من التي أولها:
نَزُورُ دَيارًا ما نُحبُّ لها مَغْنى وَنَسْألُ فيها غيرَ سُكَّانهِا الإذْنَا
قال ابن جني: يقول: نسأل سيف الدولة أن يأذن لنا في التسرع إليها بالغارات، وتحصيل العلوفة وغير ذلك.
وَإنَّا إذا مَا المَوْتُ صَرَّحَ في الوَغَى لَبِسْنا إلى حَاجَاتِنا الضَّرْبَ والطَّعْنا
قَصَدْنا له قَصْدَ الحَبيبِ لِقاؤهُ ألَيْنا، وَقُلْنا للسُّيُوفِ هَلُمّنَّا
قال الشيخ: صرح أي صار صريحا خالصا، وقوله) لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا (أي نلبس الضرب والطعن، أي نتقي بهما الأعداء كما يتقيها غيرنا بالدروع، الهاء في) الحبيب لقاؤه (عائدة على الموت، وقول) هلمنا (تستعمل) هلم (على وجهين، فمنهم من يقول للاثنين هلما، وللجميع هلموا، وللنسوة هلمن، وكان الشاعر أدخل النون الشديدة على قوله هلموا، كما تقول للجماعة اضربن ياقوم، وليس ذلك جائزا؛ لأنه جعل السيوف كأنها تعقل.
وقال الأحسائي: يريد قصدنا له قصد الشيء المحبوب إلينا لقاؤه، فلقاؤه مرفوع بالحبيب، وهو اسم المفعول، وحبيب بمعنى محبوب، وقوله) للسيوف هلمنا (بضم الميم على تذكير جماعة السيوف، هكذا كان ينشد والقياس كسر الميم للتأنيث، وحجته في ذلك أنه عظم السيوف، فأخرجها مخرج ما يعقل للمبالغة في تفخيمها، كما جمعت الأرض تعظيمها جمع مذكر ما يعقل، فقيل أرضون، وهذا مذهب العرب في التفخيم والمبالغة أن يذكروا المؤنث ويؤنثوا المذكر، كقولهم نسابة وعلامة.
[ ٩٦ ]
ومن التي أولها: الرَّأيُ قَبْلَ شَجاعَةٍ الشُّجْعانِ
لولا العُقُولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍ أدْنَى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنسانِ
قال الشيخ، أدنى في هذا البيت على معنيين: أما الكلمة الأولى فهي مأخوذة من الدناءة، وهي ضد الشرف، وأصله الهمز، وأما الكلمة الثانية فهي من الدنو الذي هو ضد البعد، يقول: لولا العقول لكان أقل الأسد بأسا أقرب إلى الشرف من الإنسان، لأنه أجرأ منه.
في جَحْفَلٍ سَتَر العُيُونَ غُبارُهُ فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذانِ
قال الشيخ: معنى هذا البيت مفهوم، يريد أن الغبار منع عيونها من أن تبصر، فهي تسمع الأصوات بآذانها، وتفعل ما يقتضيه الصوت، فكأنها تبصر بهن. وذهب بعض المتكلمين في شعر أبي الطيب إلى أن الغبار وقع على عيون الخيل فنقلت أجفانها، حتى صارت كالآذان، وهذا ليس بشيء.
يَقمُصْنَ في مثْل المُدَى منْ بَارِدٍ بَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصيْانِ
قال الشيخ:) يقمص (يعني الخيل، والقمص أن يرفع الفرس رجليه، ويداه غير مرفوعتين، والماء البارد إذا سبح فيه السابح من بني آدم تقلص صفنه، وهو الجلد الذي يجمع البيضتين، وإن كان فرسا تقلص قنبه.
والماءُ بَينَ عَجاجَتَنِ مُخَلَّصٌ تَتَفَرَّقانِ بِهِ وَتَلْتَقِيانِ
قال ابن جني: أي عجاجة المسلمين، وعجاجة الروم، يقول ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا، والعجاجة قل ما تثور في الشتاء، فسألته وقت القراءة عن هذا، فذكر أنه شاهد الأمر كذلك وقال كان الوقت من الزمان حزيران.
مُتَصَعْلِكينَ على كَثَافَةِ مُلكِهم مُتَواضِعِينَ على عَظيمِ الشَّانِ
قال الشيخ: يقول: هؤلاء القوم ملوك وهم في الحرب يتشبهون بالصعاليك لأنهم يباشرونها بأنفسهم، والصعلكة تستعمل في قلة المال وقلة اللحم قال أبو داود في صفة الخيل: قد تَصَعْلكْنَ في الرَّبيعِ وقد قَلَّصَ لَحَم الفَرائِضِ الأقدَامُ وذكر الشاعر أنهم يتواضعون على عظم شأنهم، والتواضع يحمد من محله مرتفع.
يَتَقَّيلونَ ظِلالَ مُلَّ مُطَهَّمٍ أجَلِ الظَّليمِ وَرِيْقَةِ السّرْحانِ
قال ابن جني:) يتقيلون (أي يتبعون آباء يتبعون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه، والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق، كما قال النابغة:
إلاّ لمِثْلِكَ أو مَن أنتَ سَابِقهُ سَبْقَ الجَوادِ إذا استَولىَ على الأمِدِ
وإنما استعار هاهنا لفظ الظلال، لأن ظل شيء موازيه وعلى سمته فيريد بذلك احتذائهم طرق آبائهم، ويحتمل أيضا أن يكون معناه أنهم بأفياء خيلهم لشدة الحر، يصفهم بالتغرب والتبدي.
وقال الشيخ: لما وصفهم بالتصعلك، عرض بأن الملوك يتقيلون عند الهاجرة في القصور والمنازل البارة، وأن هؤلاء القوم يتقيلون، أي يكونون وقت الهاجرة في ظلال الخيل.
وقال ابن فورجة: ما قال أبو الطيب إلا يتفيأون، يريد يجلسون في أفياء خيلهم للزومهم البادية في صميم الحر ولا ظلال لهم غيرها.
خَضَعَتْ لَمنْصُلِكَ المناصِلُ عنوةَ وَأذَلَّ دِينُكَ سَائِرَ الأدْيانِ
قال الشيخ: يقول خضعت سيوف الملوك لسيفك، وأذل دينك أديان الأمم، والدين يستعمل في مواضع؛ فيكون الملك، وتكون الطاعة، والعادة، والفعل، ومن أمثالهم) كما تدين تدان (أي كما تفعل يفعل بك، وفي هذا الكلام على اختصاره مأدبة عظيمة، وأمر للإنسان أن لا يفعل شرا البتة وكان بعض ملوك العرب إذا سمع بامرأة جميلة أخذها غصبا، فأخذ ابنة يزيد بن الصعق الكلابي، ويزيد غائب، تقدم على الملك وهو كتبد في الصحراء، فقال بحيث يسمعه:
يا أيها المَلِكُ المُقِيتُ أمَا تَرَى لَيلًا وصُبْحًَا كيفَ يختَلِفَانَ
هل تَستَطيع الشَمسَ أنْ تَأتِي بها لَيلًا وهل لكَ بالنَهَارِ يَدَانِ
فأعلَمْ يَقينًا أنَّ مُلكَكَ زَائِلُ واعْلَمْ بأَنَّ كما تَدينُ تُدَانُ
فروي أن الملك أجابه فقال:
إنَّ التي تَبِلَتْ فُؤادَكَ خُطَّةٌ مَفرُوضَةٌ في النَّاسِ يا ابنَ كِلابِ
[ ٩٧ ]
فاَذهَبْ لَحِاجَتِكَ التي طَالَبتَها والحَقْ بأَهلِكَ في جَنُوبِ أرَابِ
ويقال إن هذه الأبيات ما أنشدها ملك قط إلا اتعظ.
وعلى الدُّرُوبِ وفي الرُّجوعِ غضَاضَةٌ وَالسَّيرُ مْمتَنعٌ مِنَ الإمكانِ
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسالِكِ بالقَنا والكفْرُ مُجْتَمِعٌ عَلى الإيكانِ
نَظَرُوا إلى زُبَرِ الحَدِيدِ كأنَّما يَصْعَدْنَ بَينَ مَناكِبِ العِقْبانِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقال: معناه وكان الذي ذكرته على الدروب أيضا.
وقال الشيخ:) وعلى الدروب (ابتداء كلام لم يتم إلا بقوله: نظروا إلى آخر البيت وليس في شعر أبي الطيب من هذا الجنس شيء، لأنه علق أول كلمة في البيت بآخر كلمة في البيت الثالث، وزبر الحديد قطعه، شبه الدارعين بزبر الحديد، وشبه خيلهم بالعقبان، فكأنها تحمل الزبر على المناكب.
وقال ابن فورجة: إنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضة، وفي رجوعنا غضاضة، والخطاب يدل السامع على أنه يريد في مقامنا على الدروب غضاضة وهذا كما تقول للجالس على التراب: جلوسك على التراب قبيح أو غير جميل.
حُرِمُوا الَّذِي أمَلُوا وأدْرَكَ منهُم آمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمانِ
قال ابن جني: أي حرموا الظفر بك، وأدرك آماله منهم من سلم منك، لأنه حينئذ أمل النجاة، فرجع بما أمله منها، وإن كان قد حرم ما كان أمله قديما من الظفر بك.
ومن بيتين:
كَتَمْتُ حُبَّكِ حتى مِنْكِ تَكْرِمَةً ثم اسْتَوَى فِيكِ إسْرارِي وإعْلانِي
كَأنَّهُ زادَ حتى فَاضَ مِنْ حَسَدِي فَصَارَ سُقْمِي بِهِ في جِسمِ كِتمَاني
قال ابن جني:) كأنه (أي كأن الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه إذا قال كتمت دل على الكتمان، وما علمت أحدا ذكر استتار سقمه، وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.
وقال الشيخ: يقول إنه كتم حبه حتى عن محبوبه، ثم غلبه الأمر فاستوى إسراره وإعلانه، والهاء في كأنه عائدة على الحب، فصار السقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي أن كتماني ذاب وضعف حتى صار يشبهني في السقم، فأنا أخفى عن الناظر.
وقال ابن فورجة: يعني أني تكرمت بكتمان حبك، حتى كتكته منك أيضا ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن، يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني يناقض الأول، فقد يظن ظان أنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك يدلك عليه قوله) كأنه زاد حتى فاض من جسدي (يريد الكتمان، فإذا زاد الكتمان فكيف يكون معناه أني أظهرت فإن قيل إنما ضمير) زاد (للحب، قلنا فما نصنع بقوله) فصار سقمي به في جسم كتماني (يريد فصار سقمي مكتتما، كأنه في وعاء من كتمان، وكأنه يقول كأن كتماني في جسمي، فصار جسمي في كتماني فافهمه.
ومن التي أولها:
الحُبُّ ما مَنَعَ الكَلاَم الألسُنا وَألَذُّ شَكَوى عاشِقٍ ما أعْلَنا
قال الشيخ: الألسن جمع لسان إذا كان مؤنثا، فإذا كان مذكرا فجمعه ألسنة، أثبت في المصراع الأول أن الحب هو الذي يمنع الألسن من الكلام، ومنعه إياها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون يبلغ المحب إلى حال لا يستطيع معها الكلام، والآخر: أن المحب يجب عليه كتمان ما هو فيه، لأن ذلك أجمل بمن يحب وهذا الوجه أشبه من الأول، لأن بقية البيت دال عليه، وهو قوله:) وألذ شكوى عاشق ما أعلنا (فهو ضد لما يجب عليه أن يفعله، وهو الكتمان.
وقال ابن فورجة: سمعت قوما ينشدون) الألسنا (بفتح السين، وليس ذلك بممتنع) وما (بمعنى الذي، يقول الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا وتبلدا، كما يقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك البغض الصادق والشديد وإن قال قائل) ما (بمعنى النفي، ويكون معناه الحب لم يمنعك الشكوى، لم يكن ذلك ممتنعا، والمعنى أن شكوى الحب مما يستلذ، فإذا بلغ من شدة الحب إلا ينطق فهو من النهاية، وهذا معنى قول القائل:
ومَا هُوَ إلاَّ أنْ أرَاها فُجاءَةً فأبهَتَ حتى لا أكادُ أُبِينُ
فمن روى الألسن كان ذلك من المبالغة، ومعنى المصراع الثاني ما قاله ابن الجهم: وقَلَّما يَطِيبُ الهَوى إلا لُمنْهَتِكِ السَّتْرِ أو قول أبي نواس: ولا خَيرَ في اللَّذَاتِ مِنْ دِونِها سِتْرُ
[ ٩٨ ]
وَتَوَقدتْ أنْفَاسُنا حتى لَقَدْ أشْفَقْتُ تحْترِقُ العَوَاذِلُ بَيْنَنا
قال ابن جني: وجه الإشفاق على العواذل، لئلا يرباهن، أو لئلا ينم احتؤاقهن على ما كان فيه من حرارة أنفاسهما، واحتدام موقفهما.
وقال الشيخ: أراد أشفقت أن تحترق، وحذف أن وأن وما بعدها في موضع نصب، فإن جعل الكلام تاما عند قوله،) أشفقت (جاز أن ينصب قوله أن تحترق على معنى المفعول من أجله، وأن جعل الكلام غير تام بقوله) أشفقت (فالمعنى معنى من، كأنه قال أشفقت من أن تحترق فلما حذف من وصل الفعل، كما عمل بعد حذف الخافض في قوله أمرتك الخير أي بالخير.
لا يَسْتَكِنُّ الرُّعْبُ بينَ ضُلُوعِهِ يَوْمًا ولا الإحْسانُ أنْ لا يُحْسِنا
قال ابن جني: الإحسان هذا مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته، وليس من الإحسان الذي هو الإنعام، وضده الإساءة، وإن كان معنياهما متقاربين يقول: فهو لا يحسن إلا بفعل الجميل.
وقال الشيخ:) يستكن (يستتر، وكل ما خفي فقد استكن قال زهير:
وكانَ طَوَى كَشْحًا على مُسْتكِنّةٍ فلا هو أبدَاها ولم يَتَقدَّمِ
فقيل: المستكنة الحاجة التي عزم عليها، وهو الوجه الصحيح، وقيل المستكنة قرحة تنبت في الجنب، فيجوز أن يكون شبه الحقد الذي معه بالقرحة التي تؤدي إلى الهلاك، يقول لا يدخل الرعب جسد هذا المذكور، وكذلك الإحسان لا يستكن في نيته؛ لأنه يظهره فيغيبه عن الإخفاء.
وقال ابن فورجة: ما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي ضد الإساءة يقول: لا يستكن الإحسان حتى يحسن، أي لا يمكث حتى يفعله، فأقام يستكن مقام يمكث لتقارب معنييهما، هذا أسبق إلى الفهم والذي أتى به الشيخ أبو الفتح في غاية الجود.
وقال الأحسائي: يقال أحسنت كذا، أي فعلت مجود الفعلة، وفلان لا يحسن كذا، أي لا يجيده، فيقول: هو لا يحسن أن يترك الإحسان، كما لا يستقر الرعب في قلبه.
سَلَكَتْ تماثِيلَ لبقِبابِ الجنُّ مِنْ شَوْقٍ بها فأَدَرْنَ فِيكَ الأعْيُنا
قال ابن جني: ما أعلم أنه وصفت صحة صورة بأنها تكاد تنطق أحسن من هذا.
وقال الشيخ: يقول سلكت الجن تماثيل القباب إليك، وإنما فعلت ذلك لأن عادتها جرت بأنها لا تظهر للإنسان.
فَعَجِبْتُ حتى ما عَجِبْتُ من الظُّبى وَرَأيتُ حتى ما رَأيتُ مِنَ السَّنى
قال ابن جني: يقول فعجبت من كثرة السيوف، حتى زال عجبي وتجاوز ما عاينت فأخلدت إليه، ورأيت من الضوء وتألق الحديد ولمعانه ما خطف بصري، فلم أر نعه غيره.
وقال الشيخ: عجبت حتى لم يبق لي عجب إلا رأيته، ورأيت السنى حتى منعني نوره من الإبصار فلم أره.
فَطَنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى وَلما تَركتُ مخَافَةً أنْ تَفْطُنا
قال ابن جني: أي قد عرفت ما كان مني من شكوك، والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك، لئلا ينمي إليك، أي فلو لم لأتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشي إليه به، وكأنه مع هذا قد اعترف بتقصير كان منه، ألا تراه يقول بعد.
أضْحَى فِراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقوبةً ليسَ الذّي قاسَيْتُ مِنْهُ هَينا
وقال الشيخ أبو العلاء: وصفه بالفطنة، وأنه يفطن لما يفعله، مخافة أن يعلم به، يقول: إن كنت أتيت شيئا وأنت غائب، فأنت عالم به، كأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك وحضورك، وأنت عالم بذلك، وقوله) لما تركت مخافة أن تفطنا (وأراد ذم قوم فترك ذمهم، لأنه خشي أن يفطن لذلك الممدوح فيكرهه، وزعم أنه يفطن لما يفعله الشاعر، ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به.
وقال الأحسائي: كان أبو الطيب قد تخلف عن بدر لما سار من طبرية إلى صور، وكان بدر مؤثرا لصحبته، فقال إنك فطن الفؤاد لما أتيته وأنت غائب ولما تركته أيضا، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فيحتاج أحد أن يتشوف عندك بالوقيعة، ثم قال يكفيني عقوبة على تخلفي عنك فراقك، فليس الذي قاسيت منه هينا، فلا تزدني عقوبة بعتابك.
وَانْهَ المُشِيرَ عَلَيْكَ في بِضَلَّةٍ فالحُرُّ بأوْلادِ الزِنَا
قال ابن جني: كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر لما سار وتأخر عنه المتنبي، وجعل قبوله منه ضلة أي أن أطعته ضللت. يهدده بالهجاء.
[ ٩٩ ]
وقال الشيخ: الضلة في هذا البيت مقصود بها المشير، أي هو ضال في مشورته وهذا أحسن من أن تجعل الضلة للممدوح، لأنه يجب أن يجل عن ذلك، والذي ذهب إليه الشيخ أبو الفتح يحتمله المعنى.
وإذا الفَتى طَرَحَ الكَلامَ مُعرَّضًا في مَجْلِسٍ أخَذَ الكلامَ اللَّذْعنَا
قال ابن جني: أراد اللذ في قول الشاعر:
اللَّذْ بأسفِلهِ صَحراءُ وَاسِعَةٌ واللَّذْ بأعلاه سَيْلٌ مَدَّهُ الجرُفُ
وقال الشيخ: يقال إن (اللذ عني (الكلام البين الذي ليس فيه مواراة، وهذه الكلمة في كتاب العين، ولم تأت في شعر قديم إلا إن تكون شاذة، قالوا أراد باللذ عني الذي عنى فسكن ذال الذي وحذف الياء.
ومن التي لأولها: سأفَاضِلُ النَّاسِ أغْرَاضٌ لِذَا الزَّمَنِ
حَوْلي بكُلّ مَكانٍ منهُمُ خِلَقٌ تُخْطِي إذا جِئتَ في اسْتفهَامِها بَمنِ
قال الشيخ: خفف همزة) تخطي (والمعنى يحتمل وجهين أحدهما أن يكون تخطي فيه ضمير عائد على الخلق، يريد أنهم إذا قيل للرجل منهم من أنت؟ لم يهتد للبيان في الجواب، وهذه مبالغة في الصفة بالجهل، والآخر أن يكون المعنى تخطي أيها الرجل إذا قلت لبعضهم من أنت، لأن من إنما تكون لمن يعقل، وهذه الخلق ليس لها عقول.
خُرَّابِ بَادِيةٍ غَرْثى بُطُونُهمُ مَكْنُ الذَّبابِ لُهم زَادٌ بلا ثَمَنِ
قال الشيخ: الخراب جمع خارب، وأصله الذي يسرق الإبل خاصة، ثم قيل لكل لص خارب قال الشيخ:
والخَارِبُ اللّصُّ يُحبُّ الخَارِبَا وتلكَ قُرْبَى مثلَ أَنْ تُناسِبَا
أنْ تُشْبِهَ الضَّرَائِبُ الضَّرَائِبا
غَضَّ الشَّبابِ بَعيدٌ فَجْرُ لَيلَتِه مُجَانِبُ العَينِ للفَحْشاءِ والوَسَنِ
قال الشيخ: يريد أنه شاب، وأنه مع ذلك ناسك، بعيد فجر ليلته، لأنه يتهجد ويقوم للصلاة، فيطول عليه الراقد لا يحس بطول الليل.
قَدْ صَيَّرَتْ أوَّلَ الدُّنيا أواخِرها آباؤهُ مِنْ مُغارِ العِلْمِ في قَرَنِ
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي قد ضبطوا العلم وقيدوا به الأحكام والشرائع.
ومن التي أولها:
قَدْ عَلَّمَ البَينُ مِنَّا البَيْنَ تجفَانا تدْمَى وألفَ في ذا القَلْبِ احَزانا
قال الشيخ: أراد أن تدمى فحذف، وقد فعل هذا في مواضع كثيرة، وإذا أضمرت فهي والفعل في موضع مفعول ثان لقوله منا البين، يقول لما بان أحبابنا علم نأيهم أجفاننا أن تتباين فلا تلتقي للرقاد.
وَلَوْ بَدَتْ لأتاهَتْهُمْ فَحَجَّبها صَوْنٌ عُقُولُهم مِنْ لَحْظِها صَانَا
قال الشيخ: يقول لو بدت هذه المرأة لاتاهت من ينظر إليها، أي حيرته، وزعم أن الصون حجبها عن عيونهم، فصان عقولهم من أن تذهب.
وقال ابن فورجة:) صون (فاعل) حجبها (وصان في القافية ضميره راجع إلى الصون يريد صون صان عقولهم من حظها، والمعنى أنها بدت لأتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها وذهولهم عن تأملها مقام صيانتها، فكانت كأنها لم تبد ثم قال هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها، ولولا تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، ولو تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، وذهب بها، يريد عشقوها غرضا للحظها، وبعد فالبيت مدخول والمعنى معقد مرذول.
ذَاكَ المعُدُّ الذي تَقْنُو يَداه لنَا فَلَوْ أُصيبَ بِشَيء مِنْهُ عَزَّانا
قال الشيخ:) المعد (الذي يجعل الأشياء عدة للعافين، فهو يقنو المال ليعطيه من يسأله، فلو أصيب بشيء منه لعزى العافين به، لأنه لم يذهب منه وإنما ذهب من أيديهم.
ومن التي أولها: بِمَ التَّعَلُّلُ لا أهْلٌ ولا وَطَنُ
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أنْ يُبَلغَنِي ما لَيْسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمنُ
قال الشيخ: جرى في هذا البيت على عادته في المبالغة، وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير.
وذهب أبو الفتح ابن جني إلى معنى حسن، وهو أن الزمان يختار أن يكون كله ربيعا لأنه زمان طيب، يظهر فيه من الزهر والرياض والريا الأريجة ما ليس يظهر في غيره من الأزمنة.
قال ابن فورجة: ويمكن أن يكون أراد أن يكون خصبا لا قحط فيه، ويكون كله البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو صحوا لا غيم فيه.
[ ١٠٠ ]
تَحَملَّوا حَمَلَتْكُم كُلُّ تاجِيَةٍ فكُلُ بَينٍ عَلَيٍ اليَوْمَ مُؤتَمنُ
قال الشيخ: كأنه دعا لنفسه بأن يتحملوا عنه، وأن تحملهم النواجي من الإبل وهي السراع، وهذا ضد قوله:
لَيتَ الذي خَلقَ النَّوَى جَعلَ الحَصَى لَخِفافِهِنَّ مَفاصِلي وَعظَامِي
وذكر أن البين مؤتمن عليه، لأنه سال لا يلحقه من البين ضرر، ثم شرح ذلك بقوله:
ما في هَوادِجكُم مِن مُهَجَتِي غوضٌ إنْ مُتُّ شَوْقًا ولا فيها لَها ُضمَنُ
فَغادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَينكُم يهَماءَ اكْذِبُ فيها العَينُ والأذُنُ
قال الشيخ:) اليهماء (الأرض التي لا يهتدى لها، كأنه يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم، فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن، لأنها بعيدة الأرجاء فالعين لا يتبين فيها الشخص على حقيقته، كذلك الأذن ليس سمعها في هذه القفرة بالصحيح.
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ يعْدِ الرَّسِيم بها وتسأل الأرضَ عن أخْفَافِها الثفَنُ
قال الشيخ: يقال حبا البعير حبوا إذا عجز عن القيام فحبا وهو بارك، والرواسم نوق تسير الرسيم وهو ضرب من السير، والثفن جمع ثفنة وهو ما يصيب الأرض من البعير إذا برك، يقول قد ذهبت أخفاف هذه الإبل لطول السفر، فثناتها تقول للآرض ما فعلت أخفافي، أي أ، ثفاتها باشرت الأرض لأنها تحبو لضعفها.
ومن التي أولها: عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسانِ
برَغمِ شَبيبٍ فارَقَ السَّيفِ كَفُّهُ وكانَا على العِلاَّتِ يَصطَحِبانِ
قال الشيخ: شبيب العقيلي كان من قوم يعرفون بالمستأمنة، استأمنوه إلى سيف الدولة، وكانوا قبله مع القرامطة، وولي شبيب معرة النعمان دهرا طويلا، ثم سار إلى مصر وخرج على كافور، واجتمعت إليه طائفة، وهاجم بها دمشق ومعه عسكر، واختلف الناس في حديثه فقيل: إن امرأة ألقت عليه رحى يد فصرعته، فلما صرع انهزم العسكر، وقال قوم: إنه كان حدث به صرع من شرب النبيذ، وأنه عرض له في تلك الساعة، وكان كافور قد أعد عسكرا ليجهزه إليه فكفي بالإقبال مئونته.
كأنَّ رِقابَ النَاسِ قَالَتْ لسَيْفِهِ رَفيقُكَ قَيْسِيَ وأنْتَ يِمَانِي
قال الشيخ: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشاعر قال) كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك من قيس عيلان (، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأن عادة من ينسب إلى قيس عيلان أن يتعصب على اليمن.
ومَا كانَ إلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ يُثيرُ غُبارًا في مَكَانٍ دُخانِ
قال ابن جني: أخذه من قول الآخر:
ماوِيَّ يا رُبتَّما غارَةٍ شَعْوَاءَ ما للّذْعَةِ بالميسمِ
الميسم الحديدة التي يوسم بها، فإذا وقعت على وبر الإبل دخنت، فأشبه الغبار إلا أن المتنبي فسره ولخصه وأظهره، وقد جمعوا دخانا على دخان، قال الضميري القستري:
وَجَرداءَ مِنْ نَاءِ الجيادِ كأنّها عِقَابٌ زَهَتْها الريحُ يومَ دُخانِ
قال الشيخ: المعروف أن أصحاب النقل يقولون: جمع دخان دواخن، وهذه العبارة فيها تسامح، لأن فواعل ليس جمعا لفعال، وإنما حقيقة فواعل أنه جمع داخن أو داخنة.
قال الشاعر:
كأنَّ غُبارَها في كُلَّ شُهبٍ دَواخِنُ تَنضَبٍ صَادفنَ ريحا
وقوله إن جمع دخان دخان غير معروف، لأن فعال لا يجمع على فعال، وليس بالشاعر ضرورة أن يجمع دخانا في البيت الذي استشهد به، لأنه إذا ضم الدال لم يتغير الوزن والدخان يقع على القليل والكثير، فلذلك لم يحتج إلى جمعه، وينبغي أن يكون أقل العدد أدخنة، وقد جمع الأخطل الأدخنة فقال:
صُفْرُ اللّجِى مِن وَقُودِ الأَدْخِنَاتِ إذا رَدَّ الحِلاَبَ وَكَفَّ الحَالِبَ القِروُ
[ ١٠١ ]
ولو جمع دخانا جمعا كثيرا لقيل دخن، كما قالوا غراب وغرب، وقوله الأول كاللذعة بالميسم يشبه بيت أبي الطيب بعيد في القياس، لأن الذي شبه الغارة بلذعة الميسم إنما أراد أنها تحرق الموسوم، فيجد لها ألما، وكذلك الذين يغار عليهم إذا أخذت أموالهم لذعوا بالنار، ولا يحسن أن يكون الشاعر أراد أن الميسم يقع على الوبر فيكون له دخان، فكيف يشبه غبار الحرب وهو المنشر في آفاق الأرض بدخان يحرقه ميسم في وبر بعير أو ناقة، ولما جعل أبو الطيب شبيبا مقل النار جعل غبار الحرب التي يثيرها شبيب مثل الدخان الذي يحدث عن النار.
أتُمسِكُ مَا أوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ وَتُمْسِكُ في كُفْرَانِهِ بِعِنانِ
قال ابن جني: يقول: إذا كفر نعمتك من تحسن إليه، لم يقبض يده على عنانه تخاذلا وحيرة.
قال الشيخ: هذا استفهام على معنى الإنكار والتقرير، يقول: أحسنت إليه إحسانا أمسكته يده، وكان لا ينبغي أن يمسك في كفران ما صنع معه بعنان، يقال أمسك الشيء وأمسك به، وقد تبين الغرض في قوله:
ثَنى يَدهُ الإحْسانُ حَتَّى كأنَّها وَقَدْ قُبِضَتْ كانتْ بغَيرِ بنانِ
يقول ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لما قبضت ما وهبت لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وقد قَتَل الأقْرانَ حتى قَتَلْتَهُ بأضْعَفِ قِرْنٍ أذلَّ مَكان
قال الشيخ: حكى الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد العلوي نضر الله وجهه أنه كان بحضرة كافور وأبو الطيب ينشده هذه القصيدة، فقال: بأضعف قرن في أذل مكان، فقال كافور وهو يتكلم كلام الخدم: لا والله إلا بأشد قرن في أعز مكان، فروى الناس بأضعف قرن في أعز مكان.
ومن التي أولها:
مَغانِي الشِّعْبِ طِيبًا في المَغَاني بمنَزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
قال الشيخ: المغاني جمع مغنى وهو المنزل، والرواية التي في أيدي الشاميين ينصبون فيها طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال تطيب طيبا، كما تقول فلان بسير سيرا، ويجوز أن يكون نصبه على التفسير، إلا أن التفسير إذا كان العامل فيه غير فعل لم يجز تقديمه، والبغداديون يروون) طيبا (بالرفع، ويزعمون أن النصب غير جائز وإنما فروا من أن ينصبوه على التمييز، وليس ثم فعل يحمل عليه، وإذا كان العامل في التمييز فعلا أجاز بعض النحويين تقدمه، كقول الشاعر:
أَتَهْجُرُ لَيْلَى بالفِراقِ حَبِيَبهَا وما كَانَ نَفْسًا بالفِراقِ تَطِيبُ
ووجه رفع الطيب أنه يجعل المغاني مبتدأ و) طيبا (خبرها فيكون المعنى مغاني الشعب طيب في المغاني كلها، كما أن الربيع طيب في الزمان، والشعب الطريق في الجبل.
مَلاعِبُ جَنَّةٍ لَوْ سَارَ فيها سُلَيمانٌ لَسارَ بِترجمانِ
قال الشيخ: أراد أن أهلها كأنهم جن، ولم يرد أن الجن تلعب فيها، لأن المكان يوصف بذلك إذا كان خاليا، وقد وصف الشاعر هذا الموضع وصف آهل، وهذا معنى لم ينظمه فيما نعلم أحد قبل أبي الطيب، لأن سليمان قال " علمنا منطق الطير " فإذا احتاج إلى ترجمان، فقد عجز عن فهم لسان هؤلاء القوم، وهذه مبالغة مفرطة.
وَلكِنَّ الفَتى العَرَبي فيها غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ واللَّسانِ
قال ابن جني: غريب الوجه واللسان معروف، ومعنى غريب اليد أي أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والنيزك، ويجوز أن يريد به الخط والأول أقوى.
قال الشيخ: ذهب قوم إلى أن اليد في هذا البيت النعمة، وإنما أراد أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأن وجوههم بينة من وجوههم، ولحاهم شقر وصهب وكان مروره بالكرد، وأيديهم لا تشبه أيدي العرب لأنها غلاط جعدة.
وقال الأحسائي: يريد أنها بلاد الفرس فالعربي فيها غريب الوجه، إما لأنه إذا رؤي وجهه استغرب، وإما لأن لون العربي الأدمة، والغالب على العجم الشقرة والبياض، وأما غريب اليد فيجوز أن يريد السلاح، وذلك أن العرب تحمل الرماح والعجم سلاحها النشاب والخشوت. ويجوز أن يريد أفعال اليد أو لأن العرب توصف أيديها بالبساطة، وأيدي العجم توصف بالتجعد والتقبض.
وَلَوْ كانَتْ دِمَشْقّ ثَنى عِنَانِي لَبيقُ الثُّرْدِ صِينيُّ الجِفانِ
[ ١٠٢ ]
قال ابن جني: يقول لو كانت هذه المغاني دمشق في الطيب، لثنى عناني عنها واجتذبني إليها هذا الممدوح، الذي ثرده ملبق، وجفانه غضار صيني، لأنه ملك وليس من أهل البادية.
يَلْجوُجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيْفٍ بِهِ النِيرانُ نَدَّيُّ الدُّخَانِ
قال ابن جني: اليلنجوج العود، يقول: وقوده الذي ترفع به النيران للأضياف عود، ودخان بيته دخان الند، فكأنه قال: عودي الحطب ندي الدخان.
دَعَتْهُ بَمَفْزَعِ الأعْضَاءِ مِنها ليَوْمِ الحَرْبِ بِكْرِ أو عَوَانِ
قال ابن فورجة: حرفه ابن جني فرواه) بموضع الأعضاء منها (، ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها، لأنها موضع الأعضاء منها، حيث يمسك الضارب والطاعن، ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح، ومعنى دعته اجتذبته واستمالته، هذا كلامه، وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا بمفزع الأعضاء، وإنما يريد بقوله:
بِعَضْدِ الدَّوْلَةِ امْتَنَعَتْ وَعَزَّتْ وَلَيْسَ لِغَير ذِي عَضُدٍ يَدانِ
وَلا قَبْضٌ عَلى البِيضِ المَواضِي ولا حظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللَّدَانِ
فجعل العضد مفزع الأعضاء، لما بينه في البيتين قبله فإن قال قد قلت: إن معنى دعته اجتذبته واستمالته، فإن دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف ولا الرماح، وإنما استمالته بالملك الذي ملكته، وقد قال) والرماح بأعقابها (وما سمعنا أحدا سمى سافلة الرمح عقبه.
إذا طَلَبتْ وَدَائِعهمُ ثِقاتٍ دُفِعْنَ إلى المحَانِي وَالرّعَانِ
قال الشيخ:) المحاني (جمع محنية، وهي منعطف الوادي، و) والرعان (جمع رعن، وهو أنف يتقدم من الجبل، يقول: التجر يطرحون أمتعتهم في محاني الأودية ورؤوس الجبال، لأنهم لا يخشون عليها لصا، فهي ثقات تؤدى إليهم ما استودعوه، وهذا معنى غريب يجوز أن يكون لم يسبق إليه.
وكانَ ابْنا عَدُوّ كاثَرَاه لَهُ ياءَي حُرُوفِ أُنَيْسيانِ
قال الشيخ: لما قدم الدعاء لابني الممدوح، أتبعه بالدعاء على أبني عدوه، وعلى أبيهما، وابتهل إلى الله سبحانه أن يكون ابنا العدو وإن زادا في عدده ناقصين من شرفه، وشبههما بياءي أنيسيان، إذا زادا في عدد الكلمة كانتا نقصا للمعنى، لأنهما زيدتا للتصغير، وله أي للعدو.