٢٧٣ - (بلاغة عبد الحميد) هُوَ عبد الحميد بن يحيى بن سعيد مولى الْعَلَاء بن وهب العامرى روى الميدانى أَنه كَانَ معلما ثمَّ بلغ من البلاغة مبلغا يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا قَالَ البحترى لمُحَمد بن عبد الْملك
(وتفننت فى البلاغة حَتَّى عطل النَّاس فن عبد الحميد)
وَقَالَ ابْن الرومى لأبى الصَّقْر
(لَو أَن عبد الحميد الْيَوْم شَاهده لَكَانَ بَين يَدَيْهِ مذعنا وسنا) وَقَالَ عَمْرو بن عُثْمَان بن إسفنديار الْكَاتِب
(وصديق رَقِيق حَاشِيَة الجلسة صافى زجاجة الْآدَاب)
(شغلته الرّقاع مِنْهُ إِلَيْهِ فَدَعَا نَفسه إِلَى الْأَصْحَاب)
(وَهُوَ فى الحذق والبلاغة والتطويل عبد الحميد فى الْكتاب)
[ ١٩٦ ]
وَقَالَ بَعضهم
(لست وهب بن سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد)
(قد تحدثت برغم مِنْهُ عَن أَمر سديد)
(أَنْت فى معناك ذَا أبلغ من عبد الحميد)
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابى من قصيدة
(أنسيتم كتبا شحنت فصولها بفصول در عَنْكُم منضود)
(ورسائلا نفذت إِلَى أطرافكم عبد الحميد بِهن غير حميد)
وَيُقَال إِن عبد الحميد أول من نهج طرق الْكِتَابَة وَبسط من بَاعَ البلاغة وشنف الرسائل وقرطها ولخص فصولها وخلصها
وَكَانَ مَرْوَان بن مُحَمَّد يستكتبه ويكرمه ويقدمه وَلَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ
وَكَانَ عبد الحميد يَقُول أكْرمُوا الْكتاب فَإِن الله تَعَالَى أجْرى أرزاق الْخلق على أَيْديهم وَكَانَ يَقُول إِن كَانَ الوحى ينزل على أحد بعد الْأَنْبِيَاء فعلى بلغاء الْكتاب
وَمن غرر كَلَامه الْعلم شَجَرَة ثَمَرهَا الْأَلْفَاظ والفكر بَحر لؤلؤة الْحِكْمَة
وَقيل لَهُ مَا الذى خرجك فى البلاغة فَقَالَ حفظ كَلَام الأصلع يعْنى على بن أَبى طَالب
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولى يَقُول فى رِسَالَة لَهُ مَا تمنيت كَلَام أحد أَن يكون لى إِلَّا كَلَام عبد الحميد حَيْثُ يَقُول فى رِسَالَة لَهُ النَّاس أَصْنَاف مُخْتَلفُونَ
[ ١٩٧ ]
وأطوار متباينون فَمنهمْ علق مضنة لَا يُبَاع وَمِنْهُم غل ظنة لَا يبْتَاع
ويروى أَنه مر بإبراهيم بن جبلة وَهُوَ يكْتب خطا رديئا فَقَالَ أَتُحِبُّ أَن يجود خطك قَالَ نعم قَالَ أطل جلفة قلمك واسمنها وحرف قطتك وأيمنها قَالَ فَفعلت ذَلِك فجاد خطى
وساير عبد الحميد يَوْمًا مَرْوَان على دَابَّة قد طَالَتْ مدَّتهَا فى ملكه فَقَالَ لَهُ مَرْوَان قد طَالَتْ صُحْبَة هَذِه الدَّابَّة لَك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من بركَة الدَّابَّة طول صحبتهَا وَقلة علتها قَالَ فَكيف سَيرهَا قَالَ همها أمامها وسوطها عنانها وَمَا ضربت قطّ إِلَّا ظلما
وَقد حكى أَن عبد الله بن طَاهِر خَاطب الْمَأْمُون فى دَابَّة رَآهَا تَحْتَهُ بِهَذَا الْخطاب بِعَيْنِه وَقد يجوز أَن يكون حكى كَلَام عبد الحميد
ويحكى أَن عَاملا لمروان أهْدى إِلَيْهِ غُلَاما أسود فَقَالَ لعبد الحميد اكْتُبْ إِلَيْهِ وذم فعله فى هديته وأوجز فَكتب إِلَيْهِ لَو وجدت لونا شرا من السوَاد وعددا أقل من الوحد لأهديته
وَكتب إِلَى أَهله وأقاربه عِنْد هزيمَة مَرْوَان كتابا قَالَ فى فصل مِنْهُ وَهُوَ يشكو الدُّنْيَا باعدتنا عَن الأوطان وَفرقت بَيْننَا وَبَين الإخوان
وَلما أيس مَرْوَان من ملكه قَالَ لعبد الحميد إِن الْأَمر زائل عَنَّا وَهَؤُلَاء الْقَوْم يعْنى بنى الْعَبَّاس يضطرون إِلَيْك فسر إِلَيْهِم فإنى أَرْجُو أَن تتمكن مِنْهُم فتنفعنى فى محنتى وفى كثير من أمورى فَقَالَ وَكَيف لى وَالنَّاس جَمِيعًا يعلمُونَ أَن هَذَا عَن رَأْيك وَكلهمْ يَقُول إنى غدرت بك وصرت إِلَى عَدوك ثمَّ أنْشد
[ ١٩٨ ]
(وذنبى ظَاهر لَا شكّ فِيهِ لمبصرة وعذرى بالمغيب)
وَلما زَالَ أَمر مَرْوَان أَتَى الْمَنْصُور بخواص مَرْوَان وَفِيهِمْ عبد الحميد والبعلبكى الْمُؤَذّن وَسَلام الحادى فهم بِقَتْلِهِم جَمِيعًا فَقَالَ سَلام استبقنى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإنى أحسن الحداء قَالَ وَمَا بلغ من حدائك قَالَ تعمد إِلَى إبل فتظمئها ثَلَاثَة ايام ثمَّ توردها المَاء فَإِذا بدأت تشرب رفعت صوتى بالحداء فَترفع رءوسها وَتَدَع الشّرْب ثمَّ لَا تشرب حَتَّى أسكت فَأمر الْمَنْصُور بِإِبِل فَفعل بهَا ذَلِك فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فاستبقاه وَأَجَازَهُ وأجرى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ البعلبكى استبقنى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإنى مُؤذن مُنْقَطع القرين قَالَ وَمَا بلغ من أذانك قَالَ تَأمر جَارِيَة فَتقدم إِلَيْك طستا وَتَأْخُذ بِيَدِهَا إبريقا وتصب المَاء على يدك فأبتدى بِالْأَذَانِ فتدهش وَيذْهب عقلهَا إِذا سَمِعت أذانى حَتَّى تلقى الإبريق من يَدهَا وهى لَا تعلم فَأمر الْمَنْصُور جَارِيَة فَفعلت ذَلِك وَأخذ البعلبكى فى الْأَذَان فَكَانَت حَالهَا كَمَا وصف وَقَالَ عبد الحميد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استبقنى فإنى فَرد الزَّمَان فى الْكِتَابَة والبلاغة فَقَالَ مَا أعرفنى بك أَنْت الذى فعلت بِنَا الأفاعيل وعملت لنا الدواهى وَأمر بِهِ فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَضربت عُنُقه
ويروى أَنه سلمه إِلَى عبد الْجَبَّار فَكَانَ يحمى لَهُ طستا ويضعه على بَطْنه حَتَّى قَتله
٢٧٤ - (يتيمة ابْن المقفع) يضْرب بهَا الْمثل لبلاغتها وبراعة تشبيهها وهى رِسَالَة فى نِهَايَة الْحسن تشْتَمل على محَاسِن من الْآدَاب فَمِنْهَا هَذَا الْفَصْل الذى فى ذكر السُّلْطَان مثل قَلِيل مضار السُّلْطَان فى جنب
[ ١٩٩ ]
كثير مَنَافِعه كَمثل الْغَيْث الذى هُوَ سقيا الله وبركة السَّمَاء وحياة الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَقد يتَأَذَّى بِهِ السّفر ويتداعى لَهُ الْبُنيان وتدر سيوله فَيهْلك النَّاس وَالدَّوَاب ويموج لَهُ الْبَحْر وَتَكون فِيهِ الصَّوَاعِق فَلَا يمْتَنع النَّاس إِذا نظرُوا غلى آثَار رَحْمَة الله فى الأَرْض الَّتِى أَحْيَاهَا لَهُم والنبات الذى أخرجه والرزق الذى بَسطه عَن أَن يعظموا نعْمَة رَبهم ويشكروها ويلغوا ذكر خَواص البلايا الَّتِى دخلت على خَواص الْخلق وكمثل الرِّيَاح الَّتِى يرسلها الله بشرا بَين يدى رَحمته فيسوق بهَا السَّحَاب ويجعلها لقاحا للأشجار وروحا للعباد ويتنسمون مِنْهَا ويتقلبون فِيهَا وتجرى مِيَاههمْ وفلكهم وتقد نيرانهم بهَا وَقد تضر بِكَثِير من النَّاس فى برهم وبحرهم فيشكوها الشاكى ويتأذى بهَا المتأذى فَلَا يزيلها ذَلِك عَن منزلهَا الَّتِى جعلهَا الله بِهِ وقدرها سَببا لقوام عباده وَتَمام نعْمَته وَمثل الشتَاء والصيف وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا فيهمَا من قَلِيل المضار وَكثير الْمَنَافِع وَلَو أَن الدُّنْيَا كَانَت كلهَا سَوَاء وَكَانَت نعماؤها من غير كد وميسورها من غير معسور لكَانَتْ الدُّنْيَا إِذن هى الْجنَّة الَّتِى لَا يشوب مسرتها مَكْرُوه وَقد ذكر أَبُو تَمام يتيمه ابْن المقفع وأجراها مثلا فى قَوْله لِلْحسنِ ابْن وهب
(وَلَقَد شهدتك وَالْكَلَام لآلى توم فبكر فى النظام وثيب)
(فَكَأَن قسا فى عكاظ يخْطب وَكَأن ليلى الأخيلية تندب)
(وَكثير عزة يَوْم بَين ينْسب وَابْن المقفع فى الْيَتِيمَة يسهب)
[ ٢٠٠ ]
٢٧٥ - (دهن أَبى أَيُّوب) كَانَ لأبى أَيُّوب الموريانى وَزِير الْمَنْصُور دهن طيب الرّيح يدهن بِهِ إِذا ركب إِلَى الْمَنْصُور فَكَانَ النَّاس إِذا رَأَوْا غلبته على الْمَنْصُور وَطَاعَة الْمَنْصُور لَهُ فِيمَا يُريدهُ يَقُولُونَ دهن أَبى أَيُّوب من عمل السَّحَرَة إِلَى أَن ضربوا بِهِ الْمثل فَقَالُوا للذى يغلب على الْإِنْسَان مَعَه دهن أَبى أَيُّوب
٢٧٦ - (تيه عمَارَة) هُوَ عمَارَة بن حَمْزَة بن مَيْمُون مولى بنى الْعَبَّاس وَكَانَ سخيا سريا جليل الْقدر رفيع النَّفس تياها وَكَانَ خَاصّا بالمنصور وَقَبله بالسفاح يتَوَلَّى لَهما الدَّوَاوِين وَكَانَ الْمثل يضْرب بتيهه فَيُقَال أتيه من عمَارَة قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان حَدَّثَنى من أَثِق بِهِ أَن عمَارَة كَانَ من تيهه إِذا أَخطَأ يمضى على خطئه تكبرا عَن الرُّجُوع وَيَقُول نقض وإبرام فى سَاعَة وَاحِدَة الْخَطَأ أَهْون من هَذَا
وَكَانَ السفاح يعرفهُ بِالْكبرِ وعلو الْقدر وَشدَّة التَّنَزُّه فَجرى بَينه وَبَين أم سَلمَة المخزومية امْرَأَته فى بعض الليالى كَلَام فاخرته فِيهِ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهَا السفاح أَنا أحضر لَك السَّاعَة على غير أهبة مولى من موالى لَيْسَ فى أهلك مثله ثمَّ أَمر بإحضار عمَارَة على الْحَال الَّتِى يُوجد عَلَيْهَا فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُول وَجَاء بِهِ إِلَى السفاح وَأم سَلمَة خلف السّتْر وَإِذا بعمارة فى ثِيَاب ممسكة وَقد غلف لحيته حَتَّى قَامَت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كنت أحب أَن ترانى على هَذِه الْحَالة فَرمى السفاح إِلَيْهِ بمدهن ذهب كَانَ بَين يَدَيْهِ فِيهِ غَالِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٢٠١ ]
هَل ترى فى لحيتى موضعا لَهَا فأخرجت أم سَلمَة إِلَيْهِ عقدا لَهُ قيمَة جليلة وَقَالَت للخادم أخبرهُ أَنى أهديته لَهُ فَأَخذه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وشكر للسفاح ودعا لَهُ وَترك العقد ونهض فَقَالَت أم سَلمَة للسفاح قد أنسيه فَقَالَ السفاح للخادم الْحَقْهُ بِهِ وَقل لَهُ هَذَا لَك فَلم خلفته فَاتبعهُ الْخَادِم بِهِ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ مَا هُوَ لى فاردده فَلَمَّا أدّى إِلَيْهِ الرسَالَة قَالَ إِن كنت صَادِقا فَهُوَ لَك فَانْصَرف الْخَادِم بِالْعقدِ وَعرف السفاح بِمَا جرى وَامْتنع من رده على أم سَلمَة وَقَالَ لَهَا قد وهبه لى فَلم تزل بِهِ حَتَّى ابتاعته مِنْهُ بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَأَكْثَرت التَّعَجُّب من كبر نفس عمَارَة
وَأَرَادَ الْمَنْصُور يَوْمًا أَن يعبث بِهِ فَخرج عمَارَة من عِنْده فَأمر الْمَنْصُور الخدم ان يقطعوا حمائل سَيْفه لينْظر أيأخذه أم لَا فَفَعَلُوا ذَلِك وَسقط السَّيْف فَمضى عمَارَة لوجهه وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ
وَكَانَ يَوْمًا يماشى المهدى فى أَيَّام الْمَنْصُور وَيَده فى يَده فَقَالَ لَهُ رجل من هَذَا أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ أخى وَابْن عمى عمَارَة بن حَمْزَة فَلَمَّا ولى الرجل ذكر المهدى ذَلِك لعمارة كالممازح لَهُ فَقَالَ لَهُ عمَارَة إِنَّمَا انتظرت أَن تَقول ومولاى فانفض وَالله يدى من يدك فَضَحِك المهدى
٢٧٧ - (زمن البرامكة) يضْرب لكل شىء حسن كَمَا قَالَ الجماز أيامنا كَأَنَّهَا زمن البرامكة على العفاة وَقد أَكثر النَّاس فى وَصفهم وأيامهم قَالَ صَالح بن طريف
(يَا بنى برمك واها لكم ولأيامكم المقتبلة)
(كَانَت الدُّنْيَا عروسا بكم وهى الْيَوْم ثكول أرمله)
[ ٢٠١ ]
وَقَالَ آخر
(ولى عَن الدُّنْيَا بَنو برمك وَلَو تولى الْخلق مَا زادا)
(كَأَنَّمَا أيامهم كلهَا كَانَت لأهل الأَرْض أعيادا)
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بذلك بعض أهل الْعَصْر فى قَوْله لمولانا الْملك الْمُؤَيد خوارزم شاه
(رعى الله مَأْمُون بن مَأْمُون الذى رعاياه مِنْهُ فى زمَان البرامك)
(وَلَا بَرحت أَيَّامه بفعاله وإنعامه الْمَشْهُور غر المضاحك)
٢٧٨ - (جود الْفضل) هُوَ الْفضل بن يحيى بن خَالِد بن برمك وَذكره أشهر وأسير من أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَكَانَ يُقَال لَهُ حَاتِم الْإِسْلَام وحاتم الأجواد وَيُقَال حدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج وَعَن الْفضل وَلَا حرج وَفِيه يَقُول الشَّاعِر
(مَا لَقينَا كجود فضل بن يحيى ترك النَّاس كلهم شعراء)
وَيَقُول يزِيد بن خَالِد الْمَعْرُوف بِابْن حسبات
(ألم تَرَ أَن الْجُود من صلب آدم تحدر حَتَّى صَار فى رَاحَة الْفضل)
(إِذا مَا أَبُو الْعَبَّاس جَادَتْ سماؤه فيالك من طل ويالك من وبل)
وَيَقُول أَبُو نواس مَا هُوَ أمدح شعر للمحدثين
(أَنْت الذى تَأْخُذ الأيدى بحجزته إِذا الزَّمَان على أنيابه كلحا)
[ ١٠٣ ]
(وكلت بالدهر عينا غير غافلة بجود كفك تأسو كل مَا جرحا)
٢٧٩ - (بلاغة جَعْفَر) كَانَ يُقَال مَا رأى النَّاس مثل ابنى يحيى الْفضل فى سماحته وجعفر فى بلاغته
قَالَ الجاحظ قَالَ ثُمَامَة كَانَ جَعْفَر أبلغ النَّاس لِسَانا وبيانا قد جمع الهدوء والجزالة والحلاوة إِلَى إفهام يغنى عَن الْإِعَادَة وَلَو كَانَ فى الأَرْض نَاطِق يسْتَغْنى عَن الْإِشَارَة لاستغنى جَعْفَر عَنْهَا كَمَا اسْتغنى عَن الْإِعَادَة وَمَا رَأَيْت أحدا لَا يتحبس وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يتلجلج وَلَا يرقب لفظا قد استدعاه من بعده وَلَا يلْتَمس التَّخَلُّص إِلَى معنى قد تعاصى عَلَيْهِ بعد طلبه إِيَّاه إِلَّا جَعْفَر بن يحيى
٢٨٠ - (عَام ابْن عمار) هَذَا أَحْمد بن عمار بن شاذى الساكنى البصرى وَزِير المعتصم كَانَ من عَلَيْهِ النَّاس فَلَمَّا عَزله المعتصم عَن وزارته أَمر بِأَن يُولى الأزمة على الدَّوَاوِين فاستعفى وَقَالَ إنى نَوَيْت أَن أجاور مَكَّة سنة فوصله المعتصم بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَدفع إِلَيْهِ عشْرين ألف دِينَار ليفرقها بالحرمين على من يرى تفريقها عَلَيْهِم وَلَا يعْطى إِلَّا هاشميا أَو قرشيا أَو أَنْصَارِيًّا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رُبمَا كَانَ من غَيرهم من لَهُم التَّقَدُّم فى الزّهْد وَالْعلم فَإِن منعته استذممت عَلَيْهِ فَقَالَ هَذِه خَمْسَة آلف دِينَار لهَؤُلَاء الَّذين ذكرتهم فحج ابْن عمار وَفرق المَال كُله مَعَ الْعشْرَة آلَاف الَّتِى لَهُ وجاور سنة ثمَّ انْصَرف فَكَانَ النَّاس يضْربُونَ بِهِ الْمثل وَيَقُولُونَ مَا رَأينَا مثل عَام ابْن عمار
[ ٢٠٤ ]
قَالَ مؤلف الْكتاب ويضربون الْمثل فى زَمَاننَا هَذَا بعام جميلَة وهى الموصلية بنت نَاصِر الدولة أَبى مُحَمَّد بن حمدَان أُخْت أَبى تغلب فَإِنَّهَا حجت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة وأبانت من الْمُرُوءَة وَفرقت من الْأَمْوَال وأظهرت من المحاسن ونشرت من المكارم مَالا يُوصف بعضه عَن زبيدة وَعَن غَيرهَا مِمَّن حجت من بَنَات الْخُلَفَاء والملوك
وأخبرنى الثِّقَات أَنَّهَا سقت جَمِيع أهل الْمَوْسِم السويق بالسكر الطبرزد والثلح وَكَانَت استصحبت الْبُقُول المزروعة فى مراكن الخزف على الْجمال وأعدت خَمْسمِائَة رَاحِلَة للمنقطعين من رجالة الْحَج وَنَثَرت على الْكَعْبَة عشرَة آلَاف دِينَار وَلم تستصبح فِيهَا إِلَّا بشموع العنبر وأعتقت ثلثمِائة عبد ومائتى جَارِيَة وأغنت الْفُقَرَاء والمجاورين بالصلات الجزيلة فَصَارَت حجتها تَارِيخا مَذْكُورا وَصَارَت مثلا مَشْهُورا وَمن قصَّتهَا أَنَّهَا لما رجعت إِلَى بَلَدهَا وَضرب الدَّهْر ضرباته وَكَانَ مَا كَانَ من اسْتِيلَاء عضد الدولة على أموالها وحصونها وممالك أَهلهَا أفضت بهَا الْحَال إِلَى كل قلَّة وذلة وتكشفت عَن فقر مدقع وَكَانَ عضد الدولة خطبهَا لنَفسِهِ فامتنعت وترفعت عَنهُ واحتقدها عَلَيْهَا فحين وَقعت فى يَده تشفى مِنْهَا وَمَا زَالَ يعنف بهَا فى الْمُطَالبَة بالأموال حَتَّى عراها وهتكها ثمَّ ألزمها أحد أَمريْن إِمَّا أَن تُؤَدّى بَقِيَّة مَا وَقعت عَلَيْهِ من المَال وَإِمَّا أَن تخْتَلف إِلَى دور الْعَمَل فتكتسب فِيهَا مَا تُؤَدِّيه فى بَقِيَّة مصادرها فانتهزت يَوْمًا فرْصَة من غَفلَة الموكلين بهَا وغرقت نَفسهَا فى دجلة ﵂ وأرضاها وَجعل الْجنَّة مأواها
[ ٢٠٥ ]
٢٨ - (فالج ابْن أَبى دواد) وَهُوَ أَحْمد بن أَبى دواد الإيادى قاضى قُضَاة المعتصم والواثق وَكَانَ من الشّرف وَالْكَرم بالمنزلة الْعَالِيَة الْمَشْهُورَة وَكَانَ مَصْرُوف الهمة إِلَى استعباد الأحراروغرضا لمدائح الشُّعَرَاء وَلما أَصَابَته عين الْكَمَال فلج فَصَارَ فالجه مثلا فى أدواء الْأَشْرَاف وعاهاتهم كَمَا قيل لقُوَّة مُعَاوِيَة وفالج أبان بن عُثْمَان وبخر عبد الْملك بن مَرْوَان وبرص أنس ابْن مَالك وجذام أَبى قلَابَة وعمى حسان وصمم ابْن سِيرِين
وَكَانَ أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ لمن يدعونَ عَلَيْهِ أَصَابَهُ الله بفالج أبان
قَالَ أَبُو هفان وَقد نظر إِلَى رجل يضْرب غُلَاما لَهُ مليحا
(أَلا يَا ضَارِبًا قمر الْعباد قصدت الْحسن وَيحك بِالْفَسَادِ)
(أتضرب مثله بِالسَّوْطِ عشرا ضربت بفالج ابْن أَبى دواد)
وَمر فى كتاب الْأَمِير أدام الله تأييده المترجم بنزهة اللواحظ من كَلَام الجاحظ فى أدواء الْأَشْرَاف يَلِيق بِهَذَا الْمَكَان وَهُوَ من رِسَالَة إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك فى الشُّكْر نعمتنى بتوطئة المطهمات حَتَّى أصابنى النقرس وأتخمتنى بِأَكْل الطَّيِّبَات حَتَّى ضربنى الفالج ولولاك لَكُنْت أبعد عَن النقرس من فيج وَأبْعد عَن الفالج من مكار فَأَيْنَ شرف أدوائى من جرب الْحسن بن وهب وداء أَحْمد بن أَبى خَالِد وَأَيْنَ أدواء الْمُلُوك والأنبياء من أدواء السفلة والأغبياء مِمَّن كَانَ داؤه أفضل من صِحَة غَيره وعيبه أجمل من بَرَاءَة ضِدّه وَمَا ظَنك بِغَيْر ذَلِك من أمره
٢٨ - (ضرطة وهب) هُوَ وهب بن سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد صَاحب بريد الحضرة أفلتت مِنْهُ ضرطة فى مجْلِس الْوَزير عبيد الله بن يحيى
[ ٢٠٦ ]
ابْن خاقَان وَهُوَ غاص بأَهْله فطار خَبَرهَا بالآفاق وَوَقع فى ألسن الشُّعَرَاء وَصَارَت مثلا فى الشُّهْرَة حَتَّى قَالُوا أشهر من ضرطة وهب وأفضح من ضرطة وهب وَعمل أَحْمد بن أَبى طَاهِر كتابا فى ذكرهَا والاعتذار عَنْهَا بعد كَلَام كثير قيل فِيهَا كَقَوْل ابْن الرومى
(مَا لَقينَا من ظرف ضرطة وهب تركت أهل دَهْرنَا شعراء)
(هى عندى كجود فضل بن يحيى غير أَن لَيْسَ تنعش الْفُقَرَاء) وَقَالَ آخر
(يَا وهب ذَا الضرطة لَا تبتئس فَإِن للأستاه أنفاسا)
(واضرط لنا أُخْرَى بِلَا كلفة كَأَنَّمَا مزقت قرطاسا) وَقَالَ آخر
(يَا آل وهب حدثونى عَنْكُم لم لَا ترَوْنَ الْعدْل والإقساطا)
(مَا بَال ضرطتكم يحل رباطها عفوا ودرهمكم يشد رِبَاطًا)
(صروا ضراطكم المبذر صركم عِنْد السُّؤَال الْفلس والقيراطا)
(أَو فاسمحوا بنوالكم وضراطكم هَيْهَات لَسْتُم للنوال نشاطا)
(لَو جدتم بهما مَعًا لوجدتم فرشا لكم عِنْد الرِّجَال بساطا)
(لكنكم أفرطتم فى وَاحِد وَهُوَ الضراط فعدلوا الإفراطا)
وَقَول أَبى على الْبَصِير
(قل لوهب البغيض يَا خش الْخلقَة يَا ناطقا بِغَيْر لِسَان)
(كَانَت الضرطة المشومة نَارا أضرمت فِي جَوَانِب الْبلدَانِ)
(قتلت مفلجا وَكَانَ لعمرى عدَّة فِي الحروب للسُّلْطَان)
[ ٢٠٧ ]
وَقَالَ عِيسَى بن القاشانى
(أقيك من حر حزيران بالأبعد االأقصى وبالدانى)
(كَأَنَّك من بَيت صديق لنا منزلَة وَالْحَبْس سيان)
(نبيذه حُلْو وريحانه أَتَى لَهُ فى السُّوق شَهْرَان)
(وقينة شَمْطَاء مَضْمُومَة فى سنّ نمروذ بن كنعان)
(إِذا تغنينا حكى صَوتهَا ضرطة وهب بن سُلَيْمَان)
وَقَالَ أَحْمد بن يحيى البلاذرى
(لَيْت طبول الْعِيد تحكى لنا ضرطة وهب بن سُلَيْمَان)
(فَإِنَّهَا كَانَت تروع العدا مَا بَين مصر وخراسان)
(يَا ضرطة لَو أَنَّهَا شَرقَتْ أودت بصنعا وسجستان)
وَقَالَ آخر
(أيا وهب لَا تجزع لإفلات ضرطة نعاها عَلَيْك العائبون وأفرطوا)
(وَلَا تعتذر مِنْهَا وَإِن جلّ أمرهَا فقد يغلط االحر الْكَرِيم فيضرط)
وَقَالَ آخر
(لقد قَالَ وهب إِذْ رأى النَّاس أشرفوا لضرطته قَول أمرئ غير ذى جهل)
(أيا عجبى للنَّاس يستشرفونى كَأَن لم يرَوا بعدى ضروطا وَلَا قبلى)
وَقَالَ آخر
(إِن وهب بن سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد)
(حمل الضرطة للرى على ظهر الْبَرِيد)
[ ٢٠٨ ]
(استه ينْطق يَوْم الحفل بالْقَوْل الرشيد)
(لم يجد فِي القَوْل فَاحْتَاجَ إِلَى دبر مجيد)
وَقَالَ آخر
(وَمن الْحَوَادِث أَن وهبا خانه للحين وَالْقدر المتاح حذار)
(فغدا وضرطته شنار شَائِع شغلت بهَا عَن غَيرهَا الْأَشْعَار)
(وَمن البلية أَنَّهَا بِشَهَادَة القاضى فَلَيْسَ يزيلها الْإِنْكَار)
وَقَالَ أَحْمد بن أَبى طَاهِر
(يَا وهب إِن نَاقَة أظمأتها فوردت)
(ونفرت شاردة فأبرقت وأرعدت)
(لَو كنت لما وَردت عقلتها مَا شَردت)
وَقَالَ ابْن بسام
(سأذكر عَن بنى وهب امورا وَلَيْسَ االغمر كَالرّجلِ الْخَبِير)
(وأخلاق البغال إِذا استميحوا وضرط فى الْمجَالِس كالحمير)
(وُجُوه لَا تهش إِلَى المعالى وأستاه تهش إِلَى الأيور)
وَجرى بَين وهب وَبَين ابْن أَبى عون كَلَام فى مجْلِس عبيد الله بن عبد الله ابْن طَاهِر فتعدى وهب على ابْن أَبى عون فَقَالَ لَهُ على بن أَبى يحيى وَكَانَ فى الْمجْلس واحتمى لِابْنِ أَبى عون كم هَذَا التوثب فى مجَالِس الْأُمَرَاء والضراط فى مجَالِس الوزراء
ويحكى أَنه مَا سَمِعت للمهدى مزحه سوى قَوْله لِسُلَيْمَان بن وهب وَكَانَ فى رجله خف وَاسع يصوت يَا سُلَيْمَان خفك هَذَا ضراط فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ضرطة خير من ضغطة
[ ٢٠٩ ]
٢٨٣ - (خطّ ابْن مقلة) يضْرب مثلا فى الْحسن لِأَنَّهُ أحسن خطوط الدُّنْيَا وَمَا رأى الراءون بل مَا روى الراوون مثله فى ارتفاعه عَن الْوَصْف وجريه مجْرى السحر
وَقَالَ الصاحب أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد
(خطّ الْوَزير ابْن مقله بُسْتَان قلب ومقله)
وَقَالَ مؤلف الْكتاب
(خطّ ابْن مقلة من أرعاه مقلته ودت جوارحه لَو حولت مقلا)
(فالدر يصفر لاستحسانه حسدا والبدر يحمر من أنواره خجلا)
وَقَالَ أَيْضا
(سقى الله عَيْشًا مضى وانقضى بِلَا رَجْعَة أرتجيها وَنَقله)
(كوجه الحبيب وقلب الأديب وَشعر الْوَلِيد بِخَط ابْن مقله)
وَكَانَ ابْن مقلة وَهُوَ أَبُو على مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن بن مقلة كتب كتاب هدنة بَين الْمُسلمين وَالروم بِخَطِّهِ فَهُوَ إِلَى الْيَوْم عِنْد الرّوم فِي كَنِيسَة قسطنطينية يبرزونه فى الأعياد ويعلقونه فى أخص بيُوت الْعِبَادَات ويعجبون من فرط حسنه وَكَونه غَايَة فى فنه
وَمن خبر ابْن مقلة هَذَا أَنه استوزر لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء المقتدر والقاهر والراضى وتنقلت بِهِ أَحْوَال ومحن أدَّت إِلَى قطع يَده وَمن نكد الدَّهْر أَن مثل تِلْكَ الْيَد النفيسة تقطع
قَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة أمرنى الراضى بِاللَّه بِالدُّخُولِ إِلَى ابْن مقلة آخر الْيَوْم الذى قطعت فِيهِ يَده فَدخلت إِلَيْهِ فعالجته وسألنى عَن خبر ابْنه أَبى الْحُسَيْن فعرفته خبر سَلَامَته فسكن إِلَى ذَلِك غَايَة السّكُون ثمَّ ناح على نَفسه وَبكى على يَده وَقَالَ يَد خدمت بهَا الْخلَافَة ثَلَاث دفعات
[ ٢١٠ ]
وكتبت بهَا الْقُرْآن دفعتين تقطع كَمَا تقطع أيدى اللُّصُوص أَتَذكر وَأَنت تَقول لى إِنَّك فى آخر نكبه والفرج قريب قلت بلَى قَالَ فقد ترى مَا حلى بى فَقلت مَا بقى بعد هَذَا شىء الْآن ينبغى أَن تتَوَقَّع الْفرج فَإِنَّهُ عمل بك مَا لم يعْمل بنظير لَك وَهَذَا انْتِهَاء الْمَكْرُوه وَلَا يكون بعد الِانْتِهَاء إِلَّا الانحطاط فَقَالَ لَا تغفل إِن المحنة قد تشبثت بى تشبثا تنقلنى بِهِ من حَال إِلَى حَال حَتَّى تؤذينى إِلَى التّلف كَمَا تشبث حمى الدق بالأعضاء فَلَا تفارق صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدِّيه ءالى الْمَوْت ثمَّ تمثل بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ لأبى يَعْقُوب الخريمى
(إِذا ماا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا فبعض الشى من بعض قريب)
فَكَانَ الْأَمر على مَا قَالَ فَلَمَّا قدم يحكم الماهانى من بَغْدَاد نقل ابْن مقلة من ذَلِك الْموضع إِلَى مَوضِع أغمض مِنْهُ فَلم يُوقف لَهُ على خبر وحجبت عَنهُ ثمَّ قطع لِسَانه وبقى فى الْحَبْس مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ لحقه ذرب وَلم يكن لَهُ من يعالجه وَلَا من يَخْدمه حَتَّى بلغنى أَنه كَانَ يستقى المَاء بِيَدِهِ الْيُسْرَى وفمه ولحقه شقاء شَدِيد إِلَى أَن مَاتَ وَدفن فى دَار السُّلْطَان ثمَّ سَأَلَ أَهله بعد مُدَّة تَسْلِيمه إِلَيْهِم فنبش وَسلم إِلَيْهِم فدفنه ابْنه أَبُو الْحُسَيْن فى دَاره ثمَّ نبشته حرته الْمَعْرُوفَة بالدينارية ودفنته فى دارها بقصر أم حبيب
وَقَالُوا وَمن عجائبه أَنه كَانَ يراسل الراضى بِاللَّه من الْحَبْس بعد قطع يَده وَقبل أَن يقطع لِسَانه ويطمعه فى المَال الذى وعد تَصْحِيحه لَهُ وَيَقُول إِن قطع يَده لَيْسَ مِمَّا يمنعهُ أَن يستوزره لِأَنَّهُ يُمكنهُ ان يُوقع بحيلة يحتال بهَا أَو يعْمل
[ ٢١١ ]
بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَلَقَد كَانَت تخرج من عِنْده لَهُ رقاع بعد قطع يَده إِلَى ابْنه أَبى الْحُسَيْن وَقبل أَن يضيق عَلَيْهِ وَيذكر ابْنه أَنَّهَا كَانَت بِخَط جيد من خطه وَأَنه كَانَ يكْتب بِيَدِهِ الْيُسْرَى ويسند الْقَلَم على ساعد يَده الْيُمْنَى فَيكْتب بِهِ وَمن عجائبه انه تقلد الوزارة ثَلَاث دفعات لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء وسافر فى عمره ثَلَاث سفرات اثْنَتَيْنِ فى النفى إِلَى شيراز وَوَاحِدَة إِلَى الْموصل وَدفن بعد مَوته ثَلَاث مَرَّات
٢٨٤ - (مُرُوءَة ابْن الْفُرَات) هُوَ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن مُوسَى ابْن الْحسن بن الْفُرَات استوزر للمقتدر ثَلَاث مَرَّات وَكَانَ يضْرب بمروءته الْمثل فمما يذكر مِنْهَا أَنه كَانَ كلما تقلد الوزارة يزِيد سعر الْقَرَاطِيس والشمع والثلج والخيش زِيَادَة وافرة وَكَانَ ذَلِك متعارفا عِنْد التُّجَّار وَكَانَت فى دَاره حجرَة شراب يُوَجه النَّاس من الْكتاب والقواد غلمانهم من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة ليأخذوا لَهُم مِنْهَا مَا يُرِيدُونَ من السكنجبين والجلاب والفقاع والثلج وَغَيرهَا
وَكَانَ رسم دَاره أَن يصحب كل من يخرج مِنْهَا عِنْد غرُوب الشَّمْس شمعتين وَلَا يسترجعان من خدمه
قَالَ الصولى وحَدثني جمَاعَة من أهل دَاره أَنه لما استوزر فى الكرة الثَّانِيَة وخلع عَلَيْهِ وَكَانَ الزَّمَان صيفا سقى النَّاس فى دَاره يَوْم ذَلِك وَلَيْلَته أَرْبَعِينَ ألف رَطْل من الثَّلج وَلما قبض عَلَيْهِ بعد وزارته الأولى نظر فَإِذا هُوَ بحرى على خَمْسَة الآف من النَّاس أقل جارى أحدهم خَمْسَة دَرَاهِم فى الشَّهْر وَنصف قفيز دَقِيق إِلَى عشرَة أَقْفِزَة وَمِائَة دِينَار وَمَا بَين ذَلِك وَمن خبر عاقبه أمره فِيمَا ذكر ثَابت بن سِنَان أَنه سلم فى دولتيه الْأَوليين جَمِيعًا فَسلم النَّاس مِنْهُ وشملهم إحسانه وَلم يتَعَرَّض للنعم وَلَا للنفوس وَاجْتمعَ النَّاس على محبته
[ ٢١٢ ]
والأغتمام لمحنته واجتهدوا فى خلاصه وعود ايامه وصلحت الدُّنْيَا على يَده فَلَمَّا ساعد ابْنه المحسن فى دولته الثَّالِثَة على مَا اخْتَار من التشفى من أعدائه والسرف فى الْقَتْل وَإِزَالَة النعم وَإِدْخَال الرعب سَائِر الْقُلُوب وَلم يظْهر مِنْهُ إِنْكَار لذَلِك لحقه من الْعُقُوبَات فى الدُّنْيَا إِلَى ان بلغ الْآخِرَة مَا لم يلْحق أحدا من نظرائه فَإِنَّهُ نصب بَين البيازين وَضرب بالقلوس وَكَانَ خَاتِمَة أمره أَن ضربت عنق ابْنه بِحَضْرَتِهِ ثمَّ ضربت عُنُقه بعد ان أزيلت نعْمَته وتعفى أَثَره وَلم تبْق مِنْهُ بَاقِيَة
[ ٢١٣ ]
الْبَاب الْخَامِس عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى طَبَقَات الشُّعَرَاء
حلَّة امْرِئ الْقَيْس
يَوْم عبيد
حكم لبيد
حوليات زُهَيْر
صحيفَة المتلمس
قدح ابْن مقبل
منديل عَبدة
لِسَان حسان
سيف الفرزدق
بَنَات نصيب
غزل ابْن ابى ربيعَة
عين بشار
طبع البحترى
أير أَبى حكيمة
تشبيهات ابْن المعتز
عتاب جحظة
غُلَام الخالدى