليلَ على مَنْ يَنمْ ويجوز أن يكون الغرض في مشاكله بعضها بعضا أنها ليست مما ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا، إذ كانت المدة الطويلة مما يسلي كقول القائل:
إذا ما شئتَ أنْ تسْلا حبيبًا فأكثْر دونَهُ عَدَدَ اللَيالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
فما أحَدثَ النَّايُ المُفَرَّقُ بيننا سُلُوًا ولا طُولُ اجتماعٍ تَقاليا
يقول فليالي وإن كثرت فما يتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها بل قد دامت في الطول على حالة واحدة.
إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُ فَلا بِرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ
قال ابن جني: معناه إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولًا انجذابًا إلى هواكم، ومصيركم إلى ما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو منكم، ثم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.
[ ٦٣ ]
قال الشيخ ﵀: لم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف) بالمخزومي (له تصنيف في شعر أبي الطيب، وذلك أن الشاعر قال: إن رحيلا واحدًا حال بيننا، وهو الرحيل في الدنيا، وبعده رحيل ثان وهو الموت. فإن يكن بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان، فدعى لنفسه بالحياة، لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض.
وقال ابن فورجة: الأولى عندي أن يعني: إذا بعدتم عني، وحيل بيني وبينكم فلم أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشبيهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه، وهذا المذهب متعارف عندهم في الرضي بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرُّ عَيْني وهي نازحَةُ ما لا يُقرُّ بَعْينِ ذي الحِلمِ
أنّي أرَى وأظنُّ أنْ سَتَرى وَضَحَ النَّهارِ وعَاليَ النَّجمِ
وقول القائل:
إذا هَبَّ عُلْويُّ الرّياحِ وَجَدتُني كأنَّي لعُلوِيّ الرّياحِ نَسيبُ
وإنما يرتاح لعلوي الرياح لأنها من قبل أرضها، وفي هذا البيت معنى قول الله تعالى:) ولما فَصَلت العِيُر قال أبوهُم إنّي لأجِدُ ريحَ يُوسُفِ لولا أن تُفَنَّدُونِ (. ومعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يُذِكُّرنا رَيَّا الأَحِبَّةِ كُلَّما تَنَفَّسَ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بارِدُ
وقال الاحسائي: إذا كان شم الروح، يعني الحياة أدنى إليكم من الموت، فلا زلت حيًا ولا برحتني روضة وقبول، فذلك مما يعين على الحياة.
وَما شَرَقي بالمَاءِ إلاّ تّذَكرًا لَماءٍ بهِ أهْلُ الحَبيبِ نُزُولُ
قال الشيخ ﵀: الرواية بنصب) تذكر (مصدر تذكرت لأنه مفعول له، أو مفعول من أجله ولو رفع) تذكر (لم يبعد.
وقال الأحسائي: كنى بالماء عن الحبيب، يريد أنه من وجهه في رقة الماء، وأنه ينقع الغلة، كما ينقعها الماء، ولذلك قال) يحرمة لمع الأسنة حوله (فدل على ما قلناه، ولو أراد نفس الماء لكان مستبعدًا أن يمنع الماء المشروب بالأسنة في غالب الأمر.
لَقِيتُ بدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لُقْيةً شَفَتْ كمَدي واللَّيلُ فيه قَتِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عن معنى هذا البيت فقال: وافينا القلة وقت السحر فكأني لقيت بها الفجر ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وشننا الغارات وغنمنا، وقوله:) شفت كمدي (لانحسار الليل عني) والليل فيه قتيل (أي في ذلك الموضع وكأن الموضع وكأن النهار أشرق ضوؤه على الليل فقتله وظفر به.
وقال الشيخ ﵀: ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف، فكأنه قتل الليل وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانا عظيمة بدرب القلة، فكأنه أزال بها الليل، وقد تجوز مثل هذه الحكاية.
وَيوما كأنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمةُ بَعَثْتِ بها والشَّمسُ مِنْكَ رَسولُ
قال ابن جني: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها أمارَةُ تَسْلٍمي عَلَيكِ فَسلَّمي
وقال الشيخ ﵀: عطف) يومًا (على قوله) لقيت العجز (وهذا معنى لطيف أراد أنه يوم حرب، فالحسن فيه خفي لا يعلم به إلا الشجاع، كما أن العلامة التي توجه بها حبيبة مكتومة،) والشمس منك رسول (أي تستتر بالغبار كما يستتر رسولك.
قال ابن فورجة: جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس وكأنها رسول منها، لسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم، وهو مع هذا يريد أن يجعل هذه القصة تخلصًا من الغزل إلى مدح سيف الدولة، عاشق وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت ﵈ فقال:
وعلى الدَّهرِ مِنْ دِمَاءِ الشَّه يدَينَ عَليّ ونَجَلهِ شَاهِدانِ
فَهما في أواخِرِ اللَّيلِ فَجرانِ وفي أُولَياته شَفَقَانِ
ثَبَتَا في قَميصِهِ لِجيءَ الحَشْرَ مُسْتعدِيًا إلى الرَّحمنِ
وأما قوله:
وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشِقُ ولا طُلِبتْ عند الظلام ذُحُولُ
[ ٦٤ ]
فيقال أن سيف الدولة أحرق كثيرًا من ديار الروم، وأعاد الليل صبحًا بالنيران فكأنه قتل الليل، ونال ثأر العشاق منه، ولو قال قائل إنه عنى بالفجر في البيت الذي مضى النار شبهها بالفجر، كان ذلك صوابًا ليتفق التفسيران، والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء.
على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُ وفي ذِكْرها عندَ الأنيسِ خُمُولُ
قال الشيخ ﵀: يريد أنها طرق في جبال فهي مرتفعة إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس أي أنهم لا يسلكونها.
وأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ مِن قُباقِبٍ فأضْحَى كأنَّ المَاءَ فيهِ عَليلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: إن الخيل لما عبرت قباقبًا، وهو نهر جار كادت تسكر ماءه لكثرة قوائمها، فأضعفت جريه أي جعلته ضعيفًا.
وقال الشيخ ﵀:) أضعفن (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الضعف. ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته، فكأنه عليل أي به علة.
والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها، فيكون عليل هنا فعيلا في معنى مفعول، من قولك عللت الشرب إذا كررته أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء وكأنها سيل من كثريها سرعتها فصار النهر مثله ويقوي ذلك قوله:
وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّما تَخِرُّ عَلَيهِ بالرّجالِ سُيُولُ
إذَا لم تكُنْ لَّليْثِ إلاَّ فَرِيسَةً غَذَاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَّنَّكَ فِيلُ
قال الشيخ ﵀:) غذاه (أي له، والهاء عائدة إلى الليث) وأنك فيل (فاعل غذاه، في البيت تقديم وتأخير كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك.
ومن التي أولها: دُرُوعُ لمَلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّشائيُ
وأكَبرَ مِنْهُ هِمَّهً بَعَثَتْ به إليكَ العِدَى واستَنظَرتْهُ الجحافِلُ
قال الشيخ ﵀: الواو في قوله) وأكبر (في معنى رب، ورقع) أكبر (على الأخبار أحسن ويكون مبتدأ، قوله) بعثت به وما بعده (خبر عنه) واستنظرته (في معنى انتظرته. وقال ابن فورجة: سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له، وكأن هاجسًا هجس لي في الحال:) أكبر (هنا من باب أفعل من كذا، وليس بفعل رباعي والهاء في) منه (راجعة إلى نفسه كأنه لو تمكن لقال: وأكبر من جثته أو جسمه همة، فاستغرب هذا فأخذ يمانع، فقلت: ألست تقول: زيد قاعدًا أحسن منه قائمًا (والضمير في منه راجع إلى نفسه. فقال: نعم. فقلت: ما يمنعك من أن يكون) وأكبر منه همة (الهاء في منه راجعة إلى نفسه، يريد ورب رجل أعظم من جسمه همة ففزع إلى كتاب الفسر.
وقد ذكر أبو الفتح: أن أكبر فعل فقال: أي أكبر العدى همته التي بعثت به إليك أي استعظموها، وسألته الجحافل أن ينظرها بشغله سيف الدولة عنهم وكلا التفسيرين محتمل جيد، ويحتمل معنى ثالثًا: وهو أن تكون الهاء في) منه (ضمير الرسول وقد تقدمه:
وأنَّى اهْتدىَ هَذا الرَّسُول بأرْضه وما سَكنتْ مُذْ سِرتُ فيها القَساطِلُ
يريد ورب أكبر من هذا الرسول همة بعثت به إليك الروم فأقبل من أصحابه وهو مرسل، وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: رب رسول أجل من هذا الرسول قدرًا جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم، وهو يعزلهم في عدوانهم لك، ويجل قدرك في عيونهم أن تعادى، وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين، لأن المعنى الذي أورده أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام ما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل، فلما قال) استنظرته (كان منقطعًا عن أكبر، وكان كلامًا مستأنفًا، ومعنى مبتدأ اللهم إلا أن يقول: هو متعلق بقوله: بعثت به، يريد به واستنظرته، فحينئذ يكون مستغنيًا عن قوله الجحافل، ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى وأدى المعنى الذي أراد، على أنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المطرد كالمتمحل.
ومَا لَوْنُهُ مَّما تُحَصَلُ مُقْلةُ ولا حَدُّهُ مِمَّا تَجُسُّ الأنامِلُ
قال الشيخ ﵀: يريد أن لون هذا السيف ليس كلون السيف، لأن السيوف تعرف ألوانها، ولون هذا الممدوح لا يحصل، لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه كما قال في الأخرى.
[ ٦٥ ]
كأنَّ شُعاعَ عَينِ الشَّمسِ فِيهِ ففي أبصَارِنا عَنْهُ انْكِسارُ
) ولا حده مما تجسُّ الأناملُ (أي هذا المسمى بالسيف لا يمكن أن تجسه الأنامل، لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه، فبعد الأنامل أشد، والسيف المضروب يمكن أن يجس حده باليد، فقد تحير هذا الرسول في سيف ربيعة أصله يعني الممدوح وطابعه الرحمن أي خالقه، وهذا كقوله في الأخرى:
سَرَى السَّيْفُ مما تَطْبَعُ الهِنْدُ صَاحبي إلى السَّيفِ مَّما يَطْبَعُ الله لا الهندُ
كَرِيمُ متى اسْتُوهِبتَ ما أنْتَ رَاكبُ وقد لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ باذِلُ
قال الشيخ ﵀: رفع كريمًا على تقدير قوله: أنت كريم ووصفه بأنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل و) لقحت الحرب (إذا كان أمر يهيجا، وإنما شبهت بالناقة اللاقح، وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس، خوفًا أن يقصر عن حمل رجلين ومن ذلك قول الفرار السلمي:
عدمت أُناسًا بالحُلَيْلِ كأنَّما رئيسهمُ لَيثُ ببيشة أَفدعُ
كأنَّ ابنَةَ الشَقراءِ لما ابتذْلُتها بذي الرَّمث ظَبيُ في تُبالة أَخْضَعُ
غداةَ يقول القينُ هل أنتَ مُرْدِفي وما بينَ ظهرِ القينِ والرُّمحِ إصْبَعُ
فَقُلتُ له يا ابن الخَبيثَةِ إنّها بِربٍ خَفيفٍ وَاحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يَكُ عَارًا يومً ذاكَ أتَيُته فِراري فذاكِ الجيش قد فَّر أجمعُ
ومن التي أولها: إن يكُنْ صَبُر ذِي الرَّزَّيةِ فَضلا قوله:
أنتَ يا فَوْقَ تُعَزَّي عَنِ الأحْبابِ فوْقَ الذي يُعَزيّكَ عَقْلا
قال الشيخ ﵀: قوله) يا فوق (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد حذف النادي، لعلم السامع بما يريد، كأنه قال: أنت يا سيف الدولة أو يا ملك أو أمير ونحو ذلك، وحذف المنادى يكثر في شعر العرب كما قال الشاعر:
ألا يا اسلميَ ثم اسلَمي ثُمَّتَ اسلَمي ثلاث تحيّاتٍ وإنْ لم تَكَلَّمِي
والأخر: أن يكون جعل فوق نعتًا لسيف الدولة، فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء، وهذا القول أحسن في نقد الشعر، لأن) فوق (الأولى والثانية في الوجه الأول ظرفان، وفي الوجه الآخر الأول منهما اسم، والثاني ظرف ولو كان) فوق (في موضع رفع على هذا الوجه لرفع، فقيل أنت فوق أن تعزى وقد أدخلوا الباء على) فوق (، وأنشدوا بيتًا ينسبونه إلى سحيم عبد بني الحسحاس، وليس في ديوانه:
لقيتُ النساءَ الحارِثيات غُدوة بوجهٍ براهُ اللهُ غيرَ جَميلِ
فشبهنني كلبًا ولستُ بفوقه ولا دونه إن كانَ غيرَ بَخيلِ
قاسَمْتكَ المنَونُ شَخْصَينِ جَوْرًا جَعَلَ القَسْمَ نفسَهُ فيهِ عَدْلا
قال ابن فورجة: كانت أخته الصغرى مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة وبقيت الكبيرة، ثم ماتت فقال:
قدْ كانَ قاسمَكَ الشَّخْصَينِ دَهْرَهما وعاشَ دُرُّهُما المَفْديُّ بالذَّهَبِ
وَعادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تارِكُهُ إنَّا لنَغْفُلُ والأَّيامُ في الطَّلَبِ
فنقول قاسمتك المنون هاتين الأختين، ظلمًا في هذه المقاسمة وجورًا، إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا؛ لأنها أخذت الصغير وتركت الكبيرة) وفيه (الهاء راجعة إلى الجور.
وزعم الشيخ أبو الفتح ابن جني أنه يجوز) فيك (بالكاف، وقال: يعني أنه جار في فعله إلا أنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل، وعندي أن هذه الرواية مضطربة لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال قاسمتك، وكان لا يقول شخصين، بل كان يقول: ثلاثة شخوص أحدهما سيف الدولة والآخر أختاه.
وَهُوَ الضَّاربُ الكَتِيبةِ والطَّعْنَةُ تَغْلُو والضَّربُ أغْلَى وأغْلى
قال الشيخ ﵀: يقول: الطعن وإن كان صعبًا على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه، كما أن الرامي أبعد من الطاعن، وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:
يطْعُنُهمْ ما ارْتَمَوْا حتى إذَا اطَّعَنُوا ضَاربَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعَتَقاَ
ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيرًا، وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:
[ ٦٦ ]
إنَّ سَيرَ الخَليطِ لماّ استقلا ومن التي أولها:
ذي المعَالي فَلْعْلُونْ مَنْ تَعَالى هكذا هكَذا وإلاَّ فَلا لاَ
قال الشيخ ﵀:) ذي المعالي (في موضع نصب، والأجود أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره قوله) فليعلون (، وذهب قوم إلى أنك إذا قلت) فلانا فاضرب (فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد افاء، والقول الأول أشبه وقوله) هكذا هكذا (أي ليعل الناس مثل هذا العلو وحسن ترديده) لا لا (رد هكذا.
كُلَّما أعْجَلُوا النَّذِيرَ مَسيرًا أعْجَلَتْهمْ جِيادُهُ الإعْجالا
قال ابن جني: يقول كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم، ثم تلتهم جياد سيف الدولة، فسبقت سبقهم النذير، أي لحقتهم وجازتهم.
قال ابن فورجة: قد علم الشيخ أبو الفتح أنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته، وأما سبقته فيقال فيه عجلته بلا ألف، قال الله تعالى) هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ أبي الفتح في اللغة والإعراب، ولا أعلم كيف اتفق عليه هذا الزلل، يقول أبو الطيب كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم، وإخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة، أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم قبل ورود النذير، ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الرمايا، وإنفاذهم الجواسيس، لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطرق الخفية إليهم، ويقود مكائد سيف الدولة فيهم، فأما قوله) لحقتهم وجازتهم (فلا أعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
ما مَضوا لم يُقاتِلُوك ولِكنَّ القَتالَ الذي كفَاكَ القتالا قال ابن فورجة:) ما (هنا نفي،) ولم يقاتلوك (حال، يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك، يريد ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاتلوا فانهزموا وقوله) ولكن القتال الذي كفاك القتالا (، معناه أن ما عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أياس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك ويبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والَّثباتُ الِذي أجَادُوا قَديمًا عَلَّمَ الَّثابِتينَ ذَا الإجْفالا
أبَصرَوا الطَّعنَ في القُلوبِ دِراكًا قَبل أنْ يُبْصِرُوا الرّماحَ خَيالا
قال ابن جني: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم.
وقال الشيخ: يقول اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين، فكأنهم أبصروا الطعن دِراكا بقلوبهم وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح.
وقال ابن فورجة: أخر قوله) خيالًا (عن موضعه لعلم المخاطب وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكا خيالًا قبل أن يبصروا الرماح يريد بالخيال ما يراه الانسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى يقول: لشدة خوفهم منك، وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب، رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة، وما تقدم هذا البيت يدل على هذا وهو قوله:
تركُوا في مَصَارعٍ عَرَفُوها يَنْدُبُونَ الأعْمامَ والأخْوَالا
تَحْملِ الرّيحُ بينهم شَعَرَ الهْامِ وَتُذْرِي عليهم الأوْصالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أنْ يُقيمَ لَدَيها وَتُريِهِ لِكُلِ عُضْوٍ مِضالا
فهذا يدل على ما قلناه.
أقْسَموا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ طاَلَما غَرتِ العُيُونُ الرّجالا
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلْتكَ فَلاقَتْكَ وَطرْفٍ رَنا إلَيْكَ فَاّلا
قال الشيخ ﵀: أي حلفوا أنهم لا رأوك إلا بقلوبهم، وقد علموا الآن الغلبة لك فهم لا يثبتون فينظرون إليك بعيونهم، لأن العين طالما غرت الناظر فيتوهم ما لاح له شيئًا غيره.
وقال ابن جني: قد تكرر هذا المعنى في شعره كقوله:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشَّمْس فيه فَفي أبصَارِنا عَنْهُ انكسارُ
[ ٦٧ ]
وقال ابن فورجة: قوله) لا رأوك إلا بقلب (يقول حلفوا ليحضرن عقولهم وليعلن أذهانهم وأفكارهم فيك وفي قتالك، إذ كان ما يرونه بعيونهم قد لفهم عنك كثيرًا، وأوهمهم أنهم يقاومونك، فلما جربوا خابوا، ورؤية القلب هو العلم، ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحًا لهذا المعنى الذي قدمه ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفا، فقال: أي عين تأملتك فلاقتك، يريد أن العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى كقوله:
فإذا رَأيُتكَ حارَ دُونَكَ ناظرِي وإذا مَدَحتكَ حارَ فيكَ لِساني
وقوله: وَطَرْفٍ رَنا إلَيكَ فَالاَ آل بمعنى رجع يريد أن العيون إذا نظرت نحوك تحيرت وبهتت، فلم تؤل أي لم ترجع، وبقيت شاخصة إليك كما قال أيضا:
تَمضِي الكَواكُب والأبصار شاخصة مِنْها إلى المَلِكِ الميمُونِ طِائرةُ
وفي هذا المكان سؤال آخر وهو أن يقال كيف قال:
أقْسَمُوا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ طاَلَما غَرَّتْ العُيُونُ الرّجالا
وهو قد قال قبله:
والعِيانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ للظَّنَّ زَوَالا وللمُرادِ انتِقالا
وإذا ما خلا الجَبانُ بأرضِ طَلَبِ الطَّعْنَ وَحدهُ والنَّزَالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم، لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي بالقين، ثم قال فيما يليه) أقسموا لا رأوك إلا بقلب (ورؤية القلب هي من الظن، وذم العيان، فقال) طالما غرت العيون الرجالا (فالجواب عن هذا أن علم القلب وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب، وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة ثم علموا عظم شأنه وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم العلم بأنهم لا يقاومونه بعد العيان والتجربة، وإذا رأوه بالعين دون القلب، رأوا عسكرًا مثل عسكرهم شكلًا ومنظرًا، أو دونه عددًا وكثرة، فأوهمهم ذلك أنهم يقاومونه، فلم يكن هذا تناقصًا وكان كل معنى مستقلًا بنفسه منفردًا عن صاحبه.
ما لَمِنْ يَنْصِيبُ الحَبائِلَ في الأرْضِ وَمَرْجاهُ أنْ يَصيدَ الهِلالا
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال.
وقال ابن فورجة: يعني أن سيف الدولة غاز للروم، فما يقتل إلا كافرًا فكأن سيوفه تعرفالحلال من الحرام.
ومن التي أولها:
ما لَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسُوُلُ أنا أهْوى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
قال ابن جني: معنى البيت أنه اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبيبه.
وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع) كلنا (على الابتداء ويكون) جو (خبره وكان بعض الناس يخفض كلنا، ويجعله توكيدًا للضمير في) لنا (وهذا رديْ لأنه يوجب نصب) جو (على الحال، فيقال ما لنا كلنا جويا وإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
أفْسَدَتْ بينَناَ الأماناتِ عَيْناها وخَانَتْ قُلُوبُهنَّ العُقُولُ
قال الشيخ ﵀: زعم أنه أرسل رسولًا ينوبه فلما نظر إلى عينها تغير عن حال الأمانة،) والهاء (في قلوبهن يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون راجعة إلى الأمانات، ويكون قد استعار للأمانات قلوبًا، وإنما يعني قلوب المؤتمنين والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي في المفعول، يقال: لبس ثوبه فلان والمعنى متقارب، والعقول في هذا القول فاعله، وكذلك في القول الأول إلا أن الضمير هاهنا للعقول.
وقال ابن فورجة: الهاء والنون ضمير قبل الذكر، والتاء في) خانت (للعقول يريد خانت العقول قلولها، لأنهم إذا نظروا عينها غلبهم هواها على الأمانة ولم تكمل العقول التصوير القبيح بصورة القبيح وأوهمت أنه جميل ومثل هذا قوله:
ومَا هِيّ إلاَّ نَظرةُ بعدَ نَظرةٍ إذا نَزَلتْ في قَلْبهِ رَحلَ العَقْلُ
وإنما يعني أني بعثت رسولًا عشقها، فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
تَشْتَكي ما اشْتَكْيتُ مِنْ طَرَبِ الشَّوْقِ إليَها والشَّوقُ حَيثُ النُّحُولُ
قال ابن جني: ما أحسن ما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به أي أنا مشتاق فنحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة.
[ ٦٨ ]
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: تشتكي يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطابًا للرسول الذي ناداه في أول القصيدة أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب، لأنك لست ناحلًا، وإنما الشوق حيث النحول، ومثل هذه القصيدة التي ذكرناها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيب الهذلي مع خالد بن زهير فقال أبو ذؤيب:
مَا حُمّلَ البُخْتِيُّ يَوْمَ غِياره عَلَيه الوُسُوقُ برُّها وشَعِيرهاُ
بأَثْقَل مَّما كُنْتُ حَملَّتُ خَالدِا وَبَعضُ أمانَاتِ الرّجالِ غَرُرُهاَ
وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرأة على سواه، فقال له خالد بن زهير أبياتًا منها:
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِن خُطَّةٍ أنْتَ سرِتْها فأوَّلُ رَاضي خُطةٍ مَنْ يَسيرها
وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه، ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب، وخالد الذي يقول:
يا قوم مَالي وأَبا ذُؤيبِ كُنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشمُّ عِطْفِي ويمَسُّ ثَوْبي كأنّما أربتُه بريبِ
وقال أبو ذؤيب:
تُريدينَ كيمَا تَجْمعِيني وخَالِدًا وهل يُجمعُ السَّفَيانِ ويحَكِ في غِمدِ
فآليتُ لا أنْفَكُّ أحْذُو قَصِيدَةً تَكُونُ وإيَّاها بها مَثلًا بَعدي
والوجه الثاني: أن يكون قوله) يشتكي (إخبارًا عن المرأة، والأول أشبه.
صَحِبتْني على الفَلاةِ فَتاةُ عادَةُ اللَّونِ عِنْدها التَّبدْيلُ
قال ابن جني: يعني الشمس: وجعلها فتاة لأن الزمان لا يؤثر فيها، كما يقال للدهر الأزلم الجذع، أي هو طري قوي لا يستحيل عن ذلك.
قال الشيخ ﵀: ويجوز أن يجعلها فتاة، لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث وقوله) عادة اللون عندها التبديل (أي تغييره.
نحنُ أدْرى وقد سألْنا بنَجْدٍ أَطَويلُ طَرِيُقنا أمْ يَطُولُ
قال ابن جني: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوله الشوق إلى المقصود.
وقال الشيخ ﵀: معناه أنه يدري ولكنه يقوله على سبيل التبالة ألا تراه يقول بعده:
وَكثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ اشِتياقُ وَكثيرُ من رَدّهِ تَعْلِيلُ
فهذه طريقة للشعراء مألوفة، يظهرون التجاهل بالشيء، وإن كانوا يعرفونه كقول أبي تمام:
وَمَكارِمًا عُتُقَ النِجّارِ تَلَيدةً إنْ كانَ هَضْبُ عَمايتَيْنِ تَليدَا
ألا تراه أدخل في الكلام شكا لأن أحدًا لا يجهل أن هضب عمايتين تليد غير معروف الأول، ومن خاض كلام العرب ونظر إلى تصرفها ومذاهبها وإشارتها، أجاز ما يمنع غيره، ومنع ما يجيزه، أولا ترى إلى قول بشر:
أُسائِلُ صَاحِبي ولَقَدْ لأرَاني بَصِيرًا بالظَّعائنِ حَيْثُ صَارُوا
وقال ابن فورجة: قول ابن جني أن الشوق يطول الطريق محال لأن الشوق يقصر طول الطريق، ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطَريقَ قَريبًا حينَ أسلكُه إلى الحَبيبِ بَعيدًا حينَ أَنصَرفُ
وقول الآخر: مَنْ عَاَلج الشَّوْقَ لمَ يستبِعد الدَّارَا وإنما يريد بقوله) يطول (أنه يعرض له من يصده، أو حالة تلفته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عنجهم، أو سوى ذلك من علة أو ما أشبهه، ويريد بهذا القول تشوقه إلى سرعة الوصول وإشفافه أن يطول طريقة عارض بصده، واستثنى الأخبار، ثم أخبر أنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وآمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. ومثله.
وأسْتَخْبِرُ الأخبارَ مِن نَحْوِ أْرضِها واسْألُ عنها الرَّكْبَ عَهْدُهُمُ عَهْدي
لا أقَمنا على مَكانٍ وإنْ طا ب ولا يُمكنُ المَكانَ الرَّحيلُ
قال ابن جني: لم يقم كقول الله تعالى) فلا صَدّقَ ولا صلى (يريد لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر: وَأيُّ أمْرٍ سيئٍ لأَفَعَلهْ أي لم يفعله، وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل، أي لو أمكنه الرحيل لرحل معنا إلى سيف الدولة شوقًا إليه.
وقال الشيخ ﵀:) ولا أقمنا (في معنى لم تقم، ومنه قول الشاعر:
وأيَّةُ لَيلةٍ لا كُنْتُ فيها كجَاري النَّجمِ يُحرقُ ما يُلاَقي
أي لم يكن فيها، ويجوز أن يكون قوله:) لا أقمنا (على معنى القسم، كأنه قال والله لا أقمنا، والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا، وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:
[ ٦٩ ]
كُلَّما رَحَّبَتْ بنا الرَّوْضُ قُلْنا حَلَبُ قَصْدُنا وأنْتِ السَّبِيلُ
وكأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم، لأنه مسرور بنزولهم وهم لا يقدرون على الإقامة، وهو لا يمكنه الرحيل.
وقال ابن فورجة: لو أنعم الشيخ أبو الفتح النظر لعلم أن هذه ليست تلك التي عناها، وإنما هي التي تكون جواب القسم، كقولك: والله لا أقمت، ووالله لا ضربت، وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه ويدل عليه، ألا ترى إلى قول الرسول ﷺ فيمن فعل كذا وكذا: لا تمس النار الا تحلة القسم يريد قول الله تعالى:) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (ألا ترى أنه لا قسم ظاهر في هذه الآية. ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه) ولا (في بيت أبي الطيب لها وجه آخر غير ما ذكرنا وهو أن يكون) لا (التي في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وكقوله:) فلا هَجَمْتَ بها إلاَّ على ظَفَر (فمحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان هذه صفته، وقوله) لا يمكن المكان الرحيل (له معنى لطيف قدسها عنه ابن جني وهو أنه يريد: لا نقيم على مكان أبدًا حتى نلقاه، أي لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا وهذا ما لايكون، فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
إذَا زَالَ عَنكم أسودُ العَينِ كُنتم كِرامًا وأنتم ما أقامَ ألائِمُ
و) أسود العين (جبل لا يزول فكذلك المخاطبون لا يكونون كرامًا.
لو تَحرَّفْتَ عَن طرِيق الأعادي رَبَطَ السَّدرُ خَيلَهُم والنَّخِيلُ
قال الشيخ ﵀: يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء، كما تقول: ساءني أمر كذا، أي وقع السوء فيه، وهذا وجه، وفيه معنى آخر، وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة، فلو تحرف عن طريق من معاديه لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تتفسح في البلاد، وهذا نحو قول الآخر:
تَرَكُوا جارَهُمُ يأُكُلهُ ضَبُعُ الوَادي وَيَرْميهِ الشَّجَرْ
وقال ابن فورجة: هذا البيت يشبه قوله:
فكُلَّما حَلَمتْ عَذْرَاءُ عِندهُم فإنَّما حَلَمتْ بالسَّبي والجَمَلِ
وذاك أن الروم ليس في ديارهم سدر ولا نخيل، كما ليس في ديارهم الجمال، فقوله) ربط السدر خيلهم والنخيل (يريد لولا دفاعك عن عضد الدولة ومعز الدولة لسارت الروم إليها وأوغلوا في ديارهما، حتى ربطوا خيلهم في السدر والنخيل، يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة، وقد صرح بذلك فقال بعده:
ما الّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ المَنايا كالَّذي عِنْدَهُ تُدارُ الشَّمُولُ
وقوله) ربط السدر (إنما يريد ربطت إلى السدر، والروم ربطوها، ولكن لما كان السدر والنخيل يمسك خيله، جعل الفعل لها توسعًا في الكلام.
ومن التي أولها:
مُحِبّي قِيامي ما لِذَالِكُمُ النَّصْلِ بَرّيًا مِن الجْرحَى سَليمًا مِن القَتْلِ
قال ابن جني: نصب) بريا (على الحال من النصل، ومعناه يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصل أعدائي وأقتلهم به.
قال الشيخ ﵀:) محبي (نصب على النداء أي يا محبي، ويعني بقيامه نهوضه والتماس ما يريد، يقال: قام الملك في أمر كذا، ومن ذلك: كان كذا من قبل أن يقوم النبي ﷺ، أي من قبل أن تظهر الدعوة إلى الإسلام.
وقال الشاعر:
نبغَ ابن كُوزٍ في سِوَانا فإنّه غَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَبُّي الجوارِيَا
وقال الآخر:
إذا ماتَ مِنّا سَيّدُ قامَ سيّدُ قؤُولُ لما قال الكِرامُ فَعُولُ
ويعني بالنصل سيفه كأنه يسألهم ماله) بريًا من الجرحى سليمًا من القتل (يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي وتنصروني، فأخرج وأقتل ويختضب سيفي.
أمِطْ عَنكَ تَشْبِيهِي بما وكأنَّهُ فَما أحَدُ فَوْقي ولا أحَدُ مِثْلي
[ ٧٠ ]
قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس) ما (من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلًا قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول) أمط عنك تشبيهي بما وكأنه (، فجاء بحرف التشبيه، وهو كأن، وبلفظ) ما (التي كانت سؤالًا، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن) ما (تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:
ومَا هنْدُ إلاّ مُهْرَةُ عَرَبّيةُ سَليلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَهاَ بَغلُ
وقال لبيد:
ومَا المَرْءُ إلاّ كالشِهابِ وضوئهِ يحَوُرُ رَمادًا بعد إذْ هو سَاطِعُ
ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه، وإذا قال) وما المرء إلاّ كالشهاب (فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما) ما (للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال) وما هند إلا مهرة عربية (فإن) ما (دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانيًا للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني) ما (التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولًا كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.
وقال الأحسائي:) ما (تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.
ومن التي أولها:
أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا والبينُ جارَ على ضَعْفِي ومَا عَدَلا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀) أحيا (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.
والآخر: أن يكون) أحيا (في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:
يا مَنْ رأَى عَارِضًا أرقتُ له بينَ ذراعيْ وجَبْهةِ الأسَدِ
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
قَيْلُ بمَنْبِجَ مَثْواهُ ونَائِلُهُ في الأُفْقِ يَسألُ عمنَّ غَيرهُ سألا
قال الشيخ ﵀: منبج إن كان اسمًا عربيًا فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله) يسأل عمن غيره سألا (كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
ومن التي أولها:
قِفا تَرَيا وَدْقِي فَهاتا المَخايِلُ ولا تَخْشَيا خُلْفًا لما أنا قائِلُ
قال الشيخ ﵀) الودق (هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس ﵄ أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وآخَرُ قُطْنُ مِن يَدَيْهِ الجنادلُ قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.
شاَقتْكَ ظُعْنُ الحَيّ يومَ تَحَملّوُا فَتَكَّنسوا قُطْنًا تصِرُّ خِيامُها
[ ٧١ ]
فيقال أراد يكنسوا قطنًا، أي جعلوا ثيابًا من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.
ومن التي أولها:
عَزِيُز أسىً مَنْ داؤُهُ الحَدَقُ النُّجلُ عَياءُ بِهِ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ
قال الشيخ ﵀:) عزيز (خبر مقدم إذا جعلت) من (معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون) عزيز (المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك:) ذهب خاتم في إصبعك (فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب،) وعياء (أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون) عياء (بدلًا من) الحدق النجل (ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو) والأسى (من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسوًا وأسى.
قال الأعشى:
عِنْدهُ البِرُّ والتُّقَى وأسا الصَّدع وحَمْلُ لُمضْلِعِ الأَثْقالِ
وأشبه الوجوه عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.
كَفى ثُعَلًا فَخْرًا بأنَّكَ منْهُمُ ودَهَرًا لأنْ أصْبحتَ مِنْ أهْلهِ أهْلُ
قال ابن جني: ورواه) دهر (بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع) أهل (لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀ ورواه) دهرًا (بالنصب، قوله) بأنك منهم (الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهرًا فخرًا أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع) أهلًا (في آخر البيت على تقدير) ودهرًا (هو لأن أمسيت من أهله أهل.
وقال ابن فورجة ورواه) دهرًا (بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله) ثعلا (أي وكفى دهرًا، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهرًا لأن أمسيت من أهله أهل فخرًا، وهو كقوله أيضا:
ليتَ لي مثل جَدّ ذا الدَّهْرِ في الأدْ هُرِ أوْ رِزْقهِ مِنَ الأرْزَاق
أنتَ فيه وكانَ كُلُّ زَمانٍ يَشْتَهي بَعْضَ ذَا عَلى الخَلاَّقِ
ومن التي أولها:
صِلَةُ الهَجْرِ لي وَهَجْرُ الوِصَالِ نَكَسانِي في السُّقْمِ نُكْسَ الهِلالِ
قال الشيخ ﵀: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:
ومَهْمَا يكُنْ رَيْبُ الزَّمانِ فإنَّني أرَى قَمَرَ اللَّيلِ المُعذَبَ كالفَتَى
يكُونُ هِلاَلًا ثم يَزدَادُ نُورُهُ وبهَجَتُه حَتَّى إذَا تمَّ واسْتَوَى
تَقَاربَ يَخْبُو ضَوْؤهُ وبَهاؤُهُ وينقصُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فلا يُرَى
كذلِكَ زَيْدُ المَرْء ثمَّ انْتِقَاصُهُ عَوْدَتُهُ في عُمرِهِ بعدَمَا مَضى
بُطُلُولٍ كأَّنُهنَّ نُجَومُ في عِراصٍ كأَّنُهنَّ ليالي
قال ابن جني:) الأطلال (ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.
قال الشيخ ﵀: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.
والجِرَاحاتُ عِنْدَهُ نَغَمَاتُ سَبَقتْ قَبْلَ سَيْبِهِ بِسُؤَالِ
قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.
ومن التي أولها:
[ ٧٢ ]
أبْعَدُ نَأْي المَلِيحَةِ البَخَلُ في البُعْدِ ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
قال الشيخ ﵀: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله:) في البعد ما لا تكلف الإبل (أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
مَلُولَةُ ما يَدُومُ لَيْسَ لَها مِنْ مَلَلٍ دَائمٍ بها مَلَلُ
قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و) يدوم (في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائمًا.
أنتَ نَقيضُ اسمهِ إذا اخْتَلَفتْ قَوَاضِبُ الهِنْدِ والقَنا الذُبلُ
أنتَ لَعَمرِي البَدْرُ المُنيرُ ولكِنَّكَ في حَوْمَةِ الوَغَى زُحَلُ
قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.
وقال الشيخ ﵀: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.
ومن التي أولها: بقائي شاءَ لَيْسَ ارْتحِالا قوله:
فَما حاوَلْتُ في أرْضِ مُقاما ولا أزْمَعْتُ عَنْ أرْضٍ زَوَالا
قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإنْ جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.
وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:
الفِتُ تَرَحُّلِي وجعلْتُ أرْضِي قُتُودِي والغُذَيْرِيّ الجُلالا
لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.
سِنانٌ في قَناةِ بَني مَعَدّ بَنِي أسَدٍ إذا دَعَوُا النّزَالا
قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون) بني أسد (بدلا من) قناة بني معد (كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.
وقال الشيخ ﵀، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.
يَكُونُ أحَقُّ إثْناءٍ عَليهِ عَلى الدّنْيا وأهْلٍيها محُالا
قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.
جَوَابُ مُسائٍلي ألَهُ نَطِيرٌ وَلا لَكَ في سؤالِكَ لا، ألا، لا
[ ٧٣ ]
قال الشيخ ﵀: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب) لا (في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله) في سؤالك (فجاء) بلا (ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
يفارِقُ سَهْمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِي فِراقَ القَوْسِ ما لاقَى الرّجالا
قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.
ومن التي أولها:
في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا
قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:
لَو يَنبتُ العُشبُ مِنْ دُموعٍ لكانَ في خَدَّيَ الرًّبيعُ
يا قمرًا غابَ عَن عَيانِي الله قُلْ لي متى الرُجوع
كمْ زَفَراتٍ وكمْ دمُوعٍ يا عَينُ هّذا هو الفَطِيعُ
أعْدَى الزَّمانَ سَخَاؤهُ فَسَخا بِهِ ولقدْ يكُونُ بهِ الزَّمانُ بَخيلا
قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى) إني أراني أعصر خمرا (.
وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح ﵀ فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.
وتَظَنهُ مما يُزمجِرُ نَفْسهُ عنها لشِدَّةِ غَيْظِهِ مَشْغُولا
قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
قال ابن فورجه:) نفسه (رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبحالهِ فَنَجا يُهرْوِلُ مِنْكَ أمْسِ مهولا
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.
أفرَّ عنه بني العَمَاتِ جُرأتُه فكُلّها خَاشِعٌ من ذَاكَ مُكَتنعُ
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.
وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.
ومن التي أولها: أرَى حُلَلًا مُطَوَّاةً حِسانًا قوله:
[ ٧٤ ]
لَقَدْ ظَلَّتْ أوَاخِرُها الأَعالِي مَعَ الأُولى بِجِسْمِكَ في قِتالِ
قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتَحْسُدُ الخَيْلُ مِنْها أيَّها رَكبا وقال ابن فورجه: قوله) أواخرها الأعالي (مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.
وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة
لَئِن كان يُهْدَى بَرْد أنيابها العُلَى لأفْقَرَ مِنّي إنَني إنَني لَفقرُ
إنه خص الأنياب العُلىَ لأنّها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:
إذا ضحِكَتْ شَبَهتُ أنيابَها العُلىَ خَنافِسَ سُودًا في صُراةِ قَليبِ
وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.
ومن التي أولها: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلُوبِ مَنازِلُ
يَعْلَمْنَ ذاكِ ومَا عَلِمْتِ وإنما أوْلاكما يُبكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
قال الشيخ ﵀: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.
والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:
لو كُنتَ تنطِقُ قلتَ مُعْتَذِرًا بِي غَيْرُنا بكَ أيُّها الرَّجُلُ
أبكاكَ أنَّكَ بعْضُ من شَغَفُوا لمْ أبْكِ أنّي يَعْضُ مَنْ قَتَلوا
تخُلوا الدّيارُ من الظّباءَ وعِنْدَهُ منْ كُل تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ
قال الشيخ ﵀: الهاء في) عنده (عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.
دُون التَّعانُقِ ناحِلينِ كَشَكْلَتيْ نَصْبٍ أدَقَّهُما وَضَمَّ الشَّاكل
قال الشيخ: نصب) ناحلين (على الحال من النون والألف في قوله) بنا (لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب) وضم (هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه
الطيبُ أنْتُ أنْتَ إذَا أصابَكَ طِيبُهُ والمَاءَ أنْتَ إذا اغْتَسَلْتَ الغاسِلُ
قال ابن جني: نصب) الماء (لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.
وقال الشيخ ﵀: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.
ومن التي أولها: لا تحْسَبُوا رَبْعكُم ولا طَلَلَهْ قوله:
أُحِبُّهُ والهَوَى وأَدْؤُرَهُ وكُلُّ حُبّ صبَابَةٌ وَوَلَهْ
وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:
وإني لأَعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ نُحُولي وُكلَّ امْرِئ ناحِلِ
ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:
[ ٧٥ ]
أمَا وهَوَاكِ حلفَةَ ذي اجتِهَادِ
أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا ال باحِثِ والنَّجْلُ بْعضُ مَن نَجَلَه
قال ابن فورجة: بمثل هذا فليتغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبويه فما قصر، يقول أنا بعض والدي، لأني منه وجدت، وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما وبأسا، فإذا والدي فوق أبيك كثيرا لأنه قد فضله بعضه، وقد استوعب المعنى بقوله) أنا أبن من بعضه يفوق أبا الباحث (وباقي البيت فضل وتبيين، وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنَّما يَذْكُرُ الجُدُود لَهُمْ مَنْ نَفَرُوهُ وأنْفَذُوا حِيَلَهْ
يقول أنا لا أفاخركم إلا بنفسي، وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالآباء من لا فخر في نفسه.
أأخْفَتِ العَينُ عِنْدَهُ خَبَرًا أمْ بَلَغَ الكَيْذَبَانُ ما أمَلَهْ
قال ابن جني: يعني بالعين الرقيب قال الشاعر:
قَالُوا تَوقَّ دِيارَ الحَيّ إنَّ لهم عَينًا عليك إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ إنَّ دَمي أقصى مُرادِهم وما غَلتْ نَظرةُ منها بسَفكِ دَمي
وأنثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها فيكون معناه هل يتبين في وجهي ما رابه.
وقال الشيخ ﵀: هذا الاستفهام الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي فكأن الشاعر قال: ما لي لا أمدح الحسين، ولم تخف العين عنده خبرا، ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه، أي أني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راض عني، فتبينت عيني ما هو عليه، ويجوز أن تكون العين عين الممدوح وكلا المعنيين قد جاء في الشعر قال الشاعر:
تُبينُ لي عَيْنَاكِ ما القَلْبُ كاِتمٌ ولا جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظرِ الشَّزْرِ
والكيذبان في معنى الكذاب يقال بفتح الذال وضمها.
فأَكبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرَهُ أكبَرُ مِنْ فِعْلِه الَّذِي فَعَلَهْ
قال ابن جني: أي استكبروا فعله وأصغره هو، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: أكبر من فعله الإنسان الذي فعله، إنما هو أكبر من فعله، ويقال أكبر الشيء إذا استكبرته.
وقال الشيخ: النصف الأول يحتمل وجهين، الأول: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح، فيكون الكلام قد تم ويكون تكبر خبر مبتدأ مقدم، كأنه لما تم الكلام في النصف الأول الذي فعله أكبر من فعله.
والوجه الآخر: أن يكون " أكبر " فاعلا، وتقديره احتقر الفعل رجل أكبر من فعله ويكون قوله: " الذي فعله " نعتا لفعله.
ومن التي أولها: كَدعْوَاكِ كلُّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقْلِ قوله:
قَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَتْ وتطلُبُ ما قَدْ في اليدِ بالرّجْلِ
قال ابن فورجة: هؤلاء بنو كلاب أظهروا العصان بعد الطاعة فقصدهم دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال أبو الطيب:
أرَادَتْ كِلابُ أنْ تَقُومَ بَدَوْلَةٍ لمنْ تَرَكَتْ رَعْي الشُّوَيْهاتِ والإبْلِ
أبَى رَبُّها أنْ يترُكَ الوَحْشَ وَحْدَها وأنْ يُرمِنَ الذَّبَّ الخَبيثَ من الأكُلِ
يقول كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو، وطلبها له سائرة إليه طلب بالرجل وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا، كقولك: هذا الشيء في يدي أي حاصل عندي
فَلا عَدِمَتْ أرْضُ العِرَاقَينِ فِتْنَةً دَعَتْكَ إليها كاشِفَ الخَوْفِ والمَحْلِ
قال الشيخ ﵀: العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة، وهما مصران وقالوا للجزيرة والموصل الموصلان، وهو من جنس قولهم العمران وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبا على النداء أو الحال.
ومن التي أولها: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهِديها ولاَ مَالُ قوله:
غَيْثٌ بُبَيَنُ للنُّظَّارِ مَوْقِعَهُ إنَّ الغُيُوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ
قال ابن جني: أي الغيث يمطر المكان الطيب والسبخ جميعا، فهو كالجهل منه، وفاتك يعطي من هو أهل العطاء، وهذا ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:
وَشَرُّما قَنَصَتْهُ راحَتِي قَنَصٌ شُهْبُ البزَاةِ سَوَاءٌ فيه والرَّخَمُ
أنالَهُ الشرَّفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ فَما الذي بِتَوّقي ما أتى نَالُوا
[ ٧٦ ]
قال ابن جني: يقول أفضى به تقدمه وجرأته إلى نيل الشرف، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم منه، أي فقد غنم بما فعل وخابوا لما خالفوه.
ومن التي أولها: أثْلِثْ فَإنّا أيُّها الطَّلَلُ نَبكِي وَتْرْزِمُ تَحْتَنا الإبلُ قال الاحسائي: أي كن لنا ثالثا يقال: ثلث القوم أثلثهم إذا صرت لهم الثا، وخمستهم أخمسهم، وسدستهم أسدسهم إلى العشرة، تكسر الثالث في المستقبل، إلا في ثلاثة مواضع فإنه يفتح، وهي أربعهم وأسبعهم وأتسعهم وثلثت القوم أثلثهم إذا أخذت ثلث أموالهم، بضم ثالثة في المستقبل من الثلاثة إلى العشرة، فإن أخذت نصف أموالهم قلت نصفتهم أنصفهم، وكذلك الخدمة ومن الإنصاف نصفهم وأنصفتهم أنصفهم.
تمشي عَلَى أيْدي مَوَهِبِهِ هِيَ أوْ بَقَيَّتُها أو البَدَلُ
قال ابن جني: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فلان على يدي عدل، أي قد ملك أمره عليه، وصار أحق به منه، وقوله) هي (يعني الخيل والإبل وما تبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين، أو البدل منها عينا وورقا أو غير ذلك.
وقال الشيخ ﵀: يقول الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصناف، فإما أن تكون موفورة، فهي تسلم إليهم، وإما أن تكون قد بقيت منها بقية منهم المحكمون فيها، أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها منهم يأخذون البدل.
فإذا الخميسُ أَبى السُّجُودَ لَهُ سَجَدَتْ لَهُ فيهِ القَنَا الُّبُلُ
قال ابن جني: أي إذا عصاه جيش خفض الأسنة لطعنه وقوله) فيه (أي سجدت قنا أبي شجاع في جيش مخالفه.
ومن التي أولها:
ما أجْدَرَ الأيّامَ والليالي بأنْ تَقُولَ ما لَهُ ومَالِي
لا أنْ يكُونَ هكذا مَقالِي قال ابن فورجة: يقول الأيام تتظلم مني: وأنا لا أتظلم منها، والهاء في) ماله (يكون لأبي الطيب، والياء في) مالي (للأيام، ثم قال لا أن أقول أنا ما لها ومالي، لأني أبالي بها ولا أتظلم منها ألا تراه يقول:
وكيفَ لا وإنّما إدْلالِي بفارسِ المجْروُحِ والشَمالِ
وهما كانا لعضد الدولة، يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة ثم أتظلم من الزمان ولم يقدر على هضمي وقوله) مالي (قول المتظلم، ألا ترى إلى سحيم يقول:
ألاَ نَادِ في آثارِهنَ الغَوانِيا سُقِينَ سِمامًا ما لَهُنً ومالِيا
وإلى قول الآخر يقول:
يا قوم مالي وأبا ذُؤيبِ كنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشُمُّ عِطْفِي وَيَمسُّ ثَوْبِي كأنّما أرَبتُه بريبِ
والبحتري يقول:
مَالِي وللأيَامِ صَرّفَ صَرفُها حَالِي وأكثرَ في البلادِ تَقَلُّبي
وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام، وذاك أنه يريد أن يكون هكذا مقالي لها، لأنك لا تقول ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به، فتكون الجملة الثانية عائدة إلى الجملة الأولى.