ومن التي أولها:
وَفاؤُكُما كالرَّبْع أشْجاهُ طاسِمُهْ بأنْ تُسْعدا وَالدَّمْعُ أشْفاهُ ساجمه
قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت، فقلت له الباء في) بأن (بأي شيء تتعلق؟ فقال: بالمصدر الذي هو) وفاؤكما (فقلت له: فيم رفعت) وفاؤكما (؟ فقال: بالابتداء. فقلت: فأين خبره؟ فقال) كالربع (فقلت: له هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر. وأنشدني بيتا أنشده أبو الحسن الأخفش، وهو:
لَيستْ كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دارها تكريتَ تَرقبُ حَبّه أنْ يحُصَدَا
[ ٧٧ ]
فأبدل إيادا من) مَنْ (في قوله) من حلت (ومعناه لسنا كمن حلت دارها إياد، أي كأياد التي حلت دارها، فدارها الآن ليست منصوبة) بحلتْ (هذه. وإنْ كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا من تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه) حلتْ (هذه الظاهرة، كأنه قال فيما بعد حلت دارها، وكذلك العطف والتوكيد وجمع ما يؤذن بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنهم لا يجيزون مررت بالضارب أخيك زيدا على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد بقيت منه بقية وهي زيد لأنه منصوب بالضارب، ولا يجيزون مررت بالضارب وزيد عمرا، لأنك لا تعطف عليه وقد بقيت منه بقية، وكذلك لا يجيزون أن تعلق الباء في) بأن تسعدا (بالوفاء، وقد أخبرت عنه بقولك كالربع، فإذا لم يجز ذلك كانت الباء) بأن (متعلقة بفعل محذوف يدل عليه قوله) وفاؤكما (فكأنه لما قال) وفاؤكما كالربع (قال) وفيتما بأن تسعدا (وإن لم يقدره هذا التقدير فسد الإعراب وكذلك قوله تعالى) إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر (معناه والله أعلم إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، إلا أنه لا يجوز أن يكون إعرابه الآن على هذا، لأن الظرف الذي هو يوم تبلى السرائر على هذا التقدير يكون متعلقا بالرجوع وقد فصل بينهما بقوله) لقادر (، وهو خبر إن وهو أجنبي من المصدر، ولا يجوز على الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي) وأشجاه (أي اشده شجةا، كما تقول أحزنه وآسفه، ومعنى البيت كنت أبكي الربع وحده فصرت أبكي وفاء كمامعه، أي كلما ازددت بالربع وبوفائكما وقوله أشجاه طاسمه أي كلما تقادم عهده أحزن كما قال زهير:
وَقَفْتُ بها مِنْ بَعد عِشْرِينَ حِجَّةً فَلايًا عَرَفْتُ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
فكأنه كلما خفيت الآثار، واضمحلت الرسوم، زاد شجوه وبكاؤه، وهذه طريق معروفة، وقد تصف العرب الرسم ببقائه، لأنه حينئذ أدل على ساكنه وأقرب إلى تذكره، كما قال أبو صخر الهذلي:
كأنهما مِلآن لَمْ يَتَغِيرا وقد مَرَّ للدَّارَيْنِ من بَعْدِنَا عَصْرُ
وما منهما إلا له نظائر كثيرة.
وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: قوله) بأن تسعدا (متعلق بقوله) وفاؤكما (إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله) كالربع أشجاه طاسمه (وينبغي أن يكون أضمر قوله) وفاؤكما (بعد تمام النصف الأول، ليكون الموصول متعلقا بالصفة، والشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المحزون والمكروب قال الفرزدق:
ألمْ تَرَ أنّي يَومَ جَوّ سُوَبْقَةٍ بَكَيْتُ فنَادتِني هُنيدَةُ مَاليا
فَقُلْتُ لها إنَّ البكاءَ لراحَةٌ به يَشْتفي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيا
وقال ذو الرمة:
لعلَّ انحِدَارَ الدَّمعِ يُعْقِبُ رَاحَةً مِن الوَجْدِ أو يَشفي نَجِيَّ البَلابَلِ
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لا مهما على أنهما لم يسعداه، وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد مخاطبة عينيه، وكلامه يدل على غير ذلك، والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه، ولو بكيا معه لكان ذلك زائدا في بكائه) وأشجاه (هاهنا اسم فيه معنى التفصيل.
وما أنا إلاَّ عاشِقٌ كُلُّ عاشِقٍ أعَقُّ خليلَهِ الصفِيَّينِ لائِمُهْ
قال ابن جني: انقطع الكلام على قوله) وما أنا إلا عاشق (، ثم استأنف فقال: كل عاشق من حاله ومن أمره كأنه ينهى صاحبه عن لومه، وفي قوله) أعق خليليه الصفين لائمة (شبهه يسأل عنها فيقال: لا يقال أعق الرجلين زيد حتى يشتركا في صفة العقوق، ثم يزيد زيد على صاحبه، فإذا حكم لهما بأنهما صفتان فأي عقوق هناك؟ والجواب أنه يريد أنه إذا كان له خليلان صفيان، ثم لامه أحدهما، فقد زال عنه وصف الصفاء، وحصل له وصف العقوق بلومه إياه، كما قال الله تعالى) أصحاب الجنة خير مستقرا وأحسن مقيلا (. ومعلوم أن أصحاب النار هم أصحاب الشر ولا خير في مستقرهم البتة، فقد علمت بهذا أنهما لم يشتركا في الخيرية فهذا نظير ذاك.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله) أعق خليليه (دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وَقَدْ يَتَزَيَّا بالَهوىَ غَيْرُ أهلِهِ وَيَسْتَْحِب الإنسانُ منْ لا يُلائمه
[ ٧٨ ]
قال ابن جني: كلمته في) يتزيا (فقلت له هل تعرفه في شعر أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف أقدمت عليه؟ فقال: لأنه قد جرت به عادة الاستعمال، فقلت: افترضي بشيء تورده باستعمال العامة، ومن لا حجة في قوله؟ فقال: ما عندك فيه شيء؟ فقلت: قياسه يتزيى. فقال: من أين ذلك؟ فقلت: لأنه من الزي والزي ينبغي أن تكون عينه واوا، وأصله زوي، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكساره ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ويدل أيضا على أن عين الزاي واو أنه لا يقال لفلان زي، إذا كان له شيء واحد مستحسن حتى يجمع له أشياء كثيرة حسنة، فحينئذ يقال له زي. فقال: فكأنك تقول إنه من قوله ﷺ " زويت لي الأرض "، ومن قول الأعشى: زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَلَّى المحَاجمُ أي جمعت وجمع. فقلت له: إلى هذا ذهبت، فأصغى نحوها ثم قال: لم ترد في الاستعمال إلا يتزيا.
بَكيتُ على الأطلال إنْ لمْ أقِفْ بهَا وقَوفَ شَحيحٍ في التُرْبِ خَاتُمه
قال ابن جني: طعن بعضهم في عجز هذا البيت فقال: ليس لفظه في جزالة لفظ صدره، ولا في وقوف الشحيح على طلب خاتمه مبالغة يضرب بها المثل، فأما اللفظ فليس ببدع، بل تقدم بنظيره فحول الشعراء فأولهم امرؤ القيس في قوله:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَه عليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي
فليت شعري أين لفظ أول هذا البيت من لفظ آخره ومثله كثير، وأما ذهابهم إلى نقصان المعنى، وأن وقوف الشحيح على طلب خاتمه مما يتباهى في ضرب المثل به فساقط أيضا، لأن الله ﷾ لا يقاس به شيء يقول في محكم كتابه) الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح (فليت شعري هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح أن يفي بنور الله تعالى، ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتتجاوز الحد، فقد تقصد أيضا فيه، وتستعمل المقاربة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر الفصيح. قال الراجز: فَهُنَّ حَيرَى كَمُضِلاَّتِ الخَدمْ جمع خدمة وهي الخلخال.
وقال الشيخ ﵀: لا يجوز إلا كسر التاء في قوله) خاتمه (إذا كان في القافية لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله) وأنكر خاتماي الخنصرا (.
قال ابن فورجه: وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكي أنه صحف هذا المصراع، فخرج من هذا الاسترذال فقال) وقوف شجيج ضاع في الترب خاتمه (والشجج من صفات الوتد، يريد وقوف الوتد المتروك في الدار) وصاع (بمعنى تفرق، بمعنى صارت له عروق في التراب، وعلق فأورق وبيت الشيخ أبي العلاء ﵀ في هذا المعنى في السماء جودة وهو: غصْنُ الشَبابِ عصَى السَحابَ فلم يَعُدْ ذَا خُضْرةٍ إذ كلُّ غُصْنٍ أَخْضَرُ
قد لأوْرَقَتْ عُمدُ الخيامِ وأعشَبَتْ شُعُبُ الرّحالِ ولوْنُ رأسي أغبَرُ
ولقد سَلَوْتُ عن الشَباب كما سَلا غَيري ولكنْ للحَزين تَذكر
وخاتمه بمعنى ثابته وقد فعل ذلك في قوله:
وأَكَبرُ آيات التهاميّ آيةً أبُوكَ وأحدَى ما لَكمْ منَاقِبِ
من التصحيف فخرج من أن يكون كفرا، وأكبر آيات التهامي آية أبوك، يعني به علي ابن أبي طالب ﵁، ولا ينكر أنه آية من آيات رسول الله ﷺ ومعجزانه.
قفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهجَتي بثانِيةٍ والمُتْلِفُ الشيءَ غارِمُه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت: الأولى هي الفاعلة فقال: نعم، يريد أنه نظر إليها نظرة فأتلفت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى، لترجع إليه نفسه، فجعل الأولى كأنها في الحقيقة هي الغارمة، لأنها كانت سبب التلف، ومثله في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نَظرتُ فرَدَّ نَظَرَتِي الهَوى بحزِيزِ رامَةَ والمَطي سَوامِ
أي حملني على أن أعدت النظر كذا فسروه.
وقال الشيخ أبو العلاء: " الولي " رفع بفعلها، ومهجتي نصب، لأن الغرامة وقعت عليها، والمراد قفي يا محبوبة ليغرم اللحظة الأولى التي لحظتك مهجتي، أي يغرمها بلحظة ثانية، وذلك لأنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته، ووجبت عليها الغرم، فإن لحظ ثانية عاش حتى قال ابن فورجة: هذا المعنى مثل قول القائل ولا اعلم أقبل أبي الطيب أم بعده.
[ ٧٩ ]
يا مُسْقِمًا جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ في النَّظْرَةِ الأُخْرىَ إليْكَ شَفائِي
إلا أن هذا البيت لا مجاز فيه، وبيت أبي الطيب فيه مجاز
فلا يَتَّهِمْنِي الكاشِحُونَ فإنَّنِي رَعَيتُ الرَّدَى حتى حَلتْ لي علاقِمُهْ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت له: ما وجه التهمة في هذا الموضع فقال: أن يظنوا بي جزعا، ونحو هذا قول أوس بن حجر:
لا تُحْزِنينِي بالفرَاقِ فإنّني لا تَسْتهِلُّ مِنَ الفِرَاقِ شُئُونِي
أي قد مرنت عليه، ومر بي أشياء كثيرة منه.
وقال الشيخ ﵀: لا تظنوني قد سلوت، وإنما أنا صاحب صبر قد جربت الأشياء، ودريت بالمرارة حتى حلا العلقم بفمي، ومعنى البيت أنه يصف نفسه بالوفاء، وأنه لم يسل عن أحبابه، ولكنه حسن الصبر.
وتكْمِلَةُ العَيْشِ الصِبّا وَعَقيبُه وغَائِبُ لَوْنِ العارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال الشيخ أبو العلاء: جعل العيش أربعة أقسام: الصبا وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه، وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرة وبياضهما أخرى، وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب، وكلاهما قدم، الآ ترى أن لون الشعر ينبت في وجه الأمرد يكون غائبا عنه دهرا، ثم يقدم بعد ذلك، والبياض جار مجرى السواد لأن الشيب يقدم بعد غيبة.
وقال ابن فورجة، قال ابن جني: إن أبا الطيب قال عنيت بعقيبه الشيب والهرم، لأنه يتلوه، والأولى عندي أن يعني الشباب، ألا ترى أنه قال بعده) وغائب لون العارضين وقادمه (. يعني كمال العيش بالصبا، ثم الشباب وسواد الشعر فيه، ثم الشيب، وهذا المعنى من قول ابن الرومي وهو أجود منه:
سُلِبْتُ سَوادَ العارِضَينْ وقبْلَهُ بَياضَهما المحْمودَ إذْ أنا أمْرَدُ
وأجود منهما قول الشيخ أبي العلاء وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير:
وعيشَتي الشّبَابُ وليس منها صِبايّ ولا ذَوَائِبيَ الهِجانُ
وكالنَّارِ الحَيَاةُ فمِن رَمَادٍ أواخِرُها وأوَلُها دُخَانُ
عَلى عاتِق المُلْكِ الأَغر نجادُهُ وفي يَدِ جَبَّارِ السمَواتِ قَائِمُهْ
قال الشيخ: من رواها الملك بضم الميم جعل الملك متقلدا لسيف الدولة يعني ملك بني العباس، وإن فتحت الميم فالمراد الخليفة.
ومن التي أولها: أيْنَ أرْمَعْتَ أيهُّذَا الهُمامُ قوله:
نَحْنُ مَن ضايقَ الزَّمانُ له في كَ وخانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال ابن جني: قال لي أردت) ضايقه (فزدت اللام، ولهذا الذي قال نظائر منها قوله عز اسمه: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " معناه والله اعلم إن كنتم تعبرون الرؤيا.
وقال الآخر:
أَلاِيدُ لأنْسَى ذِكَرَها فكأنما تُمثلُ لي لَيلى بِكُلِ سبيل
أي أريد أن أنسى.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله تعالى " للرؤيا تعبرون " حسن في تقديم اللام لأنها تقدمت على المفعول، وإذا قلت لزيد ضربت، فهو أحسن من قولك ضربت لزيد، أنك إذا قلت ضربت، فقد ذكرت الفعل وهو متعد، فكان دخول اللام مكروها، وإذا قدمتها فهي دليل على أن الفعل متصل بها، لأنه لم يعمل شيئا ولا استحق العمل، إذ لم يذكر، وإذا بدئ به فقد استحق العمل ونصب) قربك (لأنه مفعول ثان، ولا يجوز نصبه على الظرف، لأنه يصير دما للممدوح، وٌقرارا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه، وإنما) خان (هاهنا مثلها في قول الأعشى:
ومَا إنْ أرَى الدَّهَر في صَرْفِهِ يُغَادِرُ مِن شَارخٍ أو يفَنْ
أزَالَ أُذَيْنَةَ عَنْ مُلْكِهِ وأخْرَجَ مَنْ حصْنِهِ ذَا يَزَنْ
وخَانَ النَّعِيمُ أبَا مَالِكٍ وأيُّ اِمرئ صَالحٍ لم يُخَنْ
كُلُّ عَيْشٍ ما لم تُطِبْهُ حمِامٌ كُلُّ شَمْسٍ ما لم تكُنها ظَلامُ
قال الشيخ: يقيمون الهاء مقام خبر كان، وهو بإياها أشبه، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دَعِ الخَمْرَ يَشْرَبْها الغُوَاةُ فإنَّنِي رأيْتُ أخَاها مُغْنيًا بمكانِها
فَإلاَّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُ أخُوها غَذَتهُ أمُّهُ بِلبِانَها
وقالوا تكونها في معنى يكون فيها قال الشاعر:
[ ٨٠ ]
ولَّما رأى بَرقًا يُضيءُ ومَيضُهُ مَنازِلَ من أسماءَ كانت تكُونها
أي تكون فيها.
ومن التي أولها: إذا كانَ مَدْحٌ فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ
فَجازَ لَهُ حتى على الشَّمْسِ حُكمُه وَبانَ لَهُ حتى عَلى البَدْرِ مَيْسَمُ
قال ابن جني: الميسم الحسن أي فاق البدر في الحسن.
وقال الشيخ أبو العلاء: على في البيت حرف خفض، ومن جعله فعلا ماضيا فقد خالف غرض الشاعر، لأن المعنى فجاز له حكمه حتى حكم على الشمس وبان له ميسم حتى على البدر، أي أنه قد وسم البدر، لأجل ما يرى فيه من التغير فكأنه أثر وسم.
وقال الأحسائي: حكمه الذي جاز على الشمس أنه سار بجيشه ستر نورها، ولم يصب حرها أصحابه، وإذا سار ليلا أضاء الأرض وجهه ولمعان سلاحه، فلم يضر مغيبها في الليل، والميسم الحسن من قولهم وجه وسيم وله وسامة، وقال وسامة، وقال بعضهم: إن الميسم من الوسم وهو ما يرى في القمر من الكلفة فكأنه وسم بذلك.
ضَلالًا لَهذِي الرّيحِ ماذا تُرِيدُهُ وَهَدْيًا لهذا السَّيْل ماذا يُؤَمَّمُ
قال ابن جني: كانت الريح عارضتهم في الطريق فقال للريح ضلالا كما قال في موضع آخر: لَيْتَ الرّياحَ صُنَّعُ ما تَصْنَعُ وقال للمطر هديا لأنه شبهه بسيف الدولة في سحه ألا تراه يقول بعده:
تَلاكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بعضَه مِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَادِقَ المُتَعَلَّمُ
أي أنت حاذق بالصب والسكب وهو متعلم فجاء تاليا لك.
وقال الشيخ أبو العلاء: نصب) ضلالًا (على المصدر، كأنه قال أضلت الريح ضلالا، أي شيء تريده؟ وبنى هذا المعنى على قول الناس هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي أنها إن هبت تباريك فقد ضلت، كأنه دعا عليها بالضلال، وقال هديا لهذا السيل، كأنه دعا له بالاهتداء أي هداه الله هديا ماذا يؤمم أي ماذا يقصد.
كأجْناسِها راياتُها وشِعارُها ومَا لَبسَتْهُ والسلاحُ المُشَمَّمُ
قال ابن جني: يقول جميع ما في عسكره عربي خيله وسلاحه وشعاره وملبسه قال الشيخ: يريد أن في الجيش رايات مختلفات الشكول، وكذلك الشعار الذي هو مختلف، لأنه ادعى أن فيه قبائل بعضهم يقول يال عقيل، ومنهم من يقول يال تميم، وغيرها من القبائل وهذا يشابه قوله: تَناكَرُ تَحْتَهُ لَوْلا الشَّعارُ والمشمم يجوز أن يكون من الشم ويجوز أن يكون من شممت الشيء إذا أصلحته.
عَلى كُلَّ طَاوٍ تحتَ طَاوٍ كأنَّهُ مِنَ الدَّمِ يُسقى أوْ مِنَ اللَّحمِ يُطعمُ
قال الشيخ: على كل طاو من قولهم طوى الرجل إذا لم يأكل شيئا) على كل طاو (أي على كل فرس لم ترع، ولا علق عليق، يقال هو طاو بين الطوى وحكاه سيبويه وأجراه مجرى السمن والشبع والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تستقي من دماء الأعداء، وتطعم من لحومهم، وذهب قوم إلى أن المراد أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها، وتشرب من دمائها، ولا يجعل هذا القول غرض الشاعر لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم، أبلغ في المديح.
أما القوم الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبل مسافرة لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز:
وَبَلدَةٍ باتتْ على خزومِها شاكية الأكوارِ مِن لزُومِها
كأنها تَلاتعُ في لحومِها ومن التي أولها: وَاحَرَّ قلباهُ مِمَّنْ قَلبُهُ شَبِمُ
فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمْمَتَه ظَفرٌ في طَيّهِ أَسَفٌ في طَيَّهِ نِعَمُ
قال الشيخ:) في طيه أسف (الهاء في طيه عائدة إلى الظفر، أي أن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك، لأنه هاب لقاك فهرب، وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك وقوله) في طيه نعم (الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف وقد شرح ذلك في البيت الذي يليه بقوله:
قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوْفِ واصْطَنَعتْ لَكَ المَهابَةُ مالاَ تَصْنَعُ البُهَمُ
وقال الأحسائي: العدو إذا فاتك فذلك الفوت ظفر له، وفي طي ذلك الظفر أسف على من قتل من أصحابه، وما نهب من أمواله، وفي طي ذلك الأسف نعم لك ولأوليائك. ويشبه قوله: مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائدُ
رِجلاهُ في الرْكضِ رِجلٌ واليدان يَدٌ وفِعْلَهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ
[ ٨١ ]
قال ابني جني: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه، كقول جرير:
مِنْ كُلَّ مُشْتَرفٍ وإنْ بَعُدَ المدَى ضرم الرّقاقِ مُناقِل الأجْرالِ
أي يتقي في جريه وطء الصخور، وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم.
وقال الشيخ:) وفعله (يعني الجواد، ما تريد كف راكبه وقدمه، أي هو جواد مدرب فإذا قصر عناه قصر في الجري، وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري، وكذلك إذا حرك قدمه ليمتري خصره فإنه يسمح بما يرضيه، ونحو من هذا المعنى قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
يُوشُونَهنَّ إذَا مَا آنسُوا فَزَعًا تَخْتَ السَّنَوَّرِ بالأقدَامِ والجِذَمِ
يعني بالجذم السياط، ويوشنهن يستخرجون ما عندهن في الجري.
وقال ابن فورجة: وإذا توقى وطء الصخور، على ما حكاه أبو الفتح لحذقه، فأي شبه بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته، متلائم وضع اليدين والرجلين، وما أراه إلا أعجب ببيت حرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه، فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الاشتباه، وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله: يهَوْين شَتَّى ويقعنَ وَفْقَا وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (من قول امرئ القيس:
فللزّجرِ أَلهوبٌ وللسَاقِ دِرَّةٌ وللسَّوْطِ أخرى غَربُها يَتَدَفَقُ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يريد أنه مؤدب، يتصرف من غير تحريك العنان، ولا القدم وإلى هذا ذهب قوله:
وأدَّبها طَولُ القِتالِ فَطَرْفُهُ يُشِيرُ إليها مِنْ بَعيدٍ فَتَفْهَمُ
ومُرْهَفٍ سِرتُ بين الموجَتينِ به حتى ضرَبتُ وَموجُ المْوتِ يلتَطِمُ
قال الشيخ: المرهف السيف الرقيق، وجعل نفسه سائرا بين الموجتين أي بين فريقين يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا وإنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار قال أبو ذؤيب:
فَجَاءَ بها ما شِئْتَ من لَطَمِيَّةٍ يَدومُ الفُراتُ فَوْقَها ويمُوجُ
وخطى أبو ذويب في هذا البيت، وقيل الدرة لا تكون في الفرات، وقيل أراد باللطمية الدرة التي تحمل في اللطيمة، وهي العير التي تحمل المسك.
وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات، وقيل أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماء كثيرا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل إنما أراد ماء الدرة نفسها في حسنها، وشبه ماء الدرة بماء الفرات.
لَيتَ الغَمامَ الذي عِندي صَوَاعِقهُ يُزيلُهنَّ إلى من عِنْدَهُ الدّيمُ
قال الشيخ: يعني سيف الدولة، وبصواعقه ما يلحقه منه من الأذية شبهها بالصواعق، الصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم، وربما كان معها برق يحرق يقال صاعقة وصاعقة قال الراجز:
يحَكُونَ بالهْندِيةِ اللوامِع تَبَوُّج لبَرْقِ عن الصَوَاقِعِ
والديم جمع ديمة وهي مطر ليس بالشديد يدوم أياما، وأقل ما يكون يوم وليلة وهو من ذوات الواو لأنه من دام يدوم وأنسوا بالياء فقالوا ديم المطر، ولم يردوها إلى الواو قال الراجز:
هو الجَوادُ ابنُ الجَوادِ ابنُ سَبَلْ إن دَيمّوا جادَ جَادُوا وَبَلْ
وقالوا كثيب مديم إذا سقته الديم.
بأيَ لفظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفةٌ تجَوزُ عِندك لا غُرْبٌ ولا عَجَمْ
قال ابن جني: الزعانف سقط الناس وسفلتهم، وقوله) لا عرب ولا عجم (أي ليست في قصاحة العرب، ولا تسليم العجم، الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
وقال الشيخ: الزعنفة طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها وزعانف أطرافه، وكذلك ما تدلى من أطراف الثوب، ويقال لما قشر عن السمك زعانف، والزعانف الذين يكونون في أطرافهم، وليسوا من صميمهم فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس قال الشاعر:
فَأّدنِ رباطَ الجَوْنِ مِنّي فإنَّهُ دنَا الشرُّ واحتلّ الجميعُ الزعانِف
وقال ابن فورجة: سمعت من ينشد) يخور عندك (وإن صحف فالمعنى جيد لأنه، شبه كلامهم لجهلهم بالخوار، ألا ترى إلى البحتري كيف قال يعني المستعين ﵀:
[ ٨٢ ]
بكى المِنْيرُ الشَرقِيُّ إذْ خَار فَوقَهُ على النَّاسِ ثَورٌ قد تدلَّتْ غَباغِبُه
وهذا يشبه تصحيف بعضهم قوله أيضا:
والصَّدْقُ مِنْ الكِرامِ فَبينًا أمِنَ الشَّرَابِ تَنوبُ أمْ مِنْ تَرْكه
صحف) فبينا (المكتوبة بألف التنوين فقال) فنبنا (يريد نبئنا من النبأ وهو الخبر مخفف الهمزة وهو جائز وهذا من سعادة هذا الرجل:
هَذَا عِتابُكَ إلا أنَّهُ مِقَةٌ قَدْ ضُمنَ الدُرَّ إلا أنَّهُ كَلِمُ
قال الشيخ: المقة أصلها الومقة فحذفت الواو التي فاء الفعل. فقيل مقة، ووزن علة، وهذا الحذف مطرد في هذا الباب، يقولون وزنت الشيء زنة، ووعدت الرجل عدة، فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا، يقولون في فلان ضعه وضعة، وفي وجهه قحة وقحة.
ومن أبيات أولها:
قَدْ سَمِعنا مَا قُلْتَ في الأحلامِ وَأنَلْنَاكَ بَدْرَةً في المَنامِ
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: كان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتا ذكر أنه رآها في النوم، وفيها شكية للفقر، فقال أبو الطيب هذه الأبيات والبدرة اصطلح الناس على أنها عشرة آلاف درهم، وقيل سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة، وهو جلد الفطيم، وجمعها بدر على غير قياس.
كُلُّ آخائِهِ كِرَامُ نَبِي الدُّنْيا ولكِنَّهُ كَرِيمُ الكِرَامِ
قال الشيخ ﵀: آخاه جمع أخ. كما يقال أب وآباء، وقلما يجمعونه هذا الجمع، لأنهم استغنوا بقولهم اخوة وإخوان، وأكثر ما يقولون في واحد الآخاء أخ، وقد حكوا أخا في وزن عصا، وينشدون بيتا قد كثر على ألسن الناس وهو:
إنَّ أخَاها وأخَا أخَاهَا قَدْ بَلَغَا في المَجدِ غايتَاها
وحكى الفراء) أخو (بسكون الخاء وأنشد:
لأَخْوَيْنِ كانا خيرَ أخْوَيْنِ شيمةً وأسرَعَه في حَاجةٍ أُريدُها
وذكر ابن دريد أن أبن الكلبي حكى أخ بالتشديد، وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله:
وكَفّي عن أذى الجيرانِ نَفسي وحِفظي الودَّ للأخَّ المُدانِي
وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير، فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب، وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي، ففيه زحاف ليس بمنكر، وقل ما يخلو بيت في الوزن في هذا الوزن منه.
ومن التي أولها: عَلى قَدْرِ أهل العَزمِ تأتي العَزائِمُ
يُفدّي أتمُّ الطّيرِ عُمْرًا سلاحَهُ نُسُورُ المَلا أحْدَاثُها والقَشاعِمُ
قال الشيخ ﵀: يعني بأتم الطير عمرا النسور، وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمسمائة سنة، وبعضهم يقول عمره ثمانون سنة، وهو أشبه ونسور الملا بدل من أتم الطير، والملا المتسع من الأرض واستعمل الأحداث للنسور استعارة من الإنس، والقشاعم المسان وأكثر ما يستعمل في النسور، وأدعى للنسور أنها تفدي سلاحه، لأنها كفتها أمر المطاعم، لكثرة قتل الممدوح الأعداء فتقع عليهم النسور، والنسر لا يقتض وإنما يسقط على الجيف وقد بين الغرض في البيت الثاني بقوله:
ومَا ضَرَّها خَلْقٌ بغيرِ مخَالبٍ وقد خُلِقتْ أسْيافُهُ والقَوَائِمُ
وقال ابن فورجة: قوله) وما ضرها خلق بغير مخالب (مما يسأل عنه؛ إذا كانت النسور لا تخلو من المخالب، فعن ذاك جوابان، أحدهما: أنه يعني الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ألا تراهم يقولون في المثل) أبر من النسر (ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسن آوى إلى الوكر، وجعل فرخه يزقه كما يزقه كما يزقه في حداثته ويوضحه قوله) أحداثها والقشاعم (يريد فرخها الذي لم ينهض، ومنها الذي عجز عن النهوض.
والجواب الثاني: أنه يريد ما ضرها لو خلقت بغير مخالب كما تقول ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار بمظلم، ولكنك تريد لو خلق مظلما.
وكانَ بها مثلَ الجنُونِ فأصْبَحَتْ ومِنْ جُثَُِ القَتْلى عليها تَمائمُ
قال الشيخ: ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اراد أهلها والجثث جمع جثة، وأصل ذلك ما رؤي من جسم الانسان، وقيل اجتث الشيء إذا أخذ كله أي استؤصلت جثته، والجث شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم قال الشاعر:
[ ٨٣ ]
فأوْفَى على جُث وللَيْلِ طُرَّةٌ على الأرض لم يكَفِفْ جوانبها الفَجْرُ
والتمائم تعلن على من يخاف عليه عين، أو يظن به سفعة من الجنون.
تُفِيتُ اللَّيالي كُلَّ شَيْ أخَذْنَهُ وهُنَّ لما يأخُذْنَ مِنكَ غَوَارِمُ
قال الشيخ ﵀: يقول الليالي إذا أخذن شيئا أفاتته، ولم يرجع إلى صاحبه، وهي إذا أخذت منك شيئا غرمته، وبعض الناس يروي) أخذته (وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى، لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئا لم يقدر على استرجاعه منه، وإذا أخذت منه شيئا غرمته.
إذا كانَ ما تَنْوِيهِ فِعْلًا مُضارِعا مَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقى عَلَيه الجوازِمُ
قال الشيخ ﵀: الجوازم الحروف التي تجزم، وأصل الجزم القطع، وسمى النحويون هذا الفن جزما، لأنه يقطع الإعراب من الأسم، ومنه قولهم حلف علي يمين جزم أي قطعها، ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما يقول فعلا مضارعا، وهو يصلح للأمرين للحال والاستقبال، أمضاها هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم، كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوا قتله قبل أن يقول قائل لم يقتله.
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسْنٍ وأُمَّةٍ فما تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إلا التَّراجِمُ
قال ابن جني: اللسن اللسان، وقرئ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه (والحداث جمع حادث بمعنى متحدث، قال علي بن سليمان في قول عقيبة الأسدي يهجو بلال بن أبي بردة:
وما أنَال حُداثِ أمَّكِ بالضحى ولا بالمُزَكّيها بظَهْرِ مغيبِ
له معنى ظريف وذلك أن أمه كانت مراقة، فيقول: لست ممن يقف عليها ليشتري منها، ولا بالمزكيا بظهر الغيب، أي لست ممن يقول لها: لحمك جيد وطبيخك طيب.
وقال الشيخ: يقال لبني فلان لسن أي لغة، في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمان يفسر له ما يسمع، والحداث الذين يتحدثون قال الشاعر،
أتيتْ معَ الحُداثِ ليلىَ فلم أُبِنْ وأَخْلَيْتُ فَاستَعْجمْتُ عِندَ خَلائي
ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادث، ولم يقولوا رجل حادث من الحديث استغنوا عنه بقولهم حدث حدث وجاء حداث على تقدير حادث.
بِضرْبٍ أتى الهَاماتِ والنَّصْرُ غَائِبٌ وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنصرُ قادِمُ
قال ابن جني: يقول: إذا ضربت عدوا، فحصل سيفك في رأسه، لم يعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، وإذا فلق سيفك رأسه، وصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا ولا يرضيك ما دونه.
وقال الأحسائي: يعني أن الروم كانوا مستظهرين في أول يومهم، حتى حمل عليهم سيف الدولة في غلمانه وخواص فرسانه فهزمهم، يقول: إن الضرب أتى الهامات، وعليها البيض، فلما قطع البيض وصار إلى اللبات انهزموا، فكأن النصر كان غائبا فقدم.
حقَرْتُ الرُّدينَّيات حتى طَرحْتَها وحتى كأنَّ السَّيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال الشيخ: الناس في الشام والعراق يروون هذا البيت شاتم، وله وجه أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه، ولو رويت للسيف شائم لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر لأنهم يقولون شام السيف إذا أغمده فكأنه يقول لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح، وليس من عادة الرمح أن يشام ولكنه لما عطل السيف الرمح كأنه شامه.
تَظُنُّ فِراخُ الفُتْحِ أنَّكَ زُرْتها بأُمَّاتِها وَهْيَ العِتاقُ الصَّلادِمُ
قال الشيخ: فراخ الفتخ العقبان، أي أنك زرتها بأماتها، أي بالعقبان، والأمات تستعمل لغير الإنسان، والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم، وقد جاءت الأمهات في البهائم قال الشاعر:
قَوَالُ مَعْروف مفَعضالُه عَقَارُ مَثْنى أمَّهات الربَاع
ووزن أمات فلات، ووزن أمهات فعلهات، وقد أظهروا الهاء في الواحد وأنشدوا رجزا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي ﷺ وهو:
إني لدَى الحَربِ رَخِيُّ اللَببِ مُعتَزمُ الصَوْلةِ عَالي النَسَبِ
عندَ تَنادِيهم بهَالِ وهَب أُمَّهتي خِنْدِفُ واليَأسُ أبي
[ ٨٤ ]
والعتاق الخيل الكرام، يقال عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت، والصلادم الصلاب، وإذا قيل إن الميم زائدة في شدقم؛ لأنه من سعة الشدق لم يمتنع أن تكون الميم في صلدم زائدة لأنه من الصلد وهو الصلب، ووزن صلادم على هذا فعالم، وإذا كانت أصلية فوزنه فعالل.
ومن التي أولها: أرَاعَ كَذَا كُلَّ الأَنَامِ هُمامُ
حِذارًا لمُعْرَوْرِي الجيادِ فُجاءَةً إلى الطَّعْنِ قُبْلًا ما لهنَّ لجِامُ
قال الشيخ: وصفه بأنه معروري الجياد، أي يركبها أعراء، وقد بالغ في مدحه مبالغة وجب ن ينزهه معها عن إعراء الجياد، إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله وقال: " ما لهن لجام " فوحد في موضع الجمع، وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن لجام الخيل، قال الشاعر:
غَدَاةَ مَرَرْتَ بآلِ الرَّبا بِ تُعْجَلُ بالرَّكْضِ أَنْ تُلْجِمَا
وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه، لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعروريه بغير سرج، وقال بعض الشعراء:
إذَا قِيلَ أيُّ فَتى تَعَلمُونَ لصَعلُوكِ فِهْرٍ ومحُتَاجِها
ومَن يُعجِلُ الخَيلَ يَومَ الوَغى بإجَامِها قَبلَ إسرَاجِها
أشارَتْ نِساءُ بَنِي غالِبٍ إليكَ بِه قَبلَ أزوَجِها
تَغُرُّ حَلاَوَاتُ النُّفُوسِ قُلُوبَها فَتَخْتارُ بَعضَ العَيشِ وَهو حمِامُ
قال ابن جني: قلوبها: قلوب النفوس، فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
ومن التي أولها: ذِكَرُ الصَّبا وَمَراتِعُ الآرامِ
لَوْ كُنَّ حَرَيْنَ كُنَّ كَصبَرِنا عِنْدَ الرَحيلِ لَكْنَّ غيرَ سِجامِ
قال الشيخ ﵀: يقول دموعنا غزيرة كثيرة، فلو كن كصبرنا يوم الرحيل لكن قلائل لا يجرين.
أنْتِ الغَرِيبَةُ في زَمانِ أهْلُهُ وُلدَتْ مكارِمُهُمْ لغَيرِ تمِامِ
قال ابن جني: أنت الغريبة، لأنه أراد الحال أو الخصلة كما تقول للرجل: إنك لأعجوبة، وإنك لداهية وعضلة.
قال الشيخ أبو العلاء: الأشبه أنه أراد أنت الدرة، ثم يحتمل أن يوقعها على كل خصلة محمودة.
مَهْلاَ ألا لله ما صَنَعَ القَنا في عمْرِو حَابِ وَضَبَّةَ الأَغْتامِ
قال ابن جني: أراد عمرو حابس، فرخم المضاف إليه، وهذا لا يجوز عندنا، لأن الترخيم هو حذف يلحق أواخر الأسماء المضمونة في النداء تخفيفا، والمضاف إليه معرب في النداء مجرور بإضافة الأول إليه، فلا يجوز حذفه. فأما ما رواه الكوفيون من قول الشاعر:
أبَا عُرو لا تبْعَدْ فكُلُّ ابْنِ حُرَةٍ سَيَدْعُوهُ دَاعِي يَوْمِهِ فيجُيب
فلا يعرفه أصحابنا على هذه الرواية وإنما، روايتنا) أيا عرو (كما تقول يا طلح.
وذِرَاعُ كُلَّ أبي فُلانٍ كُنْيَةً حالَتْ فَصاحِبُها أبُو الأيْتامِ
قال ابن جني: كأنه قال ثم أحجار ناس وثم ذراع كل أبي فلان، أي ذراع مقطوعة من رجل كان يكنى أبا فلان زيدا أو عمرا أو غيره، فحالت كنيته فصار صاحبها يقال له أبو الأيتام، بعدما كان يقال له أبو فلان، وذلك لأنه هلك فيتم ولده ونصب كنيته على الحال من أبي فلان، أي كنيته وليست نسبا، ويسأل عن هذا فيقال إن الاسم الذي يقع بعد كل أداة واحد في معنى جماعة، ولا يكون إلا نكرة نحو قولك: " كل رجل في الدار " فلست تعني رجلا واحدا، ولا يجوز أن تقول " ضربت كل عبد الله " وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان؟ وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فينبغي أن يكون) أبي (معرفة لإضافته إليه، فالجواب أنه اضطر إلى تقدير الفصل، وبينه فكأنه قال كل أب لفلان أبي كل إنسان، يقال له أبو فلان، كما يقول: " رب أمه لقيته " و" رب عبد بطنه ضربته " أي رب واحد لأمه ورب عبد لبطنه.
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: هذا تأويل لا يحتاج إليه، لأن كل علم من المعارف مثل عمرو وزيد لا يمتنع من تنكير فلان، وفلان في بيت المتنبي نكرة لأنه أخرجه مخرج قولك: " جاءني كل أبي علي في المصر " ففلان معرفة وقد صار نكرة، وأبو نكرة مثله، وليس يحتاج في هذا الموضع إلى تأويل فصل الإضافة لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون فلان معرفة ولا يجوز تنكيرها، وذلك مستحيل لأن الاسم المعروف إذا جاز تنكيره فالتنكير إلى ما يكنى عنه به أسرع.
[ ٨٥ ]
صَغرْتَ كُلَّ كَبيرةٍ وكبرت عَنْ لكأنَّهُ وَعَدْتَ سِنَّ غُلامِ
قال الشيخ ﵀: يقول إنه صغر كل كبيرة، لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا بفعله غيره، وكبرت عن لكأنه يشبه قوله:
أمِطْ عَنْكَ تَشْبِيهِي بِما وكأنَّهُ فما أحَدٌ فَوْقِي ولا أحَدٌ مِثْلي
أراد أنه يكبر عن التشبيه، وأن يقول القائل كأنه الأسد، وكأنه السحاب، ونحو ذلك، فأدخل لام الابتداء على كأن، وذلك قليل جدا، والقياس يمنع منه لأن الكاف أول كلام، وقولهم: " كأن زيدا عمرو " مؤد معنى قولك كزيد، فجاز دخول اللام على الكاف، كما جاز دخولها في قولك: " لفلان أفضل من فلان " ثم ختم البيت بقوله:) سن الغلام (أي أنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام.
ومن التي أولها:
عُقْبى اليمينِ عَلى عُقْبى الوَغى نَدَمُ ماذَا يَزيدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ
قال ابن جني: هي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة، وقلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: أنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاما من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال كانت وداعأ.
وقال الشيخ: المثل القديم) اليمين حنث أو مندمة (وكأن مراد الشاعر إن عقبى يمين الحالف على عقبى الوغى، أي ما تعقبه الحرب ندم، لأنه لا يدري ما يكون فكأنه يشير بترك الحلف.
الرَّاجعُ الخَيْلَ نُحْفاةً مُقَوَّدَةً مِن كُلَّ وبارِ أهْلُها إرَمُ
قال الشيخ: الراجع الخيل يعني الممدوح، قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك، و) وبار (موضع كان مسكونا ثم خلا من أهله، والعرب تضرب به المثل في البعد، وإرم هو أبو عاد ابن إرم بن سام بن نوح، والمثل يضرب في الفناء قال الراجز: مَنْ يَلْقَني يُودِ أوْدَتْ إرَمْ أي خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو خال مثل وبار، وأهله هالكون مثل إرم.
وقال ابن فورجة: أي أحفاها كثرة السير، فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد؛ لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال، ألا تراه يقول:
وكُلَّ جَوَادٍ تَلْطِمُ الأرْضَ كَفُّهُ بأغْنَى عَنِ الحَديد منَ النَّعْلِ
وقوله أيضا:
تَمَاشَى بأيدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفا تَفَشْنَ بِهِ صَدْرَ البُزَاةِ حَوَافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم، وهي لم تتعود إلا البر، ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقيل فهلا أنعلها إذ ألقت النعال، وهو ملك لا يعوزه النعال حيث سار، ويجوز أيضا أن يكون من الإحفاء الذي هو التقصي، كالخبر أنه ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
جَيْشٌ كأنَّكَ في أرْضِ تُطاوِلُه فالأرْضُ لا أمَمٌ والجَيْشُ لا أمَمُ
قال الشيخ: يقول كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة، وعدد الجيش كثير فكرهما غير أمم، والأمم الشيء بين الشيئين يقال: دار بني فلان أمم أي بين القريب والبعيد. قال الشاعر:
طَرقَتْهُ أسمَاءُ أمْ حَلَمَا أمْ لمْ تكُن من رِحَالِنَا أمَمَا
إذا مَضَى عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ وإنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
قال الشيخ: العلم من الأرض مثل الجبل، وعلم الجيش معروف، وكلاهما من العلامة، لأنه مؤد إلى العلم بالشيء، [ولو قال] وإن بدا عالم منه بدا علم، لكن أحسن في حكم الشعراء، ولعل أبا الطيب كذلك قال، لأن تكرير العلم في البيت كثير، وقوله في صفة الجيش بدا عالم يقلل تردد العلم ويدل على كثرة الجيش.
فَمَا تَرَكْنَ بها خُلْدا لَهُ بَصَرٌ تَحْتَ الترابِ ولا بَازًا لَهُ قَدَمُ
قال الشيخ أبو العلاء: يقول ما تركن في هذه الناحية خلدا، أي رجلا قد دخل في مغارة كما يدخل الخلد في الأرض، إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه، ويخالفه في نظره، ولا بازا له قدم، يعني رجلا مثل الباز يكون في أعالي الجبال إلا أنه له قدم.
تَلْقى بهمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبةٌ عَلَى جَحافِلِها مِنْ نَضْحِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوَارِسُها رُكّابُ أبْطُنِها مَكْدُودَةٌ وَبِقَوْمٍ لا بها الأَلَمُ
[ ٨٦ ]
قال الشيخ: التيار الموج، والمقربة الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت، والرثم بياض جحفلة الفرس العليا، وإذا كان البياض في السفلى قيل فلاس المظ، وابتدأ الشاعر بصفة الخيل المعروفة، ولم يزل مستمرا على ذلك إلى قوله) دهم (ثم دل ذلك أنه يريد السفن يعني أنها مطلية بالقار وجعل فوارسها ركاب أبطنها، فدل ذلك على أنه يريد السن لا غير.
وقال ابن فورجة: أرسناس نهر عظيم يقول ظنوا أنهم إذا جاوزوه حال بينك وبينهم، وكيف بعصمهم وهو نفسه ليس يعصم منك، لأنك تقطعه وتركبه بالخيل والسفن وهي المقربة التي ذكرها، والرثم بياض في الشفة العليا من الدابة شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
والأَعوجِيَّةُ مِلَْ الطَّرْقِ خَلفهُمُ وَالمشرَفِيَّةُ مِلءَ اليومِ فَوْقَهُمُ
قال الشيخ: نصب) ملء الطرق (بإضمار فعل كأنه قال: والأعوجية تردى أو تركض في حال ملئها للطرق، والإضافة على نية الانفصال كأنه قال: ملأ للطرق أي مالئه، ونصب) ملء اليوم (على نحو من هذا النصب.
وقال ابن فورجة: لما كانت الخيل مما يبسط في الأرض، جعل الطرق منها ممتلئة، ولما كانت السيوف مما يعلو في الجو ويهبط عند الضرب، جعلها ملء النهار لأن النهار ما بين السماء والأرض.
ومن التي أولها:
أنا لائمي إنْ كُنْتُ وَقْتُ اللَّوائِمِ عَلِمتُ بما بي بَينَ تِلْكَ المَعالِمِ
قال ابن جني: هذا كقولك أنا مثلك إن كان كذا وكذا، ونظيره قوله:
عُيُونُ روَاحِلي إنْ حَرْتُ عَيْني وكُلُّ بُغامِ رَزِحةٍ بُغامِي
أي أنا مثل الإبل إن حارت عيني، والمعالم جمع معلم، وهي الآثار والأمارات قال ذو الرمة:
أو دمْنَةُ هَيَّجتْ شَوقًا مَعالِمُها كأنها بالهِدَمْلاتِ الرَّواسِيم
وقال الشيخ: في البيت معنى القسم، لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا وإثبات الألف في أنا عند بعض النحويين ضرورة، وعلى ذلك يحملون قول حميد بن بحدل الكلابي:
أنا زَينُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي حُمَيْدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
والمعنى على هذا القول: أنا لائمي إن كان كذا، لأن اللائم عنده قبيح الشيمة مذموم الأفعال، ولو حمل قوله) أنى (على أنه فعل ماض من أنى الشيء يأني إذا حان وبلغ ميقاته، من قوله الله تعالى:) ألم يأن للذين آمنوا (لكان ذلك وجها حسنا، وسلم من إثبات الألف في غير موضع الإثبات، ويكون المعنى بلغ لائمي ما يريد إن كان ما ذكرت.
دِيارُ اللواتي دارُهُنَّ عَزِيزَةٌ بطُولِ القَنَا يُحْفَظْنَ لا بالتمَائِمِ
قال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، وإنما أتيت بذكره لنكتة وهي أنني قرأت على أبي العلاء، فقلت له: أنشد بطول القنا، أو بطولي القنا على وزن كبرى وصغرى، فقال: ما رويت إلا بكسر للام، فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد، فهلا أنشد بطولى يراد بها طوال القنا، ليكون جمعا مع جمع، هذا أجود في صنعة الشعر. فقال: ما اخترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
فَمالِي وللدُّنيا طِلابي تُجُومُها ومَسعَايَ منها في شُدوقِ الأرَاقِمِ
قال الشيخ ﵀: طلابي مبتدأ، ونجومها خبره، والمعنى الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول، فكأنه قال مطلوبي نجومها، ولو نصب نجومها لجاز، كما يقول: " ضربي فلانا " وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانا يفعل كذا، قال الراجز:
وَرأُيُ عَيْني الفَتَى أَخَاكا بُعْطي الجَزِيلَ فَعَلَيكَ ذَاكَا
يقول مالي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور، ومسعاي في شدوق الأراقم، أي في موضع الهلكة، التي لا تؤدي إلى فائدة.
وفَارَقتُ شرَّ الأرضِ أهلًا وتُرْبَةً بها عَلَويٌّ جَدَّهُ غَيرُ هَاشِمِ
قال الشيخ: الأجود أن تكون الهاء في بها راجعة إلى تربة، وتكون الجملة في موضع نعت لها، وقوله) بها علوي (إقرار بالعلوية، ثم نفاه عن هاشم، أي أن هذا الممدوح ينسب إلى علي بدعواه، وليس هو من ولده واسم هاشم عمرو بن مناف.
كأنكَ ما جاوَدْتَ مَنْ بَانَ جُودُهُ عَليكَ ولا قَاتلتَ مَنْ لم تُقاوِم
قال ابن جني: يقال جاودني فجدته، أي كنت أجود منه، من الجود والجودة معا.
[ ٨٧ ]
قال الشيخ: يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهم به، وإذا اجتهد في طلب شيء ولم يدركه، فكأنه ما طلبه، وهذا البيت مخاطبة لغير الممدوح، يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده وإذا قابلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاومه.
ومن التي أولها:
كُفي أرَاني زَيْكِ لَوْمَكِ ألوَما هَمٌّ أقامَ على فُؤادٍ أنْجَما
قال الشيخ أبو العلاء: النصف الأول يحتمل وجين: أحدهما: أن يكون مستغنيا بنفسه، يقول كفى لومك فإني أراني ألوم منك، أي ألومك أكثر من لومك إياي، وويك كلمة لم يصرف منها فعل، وأصحاب اللغة يزعمون أمن معناها التنبيه على الشيء، كأنهم يريدون ألم تروا في الكتاب العزيز:) ويكأنه لا يفلح الكافرون (فذهب الخليل فيما يرون إلى أنه قال: " وي " على معنى التعجب، ثم قال كأنه لا يفلح الكافرون، وهذا مذهب من يقول: " ويك " بلا أن وقد جاءت مع أن الخفيفة في قول الشاعر:
وَيْ كأنْ مَنْ يكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ بَبَ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرَّ
فإذا جعلت " وي " كلمة والكاف للخطاب، وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول: أن يكون متعلقا بالنصف الثاني، ويكون هم مرفوعا بقوله أراني، كأنه قال أراني لومك ألومك هم أقام على فؤاد أنجم، في أنجم ضمير يعود على الفؤاد، أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم، فيكون قوله) ألوما (أي أحق باللائمة مني حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداء مضمر، أو فعل أو خبر مقدم كأنه قال: هذا هم أو أصابني هم أو بي هم.
لمْ تَجْمَعِ الأضْدادَ في مُتَشابِهِ إلاّ لتَجْعَلَنِي لِغُرْمِي مَغْنَما
كصِفاتِ أوْ حَدِنا أبي الفَضْلِ التي بَهَرَتْ فأنْطَقَ واصِفيهِ وَأفْحَما
قال الشيخ ﵀: يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطلق الواصفين فوصفوه حتى فحموا، أي انقطع ملامهم، ويقال بكى الصبي حتى فحم، أي عجز عن البكاء، وقالوا أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر، ويجب أن يكون أخذ هذا اللفظ من الفحم المعروف، لأنهم يريدون أن الخاطر كان كالنار الموقدة فأنقطع إلى أن صار كالفحم، قال الهذلي.
أصَخْر بنَ عَبد اللهِ كُنْتَ شاعِرًا فإنك لا تُهْدِي القَوافي لُمفْحَمِ
قال ابن فورجة: الأضداد هي الليل والشمس في قوله) شمس النهار تقل ليلا مظلما (ونحافة الغصن وكثافة النقا، في قوله: غُصنٌ على تَقَوَىْ فلاةٍ نابِتٌ والمتشابه يريد تشابه حسنها وتمثاله، وهذا كقول الأول:
إني غَرِضْتُ إلى تَناصُفِ وجْهِها غَرَضَ المُحبّ إلى الحَبيبِ الغائِبِ
تناصف وجهها أي كونه غير متنافر الحسن، ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح، إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها، ثم أفحمتهم بعجزهم عن إدراك كنهها، فهذان ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة، وجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
يا أيها المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَرًا من ذاتِ ذي المَلكوتِ أسمىَ مَن سما
قال ابن جني: أي من ذات الله، وبالغ عز الله وعلا، وأسمى هاهنا اسم مضاف إلى من، وموضعه نصب لأنه منادى، فكأنه قال: يا أعلى من علا، وأرفع من ارتفع ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
وقال الشيخ: جعل الممدوح خاصا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض، وخلقها بالإرادة، والقائل لها مذموم وإن رضي الممدوح بذلك، فقد أقدم على أمر يستعظم والملكوت فعلوت، والتاء في ذات أصلها هاء، ولكنها استعملت مضافة " وأسمى من سما " في موضع خفض نعت لله سبحانه.
نُورٌ تَظاهَرَ فيكَ لا هُوتِيَّةً فَتَكادُ تَعَلمُ عِلْمُ مَا لَنْ يُعْلَما
[ ٨٨ ]
قال ابن جني: لاهوتية كقولك إلاهية، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أولعت بها، ونصب) رهوتية (على المصدر، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في) تظاهر (. ولو كان اللاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من) إله (الذي أدخل عليه الألف واللام، وصار علما لله تعالى، وذلك في أحد قولي سيبويه، ويكون كوزن الطاغوت، إلا أن الطاغوت مقلوب، واللاهوت لو كان عربيا لكان غير مقلوب فيكون على هذا فعلوتا بمنزلة الرهبوت والرحموت.
وقال الشيخ ﵀: نصب) لاهوتية (على التمييز، ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال، وإن كان النور مذكرا لأنه لا يمكن أن يقول تصور فلان رحمة، ويجوز أن تنصب) لاهوتية (لأنها مفعولة له أو من أجله، وبعض الناس يروي) لاهوتيه (بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور،
وَيهُمُّ فِيكَ إذَا نَطَقْتَ فَصاحةً من كلَّ عضْوٍ مِنكَ أن يَتَكلَّما
قال الشيخ: في) يهم (ضمير يعود على النور، ويجوز أن تكون) فصاحة (منصوبة على التمييز، وأن تكون مفعولا له، يقول يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضو فيك، ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء.
وقال ابن فورجة: ويجوز أن تكون) من (مقحمة ويكون فاعل) يهم (كل عضو، وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني، تريد ويهم كل رجل، ويكون ضمير) يتكلم (أيضا للعضو، وعلى التأويل الأول للنور.
ومن التي أولها: ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيرَ مُحْتَشِمِ
أبعَدْ بَعِدتَ بَياضًا لا بياضَ لَهُ أنْتَ أسْوَدُ في عَيْنِي مِنَ الظُلَمِ
قال الشيخ:) أسود (في هذا البيت لا يراد به أشد سوادا، لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضوع، ولا في النفي إلا بأشد ونحوها ويقولون: هذا أشد حمرة من الشقيق، ولا يقولون هذا أحمر من الشقيق وكذلك في التعجب ما أشد سواده، لا يقولون ما أسوده، ولم يجعله أشد سوادا من الظلم وإنما أراد أنه بعضها كما تقول فلان مسود من الليل، أي كأنه منه، ويحمل البيت المتقدم على أنه أراد لأنت أسود من جملتها، وقد أنشدوا بيتا شاذا وهو قول الراجز:
جارِيَةٌ في دِرْعِها الفَضْفاضِ أبْيَضُ مِنْ أختِ يَنِي إباض
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه، ويكون قوله) في درعها الفضفاض أبيض (أي في درعها جسد أبيض من أخت بني إباض، فيكون أبيض وصفا بالبياض، ويكون من هاهنا كما تقول للرجل من فلان صديق، وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
إذا الرَّجالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أكْلُهُمُ فأنْتَ أبْيَضُهُم سِربَالَ طَبَّاخِ
يريد أنت مبيضهم، أي ثوبك أبيض، ولا يريد أن ثوبه أشد بياضا من ثيابهم وإنما هو كما تقول هذا كريم من بني فلان، أي أنت كريم وأنت منهم، ونحو هذه الأبيات في أن) أفعل (لا يراد به التفضيل قول القائل:
وأَعنَقُ من أولاَدِ ذروة لم أجِئ بإعطائِهِ عَارًا ولا أنا نادِمُ
لم يرد أنه أطول عنقا من أولاد ذروة، وإنما أراد أنه طويل العنق فإنه من أولادها.
بحُبَّ قاتِلَتِي والشَّيْبِ تَغْذيَتِي هَوَايَ طِفلا وشَيْيبِي بالغَ الحُلمِ
قال الشيخ: تم الكلام عند قوله) تغذيتي (ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني فقال) هو أي طفلا (جعل هواي دالا على الفعل، كأنه قال هويت طفلا ونصب) طفلا (على الحال، وقوله) وشيبي بالغ الحلم (أي شبت حين بلغت الحلم، والنصب في بالغ الحلم كالنصب في قوله هويت طفلا على الحال.
قَبَّلْتُها ودُمُوعي مَزْجُ أدْمُعِها وقَبَّلَتْنِي على خَوفٍ فَمًا لِفَمِ
قال ابن جني: نصب) فما (على الحال كما تقول، كلمته فاه إلى في، وتفسيره مشافها إلا أن المسموع فاه إلى في، فقاس هو هذا عليه، كما قال أيضا:
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أعادِيَهُ أقائِمًا نالَ ذَاكَ أمْ قاعِدْ
فقياس) لا يبل (على) لم يبل (وهو المسموع.
وقال الشيخ ﵀: نصب) فما (بفعل مضمر، أو أسم فاعل يقوم مقام الفعل كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي، أو جاعلة فمها إلى فمي، وقوله) فما (موضوع موضع الحال، وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في، أي جاعلا فاه إلى في، وأما قول الشاعر:
تحَسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقَنَ أنَّني بِهَا مُفْتَدٍ من صَاحبٍ لا أُساوِرهُ
[ ٨٩ ]
فقلتُ له فاها لفيك فإنها قَلوصُ امرئ قارِيكَ ما أنتَ حاذِرْه
فقوله) فاها لفيك (منصوب بفعل مضمر، كأنه قال تلقي فاها إلى فيك، يعني الداهية أو ضربة أو طعنة استعارها فما، وهواس يعني أسدا يطلب شيئا بالليل وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء.
قد كلَّمتها العَوالي فهيَ مالحِةٌ كأنّما الصَّابُ مَعْصُوبٌ على اللَّجمِ
قال ابن جني: كلمتها من الكلوم وهي الجراح، وقالوا في قوله تعالى) أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم (أي تخرجهم بركلها إياهم، وقال حسان: لو يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ ولدِ الذرَّ عليها لأندَيتَها الكُلُومُ وقال ثعلب: ليس معنى الحولي الذي أتى عليه الحول، لأن ولد الذر لا يعيش حولا، وإنما يريد بالحولي الذي تحول من حال إلى حال.
قال الشيخ أبو العلاء: قول حسان: لو دبت الحولي، وهو ما صغر نت الذر على سبيل المبالغة، لأن العادة جرت بأن الحولي من البهائم يكون أصغر من غيره، فأجرى حسان الذر مجرى سواه، والدليل على صحة هذا القول البيت الذي اجتمعت الرواة عليه لامرئ القيس:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرَّ فوقَ الاتْبِ منها لأَثرَا
فقوله) محول (مثل حسان) حولي (أي قد أتى عليه حول، وإنما اتبع حسان أمرأ القيس.
وكُلَّما نُطِحَتْ تَحْتَ العَجاجِ بِهِ أُسدُ الكَتائِبِ رَامَتْهُ ولم يَرمِ
قال ابن جني: أي زالت عنه ولم يزل هو، وأراد رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أبَانَا فلا رِمْتَ من عِنْدِنا فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرْمْ
أي لا برحت، وقد استعمله أبو نواس بغير حرف جر قال:
فما رمتُهُ حتى أتَى دونَ ما حَوتْ يِمينِي حتى رِيطَتِي وردَائِي
أي تمله الأبطال ولا يملها، وليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى عندي أن يقول وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك.
قال الشيخ: قوله إن) رامته (في معنى زالت عنه فيه نظرة، وقد يجوز هذا المعنى ويحتمل أن يكون رامته من رام يروم، فيكون الغرض رامت أن تصل إليه وهو على ذلك لم يرم من مكانه، وهذا أشبه من أن يكون رامته في معنى رامت عنه ويقوي هذا القول أن) رمت (إذا كان في معنى برحت لم يستعمل إلا في النفي، وقوله) رامته (قد استعمله في الإيجاب ألا ترى أنك تقول ما رمت من موضع كذا حتى فعلت، ولا يحسن أن تقول رمت من موضع كذا بغير جحد وعلى الوجه الذي استعمله أبو نواس لأنه قال) فما رمته (فجاء به في النفي.
ومن التي أولها: مَلامُ النَّوَى في ظُلمِها غايةُ الظُّلمِ
لألْقى ابنَ إسحاقَ الَّذِي دقَّ فهمهُ فأبْدَع حتى جَلَّ عنْ دِقَّةِ الفَهمِ
قال الشيخ: " اسحق " كلمة أعجمية لم تصرف للتعريف والعجمة، وقد وافقت من العربية مصدر قولهم أسحقه إسحاقا، وقوله) فأبدع حتى جل عن دقة الفهم (من قول الأول:
حَدَثٌ ما نَابَنا مُصمئلٌّ جَلَّ حتَّى دَقَّ فيه الأجلُّ
إذا بَيَّتَ الأعْدَاءَ كانَ استمِاعهُم صِيرَ العَوالي قَبْلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ
قال الشيخ: أي طرقهم بياتا وهم نائمون، وصرير العوالي صوتها، وكأن أصوات اللجم مقعقعة، وأكثرها ما يستعمل في الحديد الصلصلة، وإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به قال النابغة:
يُسَهَّدُ من نَومِ العَشِي سَلِيمُها لحلْيِ النّساءِ في يَديهِ قَعاقِعُ
مُذِلُّ الأعِزَّاء المُعِزُّ وإنْ يَئِنْ بِهِ يُتْمُهُمْ فالمُوتِمُ الجابِرُ اليُتمِ
قال ابن جني: يئن يحضر، أي هو مذل الأعزاء، أو معز الأذلاء، كأنه يضع قوما ويرفع آخرين. قال الأصمعي: لا مصدر لآن وقال أبو زيد: أنى أنيا أي حان وقوله به أي على يديه.
وقال الشيخ: هو من قولهم آن الشيء يئين إذا حان، وهو مثل قولهم أنى. وإحدى الكلمتين مقلوبة من ألخرى، واليتم أصله الانفراد، قال الشاعر:
كوماء يَسمُو فوقَها مثلُ اليتيمِ مِن الأرانب
يعني بالأرانب جمع أرنب، وهو الموضع المرتفع من الأرض، واليتيم المنفرد وإنما يصف ناقة بعظم السنام.
أطعْناك طَوعَ الدَّهرِ يَا ابنَ يوسُفٍ لِشَهْوتِنا والحَاسِدُو لَكَ بالرَّغمِ
[ ٩٠ ]
قال الشيخ أبو العلاء: حذف النون من قوله الحاسدون لما استقبلها اللام، لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع، كأنه قال والحاسدوك وكذلك قالوا) لا خفي لك (لأنهم توهموا سقوط اللام وقد حذفوا نون الجمع، وإن لم يكن ثم لام الإضافة، ويروى بيت ينسب إلى عبيد الأسدي وهو قوله: ولقَدْ يَغْنى بها جيرانُكِ المُمسِكُو مِنْكِ بأسْبابِ الوِصالْ
دُعِيتُ بِتقرِيظِيكَ في كُل مَجْلِسٍ وَظنَّ الذي يَدعُو ثَنائِي عليكَ اسمي
قال ابن جني: أراد وظن الذي يدعوني فحذف المفعول.
قال الشيخ:) دعيت (في معنى سميت، لأنهم يقولون جاءني رجل يدعى فلانا أي يسمى، وأراد دعيت بتقريظي إياك، فأقام المتصل مقام المضمر وأراد أنه قد عرف بمدحه، فكأنه قد صار اسما له، وإن الذي تسميه وتخاطبه قد ظن ثناءه على الممدوح اسما للمادح، وهذا إفراط في المبالغة.
فكمْ قائِلٍ لو كانَ الشَّخص نَفسه لكانَ قَراهُ مكْمَن العَسكرِ الدَّهْمِ
قال الشيخ: يقول كم قائل: لو كان هذا الشخص، يعني شخص الممدوح عظيما كنفسه، لكان قراه ظهره مكمنا للعسكر الدهم أي العظيم.
ومن التي أولها:
أحَقُّ عافٍ بِدَمْعِكَ الهِمَمُ أحْدَثُ شَيء عَهْدًا بها القِدَمُ
قال ابن جني:) العافي هنا الطالب والقاصد (. وسألته عن معنى هذا البيت فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك هم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست فصار أحدثها عهدا قديما.
قال الشيخ: معنى البيت يدل على أن العافي في هذا الموضع الدارس، ومن قولهم عفا الربع إذا درس، والدليل على ذلك قوله) بدمعك (لأن الطالب والسائل لا يستحق الدمع، وإنما يبكي على المنازل الدارسة) وأحق عاف (معناه أحق دارس بأن يبكي عليه همم الناس، وقوله) أحدث شيء (.. إلى آخر البيت جملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لا موضع لها، لأنها كالمبتدأ، والآخر: أن تكون في موضع الحال من الهمم، ولا تعلق لها في الوجه الأول بالنصف الذي قبلها، وهي في الوجه الثاني متعلقة به وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم أي أن دروسها قديم ولا همم في الأرض، وقد شرح ذلك فيما بعده بقوله:
وإنَّما النَّاسُ بالمُلُوكِ ومَا تُفْلحُ عُريبٌ مُلُوُكها عَجَمُ
بَنُو العَفَرْنى مَحَطَّةَ الأسَدِ ال أُسد ولَكنْ رِماحُها الأَجَمُ
قال ابن جني:) العفرني (اسم من أسماء الأسد، ومحطة اسم جد هذا الممدوح ويقال إن المنصور قتله على الإسلام، وبنو العفرني مرفوع بالابتداء وخبره الأسد، ومحطة بدل من العفرني، والأسد وصف لمحطة.
كأنها في نهَارِها قَمَرُ حَفَّ بِهِ مِنْ جِنانِهَا ظُلَمُ
ناعِمَةُ الجِسّمِ لا عِظامَ لَها لَها بنَاتٌ وَمَا لَها رَحِمُ
قال الشيخ: شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء، والجنان جمع جنة وهي الأرض التي سترها الشجر والنبات لشدة خضرتها، ومن ذلك قوله تعالى) مدهامتان (والغز عن البحيرة، وزعم أنها ناعمة الجسم، ولما جعل لها جسما زعم أنها لا عظام لها، يلغز بذلك لأن الجسم لا بد له من العظام، وذكر أن لها بنات يعني السمك، ونفى أن يكون لها رحم.
ومن التي أولها: فُؤادٌ ما تُسَليهِ المُدَامُ
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ
قال ابن جني: المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء.
وقال الشيخ: الأرنب تنام وعيناها مفتحتان، وشبه الناس بالأرنب لأن عيونهم مفتحة، وكأنهم مع ذلك نيام، ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة، وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه والعرب تمدح بقلة النوم، وتذم إذا ألف الرجل ذلك، قال الطرماح:
وليس أخو الحَاجات مَنْ باتَ نَائمًا ولكنْ أَخُوها مَنْ يَبيتُ على وَجل
وَلَوْ لَمْ يَرْعَ إلا مُستَحِقٌ لِرُتبتِهِ أسامَهُمُ المُسامُ
[ ٩١ ]
قال الشيخ: يقول لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك، لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيا، يريد أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة، وفيهم من هو أحق منه بالولاية، ولو كانوا مرتبين على ما توجبه العقول، لكان سوامهم أعقل منهم وهذه مبالغة في ذم الناس.
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ والشَّيْ بُ هَمًا فالحَياةُ هِيَ الحِمامُ
قال الشيخ: يقول إذا كان الشباب كالسكر، لا يصح به معقول الإنسان، وكان الشباب إذا جرب وعقل جاءه الشيب، فاهتم لذلك، فالحياة هي الحمام أي الموت خير منها، وقد قال القائل:
إذا احتاجَ الكَريم إلى لَئيمٍ ففي موتِ الكَريمِ له حَياةُ
فَقَدْ خَفِيَ الزَّمانُ بِهِ عَلَيْنا كَسِلْكِ الدُّرَّ يخُفِيهِ النَّظَامُ
قال ابن جني: يقول: قد اشتمل على الزمان فخفي بالإضافة إليه، وشبهه بالدر إذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه، وهذا كقوله في سيف الدولة: فأتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِ وتَحْتِهِ قال الشيخ، ورواه بها: الهاء راجعة إلى عطاياه، وأدعى أنها قد انتظمت الزمان فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلك.
ومن التي أولها: نَرَى عِظَمًا بالصَّدَّ والبينُ أعظمُ
وَلا يُبْرَمُ الأمْرُ الَّذِي هو حالِكٌ ولا يُحْلَلُ الأمْرُ الَّذِي هوَ مُبْرمُ
قال الشيخ: يقال أبرمت الشيء إذا أحكمته، وأصل ذلك من فتل الحبل وبعض الناس من يعيب عليه) حلل (لأنه أظهر التضعيف، وتلك ضرورة، ولو وضع مكانها ناقصا لسلم من الضرورة، ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك ليعلم أنه عالم بالضرورات، فأما قول ابن أم صاحب:
مَهْلًا أعاذِلَ قد جَرَّبْتِ من خُلُقِي أني أجُودُ لأقْوَامٍ وإنْ ضَنِنِوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف، لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن، ومنها قول زهير:
لمْ يَلْقَها إلاَّ بِشِكَّةِ باسِلٍ يخْشَى الحَوادِثَ حازِمٍ مُستَعْدِدِ
أجِدّكَ ما تَنْفَكُّ عَانٍ تَفُكُّهُ عُمَ بنَ سُليَمانٍ ومَالا تُقسمُ
قال الشيخ ﵀:) أجدك (بمعنى أجد منك، وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم، ونصب) أجدك (على المصدر أو فعل مضمر، وينبغي أن يكون) عان (مرفوعا بالابتداء، ولولا وزن البيت لكان نصب) عان (أوجه، والتقدير ما تنفك تفك عانيا، ويقوي نصبه أنه نصب) مالا (وقوله) عم بن سليمان (أراد عمر فرخم على رأي أهل الكوفة، والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقال الاحسائي: رخم عمر وهو على ثلاثة أحرف، لأن أصله عامر فدخل عليه العدل للمبالغة فقامت المبالغة فيه مقام الألف المحذوفة منه، فلما رخمه اعتد بالمعنى الذي هو المبالغة اعتداده بالحرف الرابع منه، فلذلك أجاز فيه الترخيم، ولو كان مثل زيد وعمر ولما جاز ترخيمه البتة، وهذا دقيق في تعليل الإعراب.
ومن التي أولها: لا افْتِخارٌ إلاَّ لَمنْ لا يُضَامُ
حَسَنٌ في عُيُونِ أعْدَائِهِ أقْ بَحَ من ضَيْفِهِ رَأتْهُ السَّوَامُ
قال ابن جني: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه وهل هذا هجاء؟ فالجواب أنه أراد أنه في الحقيقة حسن، إلا أنه مع هذا أقبح في عيون أعدائه من ضيفه إذا رأته السوام، وهو المال الراعي لأنه ينحر الإبل للأضياف فهي تكرههم، وقوله في) عيون أعدائه (ظرف للقبح لا للحسن، وقدمه عليه كما تقول: زيد في الدار أحسن منك، على هذا استقر الكلام بيني وبينه وقت القراءة عليه.
إنما مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بِنْ سَعْدٍ جَمَرَاتٌ لا تَشتهِيها النَّعامُ
قال الشيخ: قد شاع بين العوام أو النعام تلتقم الجمر، فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك، وقال مرة بن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام، أي هي جمرات عظيمة، وهي في العرب قبائل تعرف بالجمرات، وإنما سميت بذلك لشدة بأسها، وهي أربع: الحرث بن كعب، وعبس، وبغيض وضبة بن أد، ونمير بن عامر.
وَعَوَارٍ لَوَامِعٌ دِينُها الحلُّ ولكنَّ زِيَّها الإحْرامُ
قال الشيخ: وصف السيوف بأن دينها الحل لأنها لا تقتل إلا من يجب قتله، وبالإحرام لأنها لا تقر في الغمود فهي عارية.
كُتِبَتْ في صَحَائِف المجْدِ بسْمٌ ثُمَّ قَيْسُ وَبَعْدَ قَيْسِ السَلامُ
[ ٩٢ ]
قال السيخ: جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجل وجذع، ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في هذا البيت، لأنه جعلها بمنزلة كلمة واحدة. وأدخل عليها التنوين. ولو أنها بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه، فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله، فأما قول القائل:) إن لوا وإن ليتا عناء (. فليس هو هذا الجنس، لأنه أخرج) لو (من بابها، وجعلها كلمة معربة، ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره، لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
ومن التي أولها:
ألا لا أُرِي الأَحْدَاثَ حَمْدًا ولا ذَمَّا فَما بَطْشُها جَهْلًا ولا كَفُّها حِلمَا
قال ابن جني: يقول لا ذنب للمصائب فأذمها، ولا إحسان فأحمدها، لأنها غير ناطقة في الحقيقة، وإنما تنسب إليها الأفعال استعارة ومجازا وقال الشيخ أبو العلاء:) أري (في البيت بمعنى أعلم، وهي تستعمل كثيرا على هذا الوجه، وأصل الرؤية في العين، ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة ونحو ذلك، تقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض، أي يعتقد وفلان يرى أن تفعل كذا، أي يشير عليك.
إلى مِثْلِ ما كانَ الفَتى مرْجعُ الفتى يَعُودُ كما أبدَى ويُكْري كما أرمْى
قال الشيخ: يقال بدأ الشيء بالهمز وهي اللغة الجيدة، ويقال أبدى في معنى بدا، وهي قليلة، ويقال أكرى الشيء إذا نقص، وأكرى إذا زاد، وهي من الأضداد، وكرى الزاد إذا نقص، وأكرى الرجل إذا نقص زاده، قال الشاعر:
كذِي زادٍ مَتى ما يُكْرِمَنهُ فليس وَرَاءَهُ ثِقَةٌ بِزّادِ
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه، والاسم منه الرما، وفي الحديث " إني أخاف عليكم الرماء " أي الربا، والمعنى أن الفتى كان معدوما، وإلى مثل ذلك يعود.
بَكَيْتُ عليها خِيفَةً في حياتِها وذَاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْما
قال الشيخ: يقول كنت أعلم أنني لا بدلي من فراقك، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من لإشفاقها علي كأنها ثكلة وهذا نحو قوله: مَنْ رآها بِعَيْنه شاقَهُ القُطَّان فيها كَما تَشُوقُ الحُمُولُ
منَافِعُها ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيرها تَغَذَّى وتَرْوَى أنْ تجوَع وأَنْ تَظما
قال الشيخ: يقول هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها، وإن كان نفعها إياه يضرها، والمراد أنها تطعم المساكين، وتجوع وتطمأ وظمؤها في نفسها ري وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالى) ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (.
ومن قول الهذلي:
أقسّمُ جِيمي في جسُومٍ كثيرَةٍ وَأوثِرُ غَيري مِنِ عِيالِكِ بالطُّعمِ
وقال ابن فورجة: هذا أحد الأبيات التي زل فيها الشيخ أبو الفتح بن جني فقال أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضار لغيرها، ومعنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس، فتخلى منهم الدنيا وهذه كقوله أيضا: كالمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ ولا شبعُ فرحم الله أبا الفتح أليس قد قال) في نفع غيرها (فأي نفع للناس في أن يهلكوا، وإنما الهاء في) منافعها (راجعة إلى الجدة المرثية، يريد أن منافع هذه المرأة لصلاحها وتقواها، وإيثارها على نفسها، وكثرة صيامها وعبادتها، ما جرت العادة به أن يضر، وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ على الري والشبع، فإذا جاعت وظمئت كأنها تغدت ورويت، وقوله) في نفع غيرها (موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها، والخبر الأول) ما ضر (ويجوز أن يكون في بمعنى مع، يريد ما ضرها مع نفع غيرها، كما تقول أردت شتمك في إكرام زيد، أي مع إكرام زيد.
إذا فَلَّ عَزْمِي عَم مدىً خوْفَ بُعْدِهِ فأبْعَدُ شَيْ ممكِنٌ لم يجَدْ عَزْما
قال ابن جني: يقول: وجود الممكن مع عدم العزم، أبعد عن الوقوع من وجود عزم مع بعد لمطلب أي إذا لم يكن عزم لم يوصل إلى شيء البتة.
وَإني لَمنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنا بها أنَفٌ أنْ تَسكُنَ اللَّحْمَ والعَظْما
قال الشيخ: كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى كقوله في هذا البيت) كأن نفوسنا (، ولو قال كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى) قوم (وكان أقرب إلى فهم السامع، وكأنه أراد بهذا القول: إنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها اللحم والعظم.
ومن التي أولها:
[ ٩٣ ]
لَهِوَى القُلُوبِ سرِيرةُ لا تُعْلَمُ عَرَضا نَظَرْتُ خِلْتُ أني أسْلمُ
قال السيخ:) عرضا (يحتمل نصبه وجهين أحدهما: أن يكون المراد نظرت نظرة عرضا، والآخر أن يكون عرض مفعولا، أي نظرت عرضا من أعراض الدنيا.
يا أُختَ مُعتنِق الفَوارِسِ في الوَغى لأخُوِكِ ثَمَّ أرَقُّ مِنْكِ وأرْحَمُ
قال ابن جني: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله ثم إشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة.
وقال الشيخ: ظن بعض الناس أنه يريد بهذا البيت ابن كيغلغ، وليس الأمر كذلك، إنما هو تشبيب عرض له ونظر فيه إلى الطائي:
بِأبِي مَنْ إذا رآها أبُوهَا قال بالغَيبِ ليتَ أنَّا مَجُوسُ
ويدل على أنه لم يعن به الهجو أن الأبيات التي بعده ليس فيها دليل على غير التشبيب، وقوله) يا أخت معتنق الفوارس (يصف أخاها بالشجاعة، لأن الاعتناق للفرسان تفتخر به الشجعان، ويمدح به السادة قال الشاعر:
أُعانِقُ في الحَربِ الكِرامَ وأبتغي قيودَ المِئينِ في الصِباحِ وفي الدُهمِ
يقال فلان قيد مائة، أي إذا أسر فدى بمائة من الإبل، ومنه قول الراعي:
وكان لَها في سَالفِ الدَّهرِ فَارسُ إذا مَا رَأى قَيَدَ المئينِ يُعانِقُه
ووصف المرأة بأنها فظة القلب، وبالغ في ذلك، فجعل أخاها الذي يعتنق الفوارس أرق منها قلبا) وثم (إشارة إلى الموضع الذي تعتنق فيه الفرسان.
يُؤذِي القَليلَ مِنَ اللِئامِ بِطَبعِهِ مَنْ لا يَقِلُّ كَما يقِلذُ وَيَلْؤُمُ
قال الشيخ: يقول) يؤذي القليل من اللئام بطبعه (اللئيم من ليس هو قليلا كقلة المؤذي، ولؤم المضارع من لؤم، وهو معطوف على قوله) يقل (ويقال لئيم الأصل، ووزنه فعيل، كما يقال كرم فهو كريم، وقالوا رجل ليم قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
وإذا حَبوتَ اللَّيْمَ منكَ صنيعة كتم الصنيعة لؤمُه فَلواكَها
يريد لواك إياها من لي الدين أي مطله والذين قالوا الليم هم الذين قالوا روس جمع رأس، قال الشاعر:
إنما هِندٌ كَشَمْسٍ بَدَرَتْ يَوْمَ عِيدٍ فَوْقَ روسِ الجِبالْ
وَمَنَ البَلِيّة عَذلُ مَنْ لا يَرْعوِي عن جَهلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهمُ
قال الشيخ: الارعواء الرجوع إلى الشيء، يقال قد ارعوى فلان إلى الدين أي قد رجع إليه، وحكي عن أبي بكر الخياط النحوي، وكان فيما قيل يعرف مذهب البصريين والكوفيين، أنه قال أقمت عشر سنين اسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من يعرفه، وأصله عند النحويين ارعو في وزن أحمر وأصل أحمر احمرر، فكأنهم لما لم يأت في كلامهم واوان مجتمعان، فروا إلى أن يجعلوا الواو الثانية في ارعو الفا، فيقولوا ارعوى، ولو قيل ابنوا من الغزو مثل أفعل لوجب لأن يقال اغزوى، والأصل أغزو كما تقدم في ارعو وكذلك لو قيل ابنوا من قضيت مثل أفعل لوجب أن يقول اقضيا، فتقلب الياء الآخرة ألفا ولا يجوز أن تحمله على قولك قدحي فلان بالمكان أي حيي به، وقد عي بالمكان أي عيي به، قال عبيد بن الأبرص:
عَيّوا بأمرهِمُ كَما عَيَتْ بِبيْضَتِها الحمامَهُ
جَعَلتْ لها عُودَينِ من نشَمٍ وآخر من ثمامَهْ
وإنما جاء في هذا الباب هاتان اللفظتان وكلاهما على فهل بكسر العين ولم يأت شيء على فعل فيشبه به أق وارعو، قال يزيد بن الحكم:
جَمَعتَ وفُحشًْا غِيبةً ونَميمةً ثَلاثَ خِلالٍ لستَ عنها بمرعوِ
وقد جاء في هذه القصيدة اسمان يجريان مجرى مرعو، وهما محجو في معنى منقبض مجتمع، ومدحو مأخوذ من الدحو وهو البسط في قولهم دحا الله الأرض أي بسطهان وفيها موضع ثالث وهو مجدو من الجدوى.
ومن التي أولها: مَلُومكمُا يجلُّ عَنِ المَلامِ
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني وكُلُّ بُغامِ رَازِحَةٍ بُغامِي
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني: وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن.
[ ٩٤ ]
قال الشيخ: الناس يروون حرت بالتاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدم أنه لا يحتاج إلى دليل، فوجب أن يقول إن حارت رواحلي فعيني نائبة عن عيونها، لأنها تهديها السبيل،) وكل بغام رازحة بغامي (البغام اكثر ما يستعمل في الظباء، وربما استعمل في النوق، يقول عيني تنوب عن عيون رواحلي، وشكيتي الدهر ينوب عن بغامها في الهواجر، لأن بغامها في الهواجر إنما يكون عن التعب والأين، ومن روى حرت بالتاء فله معنى صحيح إلا أنه ينافي قوله: ذَراني والفلاة بلا دليل ويكون المعنى معنى الدعاء والقسم، كما يقول الرجل للآخر أنا عبدك إن فعلت كذا وكذا، فينوب ذلك عن قوله أقسم لا كان ما ذكرت، أو جعلني الله عبدك إن كان كذا وكذا، فكأنه أقام ذلك مقام اليمين، أو مقام الدعاء على نفسه.
قال ابن فورجة: إن قيل فما يضر أن يحير، وأجل منه ركب المفاوز فتاه، وليس الجهل بالدلالة مما يذم به، فالجواب أنه يريد أني بدوي ومع ذلك فإني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بالأنواء من أبواب الأدب، فلذلك افتخر به، ويدلك على ذلك قوله) وكل بغام رازحة بغامي (يريد أني فصيح شاعر عارف بالمنطق، وهكذا يقول الفصيح إذا أقسم أنا أعجمي إن لم أعليك بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل، فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة العالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغام.
فقَدْ أرِدُ المِياهَ بغَيرِ هَادٍ سَوى عَدّي لها بَرْقَ الغَمَامِ
قال ابن جني: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب مائة برقة، لم تشك في أنها ماطرة قد سقت، فتتبعها على الثقة.
وقال السيخ: ذكر ابن الأعرابي في النوادر أن العرب إذا لاح البرق عدوا سبعين برقة، فإذا كملت وثقوا بأنه ماطر، فرحلوا إلى موقع الغيث.
ولا أَمْسِي لأهْلِ البُخْلِ ضَيْفًا وَلَيْسَ قِرى سِوى مُخّ النَّعامِ
قال الشيخ: يقال إن النعام لا مخ له، فكأنه قال وليس قرى إلا قرى معدوما وينشدون في أن النعام لا مخ له قول الهذلي.
كأنَّ مُلاءَتَيَّ على هِزَفِّ يَعُنُّ مَعَ العَشِيّةِ للرّئِالِ
عَلَى حَتَّ البُرَايَةُ زَمْخَري السَّواعِد ظَلَّ في شَرْي طَوالِ حث البراية أي سريع عندما يبريه من السفر، والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري المخ.
وقال الأحسائي: مخ النعام قليل جدا، يعني أنه قرأهم متعذر، لا يكاد يوجد، ولا يوصل إليه، أي ليس لهم قرى يعرف، ويجوز أن يريد لا أمسي لأهل البخل ضيفا ولو قروني مخ النعام على عزته، وشدة الكلفة في طلبه، كما يقال لو سقاني فلان ماء الحياة لما شربته من يده.
ومن التي أولها: حتَّامَ نَحْنُ نُسارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ
تَبْري لَهُنَّ نَعامُ الدَّوَّ مُسْرَجَةً تُعارضُ الجُدُل المُرْخاةَ باللُّجُم
قال ابن جني: يعني بنعام الدر هنا الخيل، شبهها بالنعام لسرعتها، فيقول هذه الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل، فيكون اللحم في أعناقها كالجدل، وهي الأزمة في أعناق الإبل.
قال الشيخ: تبري لهن أي تعارضهن، والهاء والنون راجعة على العيس، وذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب أن يصفوا ركوب الإبل وأنهم يجنبون الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطيب بقوله:
وَلا اتَّبَعَتْ آثارنا عَيْنُ قَائِفِ فَلَمْ تَرَ إلاَّ حافِرًا فَوْقَ مَنْسِمِ
في غِلْمَةٍ أخطَرُوا أرواحهمُ ورَضُوا بما لَقينَ رِضأ الأيْسارِ بالزَّلِمِ
قال ابن جني: أي خاطروا بأنفسهم في المسير معه، ورضوا بذلك كما يرضى الأيسار، وهم الذين ينحرون الجزر، ويتقارعون عليها بالقداح.
وقال الشيخ: قوله) أخطروا أرواحهم (أي جعلوها كالخطر، والخطر هاهنا الشيء الذي يضعه المراهنون بينهم، ليأخذه الغالب منهم، يقول أخطروا أرواحهم راضين بذلك. والأيسار جمع يسر، وهم الذين يدخلون في الميسر، والزلم بفتح الزاي وضمها اسم للقدح الذي يتقامر به، أخائبا كان أم فائزا، والفعل يسر الرجل يسرا وهو ياسر.
[ ٩٥ ]
وقال الأحسائي: الأزلام سبعة الفذ وله نصيب واحد، والتزأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أنصباء والمصفح وله أربعة أنصباء، والنافس وله خمسة أنصباء، والفائز وله ستة أنصباء، والمعلى وله سبعة أنصباء، فإذا خرج لأحدهم المعلى، ولرسيله الفذ أخذ صاحب الفذ من الجزور سهما، وغرم من الثمن سبعة أسهم، وعلى هذا القياس في جميعها.
في الجَاهليةِ إلاَّ أنَّ أنْفُسَهُمْ مِن طِيبِهن بِهِ في الأشْهرِ الحُرُمِ
قال الشيخ: يقول هؤلاء الغلمة كأنهم في الجاهلية، إلا أن أنفسهم من طيبهن بالقنا كأنهن في الأشهر الحرم، لأنها آمنة بالرماح، والهاء في) به (راجعة إلى القنا والتذكير أشبه من التأنيث، والوجهان جائزان، وكانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم، ولا تسفك فيها الدم، وهي ثلاثة سرد، وواحد فرد، فالسرد: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، والفرد: رجب.
ما زِلتُ أُضْحِكُ إبلي كُلَّما نظَرَتْ إلى مَنِ اخْتَضَبَتْ أَخفَافُها بَدَمٍ
قال ابن جني: تعريض ينقص أهل مدينة السلام.
قال الشيخ: هذا البيت ذم لمن سار إليه غير فاتك، يقول ما زلت أضحك الإبل تعجبا من أني وإياها سرنا إلى من لا يحب أن نسير إليه، ويشهد بذلك ما بعد البيت من الأبيات، وكأن ضحك الإبل هزؤ بالمقصود، ولو كان البيت في صفة فاتك لكان في نهاية المدح، يقول ما زلت أضحك إبلي من الفرح إذا علمت أنها اختضبت أخفاقها بالدم إلى هذا المفقود المثل.
مَن اقْتضَى بِسوَى الهِنديّ حاجَتَه جابَ كلَّ سُؤَالٍ عَنْ هَلٍ بلمٍ
قال ابن جني: إذا قيل له هل أدركت حاجتك، قال لم أدركها، وجعل هل ولم اسمين فجرهما كما تقول هل حرف استفهام، ولم حرف نفي، وإن حكيت فحسن مستقيم.
صُنَّا قَوَائمَها عَنْهُمْ فما وَقَعتْ مَواقَعَ اللُّؤْمِ في الأيدي ولا الكَزَمِ
قال الشيخ ﵀: الكزم قصر اليد، يقول صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم، لأنها لئيمة، فوصفها بالكزم مع اللؤم، وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي:
نُقَاسِمُهُم أسيَافَنَا شرَّ قِسمَةٍ قَفِينَا غَوَاشِيهَا وفيهمْ صُدورُهَا
وقال الحارثي:
لَهْمُ صَدْرُ سَيِفِي يَوَمَ بَطحاءِ سَحبَلٍ ولي مِنهُ ما ضُمّت عليه الأناملُ
هَوّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرَهَ فإنما يَقَظاتُ العَيْنِ كالحُلمِ
قال الشيخ: هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس، وألا يحفل بها الإنسان، لأن يقظاتها كالحلم، وقوله) ما شق منظره (أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان، وقد ذكر ذلك في قوله:
كَلامُ أكْثَرِ مَن تَلْقَى ومَنظَرُهُ مَّمِا يَشُقُّ على الأسَماعِ والحَدَقِ