٢٥٤ - (سيرة أزدشير) من حسن سيرته أَن لَهُ كتابا فى حسن السِّيرَة يضْرب الْمثل بِهِ وتقتبس الْمُلُوك من أنواره فَمن نكته قَوْله إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة لاصلاح للخاصة مَعَ فَسَاد الْعَامَّة وَلَا نظام للدهماء مَعَ دولة الغوغاء أوحش الْأَشْيَاء عِنْد الْمُلُوك رَأس صَار ذَنبا وذنب صَار رَأْسا لَا سُلْطَان إِلَّا بِرِجَال وَلَا رجال إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَحسن سياسة
وَمن كَلَامه الْقَتْل أنفى للْقَتْل وَأجل مِنْهُ فى مَعْنَاهُ قَول الله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾
٢٥٥ - (عدل أنو شرْوَان) لم يكن فى الأكاسرة بعد أزدشير الذى لَهُ فَضِيلَة السَّبق أعدل من أنو شرْوَان وَلذَلِك ضرب الْمثل بِهِ فى الْعدْل من بَينهم وَهُوَ الذى ولد النَّبِي ﷺ فى زَمَانه لتسْع سِنِين خلت من
[ ١٧٨ ]
ملكه وافتخر ﷺ بذلك فَقَالَ ولدت فى زمن الْملك الْعَادِل فَأَما سَائِر الأكاسرة فَإِنَّهُم كَانُوا ظلمَة فجرة يستعبدون الْأَحْرَار ويجرون الرعايا مجْرى الأجراء وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء فَلَا يُقِيمُونَ لَهُم وزنا ويستأثرون عَلَيْهِم حَتَّى بأطيب الطَّعَام وَالثيَاب الْحَسَنَة والمراكب وَالنِّسَاء الحسان والدور السّريَّة ومحاسن الْآدَاب فَلَا يجترى أحد من الرعايا أَن يطْبخ سكباجا أَو يلبس ديباجا أَو يركب هملاجا أَو ينْكح امْرَأَة حسناء أَو يبْنى دَارا قوراء أَو يُؤَدب وَلَده أَو يمد إِلَى مُرُوءَة يَده وَكَانُوا يبنون أُمُورهم على معنى قَول عَمْرو بن مسْعدَة لِلْمَأْمُونِ
(ملك مَا يصلح للْمولى على العَبْد حرَام)
إِلَّا أَنهم كَانُوا يحبونَ الْعِمَارَة أَشد الْحبّ ويرونها قوام الدّين وَالْملك وَلَا يقارون أحدا على الْإِخْلَال بهَا وَالتَّقْصِير فِيهَا ويروى أَن بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ يَا رب لم آتيت الأكاسرة مَا آتيتهم فَأوحى إِلَيْهِ لأَنهم عمروا بلادى حَتَّى عَاشَ فِيهَا عبادى وَمن كَلَام أنو شرْوَان الدَّال على مَا وَرَاءه كل النَّاس أحقاء بِالسُّجُود لله تَعَالَى وأحقهم بذلك من رَفعه الله تَعَالَى عَن السُّجُود لأحد من خلقه وَقَوله إِن الْملك إِذا كثرت أَمْوَاله مِمَّا يَأْخُذ من رَعيته كَانَ كمن يعمر سطح بَيته بِمَا يقتلع من قَوَاعِد بُنْيَانه وَقَوله وجدنَا للعفو من اللَّذَّة مَا لم نجده للعقوبة وَقَوله الإنعام لقاح وَالشُّكْر نتاج
٢٥٦ - (رمى بهْرَام) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَنَّهُ لم يكن فى الْعَجم أرمى مِنْهُ وَهُوَ بهْرَام جور الْملك وَمن قصَّته المصورة فى الْقُصُور أَنه خرج ذَات يَوْم إِلَى الصَّيْد على جمل وَقد أرْدف جَارِيَة لَهُ يتعشقها فعرضت لَهُ ظباء
[ ١٧٩ ]
فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ فى أى مَوضِع تريدين أَن أَضَع السهْم من هَذِه الظباء فَقَالَت أُرِيد أَن تشبه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران فَرمى ظَبْيًا ذكرا بنشابه ذَات شعبتين فاقتلع قرنيه وَرمى ظَبْيَة بنشابتين أثبتهما فى مَوضِع القرنين ثمَّ سَأَلته أَن يجمع ظلف الظبى وَأذنه بنشابة وَاحِدَة فَرمى أصل أذن الظبى بِقِطْعَة سهم فَلَمَّا أَهْوى بِيَدِهِ إِلَى أُذُنه ليحتك رَمَاه بنشابة فوصل أُذُنه بظلفة ثمَّ أَهْوى إِلَى الْجَارِيَة مَعَ هَوَاهُ لَهَا فَرمى بهَا إِلَى الأَرْض وأوطأها الْجمل وَقَالَ لشد مَا شططت على وَأَرَدْت إِظْهَار عجزى فَلم تلبث أَن مَاتَت
٢٥٧ - (إيوَان كسْرَى) يضْرب بِهِ الْمثل للبنيان الرفيع العجيب الصَّنْعَة المتناهى الحصانة والوثاقة لِأَنَّهُ من عجائب أبنية الدُّنْيَا وَمن أحسن آثَار الْمُلُوك وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ من بَغْدَاد على مرحلة بناه كسْرَى أبرويز فى نَيف وَعشْرين سنة وتأنق فى تأسيسه وتشييده وتحسينه فَلَمَّا ارْتَفع كَانَ من خَصَائِصه الثمان عشرَة الَّتِى لم يُعْطهَا ملك قبله
وَيُقَال بل بناه أنو شرْوَان وَهُوَ الذى بنى الْبَاب والإيوان أَيْضا
وأنشدنى أَبُو نصر المرزبانى لنَفسِهِ يذكر ذَلِك
(قلت لما رايته فى قُصُور مشرفات الجدران والبنيان)
(هبك كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أنو شرْوَان بانى الْأَبْوَاب والإيوان)
(أى شكر ترجوه منى إِذا لم تقض لى حاجتى وترفع شانى)
وَذكر ابْن قُتَيْبَة فى كتاب المعارف أَن بانية سَابُور ذُو الأكتاف
وَمن وَصفه أَن طوله مائَة ذِرَاع فى عرض خمسين ذِرَاعا فى سمك مائَة
[ ١٨٠ ]
ذِرَاع وَهُوَ متخذ من الْآجر الْكِبَار والجص وثخن الأزج خمس آجرات وَطول الشرفة خَمْسَة عشر ذِرَاعا
وَلما بنى الْمَنْصُور مَدِينَة السَّلَام أحب أَن ينْقض إيوَان كسْرَى ويبنى بنقضه الْأَبْنِيَة فَاسْتَشَارَ خَالِد بن برمك فى ذَلِك فَنَهَاهُ عَن نقضه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه آيَة الْإِسْلَام وَإِذا رَآهُ النَّاس علمُوا أَن من هَذَا بِنَاؤُه لَا يزِيل أمره إِلَّا نبى وَهُوَ مَعَ هَذَا مصلى على بن أَبى طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ والمؤنة فى هَدمه ونقضه أَكثر من الارتفاق بِهِ فَقَالَ الْمَنْصُور يَا خَالِد أَبيت إِلَّا ميلًا إِلَى الْعَجم ثمَّ أَمر بهدمه فهدمت مِنْهُ ثلمة فلبغت النَّفَقَة عَلَيْهَا مَالا كثيرا فَأمر بالإضراب عَن هَدمه وَقَالَ يَا خَالِد قد صرنا إِلَى رايك فِيهِ فَقَالَ أَنا الْآن أُشير بهدمه قَالَ وَكَيف قَالَ لِئَلَّا يتحدث النَّاس بأنك عجزت عَن هَدمه فَلم يقبل قَوْله وَتَركه على حَاله فَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول قد حبب إِلَى هَذَا الْخَبَر أَلا أبنى إِلَّا بِنَاء جَلِيلًا يصعب هَدمه
قَالَ الجاحظ قَالَ قَاسم التمار رَأَيْت إيوَان كسْرَى كَأَنَّمَا رفعت عَنهُ الْأَيْدِي أول أمس
قَالَ الْمبرد تَذَاكر حُذَيْفَة بن الْيَمَان وسلمان أَمر الدُّنْيَا فَقَالَ سلمَان وَمن أعجب مَا تَذَاكرنَا صعُود غنيمات الغامدى سَرِير كسْرَى وَكَانَ أعرابى من غامد يرْعَى شويهات لَهُ فَإِذا كَانَ اللَّيْل صيرها إِلَى عَرصَة إيوَان كسْرَى وفى الْعَرَصَة سَرِير رُخَام فتصعد غنيماته إِلَى ذَلِك السرير وَكَانَ كسْرَى كثيرا مَا يجلس على ذَلِك السرير
[ ١٨١ ]
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بإيوان كسْرَى ابْن الرومى فى قَوْله وَهُوَ يهجو
(كَانَ للكركدن قرن فأضحى وَهُوَ الْيَوْم عِنْد قرنك مدرى)
(من يكن قرنه كقرنك هَذَا فَلْيَكُن بَابه كإيوان كسْرَى)
وَمِمَّنْ وَصفه البحترى فى قصيدته الَّتِى مِنْهَا
(حضرت رحلى الهموم فوجهت إِلَى أَبيض الْمَدَائِن عنسى)
(وَكَأن الإيوان من عجب الصَّنْعَة جوب فى جنب أرعن جلس)
(لم يعبه أَن بِزَمن بسط الديباج واستل من ستور الدمقس)
(مشمخر تعلو لَهُ شرفات رفعت فى رُءُوس رضوى وَقدس)
(لَيْسَ يدرى أصنع إنس لجن سكنوه أم صنع جن لإنس)
(غير أَنى أرَاهُ يشْهد أَن لم يَك بانيه فى الْمُلُوك بنكس)
٢٥٨ - (نديما جذيمة) يضْرب بهما الْمثل فى طول الصُّحْبَة كَمَا يضْرب بالفرقدين وابنى شمام ونخلتى حلوان وَكَانَ جذيمة الوضاح الْملك لَا ينادم أحدا ذَهَابًا بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول أَنا أعظم من أَن أنادم إِلَّا الفرقدين وَكَانَ يشرب كأسا وَيصب لكل مِنْهُمَا كأسا فَلَمَّا أَتَاهُ مَالك
[ ١٨٢ ]
وَعقيل بِابْن أُخْته عَمْرو صَاحب الطوق الذى استهوته الْجِنّ قَالَ لَهما مَا حاجتكما قَالَا منادمتك فنادمهما أَرْبَعِينَ سنة كَانَا يحادثانه وَمَا أعادا عَلَيْهِ حَدِيثا قطّ حَتَّى فرق بَينهمَا الدَّهْر وَفِيهِمَا يَقُول الشَّاعِر
(ألم تعلما أَن قد تفرق قبلنَا نديما صفاء مَالك وَعقيل)
وَيَقُول متمم بن نويره فى أَخِيه مَالك وَهُوَ من الْأَمْثَال السائرة
(وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا)
(فَلَمَّا تفرقنا كأنى ومالكا لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا)
٢٥٩ - (ظلم الجلندى) هُوَ الْملك الذى ذكره الله تَعَالَى فى كِتَابه فَقَالَ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا﴾ فَجرى الْمثل لاسيما على أَلْسِنَة أهل عمان بظلمه فَقَالُوا أظلم من الجلندى
٢٦٠ - (شقائق النُّعْمَان) يحْكى أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر خرج يَوْمًا إِلَى ظهر الْحيرَة متنزها وَقد أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بالشقائق فاستحسنها وَقَالَ احموها فحميت وَسميت شقائق النُّعْمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم نسبت الشقائق إِلَيْهِ تَشْبِيها بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(كَأَن شقائق النُّعْمَان فِيهَا ثِيَاب قد روين من الدِّمَاء)
٢٦ - (خَرَزَات الْملك) كَانَ الْملك من مُلُوك الْعَرَب كلما مَضَت
[ ١٨٣ ]
ينادم أحدا ذَهَابًا بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول أَنا أعظم من أَن أنادم إِلَّا الفرقدين وَكَانَ يشرب كأسا وَيصب لكل مِنْهُمَا كأسا فَلَمَّا أَتَاهُ مَالك
[ ١٨٤ ]
وَعقيل بِابْن أُخْته عَمْرو صَاحب الطوق الذى استهوته الْجِنّ قَالَ لَهما مَا حاجتكما قَالَا منادمتك فنادمهما أَرْبَعِينَ سنة كَانَا يحادثانه وَمَا أعادا عَلَيْهِ حَدِيثا قطّ حَتَّى فرق بَينهمَا الدَّهْر وَفِيهِمَا يَقُول الشَّاعِر
(ألم تعلما أَن قد تفرق قبلنَا نديما صفاء مَالك وَعقيل)
وَيَقُول متمم بن نويره فى أَخِيه مَالك وَهُوَ من الْأَمْثَال السائرة
(وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا)
(فَلَمَّا تفرقنا كأنى ومالكا لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا)
٢٥٩ - (ظلم الجلندى) هُوَ الْملك الذى ذكره الله تَعَالَى فى كِتَابه فَقَالَ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا﴾ فَجرى الْمثل لاسيما على أَلْسِنَة أهل عمان بظلمه فَقَالُوا أظلم من الجلندى
٢٦٠ - (شقائق النُّعْمَان) يحْكى أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر خرج يَوْمًا إِلَى ظهر الْحيرَة متنزها وَقد أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بالشقائق فاستحسنها وَقَالَ احموها فحميت وَسميت شقائق النُّعْمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم نسبت الشقائق إِلَيْهِ تَشْبِيها بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(كَأَن شقائق النُّعْمَان فِيهَا ثِيَاب قد روين من الدِّمَاء)
٢٦ - (خَرَزَات الْملك) كَانَ الْملك من الْمُلُوك الْعَرَب كلما مَضَت
[ ١٨٣ ]
سنة من سنى ملكه زيدت فى تاجه خرزة وَكَانَ يُقَال لتِلْك الخرزات خَرَزَات الْملك وَلما بلغت خَرَزَات النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَرْبَعِينَ أشخصه كسْرَى أبرويز إِلَى حَضرته لهنات نقمها عَلَيْهِ ثمَّ أَمر بقتْله وإياه عَنى لبيد بن ربيعَة بقوله
(رعى خَرَزَات الْملك عشْرين حجَّة وَعشْرين حَتَّى فاد والشيب شَامِل)
٢٦ - (ردافة الْمُلُوك) كَانَت من الْعَرَب فى بنى عتاب بن هرمى ابْن ريَاح بن يَرْبُوع فَورثَهَا بنوهم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى قَامَ الْإِسْلَام وهى أَن يثنى بصاحبها فى الشَّرَاب وَإِن غَابَ الْملك خَلفه فى الْمجْلس وَيُقَال إِن أرداف الْمُلُوك فى الْجَاهِلِيَّة بِمَنْزِلَة الوزراء فى الْإِسْلَام والردافة كالوزارة قَالَ لبيد من قصيدة
(وَشهِدت أنجية الأفاقة عَالِيا كعبى وأرداف الْمُلُوك شُهُود)
٢٦٣ - (أَخْلَاق الْمُلُوك) تُوصَف بالتلون والتغير لِأَن الْمُلُوك لَهُم بدوات وَقد شبه بهَا يَوْمًا من أَيَّام الرّبيع من قَالَ
(وَيَوْم كأخلاق الْمُلُوك ملون فشمس ودجن ثمَّ ظلّ ووابل)
(أشبهه إياك يامن صِفَاته دنو وإعراض وَمنع ونائل)
وَأحسن مِنْهُ فى مَعْنَاهُ قَول على بن الجهم
(أما ترى الْيَوْم مَا أحلى شمائله صحو وغيم وإبراق وإرعاد)
[ ١٨٤ ]
(كَأَنَّهُ أَنْت يامن لست أذكرهُ وصل وهجر وتقريب وإبعاد)
٢٦٤ - (دين الْمُلُوك) كَانَ الْمَأْمُون يَقُول الإرجاء دين الْمُلُوك وَهُوَ الذى تنْسب إِلَيْهِ مَذَاهِب المرجئة الَّذين يتركون الْقطع على أهل الْكَبَائِر إِذا مَاتُوا غير تَائِبين بِعَذَاب أَو عَفْو وَيَقُولُونَ بإرجاء أَمرهم وَالْحكم عَلَيْهِم وهم جَمِيعًا سوى الحشوة الطغام مِنْهُم يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى إِن عَفا عَن وَاحِد فَمن هُوَ فى مثل حَاله وَإِن الله تَعَالَى لَا يخلد أحدا من أهل التَّوْحِيد فى النَّار بارتكاب الْكَبَائِر وَإنَّهُ إِن أدخلهم النَّار عذبهم بِقدر ذنوبهم ثمَّ أخرجهم
٢٦٥ - (دَاء الْمُلُوك) قد نزههم الله وَرفع أقدارهم عَمَّا يرميهم بِهِ الْعَامَّة وتنسبه إِلَيْهِم من الدَّاء الذى لَا دَوَاء لَهُ إِلَّا بعصمة الله تَعَالَى وَكَأَنَّهُم اعتقدوا أَن ذَلِك رُبمَا يتَوَلَّد من فرط الترفه والتنعم فإضافته إِلَيْهِم لتخصيصه بهم قَالَ الشَّاعِر
(دَاء الْمُلُوك يلوح فَوق جَبينه شهِدت بِذَاكَ مَوَاضِع التحديق)
وَقَالَ أَبُو نصر الظريفي الأبيوردي
(قد ردنا إِسْحَاق عَن بَابه فَلم يكن فِيهِ لنا من سلوك)
(وَقَالَ بى دَاء وعهدى بِهِ كَالشَّمْسِ من قبل أَوَان الدلوك)
(وَلَيْسَ ذَاك الدَّاء من دائنا لَكِن ذَاك الدَّاء دَاء الْمُلُوك)
وَقَالَ آخر
[ ١٨٥ ]
(أَحْمد الله حمد شَاكر نعماه وَلَا أشتكى صروف الزَّمَان)
(إِن عرانى دَاء الْكِرَام من الدّين فدَاء الْمُلُوك مِمَّا عدانى)
وَقَالَ آخر
(مَا حيلتى وَالزَّمَان يجفونى وَهُوَ على الْحر غير مَأْمُون)
(وَالدّين دَاء الْكِرَام ينحلنى وَلَيْسَ دَاء الْكِرَام بالدون)
(أَحْمد ربى الْكَرِيم حمد فَتى فى كدر الْعَيْش غير مغبون)
(إِن كَانَ دَاء الْكِرَام يعرونى فَإِن دَاء الْمُلُوك يعدونى)
٢٦٦ - (غضب الْمُلُوك) كَانَ يُقَال اتَّقوا غضب الْمُلُوك وَمد الْبَحْر وَمن غرر مدائح بكر بن النطاح فى أَبى دلف قَوْله
(ومقسم بَين القواضب والقنا غضب الْمُلُوك وَنِيَّة الْعباد)
(فَإِذا أَبُو دلف أمد بِذكرِهِ جَيْشًا كَفاهُ مئونة الْإِمْدَاد)
٢٦٧ - (بهاء الْمُلُوك) وصف أعرابى الْحسن البصرى فَقَالَ بهَا الْمُلُوك وسيمى الْعباد وفى مَعْنَاهُ قَالَ الأخطل لعبد الْملك بن مَرْوَان
(تسمو الْعُيُون إِلَى إِمَام عَادل معطى المهابة نَافِع ضرار)
(وَيرى عَلَيْهِ إِذا الْعُيُون رمقنه سِيمَا النقى وهيبة الْجَبَّار)
وَأَخذه البحترى فَقَالَ فى المهتدى بِاللَّه
(ملك تحييه الْمُلُوك وفوقه سِيمَا التقى وتخشع الزهاد)
[ ١٨٦ ]
(متهجد يخفى الصَّلَاة وَقد أَبى إخفاءها أثر السُّجُود البادى)
٢٦٨ - (ميدان الْخُلَفَاء) هُوَ عِنْد أَصْحَاب الْأَخْبَار عشرُون سنة إِلَى أَربع وَعشْرين وهى دوران الْمُشْتَرى فَكَأَنَّهَا كِنَايَة عَن أتم مُدَّة للخلافة فَمن بلغت مُدَّة خِلَافَته عشْرين سنة إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة مُعَاوِيَة وَعبد الْملك وَهِشَام والمنصور والمأمون وَالْمُعْتَمد وَلم يستكمل الْأَرْبَع وَالْعِشْرين غير الرشيد والمقتدر
حدث أَبُو العيناء قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد المهلبى قَالَ كُنَّا وقوفا على بَاب الْفضل بن الرّبيع وَهُوَ عليل فى آخر أَيَّام الرشيد إِذْ أقبل الرشيد عَائِدًا لَهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن هِلَال الْحَمد لله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ خصك بطول الْبَقَاء وأجازك ميدان الْخُلَفَاء فَتغير وَجه الرشيد وَدخل فَخرج بعقب ذَلِك الْقَاسِم ابْن الرّبيع يشْتم عبد الْملك بن هِلَال وَيَقُول لَهُ من حملك أَن تذكر لأمير الْمُؤمنِينَ مَا مضى من مُدَّة خِلَافَته وَالله ليعيشن بعْدهَا أَرْبَعِينَ سنة فَمَا عَاشَ بعْدهَا إِلَّا أقل من سنة
قَالَ مُحَمَّد بن عباد وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السكونى وَاقِفًا مَعنا فَأقبل على يحدثنى بِنَحْوِ هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُور انْصَرف من صَلَاة الْفطر سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة فَجَلَسَ وهنأه النَّاس ودعوا لَهُ فَقَالَ عقال بن شيبَة وَقد وضعت الموائد والمنصور يَأْكُل احْمَد الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد جزت ميدان الْخُلَفَاء قبلك فَقبض الْمَنْصُور يَده عَن الطَّعَام وَقَالَ كَبرت وَالله يَا عقال وَكبر كلامك فَفطن عقال لذَلِك وتلافى أمره وَقَالَ أجل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد أَحْزَن سهلى واضطرب عقلى وأنكرنى أهلى وَلَا أقوم
[ ١٨٧ ]
وَالله هَذَا الْمقَام بعد يومى فسكن قَوْله هَذَا من الْمَنْصُور وَلم يَعش بعد ذَلِك إِلَّا شَهْرَيْن وأياما
قَالَ مؤلف الْكتاب مثل قَول عبد الْملك بن هِلَال للرشيد وعقال بن شيبَة للمنصور سوء أدب فى مُخَاطبَة الْمُلُوك والكبراء لِأَن فِيهِ نعيا لَهُم إِلَى أنفسهم وإنذارا إيَّاهُم لمجىء آجالهم وَقد حَدَّثَنى السَّيِّد أَبُو جَعْفَر الموسوى قَالَ أنْشد الْعَبَّاس الأرخسى الْأَمِير نصر بن أَحْمد لَيْلَة السذق الحادى وَالثَّلَاثِينَ من الأسذاق الَّتِى أَقَامَ رسومها قصيدة أَولهَا
(مهترا بار خدايا ملك بغدادا سذق ويكم برتو مبارك بادا)
فقطب نصر وَجهه وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ إين شمرون نى جه بايست وتنغص تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم يسمع تَمام القصيدة وَلم يسذق بعْدهَا أى لم يدر عَلَيْهِ الْحول حَتَّى مَاتَ
٢٦٩ - (حسن الْأمين) كَانَ يُقَال لكل من مُحَمَّد الْأمين وأخيه أَبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان لفرط جمالهما وَيُقَال إِن جمال ولد الْخلَافَة انْتهى إِلَيْهِمَا فَمَا رأى النَّاس مثلهمَا قطّ أَلا المعتز بعدهمَا وفى أَحدهمَا يَقُول أَبُو نواس
(أَصبَحت ضبا وَلَا أَقُول بِمن أَخَاف من لَا يخَاف من أحد)
(إِذا تفكرت فى هواى لَهُ مسست رأسى هَل طَار عَن جسدى)
ويحكى أَن الْأَمِير نظر إِلَى أَبى نواس فى بعض ليالى منادمته إِيَّاه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ نظرة علق فَقَالَ لَهُ يَا حسن هَل تشتهينى فَقَالَ معَاذ الله وَمن
[ ١٨٨ ]
يحدث نَفسه بِمثل ذَلِك فَقَالَ أَقْسَمت عَلَيْك بحياتى إِلَّا أخبرتنى فَقَالَ يَا سَيِّدي إِن الْأَمْوَات يشتهونك فَكيف الْأَحْيَاء فَأمر بقتْله فَلَمَّا جىء بالنطع وَالسيف أنْشد أَبُو نواس يَقُول
(أميرى غير مَنْسُوب إِلَى شَيْء من الحيف)
(سقانى مثل مَا يشرب فعل الضَّيْف بالضيف)
(فَلَمَّا دارت الكاس دَعَا بالنطع وَالسيف)
(كَذَا من يشرب الراح مَعَ التنين فى الصَّيف)
فَأمر بإعفائه وَوَصله وَيُقَال إِن صَاحب هَذِه الْقِصَّة هُوَ أَبُو عِيسَى ابْن الرشيد
ويروى أَن رجلا حدق النّظر إِلَى الْأمين فهم بِهِ بعض الخدم فَقَالَ بعض الْحَاضِرين لَا تلمه على النّظر إِلَى زِينَة الله تَعَالَى فى عباده
وَكَانَ الرشيد يَقُول لِلْمَأْمُونِ يَا عبد الله أحب المحاسن كلهَا لَك حَتَّى لَو أمكننى أَن أجعَل وَجه أَبى عِيسَى لَك لفَعَلت
وَقَالَ يَوْمًا لأبى عِيسَى وَهُوَ صبي لَيْت جمالك لعبد الله يعْنى الْمَأْمُون فَقَالَ على أَن حَظه مِنْك لى فَعجب من قُوَّة جَوَابه على صباه وضمه إِلَيْهِ وَقَبله
وقرأت رِسَالَة لأبى إِسْحَاق الصابى لَا أذكرها وَقد ضرب الْمثل فِيهَا بِحسن وَجه الْأمين وغناء إِبْرَاهِيم بن المهدى وبلاغة جَعْفَر بن يحيى وَحفظ الأصمعى وَطيب عشرَة ابْن حمدون وَشعر البحترى
وَقَالَ أَبُو الْحسن الموسوى من قصيدة يمدح بهَا الطائع لله
[ ١٨٩ ]
(وَإِذا أَمِير الْمُؤمنِينَ أضَاف لى أمْلى نزلت على الْجواد الْمفضل)
(رأى الرشيد وهيبة الْمَنْصُور فى حسن الْأمين ونعمة المتَوَكل)
وَقَالَ أَبُو عبد الله المغلسى من قصيدة
(رَاحَة تخجل السَّحَاب وَوجه يتلالا إشراقة كالصباح)
(مَا جمال الْأمين مَا كرم المهدى مَا أريحيه السفاح)
وَمثل هَذَا التَّمْثِيل قَول الرشيد فى الْمَأْمُون وَالله إنى لأعرف فى عبد الله حزم الْمَنْصُور ونسك المهدى وَعزة نفس الهادى وَلَو شِئْت أَن أشبهه فى الرَّابِعَة بنفسى لفَعَلت وَالله إنى لأرضى سيرته وَأحمد طَرِيقَته وأستحسن سياسته وَأرى قوته وذهنه وآمن ضعفه ووهنه وَلَوْلَا أم جَعْفَر وميل بنى هَاشم إِلَى مُحَمَّد لقدمت عبد الله عَلَيْهِ
وَكَانَ المكتفى أَيْضا مَوْصُوفا بالجمال وَبِه ضرب الْمثل عبد الله بن المعتز
(وَالله مَا كَلمته وَلَو أَنه كَالشَّمْسِ أَو كالبدر أَو كالمكتفى)
(قايست بَين جماله وفعاله فَإِذا الملاحة بالخيانة لَا تفى)
٢٧٠ - (لَيْلَة المتَوَكل) هى اللَّيْلَة الَّتِى قتل فِيهَا وَكَانَت ثلمة الْإِسْلَام وعنوان سُقُوط الهيبة وتاريخ تراجع الْخلَافَة وَكَانَت لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث خلت من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَتله باغر التركى بمواطأة الْمُنْتَصر فى مجْلِس أنسه وَقد أحدق بِهِ الندماء والمطربون ودارت الكئوس وَطَابَتْ النُّفُوس فَانْقَلَبَ مجْلِس اللَّهْو والطرب إِلَى مجْلِس الويل وَالْحَرب وَأكْثر الشُّعَرَاء فى وصف هَذِه الْوَقْعَة فَمنهمْ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الأسدى يَقُول من قصيدة
[ ١٩٠ ]
(هَكَذَا فلتكن منايا الْكِرَام بَين ناى ومزهر ومدام)
(بَين كاسين أروتاه جَمِيعًا كأس لذاته وكأس الْحمام)
وَمِنْهُم البحترى شهد الْقَتْل فَقَالَ من قصيدة
(لنعم الدَّم المسفوح لَيْلَة جَعْفَر هرقتم وجنح اللَّيْل سود دياجره)
(كَانَ ولى الْعَهْد أضمر غدرة فَمن عجب أَن ولى الْعَهْد غَادَرَهُ)
(فَلَا ملى الباقى تراث الذى مضى وَلَا حملت ذَاك الدُّعَاء منابره)
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بليلة المتَوَكل أَبُو الْقَاسِم الزعفرانى حَيْثُ قَالَ من قصيدة فى فَخر الدولة
(قد أَلْقَت الدُّنْيَا أزمتها إِلَى ملك الْمُلُوك على بن أَبى على)
(فاطرب سُرُورًا بِالزَّمَانِ وَحسنه واشرب على إقبال دولة مقبل)
(كم آمن متحصن فى جوسق قد بَات مِنْهُ بليلة المتَوَكل)
٢٧ - (خلَافَة ابْن المعتز) تضرب مثلا فِيمَا لَا تطول مدَّته ويسرع انقضاؤه لِأَنَّهُ ولى الْخلَافَة يَوْمًا وَبَعض يَوْم وأدركته حِرْفَة الْأَدَب فَلم يلبث أمره أَن انحل فى الْيَوْم الثانى وَقد كَانَ بَايعه أَكثر النَّاس وَذَلِكَ لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ولقب بالمنتصر بِاللَّه فَكَانَ أول مَا تكلم بِهِ قد حَان للحق أَن يَتَّضِح وللباطل أَن يفتضح
وَجَرت عَلَيْهِ اتفاقات سوء مِنْهَا أَن مؤنسا الْحَاجِب فى دَار المقتدر كَانَ بَايع ابْن المعتز على أَن يكون حَاجِبه وواطأه على أَن ينفذ إِلَيْهِ أَمر المقتدر وصافيا الحرمى فَبَلغهُ أَن يمنا غُلَام المكتفى يذهب ويجىء قُدَّام ابْن المعتز كالحاجب
[ ١٩١ ]
لَهُ وَكَانَ عدوا لَهُ يناوئه فَرجع عَن رَأْيه وعزمه فى أَمر ابْن المعتز وَأخذ فى إحكام أَمر المقتدر وأحضر غلْمَان الدَّار وَوَعدهمْ الزِّيَادَة فى أَرْزَاقهم فَلَمَّا أصبح ابْن المعتز وَأَرَادَ الرّكُوب إِلَى دَار الْخلَافَة قَالَ لَهُ وزيره محمدبن دَاوُد بن الْجراح نَنْتَظِر قَلِيلا إِلَى أَن ينفض الطَّرِيق من عَامَّة تعرضت فِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْن المعتز أهم مَعنا أم علينا فَقَالَ لَيْسُوا مَعنا قَالَ ابْن المعتز
(لَيْسَ يومى بِوَاحِد من ظلوم )
يُرِيد أَن أهل بَغْدَاد كَانُوا مَعَ المستعين على ابْن المعتز وهم الْآن مَعَ المقتدر عَلَيْهِ ثمَّ جد فى الرّكُوب فَقدم أَمَامه الْجَيْش إِلَى الشَّارِع فَلَقِيَهُمْ غلْمَان المقتدر والحشم فَرَمَوْهُمْ ومنعوهم من النّفُوذ وانكب الْعَامَّة عَلَيْهِم بِالرَّجمِ فَلم يَجدوا مخلصا وَلَا مسلكا وَبعث المقتدر بشذوات وطيارات فِيهَا غلْمَان وَمَعَهُمْ خَاله غَرِيب فتصاعدوا فَلَمَّا قاربوا الدَّار الَّتِى فِيهَا ابْن المعتز وَمَعَهُمْ المطارد ضجوا وَكَبرُوا وَكَبرت الْعَامَّة حول الدَّار فَجعل النَّاس يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا ويرمون أنفسهم فى السميريات وهرب ابْن المعتز وَكَانَ متلثما فَعرفهُ خَادِم لِابْنِ الْجَصَّاص الجوهرى وسعى بِهِ حَتَّى أَخذ وحدر فى طيار إِلَى بَاب الْخَاصَّة قَالَ الصولى فوقفت حَتَّى رَأَيْته من حَيْثُ لم يرنى وَقد أخرج من الطيارة حافيا وَعَلِيهِ غلالة قصب فَوْقهَا مبطنه بملحم خراسانى يضْرب إِلَى الصُّفْرَة قَلِيلا وعَلى رَأسه مجلسية فَلَمَّا صَار إِلَى مؤنس الْحَاجِب لطمه لطمة فانكب على وَجهه وَأدْخل الْحَبْس فَمَاتَ وَقيل بل أميت بعد أَيَّام وَلم يقدر أحد على رثائه سوى ابْن بسام فَإِنَّهُ قَالَ
(لله دَرك من ميت بمضيعة ناهيك فى الْعلم والآداب والحسب)
[ ١٩٢ ]
(مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت فتنقصه وَإِنَّمَا أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب)
وَقَالَ ابْن علاف النهروانى قصيدة فى رثاء هر ورى بهَا عَن ابْن المعتز فَقضى وطرا من حَيْثُ لم تلْزمهُ حجَّة أَولهَا
(يَا هر فارقتنا وَلم تعد وَكنت منا بمنزل الْوَلَد)
(فَكيف ننحل عَن هَوَاك وَقد كنت لنا عدَّة من الْعدَد)
وَمِنْهَا
(يَا من لذيذ الْفِرَاخ أوقعه وَيحك هلا قنعت بالغدد)
(أطعمك الغى لَحمهَا فَرَأى قَتلك أَرْبَابهَا من الرشد)
(ألم تخف وثبة الزَّمَان كَمَا وَثَبت فى البرج وثبة الْأسد)
(تدخل برج الْحمام متئدا وَتخرج الفرخ غير متئد)
(وتطرح الريش فى الطَّرِيق لَهُم وتبلع اللَّحْم بلع مزدرد)
(وَكَانَ قلبى عَلَيْك مرتعدا وَكنت تنساب غير مرتعد)
(عَاقِبَة الظُّلم لَا تنام وَإِن تَأَخَّرت مُدَّة من المدد)
(لَا بَارك الله فى الطَّعَام إِذا كَانَ هَلَاك النُّفُوس فى الْمعد)
(كم أَكلَة خامرت حشاشره فأخرحت روحه من الْجَسَد)
(مَا كَانَ أَغْنَاك عَن تسورك البرج وَلَو كَانَ جنَّة الْخلد) وَمِنْهَا
(ثمَّ شفوا بالحديد أنفسهم مِنْك وَلم يربعوا على أحد)
(كَأَنَّهُمْ يذبحون طاغية كَانُوا لطاغوتها من العَبْد)
(لم يرحموا صَوْتك الضَّعِيف كَمَا لم تَرث مِنْهَا لصوتها الغرد)
[ ١٩٣ ]
(أذاقك الْمَوْت من أذاق كَمَا أذقت أطياره يدا بيد)
(كَأَن حبلا حوى بجودته جيدك للذبح كَانَ من مسد)
(كَأَن عينى تراك مضطربا فِيهِ وفى فِيك رغوة الزّبد)
(وَقد طلبت الْخَلَاص مِنْهُ فَلم تقدر على حِيلَة وَلم تَجِد)
(فَاذْهَبْ من الْبَيْت خير مفتقد واذهب من البرج شَرّ مفتقد) وَمِنْهَا
(حَتَّى اعتقدت الْأَذَى لجيرتنا وَلم تكن للأذى بمعتقد)
(وحمت حول الردى بظلمهم وَمن يحم حول وضه يرد) وَمِنْهَا
(إِن الزَّمَان استقاد مِنْك وَمن يسلم لغير الزَّمَان يستقد)
(فَإِن رماك الردى بحادثة فَمَا على الحادثات من قَود) وَمِنْهَا
(من لم يمت يَوْمه عَن غده أَو لم يمت فى غَد فَبعد غَد)
٢٧ - (جَوْهَر الْخلَافَة) كَانَت جَوَاهِر الأكاسرة وَغَيرهم من الْمُلُوك صَارَت إِلَى خلفاء بنى أُميَّة ثمَّ صَارَت إِلَى السفاح ثمَّ إِلَى الْمَنْصُور فاتخذها عدَّة للخلافة وفيهَا كل فص ثمين وَعقد نَفِيس
وَاشْترى الرّبيع جوهرا بِأَلف ألف دِينَار وضمه إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة ثمَّ اشْترى المهدى الفص الْمَعْرُوف بِالْجَبَلِ بثلثمائة ألف دِينَار وضمه إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة وَلم يزل هُوَ وَالْخُلَفَاء بعده يَحْفَظُونَهُ وَيزِيدُونَ فِيهِ مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ
[ ١٩٤ ]
ويجلب إِلَيْهِم من الْآفَاق وأفضت الْخلَافَة إِلَى المقتدر وفى خزانته من الْجَوَاهِر مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَفِيه الْمَعْرُوف بالمنقاد وَقِيمَته مَالا يقدر قدره وَالْمَعْرُوف بالبحرة والدرة الْيَتِيمَة وَزَعَمُوا أَن وَزنهَا ثَلَاثَة مَثَاقِيل فتبستط فِيهِ المقتدر وَقسم بعضه على الْحرم ووهب بعضه لصافى الحرمى وَوجه إِلَى وزيره الْعَبَّاس بن الْحسن مِنْهُ شَيْئا كثيرا فَرده الْعَبَّاس وَكتب إِلَيْهِ يُعلمهُ أَن هَذَا الْجَوْهَر زِينَة الْإِسْلَام وعدة الْخلَافَة وَأَنه لَا يصلح أَن يفرق فَكَانَ ذَلِك أول ثقله على قلبه
وَكَانَت زَيْدَانَ القهرمانة مُمكنَة من خزانَة الْجَوْهَر فاتخذت سبْحَة لم ير مثلهَا وَيضْرب بهَا الْمثل فى الِارْتفَاع والنفاسة فَيُقَال سبْحَة زَيْدَانَ كَمَا يُقَال أشقر مَرْوَان وجامع سُفْيَان وعود بنان وَقد ذكرتها فى بَاب الحلى من هَذَا الْكتاب وَلما ورد على بن عِيسَى من مَكَّة إِلَى الوزارة قَالَ للمقتدر بعد كَلَام جرى بَينهمَا مَا فعلت بسبحة جَوْهَر قيمتهَا ثَلَاثُونَ ألف دِينَار أخذت من ابْن الْجَصَّاص قَالَ هى فى الخزانة فَقَالَ إِن رأى سيدنَا أَن يَأْمر بطلبها فطلبت فَلم تُوجد فأخرجها من كمه وَقَالَ قد عرضت على بِمصْر فعرفتها فاشتريتها فَإِذا كَانَت خزانَة الْجَوْهَر لَا تحفظ فَمَا الذى يحفظ فَاشْتَدَّ ذَلِك على المقتدر وعَلى السيدة واتهمت بالسبحة زَيْدَانَ وَقيل لَيْسَ من يصل إِلَى خزانَة الْجَوْهَر غَيرهَا ثمَّ أفضت الْخلَافَة إِلَى القاهر ثمَّ إِلَى الراضى وَقد امتدت إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة أيدى الخونة وأتى عَلَيْهِ سوء السياسة فَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فَكَأَنَّهُ ذهب
[ ١٩٥ ]
الْبَاب الرَّابِع عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْكتاب والوزراء وَمن يجرى مجراهم فى الدولة العباسية
بلاغة عبد الحميد
يتيمة ابْن المقفع
دهن أَبى أَيُّوب
تيه عمَارَة
زمن البرامكة
جود الْفضل بن يحيى
بلاغة جَعْفَر
عَام ابْن عمار
فالج ابْن أَبى دواد
ضرطة وهب
خطّ ابْن مقلة
مُرُوءَة ابْن الْفُرَات