٢٨٥ - (حلَّة امْرِئ الْقَيْس) تضرب مثلا للشئ الْحسن يكون لَهُ أثر قَبِيح والمبرة يكون فى ضمنهَا عقوق والكرامة يحصل مِنْهَا إهلاك وَذَلِكَ أَن امْرأ الْقَيْس بن حجر لما خرج إِلَى قَيْصر يستعينه على قتلة أَبِيه ويستنجده فى الِاسْتِيلَاء على ملكه أكْرمه وأمده بِجَيْش ثمَّ لما صدر من عِنْده وشى الوشاة بِهِ إِلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِمَا يكره من شَأْنه وخوفوه عَاقِبَة أمره فندم على تَجْهِيزه ثمَّ أتبعه بحلة مَسْمُومَة عزم عَلَيْهِ أَن يلبسهَا فى طَرِيقه فَلَمَّا لبسهَا تقرح جلده وتساقط لَحْمه وَاشْتَدَّ سقمه ففى ذَلِك يَقُول
(وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة وبدلت بالنعماء وَالْخَيْر أبؤسا)
[ ١٢٤ ]
(وَلَو أَن نوما يشترى لأشتريته قَلِيلا كتغميض القطا حَيْثُ عرسا)
(فَلَو أَنَّهَا نفس تَمُوت صَحِيحَة وَلكنهَا نفس تساقط أنفسا)
ثمَّ لما نزل أنقرة مَاتَ بهَا وَإِنَّمَا سمى ذَا القروح لهَذِهِ الْقِصَّة
٢٨٦ - (يَوْم عبيد) يضْرب مثلا لليوم المنحوس الطالع وَكَانَ عبيد بن الأبرص تصدى فِيهِ للنعمان بن الْمُنْذر فى يَوْم بؤسه الذى كَانَ لَا ينحو مِنْهُ من لقِيه فِيهِ كَمَا كَانَ لَا يخيب من لقِيه فى يَوْم نعيمه فَقَالَ لَهُ يَا عبيد إِنَّك مقتول فأنشدنى قَوْلك
(أقفر من أَهله ملحوب ) فأنشده
(أقفر من أَهله عبيد فاليوم لَا يبدى وَلَا يُعِيد)
ثمَّ أَمر بِهِ فَقتل فَسَار يَوْم عبيد مثلا كَمَا قَالَ أَبُو تَمام
(لما أظلتنى سماؤك أَقبلت تِلْكَ الشُّهُود على وهى شهودى)
(من بعد مَا ظن الأعادى أَنه سَيكون لى يَوْم كَيَوْم عبيد)
٢٨٧ - (حكم لبيد) يضْرب مثلا فى الْمَيِّت يبكى عَلَيْهِ وَالْغَائِب يخترم لَهُ سنة وَاحِدَة لِأَن لبيدا يَقُول
(إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر)
[ ٢١٥ ]
وَإِلَى هَذَا الْمثل يُشِير أَبُو تَمام فى قَوْله
(ظعنوا فَكَانَ بكاى حولا بعدهمْ ثمَّ ارعويت وَذَاكَ حكم لبيد)
٢٨٨ - (حوليات زُهَيْر) يضْرب بهَا الْمثل فِي جيد الشّعْر وبارعه وهى أُمَّهَات قصائده وغرر كَلِمَاته الَّتِى كَانَ لَا يعرض وَاحِدَة مِنْهَا حَتَّى يحول عَلَيْهَا الْحول وَهُوَ يجْتَهد فى تصحيحها وتنقيحها وتهذيبها وَكَانَ يَقُول خير الشّعْر الحولى النقح المحكك
وعهدى بالخوارزمى يَقُول من روى حوليات زُهَيْر واعتذارات النَّابِغَة وأهاجى الحطيئة وهاشميات الْكُمَيْت ونقائض جرير والفرزدق وخمريات أَبى نواس وزهديات أَبى الْعَتَاهِيَة ومرائى أَبى تَمام ومدائح البحترى وتشبيهات ابْن المعتز وروضيات الصنوبرى ولطائف كشاجم وقلائد المتنبى وَلم يتَخَرَّج فى الشّعْر فَلَا اشب الله تَعَالَى قرنه
٢٨٩ - (صحيفَة المتلمس) تضرب مثلا لمن يحمل كتابا فِيهِ حتفه وَكَانَ طرفَة بن العَبْد وخاله جرير بن عبد الْمَسِيح الْمَعْرُوف بالمتلمس ينادمان عَمْرو بن هِنْد الْملك فَبَلغهُ أَنَّهُمَا هجواه فَكتب لَهما إِلَى عَامله بِالْبَحْرَيْنِ كتابين أوهمهما أَنه أَمر لَهما فيهمَا بجوائز وَقد كَانَ أمره بِقَتْلِهِمَا فَخَرَجَا حَتَّى إِذا كَانَا بالنجف إِذا هما بشيخ فى الطَّرِيق يحدث وَيَأْكُل من خبز فى يَده ويتناول الْقمل من ثِيَابه فيقصعه فَقَالَ لَهُ المتلمس مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ شَيخا احمق فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا رَأَيْت من حمقى أخرج خبيثا وَأدْخل طيبا وأقتل عدوا وأحمق منى وَالله من يحْتَمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب المتلمس بقوله وطلع عَلَيْهِ غُلَام من أهل الْحيرَة فَقَالَ لَهُ أَتَقْرَأُ يَا غُلَام قَالَ نعم ففك صَحِيفَته وَدفعهَا إِلَيْهِ فَإِذا فِيهَا
[ ٢١٦ ]
أما بعد فَإِذا أَتَاك المتلمس بكتابنا هَذَا فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَأَخذهَا المتلمس وقذفها فى نهر الْحيرَة ثمَّ قَالَ لطرفه إِن فى صحيفتك وَالله مافى صحيفتى فَقَالَ طرفَة كلا لم يكن ليجترئ على ثمَّ أَخذ المتلمس نَحْو الشَّام فنجا بِرَأْسِهِ وَتوجه طرفَة نَحْو الْبَحْرين وأوصل الْكتاب إِلَى عاملها فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لَهُ إِن الْملك قد أمرنى بقتلك فاختر أى قتلة تريدها فَسقط فى يَده وَقَالَ أَن كَانَ لَا بُد من الْقَتْل فَقطع الأكحل فَأمر بِهِ ففصد من الأكحل وَلم تشد يَده حَتَّى نزف دَمه فَمَاتَ وفى ذَلِك يَقُول البحترى ويجريه مثلا فى اخْتِيَار خير الشرين
(وَلَقَد سكنت إِلَى الصدود من النَّوَى والشرى أرى عِنْد طعم الحنظل)
(وكذاك طرفَة حِين أوجس ضَرْبَة فى الرَّأْس هان عَلَيْهِ قطع الأكحل)
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بِصَحِيفَة المتلمس من قَالَ للفرزدق وَقد أَخذ كتابا من بعض الْمُلُوك إِلَى عَامله بصلَة لَهُ
(ألق الصَّحِيفَة يَا فرزدق لَا تكن نكداء مثل صحيفَة المتلمس)
وَكتب شُرَيْح إِلَى مؤدب ابْنه يشكوه وَيذكر لعبه بالكلاب ويأمره بتعزيره
(ترك الصَّلَاة لأكلب يسْعَى بهَا نَحْو الهراش مَعَ الغواة الرجس)
(فليأتينك غاديا بِصَحِيفَة نكداء مثل صحيفَة المتلمس)
(فَإِذا أَتَاك فخصه بملامة وأنله موعظة اللبيب الأكيس)
(فَإِذا هَمَمْت بضربه فبدرة وَإِذا ضربت بهَا ثَلَاثًا فاحبس)
(وَاعْلَم بأنك مَا فعلت فنفسه مَعَ مَا تجزعني أعز الْأَنْفس)
[ ٢١٧ ]
وَقَالَ يَعْقُوب بن الرّبيع فى مرثية جَارِيَته ملك
(حَتَّى احْتبسَ إِذا اللِّسَان وأصبحت للْمَوْت قد ذبلت ذبول النرجس)
(وتكاءبت مِنْهَا محَاسِن وَجههَا وَعلا الأنين تحثه بتنفس)
(رَجَعَ الْيَقِين مطامعى يأسا كَمَا رَجَعَ الْيَقِين مطامع المتلمس)
٢٩٠ - (قدح ابْن مقبل) يضْرب مثلا فى حسن الْأَثر ويروى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان كتب إِلَى الْحجَّاج مَا أَن أرى لَك مثلا إِلَّا قدح ابْن مقبل فَلم يعرف مَعْنَاهُ واغتنم لذَلِك حَتَّى دخل عَلَيْهِ قُتَيْبَة بن مُسلم وَكَانَ راوية للشعر حَافِظًا لَهُ عَالما بِهِ فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ أبشر أَيهَا الْأَمِير فَإِنَّهُ قد مدحك أما سَمِعت قَول ابْن مقبل وَهُوَ يصف قدحا لَهُ
(غَدا وَهُوَ مجدول وَرَاح كَأَنَّهُ من الصَّك والتقليب فى الْكَفّ أفطح)
(خُرُوج من الغمى إِذا صك صَكَّة بدا والعيون المستكفة تلمح)
ويحكى عَنهُ أَنه كتب إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى أما بعد فَإنَّك سَالم وَالسَّلَام فَلم يدر مَا مَعْنَاهُ حَتَّى نبه على أَنه أَرَادَ قَول عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ فى أبنه سَالم ﵁
(يديروننى عَن سَالم وأديرهم وجلدة بَين الْعين وَالْأنف سَالم)
هَكَذَا وجدته فى غير كتاب وَاحِد ثمَّ وجدت نُسْخَة رقْعَة للصاحب إِلَى الْعَامِل بجرجان فى الْوَصِيَّة بأبى سعد الإسماعيلى أَولهَا أخبرنى يَا سيدى وخليلى أَطَالَ الله بَقَاءَك الصَّقْر قَالَ أخبرنى أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ قلت للعتبى كنت أحب أَن أعرف موقعى من قَلْبك قَالَ موقع سَالم يعْنى سَالم بن
[ ٢١٨ ]
عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃ وموقعه من أَبِيه فقد كَانَ يُكَلف بِهِ حَتَّى إِنَّه كَانَ يقبله وَقد شاخ الابْن وَيَقُول شيخ يقبل شَيخا وَسَالم الآخر مولى هِشَام الْمَقُول فِيهِ
(يديروننى عَن سَالم وأديرهم وجلدة بَين الْعين وَالْأنف سَالم)
وَالْأَخ الْفَقِيه أَبُو سعد أدام الله عزه عندى كسالم وَسَالم بل هُوَ كالسلامة فهى أخص موقعا واشرف موضعا
٢٩ - (منديل عَبدة) قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا لجلسائه وَكَانَ يتَجَنَّب غير الأدباء أى المناديل أفضل فَقَالَ قَائِل مِنْهُم مناديل الْيمن كَأَنَّهَا أنوار الرّبيع
وَقَالَ آخر مناديل مصر كَأَنَّهَا غرقئ الْبيض فَقَالَ عبد الْملك مَا صَنَعْتُم شَيْئا أفضل المناديل منديل عَبدة يعْنى عَبدة بن الطَّبِيب فى قَوْله من قصيدة
(لما نزلنَا نصبنا ظلّ أخبية وفار للْقَوْم بِاللَّحْمِ المراجيل)
(وردا وأشقر لم يهنئه طابخه مَا غير الغلى مِنْهُ فَهُوَ مَأْكُول)
(ثمت قمنا إِلَى جرد مسومة أعرافهن لأيدينا مناديل)
وَالْأَصْل فى هَذَا الْمَعْنى قَول امْرِئ الْقَيْس
(نمش بأعراف الْجِيَاد أكفنا إِذا نَحن قمنا عَن شواء مضهب) ٢٩ (لِسَان حسان) يضْرب بِهِ الْمثل فى الذلاقة والطول والحدة وَيُقَال شكره شكر حسان لآل غَسَّان
وَلما هجا النبى ﷺ شعراء الْمُشْركين كَابْن الزِّبَعْرَى وَكَعب بن
[ ٢١٩ ]
مَالك قَالَ ﷺ أَلا رجل يرد عَنَّا فَقَالَ حسان بلَى يَا رَسُول الله وَأَشَارَ إِلَى نَفسه فَقَالَ لَهُ اهجهم وروح الْقُدس مَعَك فو الله إِن هجاءك اشد عَلَيْهِم من وَقع السِّهَام فى غلس الظلام والق أَبَا بكر يعلمك تِلْكَ الهنات فَلَمَّا قَالَ ذَلِك النبى ﷺ أخرج حسان لِسَانه ثمَّ ضرب بطرفه أَنفه وَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله مَا يسرنى بِهِ مقول من معد
وَالله إنى لَو وَضعته على شعر لحلقه أَو على صَخْر لفلقه قَالَ الجاحظ فَلَا ينبغى ان يكون مَا قَالَ حسان إِلَّا حَقًا وَكَيف يَقُول بَاطِلا والنبى ﷺ يَأْمُرهُ وَجِبْرِيل يسدده وَالصديق يُعلمهُ وَالله يوفقه
وَقَالَ غَيره من ظريف أَمر حسان أَنه كَانَ يَقُول الشّعْر فى الْجَاهِلِيَّة فيجيد جدا ويغبر فى وُجُوه الفحول ويدعى أَن لَهُ شَيْطَانا يَقُول الشّعْر على لِسَانه كعبارة الشُّعَرَاء فى ذَلِك فَلَمَّا أدْرك الْإِسْلَام وتبدل الشَّيْطَان بِالْملكِ تراجع شعره وَكَاد يَرك قَوْله هَذَا ليعلم أَن الشَّيْطَان أصلح للشاعر وأليق بِهِ وأذهب فى طَرِيقه من الركاكة وَأَنا اسْتغْفر الله من هَذَا القَوْل فَأنى أكرهه
٢٩٣ - (سيف الفرزدق) يضْرب مثلا للسيف الكليل بيد الجبان وقصته أَن جَرِيرًا والفرزدق وَفْدًا على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة وَأمه ولادَة بنت الْعَبَّاس العبسية وأخواله بَنو عبس وَكَانُوا يتعصبون على الفرزدق ويبغضونه لهجائه قيس بن عيلان وَيُحِبُّونَ جَرِيرًا لمدحه إيَّاهُم فقرظوا جَرِيرًا عِنْد سُلَيْمَان وذموا الفرزدق وَكَانَ سُلَيْمَان عَازِمًا على قتل أسرى من أعلاج الرّوم فجَاء رجل من بنى عبس إِلَى الفرزدق وَقَالَ لَهُ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ سيأمرك غَدا بِضَرْب عنق أَسِير من أسرى الرّوم وَقد علمت أَنَّك وَإِن كنت
[ ٢٢٠ ]
تصف السيوف وتحسن فَإنَّك لم تمرن بهَا وَهَذَا سيفى إِنَّمَا يَكْفِيك ان تومئ بِهِ فيأتى على ضريبته وَأَتَاهُ بِسيف مثلم فَقَالَ لَهُ الفرزدق مِمَّن أَنْت فخشى أَن يَقُول من بنى عبس فيتهمه فَقَالَ من بنى ضبة أخوالك فَعمل الفرزدق على ذَلِك ووثق بِهِ فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وَحضر الفرزدق والوفود دَار سُلَيْمَان وجئ بالأسرى أَمر سُلَيْمَان وَاحِدًا مِنْهُم هائل المنظر أَن يروع الفرزدق إِذا أَخذ السَّيْف ويلفت إِلَيْهِ ويفزعه ووعده أَن يُطلقهُ إِذا فعل ذَلِك ثمَّ قَالَ للفرزدق قُم فَاضْرب عُنُقه فسل سيف العبسى فَضَربهُ بِهِ فَلم يُؤثر فِيهِ وكلح الرومى فى وَجهه فارتاع الفرزدق فَضَحِك سُلَيْمَان وَالْقَوْم فجَاء جرير وَقَالَ يعيره
(بِسيف أَبى رغوان سيف مجاشع ضربت وَلم تضرب بِسيف ابْن ظَالِم)
(ضربت بِهِ عِنْد الإِمَام فأرعشت يداك وَقَالُوا مُحدث غير صارم)
فَأَجَابَهُ الفرزدق بقصيدة مِنْهَا
(وَلَا نقْتل الأسرى وَلَكِن نفكهم إِذا أثقل الْأَعْنَاق حمل المغارم)
(فَهَل ضَرْبَة الرومى جاعلة لكم أَبَا ككليب أَو أبات مثل دارم)
وَقَالَ أَيْضا فى الِاعْتِذَار من بَنو السَّيْف
(أيعجب النَّاس أَن أضحكت سيدهم خَليفَة الله يستسقى بِهِ الْمَطَر)
(لم ينب سيفى من رعب وَلَا دهش من الْأَسير وَلَكِن أخر الْقدر)
(وَلنْ يقدم نفسا قبل ميتتها جمع الْيَدَيْنِ وَلَا الصمصامة الذّكر)
وَقَالَ أَيْضا
(فَإِن يَك سيفى خَان أَو قدر أَبى لمقدار يَوْم حتفه غير شَاهد)
[ ٢٢١ ]
(فسيف بنى عبس وَقد ضربوا بِهِ نبا بيدى وَرْقَاء عَن رَأس خَالِد)
(كَذَاك سيوف الْهِنْد تنبو ظباتها وتقطع أَحْيَانًا منَاط القلائد)
وقرأت فى رِسَالَة لِابْنِ العميد إِلَى ابْن سَمَكَة جرب جعلت فداءك مَا قلته واختبرنى فِيمَا ادعيته فَإِن لم أفعل فدمى حَلَال لَك فاقتلنى بِسيف الفرزدق وكلنى بخل وخردل وَالسَّلَام
٢٩٤ - (بَنَات نصيب) كَانَ نصيب عبدا أسود لبنى كَعْب بن ضَمرَة وَكَانَ شَاعِرًا مفلقا ولشعره ديباجة وَلما سُئِلَ عَنهُ جرير قَالَ هُوَ أشعر أهل جلدته وَلَا يُقَال أشعر أهل بلدته وَقد يُقَال لمثله هُوَ اشعر النَّاس وَإِن كَانَ فيهم من هُوَ أشعر مِنْهُ وَكَانَ لنصيب بَنَات نفض عَلَيْهِنَّ من لَونه فهن يشبهنه فى الأدمة والدمامة وَكَانَ يحبهن جدا وفيهن يَقُول
(وَلَوْلَا أَن يُقَال صبا نصيب لَقلت بنفسى النشأ الصغار)
(بنفسى كل مهضوم حشاها إِذا ظلمت فَلَيْسَ لَهَا انتصار)
وَكَانَ يربأ بِهن عَن الْعَجم وَلَا يرغب فِيهِنَّ الْعَرَب فبقين معنسات وصرن مثلا للْبِنْت يضن بهَا أَبوهَا فَلَا يرضى من يخطبها وَلَا يرغب فِيهَا من يرضاه لَهَا وَقد ضرب بِهن الْمثل أَبُو تَمام فى شعره حَيْثُ قَالَ
(أما القوافى فقد حصنت عذرتها فَمَا يصاب دم مِنْهَا وَلَا سلب)
(منعت إِلَّا من الْأَكفاء منكحها وَكَانَ مِنْك عَلَيْهَا الْعَطف والحدب)
(وَلَو عضلت عَن الْأَكفاء أيمها وَلم يكن لَك فى إطهارها أرب)
(كَانَت بَنَات نصيب حِين ضن بهَا عَن الموالى وَلم تحفل بهَا الْعَرَب)
[ ٢٢٢ ]
٢٩٥ - (غزل ابْن أَبى ربيعَة) هُوَ عمر بن عبد الله بن أَبى ربيعَة المخزومى أغزل خلق الله وأحلاهم شعرًا فى الْغَزل وأرقهم طبعا فى النسيب وَلَيْسَ لَهُ شعر فى الْمَدْح والهجاء وَالْفَخْر وَإِنَّمَا قصر شعره كُله على ذكر النِّسَاء وَصرف مُعظم شعره إِلَى الشرائف وَبَنَات الخلائف لَا سِيمَا إِذا حججن واعتمرن وَظهر المستور من محاسهن وَكَانَ يذهب فى طَرِيق من قَالَ إنى لأعشق الشّرف كَمَا يعشق غيرى الْجمال
ويروى أَنه ولد فى اللَّيْلَة الَّتِى قبض فِيهَا عمر بن الْخطاب ﵁ فَسمى باسمه فَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ أى حق رفع وأى بَاطِل وضع
وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا وَقد سمع شعره بئس جَار الْغَيْر أَنْت
وَكَانَ طَاوس يَقُول إِذا سمع شعره مَا عصى الله تَعَالَى بِشعر كَمَا عصى بِشعر عمر
وَلما قَالَ لَهُ هِشَام مَا يمنعك عَن مَدْحنَا قَالَ إنى أمدح النِّسَاء لَا الرِّجَال
وَمن ظريف مَا حكى عَنهُ أَن نعمى إِحْدَى صواحباته اغْتَسَلت فى غَدِير فَأَقَامَ عَلَيْهِ يشرب مِنْهُ حَتَّى جف
وَكَانَ أَخُوهُ الْحَارِث بن عبد الله بن أَبى ربيعَة لَا يقاره على تغزله ومجنونه فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم فى منزل عمر قد اسْتلْقى فى مقيلة إِذْ دخلت عَلَيْهِ صاحبته الثريا فَأَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِ وهى تظنه عمر فَقَامَ الْحَارِث مغضبا يجر رِدَاءَهُ وَأَرَادَ أَن يخرج فَتَلقاهُ عمر وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ بِحَدِيث الْمَرْأَة وإلقائها نَفسهَا عَلَيْهِ فَقَالَ أبشر يَا أخى فَلَا تمسك النَّار بعْدهَا أبدا
وَلما أنْشد عمر قَوْله
(وَيَوْم كتنور الطواهى سجرنه وألقين فِيهِ الجزل حَتَّى تضرما)
(قذفت بنفسى فى أجيج سمومه وَلَا زلت حَتَّى ابتل مشفرها دَمًا)
[ ٢٢٣ ]
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الله أكبر قد أخذت فى فن آخر من الشّعْر فَلَمَّا اتبعهما بقوله
(أُؤَمِّل أَن ألْقى من النَّاس عَالما بإخباركم أَو أَن ألم مُسلما)
وَقَالَ لَهُ إِنَّك لفى ضلالك الْقَدِيم
وَقد ضرب بِهِ الصاحب الْمثل حَيْثُ قَالَ رِسَالَة لَهُ أَنْت أغزل من عمر إِذا حج وَاعْتمر
٢٩٦ - (عين بشار) كَانَ بشار بن برد من عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ أعمى أكمه لم يبصر شَيْئا قطّ وَهُوَ الْقَائِل
(كَأَن مثار النَّقْع فَوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
وَهُوَ الْقَائِل فى وصف ذكره
(عجل الرّكُوب إِذا اعتراه نافض وَإِذا أَفَاق فَلَيْسَ بالركاب)
(وتراه بعد ثَلَاث عشرَة قَائِما مثل الْمُؤَذّن شكّ يَوْم سَحَاب)
وفى عين بشار يَقُول مخلد بن على السلامى وَهُوَ يهجو إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر وَيَدْعُو عَلَيْهِ
(رَأَيْتُك لَا تحب الود إِلَّا إِذا مَا كَانَ من عصب وَجلد)
(أرانى الله عزك فى انحناء وعينك عين بشار بن برد)
٢٩٧ - (طبع البحترى) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن الْإِجْمَاع وَاقع على أَنه فى الشّعْر أطبع الْمُحدثين والمولدين وَأَن كَلَامه يجمع الجزالة والحلاوة والفصاحة
[ ٢٢٤ ]
والسلاسة وَيُقَال إِن شعره كِتَابَة معقودة بالقوافى لِأَن فِيهِ مثل قَوْله
(فَالله يبقيه لنا ويحوطه ويعزه وَيزِيد فى تأييده)
وَقَوله
(بقيت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّمَا بقاؤك حسن للزمان وَطيب)
(وَلَا كَانَ للمكروه نَحْوك مَذْهَب وَلَا لصروف الدَّهْر فِيك نصيب)
وَقَوله
(مَا ضيع الله فى بَدو وَلَا حضر رعية أَنْت بِالْإِحْسَانِ راعيها)
(أمة كَانَ قبح الْجور يسخطها دهرا فَأصْبح حسن الْعدْل يرضيها)
فَانْظُر إِلَى شرف هَذَا الْكَلَام وسهولته وصعوبته على من يقْصد تعاطى مثله وَمِمَّنْ ضرب بطبعه الْمثل السلامى حَيْثُ قَالَ
(وَأعْطيت طبع البحترى وشعره فَمن لى بِمَال البحترى وغمره)
وَقَالَ بعض العصريين
(يَا لابسا لنقاب ورد أَحْمَر يَا فارشا وجهى بورد أصفر)
(حتام تنحلنى بخصر ناحل وتعلنى بعليل طرف أحور)
(يَا وَاحِدًا فى الْحسن هأنا وَاحِد فى الْحزن أصلى نَار وجد مُضْمر)
(وأظل بَين تذلل وتحير إِذْ أَنْت بَين تدلل وتجبر)
(مالى بوصفك سيدى من طَاقَة وَلَو اننى استمليت طبع البحترى)
٢٩٨ - (أير أَبى حكيمة) ذكر الْأَعْضَاء لَا يؤثم وَإِنَّمَا الْإِثْم فى ذكرهَا عِنْد شتم الْأَعْرَاض وَقَول الرَّفَث فى أكل لوم النَّاس وَقذف الْمُحْصنَات قَالَ النبى ﷺ (من تعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة فأعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا) \ ح \
[ ٢٢٥ ]
وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ لبديل بن وَرْقَاء حِين قَالَ للنبى ﷺ إِن هَؤُلَاءِ إِن مسهم حر السِّلَاح أسلموك اعضض ببظر أمك أَنَحْنُ نسلمه
وَقَالَ على ﵁ من يطلّ اير ابيه ينتطق بِهِ
وأير أَبى حكيمة رَاشد بن إِسْحَاق فى كَثْرَة مَا قَالَ فى مدحه سالفا وذمه آنِفا وَوَصفه بالضعف والوهن والفشل يجرى مجْرى الْمثل وينخرط فى سلك طيلسان ابْن حَرْب وضرطة وهب وحمار طياب وشَاة سعيد وَلَقَد استفرغ شعره فى ذَلِك وأتى بالنوادر وَالْملح السوائر وَيُقَال إِنَّه كَانَ يكْتب لإسحاق ابْن إِبْرَاهِيم المصعبى فاتهمه بِغُلَام لَهُ فَأخذ فى هَذَا الْفَنّ من الشّعْر تَنْزِيها لنَفسِهِ عَن التُّهْمَة حَتَّى صَار عَادَة لَهُ فَمن ملحه قَوْله
(لم تكتحل عيناى مذ شقتا بِمثل أيرى بَين رجلى أحد)
(أير ضَعِيف الْمَتْن رث القوى لَو شِئْت أَن أعقده لانعقد)
(إِن يمس كالبقلة فى لينها فطالما أصبح مثل الوتد)
وَقَوله
(كَأَن أيرى من لين مقبصه خريطة قد خلت من الْكتب)
(كَأَنَّهُ حَيَّة مطوقة قد جعلت رَأسهَا مَعَ الذَّنب)
وَقَوله
(أير تعقد وَاسْتَرْخَتْ مفاصله مثل الْعَجُوز حناها شدَّة الْكبر)
(يقوم حِين يُرِيد الْبَوْل منحنيا كَأَنَّهُ قَوس نداف بِلَا وتر)
(وَلَا يقوم إِذا نبهته سحرًا كَمَا تقوم أيور النَّاس فى السحر)
وَقَوله
(ينَام على كف الفتاة وَتارَة لَهُ حركات مَا تحس بهَا الْكَفّ)
(كَمَا يرفع الفرخ ابْن يَوْمَيْنِ رَأسه إِلَى أَبَوَيْهِ ثمَّ يُدْرِكهُ الضعْف)
[ ٢٢٦ ]
وَأَرَادَ كشاجم أَن يتعاطى فن أَبى حكيمة فَمَا شقّ غباره على ارْتِفَاع مِقْدَاره فى الشعرحيث قَالَ
(اصبح أيرى للضعف مُنْضَمًّا كَأَنَّمَا فِيهِ نافض الْحمى)
(أصفى فأشفى على الردى وَغدا أَصمّ عَمَّا أرومه أعمى)
(وَكَانَ كالزير فى توتره فَانْحَطَّ حَتَّى حسبته بِمَا)
(لم يبْق فِيهِ حَظّ تؤلمه سعدى وَلَا تستلذه سلمى)
٢٩٩ - (تشبيهات ابْن المعتز) يضْرب الْمثل بهَا فى الْحسن والجودة وَيُقَال إِذا رَأَيْت كَاف التَّشْبِيه فى شعر ابْن المعتز فقد جَاءَك الْحسن وَالْإِحْسَان
وَلما كَانَ غذى النِّعْمَة وربيب الْخلَافَة ومنقطع القرين فى البراعة تهيا لَهُ من حسن التَّشْبِيه مالم يتهيأ لغيره مِمَّن لم يرَوا مَا رَآهُ وَلم يستحدثوا مَا استحدثه من نفائس الْأَشْيَاء وطرائف الْآلَات وَلِهَذَا الْمَعْنى اعتذر ابْن الرومى فى قصوره عَن شأو ابْن المعتز فى الْأَوْصَاف والتشبيهات فَمن أنموذج تشبيهاته الملوكية قَوْله فى وصف الْهلَال
(وَأنْظر إِلَيْهِ كزورق من فضَّة قد أثقلته حمولة من عنبر)
وَقَوله
(ونسيم يبشر الأَرْض بالقطر كذيل الغلالة المبلول)
(ووجوه الْبِلَاد تنْتَظر الْغَيْث انْتِظَار الْمُحب رَجَعَ االرسول)
[ ٢٢٧ ]
وَقَوله فى الْخمر
(وأمطر الكأس مَاء من أبارقه فانبت الدّرّ فى أَرض من الذَّهَب)
(وَسبح الْقَوْم لما أَن رَأَوْا عجبا نورا من المَاء فى نَار من الْعِنَب)
وَقَوله فى الآذريون
(كَأَن آذريونها وَالشَّمْس فِيهَا عالية)
(مداهن من ذهب فِيهَا بقايا غَالِيَة)
وَمن تشبيهاته الَّتِى تفرد بهَا قَوْله
(وَالرِّيح تجذب أَطْرَاف الرِّدَاء كَمَا افضى الشَّقِيق إِلَى تَنْبِيه وَسنَان)
وَقَوله فى المعتضد
(مَا يحسن الْقطر أَن ينهل عَارضه كَمَا تتَابع أَيَّام الْفتُوح لَهُ)
وَقَوله
(أَطَالَ الدَّهْر فى بَغْدَاد همى وَقد يشقى الْمُسَافِر أَو يفوز)
(ظللت بهَا على رغمى مُقيما كعنين تضاجعه عَجُوز)
وقلائد تشبيهاته ولطائف تمثيلاته أَكثر من أَن تحصى
٣٠٠ - (عتاب جحظة) يشبه بِهِ كل مارق ولطف لقَوْله
(ورق الجو حَتَّى قيل هَذَا عتاب بَين جحظة وَالزَّمَان)
وللبديع الهمذانى من رِسَالَة لَهُ إخوانية بَيْننَا عتاب لَحْظَة كتاب جحظة واعتذارات بَالِغَة كاعتذارات النَّابِغَة
[ ٢٢٨ ]
٣٠ - (غُلَام الخالدى) يضْرب بِهِ الْمثل فى الكياسة والشهامة والنفاذ فى سنّ الْخدمَة وَجمع محَاسِن المماليك ومناقب العبيد وَهُوَ غُلَام أَبى عُثْمَان الخالدى أحد الْأَخَوَيْنِ الخالديين اللَّذين يهجوهما السرى الموصلى ويدعى عَلَيْهِمَا سَرقَة شعره
وحدثنى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الفارسى النحوى أَن اسْم هَذَا الْغُلَام رشأ وَأَنه رَآهُ بعد موت مَوْلَاهُ أَبى عُثْمَان فى نَاحيَة أَبى الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف قَالَ وَهُوَ الْيَوْم وَزِير قراد العقيلى وَإِلَى الْبَلَد والجامعين وَالْقصر
قَالَ مؤلف الْكتاب قَرَأت أَنا بِخَطِّهِ أى بِخَط الْغُلَام فى مَجْمُوع من شعر الخالديين بِخَط اُحْدُ الْأَخَوَيْنِ فى دفتر أعارنية أَبُو نصر سهل بن الْمَرْزُبَان كتب ابْن سكرة الهاشمى إِلَى أَبى عُثْمَان يسْأَله عَنى فَكتب إِلَيْهِ
(مَا هُوَ عبد لكنه ولد خولنيه الْمُهَيْمِن الصَّمد)
(وَشد أزرى بِحسن صحبته فَهُوَ يدى والذراع والعضد)
(صَغِير سنّ كَبِير معرفَة تمازج الضعْف فِيهِ وَالْجَلد)
(معشق الطّرف طرفه كحل معطل الْجيد حلية جيد)
(وغصن بَان إِذا بدا وَإِذا شدا فقمرى بانة غرد)
(ثقفه كيسه فَلَا عوج فى بعض أخلاقه وَلَا أود)
(ماغاظنى سَاعَة فَلَا صخب يمر فى منزلى وَلَا حرد)
(مسامرى إِن دجا الظلام فلى مِنْهُ حَدِيث كَأَنَّهُ الشهد)
(خَازِن مافى يدى وحافظه فَلَيْسَ شئ لدي يفتقد)
(يصون كتبى فَكلهَا حسن يطوى ثيابى فَكلهَا جدد)
(وحاجبى فالخفيف محتبس عندى بِهِ والثقيل مطرد)
[ ٢٢٩ ]
(وصيرفى القريض وازن دِينَار الْمعَانى الْجِيَاد منتقد)
(وَيعرف الشّعْر مثل معرفتى وَهُوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد)
(وحافظ الدَّار إِن ركبت فَمَا على غُلَام سواهُ أعْتَمد)
(ومنفق مُشفق إِذا أَنا أسرفت وبذرت فَهُوَ مقتصد)
(وَأبْصر النَّاس بالطبيخ فكالمسك القلايا والعنبر الثرد)
(وواجد بى من الْمحبَّة والرأفة أَضْعَاف مابه أجد)
(إِذا تبسمت فَهُوَ مبتهج وَإِن تنمرت فَهُوَ مرتعد)
(ذى بعض أَوْصَافه وَقد بقيت لَهُ صِفَات لم يحوها الْعدَد)
[ ٢٣٠ ]
الْبَاب السَّادِس عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْبلدَانِ والأماكن
عَزِيز مصر
أَسْقُف نَجْرَان
أبدال اللكام
ملكا بابل
جنَّة عبقر
حجام ساباط
قاضى منى
قاضى جبل
سحرة الْهِنْد
شيخ الْعرَاق
ظريف الْعرَاق
صوفية الدينور
لصوص الرى