١٢ - (سيرة العمرين) هما أَبُو بكر وَعمر ﵄ يضْرب بسيرتهما الْمثل إِذْ لاعهد بمثلهما بعد النَّبِي ﷺ وَكَانَ عبد الْملك ابْن مَرْوَان يَقُول أنصفونا يَا معشر الرّعية تُرِيدُونَ منا سيرة أَبى بكر وَعمر وَلَا تسيرون فِينَا وَلَا فى أَنفسكُم بسيرة رعية أَبى بكر وَعمر نسْأَل الله أَن يعين كلا على كل
وَقَالَ البحترى
(إِن الرّعية لم تزل فى سيرة عمرية مذ ساسها المتَوَكل)
وَقَالَ بعض البلغاء وَقد ذكر بعض الْمُلُوك رَأَيْت صُورَة قمرية وسيرة عمرية
وَقَالَ آخر رَأَيْت بفلان نور القمرين وَعدل العمرين
١٢ - (درة عمر) قَالَ الشعبى كَانَت درة عمر أهيب من سيف الْحجَّاج
[ ٨٥ ]
وَلما جىء بالهر مزان ملك خوزستان أَسِيرًا إِلَى عمر ﵁ وَافق ذَلِك غيبته عَن منزلَة فَمَا زَالَ الْمُوكل بالهرمزان يقتفى أثر عمر حَتَّى عثر عَلَيْهِ فى بعض الْمَسَاجِد نَائِما متوسدا درته فَلَمَّا رَآهُ الهرمزان قَالَ هَذَا وَالله الْملك الهنىء عدلت فأمنت فَنمت وَالله إنى قد خدمت أَرْبَعَة من مُلُوك الأكاسرة أَصْحَاب التيجان فَمَا هبت أحد مِنْهُم هيبتى لصَاحب هَذِه الدرة
١٢٣ - (قَمِيص عُثْمَان) هُوَ قَمِيصه المضرج بِالدَّمِ الذى قتل فِيهِ يضْرب بِهِ الْمثل للشَّيْء يكون سَببا للتحريش وَذَلِكَ أَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ لما أحس من عَسْكَر مُعَاوِيَة بصفين فتورا فى الْمُحَاربَة أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يبرز لَهُم قَمِيص عُثْمَان ليستأنفوا جدا جَدِيدا فى الانتقاض والمنازعة فَفعل ذَلِك مُعَاوِيَة فحين وَقعت أعين الْقَوْم على الْقَمِيص ارْتَفَعت ضجتهم بالبكاء والنحيب وتحرك مِنْهُم السَّاكِن وثار من حقودهم الكامن فَعندهَا قَالَ عَمْرو حرك لَهَا حوارها تحن
وعَلى ذكر هَذَا الْقَمِيص فَإِن المتَوَكل لما قَتله الأتراك بمواطأة الْمُنْتَصر وأفضى الْأَمر بعده وَبعد الْمُنْتَصر والمستعين إِلَى المعتز لم تزل أمه قبيحة تحرضه على الْإِيقَاع بقتلة أَبِيه وتلومه على ميله لَهُم دون طلب الثأر مِنْهُم وَكَانَ المعتز يعدها ويمنيها وَهُوَ يعلم أَنه لَا يقوى عَلَيْهِم مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَشدَّة شوكتهم وغلبتهم على أُمُور الْخلَافَة فأبرزت قبيحة يَوْمًا للمعتز قَمِيص المتَوَكل الذى قتل فِيهِ وَهُوَ مضرج بِالدَّمِ وَجعلت تبكى وتبالغ فى التقريع والتحريض كل الْمُبَالغَة فَلَمَّا طَال ذَلِك مِنْهَا قَالَ لَهَا المعتز يَا أمى ارفعى الْقَمِيص وَإِلَّا صَار قميصين فَعندهَا أَمْسَكت وَلم تعد لعادتها
[ ٨٦ ]
١٢٤ - (فَضَائِل على) يضْرب بهَا الْمثل فى الْكَثْرَة كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن مكرم لأبى على الْبَصِير فضولك وَالله أَكثر من فَضَائِل على
وَقَالَ الجاحظ لَا يعلم رجل فِي الأَرْض مَتى ذكر السَّبق فِي الْإِسْلَام والتقدم فِيهِ وَمَتى ذكرت النجدة والذب عَن الْإِسْلَام وَمَتى ذكر الْفِقْه فِي الدّين وَمَتى ذكر الزّهْد فِي الْأَمْوَال الَّتِي تتناجز النَّاس عَلَيْهَا وَمَتى ذكر الْإِعْطَاء فِي الماعون كَانَ مَذْكُورا فِي هَذِه الْخلال كلهَا إِلَّا على ﵁ وَكَانَ الْحسن يَقُول قد يكون الرجل عَالما وَلَيْسَ بعابد وعابدا وَلَيْسَ بعالم وعالما عابدا وَلَيْسَ بعاقل وَسليمَان بن يسَار عَالم عَابِد عَاقل فَانْظُر أَيْن تقع خلال سُلَيْمَان من خِصَال عَليّ
١٢٥ - (صدق أَبى ذَر) يضْرب بِهِ الْمثل ويروى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول (مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء بعد النَّبِيين أصدق لهجة من أَبى ذَر)
وَمن أَمْلَح مَا سَمِعت فى ضرب الْمثل بِهِ قَول الصاحب فى إِنْسَان كذوب الفاختة عِنْده أَبُو ذَر لِأَن الفاختة يضْرب بهَا الْمثل فى الْكَذِب وَأَبُو ذَر يضْرب بِهِ الْمثل فى الصدْق
١٢٦ - (مشْيَة أَبى دُجَانَة) هُوَ سماك بن خَرشَة الأنصارى
[ ٨٧ ]
﵁ كَانَ شجاعا بطلا قد تعود الْإِقْدَام حَيْثُ تزل الْأَقْدَام وَله آثَار جميلَة فى الْإِسْلَام وَكَانَت لَهُ مشْيَة عَجِيبَة فى الْخُيَلَاء وَنظر ﷺ إِلَيْهِ فى المعركة وَهُوَ يتبختر بَين الصفين فَقَالَ (إِن هَذِه مشْيَة يبغضها الله إِلَّا فى هَذَا الْمَكَان)
وَكَانَ يُقَال لَهُ ذُو المشهرة لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ مشهرة إِذا لبسهَا فِي الْحَرْب لَا يبْقى وَلَا يذر
١٢٧ - (دهاء مُعَاوِيَة) ذَلِك مِمَّا اشْتهر أمره وَسَار ذكره وَكَثُرت الرِّوَايَات والحكايات فِيهِ وَوَقع الْإِجْمَاع على أَن الدهاة أَرْبَعَة مُعَاوِيَة وَعَمْرو ابْن الْعَاصِ والمغيرة بن شُعْبَة وَزِيَاد بن أَبِيه ﵃ فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَة بِحَيْثُ هُوَ من الدهاء وَبعد الْغَوْر وانضم إِلَيْهِ الدهاة الثَّلَاثَة الَّذين يرَوْنَ بِأول آرائهم أَوَاخِر الْأُمُور فَكَانَ لَا يقطع أمرا حَتَّى يشهدوه وَلَا يستضىء فى ظلم الخطوب إِلَّا بمصابيح آرائهم سلم لَهُ أَمر الْملك وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الدُّنْيَا أزمتها وَصَارَ دهاؤه ودهاء أَصْحَابه الثَّلَاثَة مثلا وَلم يذكر مَعَهم فى الدهاء إِلَّا قيس بن سعد بن عبَادَة وَعبد الله بن بديل بن وَرْقَاء الخزاعى
١٢٨ - (فقه العبادلة) هم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَهَؤُلَاءِ من فُقَهَاء الصَّحَابَة وأثباتهم وعلمائهم وَمن أنبههم
وَمن عبادلتهم أَيْضا عبد الله بن جَعْفَر بن أَبى طَالب وَعبد الله بن أَبى بكر الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ
١٢٩ - (وَلِيمَة الْأَشْعَث) كَانَ الْأَشْعَث بن قيس بن معدى كرب
[ ٨٨ ]
الكندى ارْتَدَّ فى جملَة أهل الرِّدَّة فَلَمَّا أَتَى بِهِ لأبى بكر ﵁ أَسِيرًا استتابه وَأطْلقهُ وزوجه أُخْته أم فَرْوَة بنت أَبى قُحَافَة فَأصْبح صَبِيحَة الْبناء وَخرج شاهرا سَيْفه فَلم يلق ذَات أَربع مِمَّا يُؤْكَل لَحْمه إِلَّا عقرهَا فَقَالَ النَّاس هَذَا الْأَشْعَث قد ارْتَدَّ ثَانِيَة ثمَّ إِنَّه قَالَ يَا أهل الْمَدِينَة إِنَّا وَالله لَو كُنَّا ببلادنا لأولمنا فاجتزروا من هَذِه اللحمان وتصادقوا فى الْأَثْمَان فَلم يبْق دَار من دور الْمَدِينَة إِلَّا دَخلهَا من تِلْكَ اللحوم وَلم ير يَوْم أشبه بِيَوْم الْأَضْحَى من ذَلِك فَضرب أهل الْمَدِينَة الْمثل بوليمة الْأَشْعَث فَقَالُوا وَلِيمَة الْأَشْعَث وَأَوْلَمَ من الْأَشْعَث
١٣٠ - (حلم الْأَحْنَف) قَالَ الجاحظ قد ذكرُوا فى الْأَشْعَار حلم لُقْمَان ولقيم بن لُقْمَان وَذكروا قيس بن عَاصِم وَمُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان ورجالا كثيرا مَا رَأينَا هَذَا الِاسْم التزق بِأحد والتحم بِإِنْسَان وَظهر على الْأَلْسِنَة كَمَا رَأَيْنَاهُ تهَيَّأ للأحنف بن قيس ثمَّ كَانَ مَعَ ذَلِك رَئِيسا فى أَكثر تِلْكَ الْفِتَن فَلم ير حَاله عِنْد الْخَاصَّة والعامة وَعند النساك والفتاك وَعند الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والملوك المتغلبين وَلَا حَاله فى حَيَاته وَلَا حَاله بعد مَوته إِلَّا مستويا فينبغى أَن يكون قد سبقت لَهُ من النَّبِي ﷺ دَعْوَة وَقَالَ فِيهِ كَمَا رَوَوْهُ وذكروه أَو يكون قد كَانَ يضمر من حسن النِّيَّة وَمن شدَّة الْإِخْلَاص مَا لم يكن عَلَيْهِ أحد من نظرائه فَإِن قَالَ قَائِل تَزْعُمُونَ أَن عبد الْمطلب كَانَ أحلم النَّاس وَكَذَلِكَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قُلْنَا إِن الْأَحْنَف كَانَ الْحلم سيد عمله فَبَان حلمه من سَائِر أَعماله ومحاسن عبد الْمطلب وخصال الْعَبَّاس فى الْمجد والشرف كَانَت متكافئة مُتَسَاوِيَة كل خصْلَة مِنْهَا تنتصف من أُخْتهَا فَكَانَت كَمَا قَالَ الشَّاعِر
[ ٨٩ ]
(إنى غرضت إِلَى تناصف وَجههَا غَرَض الْمُحب إِلَى الحبيب الْغَائِب)
وَإِذا كَانَت الْخِصَال كَذَلِك لم يغلب على صَاحبهَا اسْم دون اسْم وَرجع الْأَمر إِلَى أَن يُسمى سيدا وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَسْمَاء الْخَاصَّة
١٣ - (زهد الْحسن) قَالَ الجاحظ كَانَ الْحسن رضى الله تَعَالَى عَنهُ يسْتَثْنى من كل غَايَة وَقَالُوا أزهد النَّاس إِلَّا الْحسن وأفقه النَّاس إِلَّا الْحسن وأفصح النَّاس إِلَّا الْحسن وأخطب النَّاس إِلَّا الْحسن وعَلى هَذَا كَانَ جَمِيع كَلَامهم
١٣ - (ورع ابْن سِيرِين) قَالَ الجاحظ كَانَ يُقَال زهد الْحسن وورع ابْن سِيرِين وعقل مطرف وَحفظ قَتَادَة وَكلهمْ من الْبَصْرَة قَالَ الشَّاعِر
(فَأَنت بِاللَّيْلِ ذِئْب لَا حَرِيم لَهُ وبالنهار على سمت ابْن سِيرِين)
لما لم يستقم لَهُ أَن يَقُول على ورع ابْن سِيرِين أَقَامَ السمت مقَامه وَأحسن وَهَذَا من لطائف الشّعْر
١٣٣ - (سجع الْمُخْتَار) كَانَ الْمُخْتَار بن أَبى عبيد الثقفى لَا يُوقف لَهُ على مَذْهَب كَانَ خارجيا ثمَّ صَار زبيريا ثمَّ صَار رَافِضِيًّا يَدْعُو إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَيطْلب بِدَم الْحُسَيْن ﵁ وتغلب على الْكُوفَة وَفعل الأفاعيل فَقيل لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق كَيفَ خرجت تَدْعُو إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَلم تعرف بالتشيع لَهُم فَقَالَ إنى رَأَيْت مَرْوَان وثب على الشَّام وَابْن الزبير على مَكَّة ونجدة على الْيَمَامَة وَابْن خازم على خُرَاسَان وَوَاللَّه مَا أَنا دونهم
[ ٩٠ ]
وَكَانَ يدعى أَنه يلهم ضربا من السجع لأمور تكون ثمَّ يحتال فيوقعها فَيَقُول للنَّاس هَذَا من عِنْد الله
وَلما قيل لِابْنِ عَبَّاس ﵄ إِن الْمُخْتَار يزْعم أَنه يُوحى إِلَيْهِ قَالَ صدق الْمُخْتَار يعْنى قَول الله عز ذكره ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾
وَقيل للمختار إِنَّك تَقول أَشْيَاء فَلَا تكون فَقَالَ ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾
فَمن أسجاعه أَنه قَالَ ذَات يَوْم لتنزلن من السَّمَاء نَار دهماء ولتحرقن دَار أَسمَاء فَذكر ذَلِك لأسماء بن خَارِجَة فَقَالَ أوقد سجع بى أَبُو إِسْحَاق هُوَ وَالله محرق دارى فَتَركه وَالدَّار وهرب من الْكُوفَة
وَقَالَ فى بعض سجعه أما والذى شرع الْأَدْيَان وحبب الْإِيمَان وَكره الْعِصْيَان لأقتلن ازدعمان وَجل قيس عيلان وتميما أَوْلِيَاء الشَّيْطَان حاشا النجيب ظبْيَان فَكَانَ ظبْيَان يَقُول لم أزل فى عصر الْمُخْتَار أتقلب آمنا
ويروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن لثقيف كذابا ومبيرا) فَقيل هما الْمُخْتَار وَالْحجاج
وفى الْمُخْتَار يَقُول أَبُو تَمام متمثلا
(والهاشميون اسْتَقَلت عبرهم من كربلاء بأعظم الأوتار)
(فشفاهم الْمُخْتَار مِنْهُ وَلم يكن فى دينه الْمُخْتَار بالمختار)
وَقَالَ أعشى هَمدَان فى أَيَّام ابْن الْأَشْعَث للحجاج
(إِن ثقيفا مِنْهُم الكذابان كذابها الماضى وَكَذَّاب ثَان)
[ ٩١ ]
وَمن ظريف مَا يحْكى من حيل الْمُخْتَار أَنه كَانَ عِنْده كرسى قديم الْعَهْد فغشاه بالديباج وَقَالَ هَذَا الكرسى من ذخائر أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب فضعوه فى حومة الْقِتَال وقاتلوا عَنهُ فَإِن مَحَله فِيكُم مَحل السكينَة فِي بني إِسْرَائِيل وَيُقَال إِنَّه كَانَ اشْتَرَاهُ من نجار بِدِرْهَمَيْنِ
وَلما وَجه الْمُخْتَار إِبْرَاهِيم الأشتر إِلَى حَرْب عبيد الله بن زِيَاد خرج يشيعه مَاشِيا فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم اركب يَا أَبَا إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ إنى أحب أَن تغبر قدماى فى نصْرَة آل مُحَمَّد ﷺ فشيعه فرسخين وَدفع إِلَى قوم من خاصته حمائم بيضًا ضخاما وَقَالَ لَهُم إِن رَأَيْتُمْ الْأَمر علينا فأرسلوها فى المعركة وَقَالَ للنَّاس إنى أجد فى مُحكم الْكتاب وفى الْيَقِين وَالصَّوَاب أَن الله مُمِدكُمْ بملائكة غضاب تأتى فى صور الْحمام دون السَّحَاب فَلَمَّا الْتَقت الفئتان وكادت الدبرة تكون على عَسْكَر ابْن الأشتر أرْسلت الحمائم الْبيض فتصايح النَّاس الْمَلَائِكَة الْمَلَائِكَة فتراجعوا فاسرع الْقَتْل فى أَصْحَاب عبيد الله ثمَّ انكشفوا وَوَضَعُوا السيوف فيهم حَتَّى أفنوهم فَقَالَ ابْن الأشتر لقد ضربت رجلا على شاطىء النَّهر وَرجع إِلَى سيفى تنفح مِنْهُ رَائِحَة الْمسك وَرَأَيْت لَهُ إقداما وجرأة فصرعته فشرقت يَدَاهُ وغربت رِجْلَاهُ فانظروا من هُوَ فنظروا فَإِذا هُوَ عبيد الله بن زِيَاد
١٣٤ - (زكن إِيَاس) هُوَ أَبُو وَاثِلَة إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَكَانَ قَاضِيا فائقا زكنا يضْرب بزكنه الْمثل وَلما أَرَادَ ابو تَمام أَن يتَمَثَّل بِهِ فى شعر لَهُ وَلم يستوله الْوَزْن أَن يذكر زكنه فى الْبَيْت أَقَامَ الذكاء مقَام الزكن فَقَالَ
(إقدام عَمْرو فى سماحة حَاتِم فى حلم أحنف فى ذكاء إِيَاس)
ولأبى الْحسن المدائنى كتاب مَقْصُور على زكن إِيَاس وإبراز نوادره
[ ٩٢ ]
وَحكى الجاحظ عَنهُ قَالَ كَانَ إِيَاس وَهُوَ صَغِير ضَعِيفا ضئيلا وَكَانَ لَهُ أَخ أَشد حَرَكَة مِنْهُ وَأقوى فَكَانَ مُعَاوِيَة أَبوهُ يقدمهُ على إِيَاس فَقَالَ لَهُ إِيَاس يَوْمًا يَا أَبَت إِنَّك تقدم أخى على وسأضرب لَك مثله ومثلى فَهُوَ مثل الْفروج حِين تنفلق عَنهُ الْبَيْضَة يخرج كاسيا كَافِيا نَفسه فيلقط ويستخفه النَّاس فَكلما كبر انْتقصَ حَتَّى إِذا تمّ فَصَارَ دجَاجَة لم يصلح إِلَّا للذبح وَأَنا مثل فرخ الْحمام تنفلق عَنهُ الْبَيْضَة عَن شىء سَاقِط لَا يقدر على حَرَكَة وَأَبَوَاهُ يغذيانه حَتَّى يقوى وَيثبت ريشه ثمَّ يحسن بعد ذَلِك ويطير ويتخذه النَّاس ويرسلونه من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة فيجىء فيصان لذَلِك وَيكرم ويشترى بالأثمان الغالية فَقَالَ لَهُ أَبوهُ لقد أَحْسَنت الْمثل فقدمه على أَخِيه فَوجدَ عِنْده أَكثر مِمَّا ظن مِنْهُ بِهِ وَخرج إِيَاس باقعة مُنْقَطع النظير
وَزعم الأصمعى أَن إياسا نظر إِلَى رجل من ثَقِيف أَبيض بض فَقَالَ لَهُ أهندية أمك قَالَ لَا وَالله مَا ضربت فى هندية وَلَا هندى قطّ بعرق قَالَ بلَى وَالله وَإِن جهلت وإنى لأرى فِيك آثَار ذَلِك قَالَ لَا وَالله إِلَّا اللَّبن والحضانة فَإِن خادمه هندية كَانَت لأمى أرضعتنى مُدَّة مديدة قَالَ فَمن ذَلِك
وَقَالَ المدائنى حج إِيَاس فَسمع نباح كلب فَقَالَ هَذَا كلب مشدود ثمَّ سمع نباحه فَقَالَ قد أرسل فَلَمَّا انْتَهوا من المَاء سَأَلُوا أَهله فَكَانَ كَمَا قَالَ فَقيل لَهُ كَيفَ علمت أَنه موثق وَأَنه قد أطلق فَقَالَ كَانَ نباحه
[ ٩٣ ]
وَهُوَ موثق يسمع من مَكَان وَاحِد فَلَمَّا أطلق سمعته يقرب مرّة وَيبعد أُخْرَى ويتصرف فى ذَلِك
وَمر ذَات لَيْلَة بِمَاء فَقَالَ أسمع صَوت كلب غَرِيب فَقيل لَهُ كَيفَ عرفت ذَلِك قَالَ بخضوع صَوته وَشدَّة نباح الآخر فسألوا عَنهُ فَإِذا كلب غَرِيب وَإِذا كلب ينبحه
وَقَالَ رجل لإياس أَنا أصنع مثل مَا تصنع فَنظر إِيَاس إِلَى صدع فى الأَرْض فَقَالَ مَا فى هَذَا الصدع قَالَ لَا أدرى وَمَا أرى شَيْئا قَالَ إِيَاس فِيهِ دَابَّة فنظروا فَإِذا فِيهِ دَابَّة فَقَالَ إِيَاس إِن الأَرْض لَا تنصدع إِلَّا عَن دَابَّة أَو نَبَات
وَنظر يَوْمًا بواسط فى الرحبة إِلَى آجرة فَقَالَ تَحت هَذِه الآجرة دَابَّة فتزعوها فَإِذا تحتهاحية مطوقة فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ إنى رَأَيْت مَا بَين الآجرتين نديا من بَين جَمِيع الرحبة فَعلمت أَن تحتهَا شَيْئا يتنفس
وَرَأى أثر رعى بعير فَقَالَ هَذَا بعير أَعور فنظروا فَكَانَ كَمَا قَالَ فَقيل لَهُ من أَيْن علمت هَذَا فَقَالَ لأنى وجدت رعيه من جِهَة وَاحِدَة
[ ٩٤ ]
١٣٥ - (شجة عبد الحميد) تضرب مثلا للعورة تصيب الْإِنْسَان الْجَمِيل فَلَا تشينه بل تزيده حسنا فَكَانَ عبد الحميد بن عبد الله بن عمر ابْن الْخطاب من أجمل أهل دهره فاصابته شجة فى وَجهه فَلم تشنه بل استحسنها النَّاس وَكَانَ النِّسَاء يخططن فى وجوههن شجة عبد الحميد وَالله أعلم
[ ٩٥ ]
الْبَاب السَّادِس فى ذكر رجالات الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مختلفى الألقاب والمراتب مضافين إِلَى أَشْيَاء مُخْتَلفَة يضْرب بأكثرهم الْأَمْثَال
قُرَيْش الأباطح
شيبَة الْحَمد
حَاتِم طَيء
كُلَيْب وَائِل
زيد الْخَيل
ملاعب الأسنة
سحبان وَائِل
أزواد الركب
عُرْوَة الصعاليك
أَبُو عُرْوَة السبَاع
سعد الْعَشِيرَة
سعد الْمَطَر
دعيميص الرمل
سليك المقانب
عراف الْيَمَامَة
شيخ مهو
حنيف الحناتم
وَافد البراجم
يسَار الكواعب
طفيل العرائس
سعد القرقرة
وضاح الْيمن
مَجْنُون بنى عَامر
شيخ المضيرة
أَمِين الْأمة
حوارى النَّبِي
ربانى الْأمة
أشج بنى أُميَّة
جَبَّار بنى الْعَبَّاس