٦٣٤ - (جلد النمر) من أَمْثَال الْعَرَب فى المكاشفة وإبراز صفحة الْعَدَاوَة قَوْلهم لبس لَهُم جلد النمر قَالَ الشَّاعِر
(إِن إخوانى من كِنْدَة قد لبسوا لى خمْسا جلد النمر)
وكتبت إِلَى أَبى نصر بن سهل بن الْمَرْزُبَان قصيدة فى الشكوى أَولهَا
(كتبت من صومعة تسمح بالقوت الْعسر)
(والدهر من جفائه يلبس لى جلد النمر)
(فماء عيشى كدر وَنجم حالى منكدر)
٦٣٥ - (است النمر) يضْرب مثلا للرجل المنيع فَيُقَال أمنع من است النمر وأعز من أست النمر وَمَعْنَاهُ أَن النمر لَا يتَعَرَّض لَهُ لِأَنَّهُ مَكْرُوه الْقِتَال مصمم وَيُقَال إِنَّه لَا يرى شَيْئا إِلَّا طلبه ورام الاستعلاء عَلَيْهِ وَهُوَ أَشد السبَاع جرْأَة إِذا هيج وراود رجل غُلَامه بدويا فَقَالَ لَهُ الْغُلَام أما سَمِعت است النمر
[ ٣٩٩ ]
٦٣٦ - (وثبة النمر) من كَلَام أَبى العيناء الذى نحله الأعرابى فى وصف رجال الحضرة قَالَ فَمَا تَقول فى صَالح بن شيرازاد قَالَ يتغدى بخروف ويتعشى بفصيل ويثب على فريسته وثبة النمر ويروغ من خَصمه روغان الثَّعْلَب
٦٣٧ - (نوم الفهد) قَالَ الجاحظ الفهد أنوم الْخلق وَلَيْسَ نَومه كنوم الْكَلْب لِأَن الْكَلْب نَومه نُعَاس واختلاس والفهد نَومه صمت وَلَيْسَ شئ فى مثل جسم الفهد إِلَّا والفهد أثقل مِنْهُ وأحطم لظهر الدَّابَّة
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بنوم الفهد حميد بن ثَوْر فى قَوْله
(ونمت كنوم الفهد عَن ذى حفيظة أكلت طَعَاما دونه وَهُوَ جَائِع)
وَابْن الرومى فى قَوْله
(وَأما نومكم عَن كل عَن خير كنوم الفهد لَا يخْشَى دفاعا)
وَقَالَت الْمَرْأَة السَّابِعَة فى حَدِيث أم زرع تصف زَوجهَا زوجى إِن
[ ٤٠٠ ]
دخل فَهد وَإِن خرج أَسد يَأْكُل مَا وجد وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد وَلَا يتفقد مَا ذهب من الْبَيْت لطيبه نَفسه بذلك قَالَ الراجز
(لَيْسَ بنوام كنوم الفهد وَلَا بأكال كَأَكْل العَبْد)
٦٣٨ - (عيث الضبع) يُقَال ذَلِك لِأَن الضبع إِذا وَقعت فى الْغنم عاثت فِيهَا وَلم تكتف بِمَا يشبعها وَلم تبْق وَلم تذر مِنْهَا وَمن عيثها وإفراطها فى الْفساد استعارت الْعَرَب اسْمهَا للسّنة المجدبة فَيُقَال أكلتنا الضبع قَالَ ابْن الأعرابى لَا يُرِيدُونَ بالضبع السّنة وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّاس إِذا أجدبوا ضعفوا عَن الانبعاث وَسَقَطت قواهم فعاثت فيهم الضباع وأكلتهم قَالَ الشَّاعِر
(أَبَا خراشة أما أَنْت ذَا نفر فَإِن قومى لم تأكلهم الضبع)
٦٣٩ - (مجير أم عَامر) يضْرب مثلا للمحسن يكافأ بالإساءة
وأصل هَذَا الْمثل ان قوما خَرجُوا للصَّيْد فى يَوْم حَار فطردوا ضبعا حَتَّى ألجئوها إِلَى خباء أعرابى فاقتحمته فأجارها الأعرابى وَحَال بَينهَا وَبينهمْ وَجعل يطْعمهَا ويسقيها اللَّبن وَبقيت عِنْده بِخَير حَال فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِم إِذْ وَثَبت عَلَيْهِ فبقرت بَطْنه وشربت دَمه وَمَضَت هاربة وَجَاء ابْن عَم لَهُ يَطْلُبهُ فَإِذا هُوَ بقير والتفت إِلَى مَوضِع الضبع فَلم يرهَا فَقَالَ هى الَّتِى فعلت فعلتها وَالله لأجدنها وَأخذ كِنَانَته واقتفى أَثَرهَا حَتَّى أدْركهَا ورماها فَقَتلهَا وَقَالَ
[ ٤٠١ ]
(وَمن يصنع الْمَعْرُوف فى غير أَهله يلاق الذى لَاقَى مجير أم عَامر)
(أعد لَهَا لما استجارت ببيته أحاليب ألبان اللقَاح الدرائر)
(وأسمنها حَتَّى إِذا مَا تمكنت فرته بأنياب لَهَا وأظافر)
(فَقل لذوى الْمَعْرُوف هَذَا جَزَاء من يجود بِمَعْرُوف إِلَى غير شَاكر)
٦٤٠ - (خصلتا الضبع) يضربان مثلا فى الْأَمريْنِ المكروهين لَيْسَ فيهمَا حَظّ للمختار بل هما شئ وَاحِد فى الشَّرّ وَالْعرب تَقول فى أحاديثها إِن الضبع صادت ثعلبا فَقَالَ لَهَا الثَّعْلَب وَهُوَ بَين أنيابها منى على أم عَامر فَقَالَت أخيرك خَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَن أُكَلِّمك وَإِمَّا أَن آكلك فَقَالَ الثَّعْلَب أما تذكرين يَوْم نكحتك قَالَت مَتى وَفتحت فاها فَأَفلَت الثَّعْلَب وَضربت الْعَرَب الْمثل بخصلتي الضبع لما لَا أختيار فِيهِ
٦٤ - (حمق الضبع) يضْرب مثلا فَيُقَال أَحمَق من ضبع وَمن حمقها أَن صائدها يَقُول لَهَا وَهِي فى وَكرها خامرى أم عَامر أبشرى بجراد عظال وكمر رجال فَلَا يزَال يَقُول لَهَا ذَلِك وهى تسكن وتنقاد حَتَّى يدْخل عَلَيْهَا ويربط فمها ورجليها ثمَّ يسحبها وَالْجَرَاد العظال الذى قد ركب بعضه بَعْضًا وَأما كمر الرِّجَال فَإِن الضبع إِذا وجدت قَتِيلا قد انتفخ جَوْفه ألقته على قَفاهُ وركبته قَالَ الْعَبَّاس بن مرداس
[ ٤٠٢ ]
(وَلَو مَاتَ مِنْهُم من جرحنا لأصبحت ضباع بِأَعْلَى الرقمتين عرائسا)
وَيُقَال للرجل يأتى بِمَا يستنكر وَالله مَا يخفى هَذَا على الضبع يحمقها
ويروى أَن عليا ﵁ قَالَ فى كَلَام لَهُ لَا أكون مثل الضبع يخضعها القَوْل فَتخرج فتصاد
٦٤ - (حرص الْخِنْزِير) يضْرب الْمثل بحرص الْخِنْزِير وقبحه وقذره وَحَمَلته وصعوبة صَيْده وَشدَّة الْخطر فى طرده
وَكَانَ ابْن المقفع يَقُول أخذت من كل شئ أحسن مَا فِيهِ حَتَّى من الْخِنْزِير وَالْكَلب والفهد أخذت من الْخِنْزِير حرصه على مَا يصلحه وبكوره فى حَوَائِجه وَمن الْكَلْب نصحه لأَهله وَحسن محافظته على أوَامِر صَاحبه وَمن الْهِرَّة لطف نغمتها وَحسن مسألتها وانتهازها الفرصة فى صيدها
٦٤٣ - (قبح الْخِنْزِير) قَالَ الجاحظ لَو أَن الْكفْر والإفلاس والغدر وَالْكذب تجسدت ثمَّ تصورت لما زَادَت على قبح الْخِنْزِير وَكَانَ ذَلِك بعض الْأَسْبَاب الَّتِى مسخ بهَا الْإِنْسَان خنزيرا فَإِن القرد سمج الْوَجْه قَبِيح فى كل شئ وَكَفاك بِهِ جرى الْمثل الْمَضْرُوب بِهِ وَلكنه من وَجه آخر مليح فملحه يعْتَرض على قبحه فيمازجه وَيصْلح مِنْهُ وَالْخِنْزِير أقبح مِنْهُ إِلَّا أَن قبحه مصمت بهيم فَصَارَ أسمج مِنْهُ كثيرا
وَلما قَالَ حَمَّاد عجرد فى بشار بن برد
(وَالله مَا الْخِنْزِير فى نَتنه بربعه فى النتن أَو خمسه)
(بل رِيحه أطيب من رِيحه ومسه أَلين من مَسّه)
[ ٤٠٣ ]
(وَوَجهه أحسن من وَجهه وَنَفسه أفضل من نَفسه)
(وَعوده أكْرم من عوده وجنسه اكرم من جنسه)
قَالَ بشار ويلاه لِابْنِ الزنديق لقد نفث بِمَا فى صَدره قيل وَكَيف ذَاك قَالَ مَا أَرَادَ إِلَّا قَول الله تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ فَأخْرج الْجُحُود بِهِ مخرج الهجاء
وَقَالَ الجماز
(لَو يمسخ الْخِنْزِير مسخا ثَانِيًا مَا كَانَ يمسخ فَوق قبح الجاحظ)
(وَإِذا الْمَرْأَة جلت لَهُ بمثاله لم تخل مقلته بهَا من واعظ)
٦٤٤ - (روغان الثَّعْلَب) يضْرب الْمثل بخبثه ومكره وحيلته ودهائه قَالَ طرفَة
(كم من خَلِيل كنت خاللته لَا ترك الله لَهُ واضحه)
(كلهم أروغ من ثَعْلَب مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة)
وللصابى من رِسَالَة فى وصف الصَّيْد والمتصيد ومعنا فهود أخطف من البروق وأثقف من الليوت وأجرى من الغيوث وأمكر من الثعالب وأدب من العقارب وَأنزل من الجنادب
قَالَ الجاحظ الثَّعْلَب جبان جدا مستضعف وَلكنه مفرط الْخبث وَالْحِيلَة يجرى مجْرى كبار السبَاع قَالَ وَمن خبثه ودهائه أَن لَهُ حِيلَة عَجِيبَة فى طلب مقتل الْقُنْفُذ فَإِنَّهُ إِذا مد شوك فروته واستدار كَأَنَّهُ كرة قرب من ظَهره فَبَال عَلَيْهِ فَإِذا فعل ذَلِك انبسط الْقُنْفُذ فعندما يقبض على مراق بَطْنه
[ ٤٠٤ ]
قَالَ وَمن الْعجب فى قسْمَة الأرزاق أَن الذِّئْب يصيد الثَّعْلَب فيأكله والثعلب يصيد الْقُنْفُذ فيأكله والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها والحية تصيد الْفَأْرَة فتأكلها والفأرة تصيد الْفِرَاخ وبيض كل شئ فى أفحوصته فتأكله والعصفور يصيد الزنبور فيأكله والزنبور يصيد النحلة فيأكلها والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها والذبابة تصيد الْبَعُوضَة وَلَا بُد للصائد من أَن يصاد وكل صَغِير فَهُوَ يَأْكُل مِمَّا هُوَ أَصْغَر مِنْهُ وكل قوى فَهُوَ يَأْكُل مَا هُوَ أقل مِنْهُ وَالنَّاس فى بَعضهم بَعْضًا على شبه بذلك وَإِن قصروا عَن ذَلِك الْمِقْدَار وَقد جعل الله بَعْضهَا حَيَاة لبَعض وَبَعضهَا موتا لبَعض
وذم رجل رجلا فَقَالَ اجْتمعت فِيهِ ثَلَاث طبيعة العقعق يعْنى السّرقَة وروغان الثَّعْلَب يعْنى الْخبث ولمعان الْبَرْق الخلب يعْنى الْكَذِب
٦٤٥ - (صيد ابْن آوى) يضْرب مثلا لما يشق طلبه ويصعب الظفر بِهِ فَإِذا وجد لم يكن لَهُ طائل قَالَ الشَّاعِر
(كَانَ ابْن آوى وَهُوَ صَعب فَإِذا مَا صيد يَوْمًا لَا يساوى خردلة)
وَمثله وَفِيه زِيَادَة لِابْنِ الرومى فى الْخِنْزِير
(اصبحت كالخنزير فى الطرائد لَيْسَ لمن يَطْلُبهُ من صائد)
(وَرُبمَا أتلف نفس الطارد )
٦٤٦ - (قبح القرد) يضْرب بِهِ الْمثل يُقَال القرد قَبِيح وَلكنه مليح وروى أَن بشارا لم يجزع من هجاء قطّ كجزعه من بَيت حَمَّاد عجرد فِيهِ حَيْثُ قَالَ
[ ٤٠٥ ]
(وَيَا أقبح من قرد إِذا مَا عمى القرد)
ويحكى أَن بشارا لما سمع الْبَيْت بَكَى وَقَالَ يرانى فيصفنى وَلَا أرَاهُ فأصفه
ويحكى أَن رجلا قَبِيح الصُّورَة قَالَ لمنصور بن الْحُسَيْن الحلاج ﵀ إِن كنت صَادِقا فِيمَا تدعيه فأمسخنى قردا فَقَالَ أما لَو هَمَمْت بذلك لَكَانَ نصف الْعَمَل مفروغا مِنْهُ
وَقَالَ بعض الْخُلَفَاء لبَعض ندمائه عرفت أَن فى وَجه بختيشوع قردية فَقَالَ الْغَلَط من غَيْرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بل فى وَجه القرد بختيشوعية
٦٤٧ - (حِكَايَة االقرد) قَالَ الجاحظ وَقد عرفت شبه ظَاهر القرد بِظَاهِر الْإِنْسَان يرى ذَلِك فى طرفه وتغميض عينه وضحكه وحركته وحكايته وفى كَفه وأصابعه وفى رَفعهَا ووضعها وَكَيف يتَنَاوَل بهَا وَكَيف يُجهز اللُّقْمَة إِلَى فِيهِ وَكَيف يكسر الْجَوْز ويستخرج مَا فِيهِ وَكَيف يتقن كل مَا أَخذ بِهِ وأعيد عَلَيْهِ
وَقَالَ القاضى أَبُو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز نَحن نجد القرد أَكثر شبها بالإنسان من سَائِر الْحَيَوَان وَلذَلِك سَمَّاهُ الْقَائِلُونَ بالتناسخ بالصورة المكشوفة وَيَزْعُم أهل الشَّرْع أَنهم لمَم يَجدوا فى ضروب الْحَيَوَان أشبه بالإنسان تركيبا وأعضاء وجوارح وَلم يرَوا أقرب مِنْهُ خلقَة وَصُورَة وَأدنى إِلَيْهِ شبها ومشاكلة من القرد وَإِن من تقدم جالينوس من الْأَطِبَّاء لم يفصلوا قطّ إنسيا وَلم يشرحوا آدَمِيًّا وَإِنَّمَا عرفُوا تِلْكَ الْأُمُور الغامضة والسرائر الكامنة بِمَا فصلوا من أجسام القرود وَبَعض من وجد من الْقَتْلَى على ندرة فى بعض معارك
[ ٤٠٦ ]
الْمُلُوك فَلم يهدهم من الِاخْتِلَاف إِلَّا على الْيَسِير الذى لَا يعْتد بِهِ
وَقَالَ غَيره لما أشبه القرد الْإِنْسَان أربى عَلَيْهِ فى الْحِكَايَة وَضرب بِهِ الممثل وَقيل أحكى من قرد وَقيل أولع من قرد وَلَو لوعة بحكاية من يرَاهُ
وقدأحسن ابْن الرومى فى قَوْله يهجو قوما
(ليتهم كَانُوا قرودا فحكوا شيم النَّاس كَمَا تحكى القرود)
والتفت يَوْمًا إِلَى أَبى الْحسن الْأَخْفَش وَهُوَ يختال فى مشيته فَأَنْشد يَقُول
(هَنِيئًا يَا أَبَا الْحسن هَنِيئًا بلغت من الْفَضَائِل كل غَايَة)
(شركت القرد فى قبح وسخف وَمَا قصرت عَنهُ فى الْحِكَايَة)
٦٤٨ - (كرَاع الأرانب) يضْرب مثلا فِيمَا قل وذل وَيُشبه مَا صغر وَهَان قَالَ الشَّاعِر يهجو حَارِثَة بن بدر الغدائى
(زعمت غُدَانَة أَن فيهم سيدا ضخما يواريه جنَاح الجندب)
(يرويهِ مَا يرْوى الذُّبَاب وينتشى سكرا ويشبعه كرَاع الأرانب)
قَالَ الجاحظ إِنَّمَا ذكر كرَاع الأرنب لِأَن يَد الأرنب قَصِيرَة وَلذَلِك يسْرع فى الصعُود فَلَا يلْحقهُ من الْكلاب إِلَّا كلب قصير الْيَد وَذَلِكَ مَحْمُود فى الْكَلْب
[ ٤٠٧ ]
٦٤٩ - (ظباء مَكَّة) يضْرب بهَا الْمثل فى الْأَمْن لِأَنَّهَا لَا تهاج وَلَا تصاد فى الْحرم لمجاورتها الْحرم فهى ترتع وتلعب آمِنَة وَقد ضرب بهَا الْمثل عبد الله بن حسن بن حسن فَأحْسن فى قَوْله يصف نسْوَة
(أنس حرائر مَا هممن بريبة كظباء مَكَّة صيدهن حرَام)
(يَحسبن من لين الْكَلَام زوانيا ويصدهن عَن الْخَنَا الْإِسْلَام)
٦٥٠ - (جآذر جاسم) يُقَال جآذر جاسم كَمَا يُقَال وَحش وجرة وللقاضى أَبى الْحسن فصل فى ذكرهمَا لم أر احسن وابلغ وَلَا اكفى وأشفى مِنْهُ وَهُوَ قد علمت أعزّك الله أَن الشُّعَرَاء قد تداركوا عُيُون الجآذر ونواظر الغزلان حَتَّى إِنَّك لَا تكَاد تَجِد قصيدة نسيب تَخْلُو مِنْهُ إِلَّا النَّادِر والفذ وَمَتى جمعت ذَلِك ثمَّ قرنت إِلَيْهِ قَول امْرِئ الْقَيْس
(تصد فتبدى عَن أسيل وتتقى بناظرة من وَحش وجرة مطفل)
وقابلته بقول عدى بن الرّقاع
(فَكَأَنَّهَا بَين النِّسَاء أعارها عَيْنَيْهِ احور من جآذر جاسم)
رَأَيْت إسراع الْقلب إِلَى قبُول هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وتبينت قربهما مِنْهُ وَالْمعْنَى وَاحِد وَكِلَاهُمَا خَال من الصَّنْعَة بديع من البديع إِلَّا مَا حسن من الِاسْتِعَارَة اللطيفة الَّتِى كسته هَذِه الْبَهْجَة هَذَا وَقد تخَلّل كل وَاحِد مِنْهُمَا من حَشْو الْكَلَام مَا لَو حذف لاستغنى عَنهُ ومالا فَائِدَة فى ذكره لِأَن امْرأ الْقَيْس قَالَ من
[ ٤٠٨ ]
وَحش وجرة وعديا قَالَ من جآذر جاسم وَلم يذكر هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا استعانة بهما فى إتْمَام النّظم واقامة القافية وَلَا تلْتَفت إِلَى مَا يُقَال فى وجرة وجاسم فَإِنَّمَا يطْلب بَعضهم الإغراب على بعض وَقد رَأَيْت ظباء جاسم فَلم أرها إِلَّا كَغَيْرِهَا وَسَأَلت من لَا أحصى من الْأَعْرَاب عَن وَحش وجرة فَلم يرَوا لَهَا فضلا على وَحش صريمة وغزلان بسيطة وَقد يخْتَلف خلق الظباء وألوانها بأختلاف المنشأ والمرتع وَأما الْعُيُون فَقل أَن تخْتَلف لذَلِك وَأما مَا أتم بِهِ عدى الْوَصْف واضافة إِلَى الْمَعْنى المبتدا بِهِ بقوله
(وَسنَان أقصده النعاس فرنقت فى عينه سنة وَلَيْسَ بنائم)
فقد زَاد بِهِ على كل من تقدم وَسبق بفضله من تَأَخّر وَلَو قلت إِنَّه اقتطع على هَذَا الْمَعْنى فَصَارَ لَهُ وحظر على الشُّعَرَاء الشّركَة فِيهِ لم ارنى بَعدت عَن الْحق وَلَا جانبت الصدْق فِيمَا قلته
٦٥ - (دَاء الظبى) من أَمْثَال الْعَرَب عَن أَبى عَمْرو الشيبانى فى صِحَة الْجِسْم قَوْلهم دَاء الظبى قَالَ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ بِهِ دَاء كَمَا أَنه لَا دَاء بالظبى قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَهَذَا نَحْو قَول النَّابِغَة
(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب) ٦٥ (عين الظبى) تشبه بهَا الْعُيُون المستحسنة وَيُشبه بهَا مَا يُوصف بِشدَّة السوَاد كَمَا قَالَ المتنبى
[ ٤٠٩ ]
(لقى ليل كعين الظبى لونا وهم كالحميا فى المشاش)
وَقَالَ بعض أهل الْعَصْر فى الْجمع بَين عين الظبى وَعين الديك وَلَعَلَّه لم يسْبق إِلَيْهِ فى بَيت وَاحِد فَقَالَ
(وليل كعين الظبى غيرت لَونه بكأس كعين الديك بل هى ألمع)
(فَلَمَّا مزجت الرّوح منى براحها ترحل عَنى الْغم والهم أجمع)
[ ٤١٠ ]
الْبَاب الحادى وَالثَّلَاثُونَ فى السنور والفأر
سنور عبد الله
فَأْرَة العرم
فَأْرَة الْمسك
فَأْرَة البيش
فَأْرَة الْإِبِل