قوله:
ذا الذي أنْتَ جَدُّهُ وأبُوهُ دِنْيَةً دُونَ جَدّهِ وَأبيهِ
قال أبو علي ابن فورجة:) ذا (محله الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه يقول هو ذا الذي أنت جده وقد تقدمه:
أغْلَبُ الحيزَيْنِ ما كُنتَ فِيهِ وَوَلِيُّ النَّماءِ مَنْ تَنْمِيهِ
وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه، فذا إشارة إلى أبي العشائر، وليس بمبتدأ يكون) دون جده (خبره، لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك، ولا فائدة له في ذلك ولا يحس أن يغض منه، وسيف الدولة يمدحه، وليس) دون (بمعنى أوضع وأدنى محلا ومنزلة، بل) دون (من قولك لمن يقرب منك أنا أخوك دون أخيك وأبوك دون أبيك، فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه) وولي النماء من تنميه (وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه وجده، دون أبيه وجده، وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت وهو مما يسأل عنه.
ومن قصيدته التي أولها: النَّاسُ ما لمْ يَرَوْكَ أشبَاهُ
أعلى قَناةٍ الحُسَيْنِ أوْسَطُها فيهِ وأعْلى الكَمِيّ رِجْلاهُ
قال ابن جني: فيه أي في هذا المأزق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال هو قول الآخر:
ولربَّما أطَرَ القَناةَ بِفارِسٍ وثّنى فَقوَّمها بآخر منهم
قال الشيخ أبو العلاء: أراد أنه يطعن الكمي، فتنفذ فيه القناة ويتحطم صدرها، وقد نفذ إلى الجانب الآخر، فقد صار أوسط القناة كأنه أعلاها، لأن بعضها قد ذهب وقد ارتفعت رجلا الكمي لأنه لما طعنه انقلب.
ومن التي أولها:
أوْهِ بَدِيلٌ مِنْ قَوْلَتِي وَاها لَمِنْ نَأتْ والبَدِيلُ ذِكْراها
قال ابن جني: التألم لما ألاقيه من بعدها أولى من التعجب لما أتذكر من أمرها.
وقال الشيخ:) أوه (كلمة تقال عند التأوه، قال الشاعر:
فأوه مِنَ البُعْدِ دونَ أهلِها ومِنْ خرقِ أَرضٍ دَائِمِ العَسَلاَنِ
[ ١٠٣ ]
) وواها (كلمة تقال عند التعجب من الشيء، قال الراجز: وَاهًا لسَلمَى ثمَّ وَاهًا وَاها ولو أن لي في هذا البيت حكما لجعلت بدلا من) قولتي (قولنا، لأنه أقوى من التأنيث يقول نأت هذه الموصوفة، وصار ذكراها بدلا منها.
أوْهِ مِنَ أنْ لا أرى مَحَاسِنها وَأصْلُ وَاهًا وَأوْهِ مرْآها
قال ابن جني: أي أتوجع لأنني لا أرى محاسنها، وأصل توجعي وتعجبي كليهما أنني رأيتها فهويتها.
قال الشيخ: أضاف) أصل (إلى قوله) واها (وتركه منصوبا على الحكاية
فَقَبَّلَتْ نَاطِري تُغالِطني وَإنَّما قَبَّلَتْ بهِ فَاهَا
قال الشيخ أبو العلاء: لما ذكر أنها تبصر وجهها في ناظره، زعم أنها قبلت فاها المتصور لها في ناظره، وهذا بيت يشبه قول الصنوبري.
لولا الحَياءُ بظَلَّ يَلثُمُ ثَغره إذ كان يُبصِرُ وجهَه في الكَاسِ
تَبُلُّ خَدّي كُلَّما ابْتَسَمتْ مِنْ مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنايَاهَا
قال ابن جني: دل في هذه الأبيات على أنها كانت مكبة عليه، وعلى غاية القرب منه وهو قريب من قوله:
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنيَّاتِ وَاضِحٍ سَتْرتُ فَمي عَنْهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي
وقال الشيخ: ذهب أبو الفتح في قوله) تبل خدي (إلى أنها تقبل خديه فتبلهما من ريقها، وقد يجوز هذا المعنى، ولا يمتنع أن يحمل على أنها إذا ابتسمت بكى هو من خبفة فراقها.
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ هِمَمٌ مِلٌْ فُؤادِ الزَّمانِ إحْداها
فَإنْ أتَى حَظُّها بأزْمِنَةٍ أوْسَعَ مِنْ ذَا الزَّمانِ أبْدَاها
وَثَارتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدةً تَعْثُرُ أحْياؤها بمَوْتاها
قال ابن جني:) حظها (أي حظ الهمم.
وقال الشيخ أبو العلاء: يقول هذا الممدوح عظيم الهمم، فأصغر هممه ملء قلب الزمان وهذا لإفراط في المبالغة، وحظها يعني الدنيا، يقول إن كان للدنيا حظ يأتيها بزمان أوسع من زمانها الذي هي فيه، أبدى هذا الممدوح هممه، والفيلق الكتيبة وإنما أخذت من الفلق وهي الداهية، وقوله) صارت الفيلقان (أراد بإحداها الجماعة التي في طاعة هذا الملك بالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته فإن كان الذي ذكره الشاعر من حظ الدنيا، فإن المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وقال ابن فورجة:) حظها (الهاء للهم،) وأبداها (أيضا هاؤها للهمم، يقول إن أتى حظ هممه وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمان أظهر تلك الهمم، فأما الآن فما يسمع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها، ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وجعلها) تعثر أحياؤها بموتاها (للزحمة إذ قد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة، وهذا من قوله أيضا:
بُعثنَا إلى الدُّنيا فلو عَاشَ أهْلُها مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وَذُهْوبِ
الفارِسُ المُتَّقى السَّلاحُ بهِ المُثْني عَلَيْهِ الوَغَى وَخَيْلاها
قال ابن جني: أي هو الفارس الذي تبقى به السلاح، فلا يعمل معه شيئا.
وقال الشيخ:) المتقى السلاح به (معناه أنه يتقدم إلى الحرب دون أصحابه، فكأنهم يتقون به سلاح الأعداء، وهو نحو قوله في سيف الدولة:
كُلّ يُرِيدُ رِجالَهُ لحَياتِهِ يا مَنْ يُرِيدُ حَياتَهُ لِرِجالهِ
والعرب تصف أنفسها بأن أصحابهم يتقون بهم الأسنة والسيوف، كقول عنترة:
إذْ يَتَّقونَ بِيَ الأسِنَّةَ لم أخِمْ عَنْهَا ولكِنَّي تَضَايَقَ مُقَدِمي
ويجوز أن يكون الشاعر لإيثار المبالغة أراد أن أصحاب هذا الممدوح لعلمهم بسعادته، وأن السلاح لا يصل إليه، يتقون به في الحرب، فيكون أمامهم، لأنهم واثقون بأن الشر ر يصل إليه.
وقال الأحسائي: يريد أنه يدفع المكاره عن السلاح بفروسيته، كما يدفع السلاح عن غيره، وهو قريب من قوله:
بالجَيْشِ تمْتَنِعُ السَّاداتُ كُلُّهُمُ والجَيْشُ بابْنِ أبي الهَيْجَاءِ يمتَنع
لَوْ أنكَرَتْ من حَيائِها يَدُهُ في الحَرْبِ آثارَها عَرَفْنَاها
وكَيْفَ تَخْفى التِي زِيادَتُها ونَاقعْ المَوْتِ بَعْضُ سِماهَا
قال ابن جني: الزيادة هنا السوط، قال المرار الفقعسي:
[ ١٠٤ ]
ولم يُلْقُوا وسَائِدَ غَيْرَ أَيْدٍ زِيادَتُهُنَّ سَوْطٌ أو جَدِيلُ
وقال الشيخ: قوله) زيادتها (المراد به السيف، ويدل على ذلك) ناقع الموت (أي أن سيفه في يده كما يكون السوط في يد غيره.