١٧٦ - (حِكْمَة لُقْمَان) قَالَ الله ﷿ ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة﴾ وَحكى عَنهُ مواعظه ووصاياه لِابْنِهِ وَنسب إِلَيْهِ سُورَة من كِتَابه فَمَا الظَّن بِمن ثَبت الله لَهُ حكمته وارتضى كَلَامه أَلَيْسَ حَقِيقا ان يضْرب بِهِ الْمثل ويروى أَنه كَانَ عبدا حَبَشِيًّا لرجل من بنى إِسْرَائِيل فَأعْتقهُ وَأَعْطَاهُ مَالا وَذَلِكَ فِي زمن دَاوُد ﵇
[ ١٢٤ ]
وَلم يكن لُقْمَان نَبيا فِي قَول أَكثر النَّاس وَعَن سعيد بن الْمسيب أَن لُقْمَان النبى كَانَ خياطا
قَالَ وهب بن مُنَبّه قَرَأت من حكمته نَحوا من عشرَة الآف بَاب لم يسمع النَّاس كلَاما أحسن مِنْهَا ثمَّ نظرت فرايت النَّاس قد أدخلوها فى كَلَامهم واستعانوا بهَا فِي خطبهم ورسائلهم ووصلوا بهَا بلاغتهم وَقد أَكْثرُوا من ضرب الْمثل بِحِكْمَتِهِ كَمَا قَالَ السّري وَهُوَ يمدح أَبَا مُحَمَّد الْفَيَّاض الْكَاتِب
(أَخُو حكم إِذا بدأت وعادت حكمن بعجز لُقْمَان الْحَكِيم)
(ملكت خطامها فعلوت قسا برونقها وَقيس بن الخطيم)
وَمن محَاسِن مواعظه لِابْنِهِ قَوْله لَهُ يَا بنى بِعْ دنياك بآخرتك تربحهما جَمِيعًا يَا بنى إياك وَصَاحب السوء فَإِنَّهُ كالسيف يحسن منظره ويقبح أَثَره يَا بنى لَا تكن النملة أَكيس مِنْك تجمع فِي صيفها لشتائها يَا بنى لَا يكن الديك أَكيس مِنْك يُنَادى بالأسحار وَأَنت نَائِم يَا بنى إياك وَالْكذب فَإِنَّهُ أشهى من لحم العصفور يَا بنى إِن الله تَعَالَى يحيى الْقُلُوب الْميتَة بِنور الْحِكْمَة كَمَا يحيى الأَرْض بالمطر يَا بنى لَا تقرب السُّلْطَان إِذا غضب وَالنّهر إِذا مد يَا بنى أَتَّخِذ تقوى الله بضَاعَة تأتك الأرباح من غير تِجَارَة يَا بنى شاور من جرب الْأُمُور فَإِنَّهُ يعطيك من رَأْيه مَا قَامَ عَلَيْهِ بالغلاء وَأَنت تَأْخُذهُ بالمجان يَا بنى كذب من قَالَ إِن الشَّرّ يطفأ بِالشَّرِّ فَإِن كَانَ صَادِقا فليوقد نارين ثمَّ لينْظر هَل تطفأ إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى وَإِنَّمَا يُطْفِئ الْخَيْر الشَّرّ كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار
١٧٧ - (رأى سطيح) سطيح الكاهن كَانَ يطوى كَمَا تطوى الْحَصِير وَيتَكَلَّم بِكُل أعجوبة فِي الكهانة وَكَذَلِكَ شقّ الكاهن وَكَانَ نصف إِنْسَان قَالَ ابْن الرومى متمثلا برأى سطيح
[ ١٢٥ ]
(وَإِذا ارتأى رَأيا فأثقب نَاظر نظرا وأبعده مدى تطويح)
(تبدى لَهُ سر الْعُيُون كهَانَة يُوحى بهَا رأى كرأى سطيح)
(سبقت بحنكته التجارب فَظَنهُ كالشوكة استغنت عَن التَّنْقِيح)
وَقَالَ أَيْضا وذكرهما مَعًا
(لَك رأى كَأَنَّهُ رأى شقّ وسطيح قريعى الْكُهَّان)
(يسْتَشف الغيوب عَمَّا توارين بِعَين جلية الْإِنْسَان)
١٧٨ - (جود كَعْب) قَالَ الجاحظ الْعَامَّة تحكم بِأَن حاتما الطائى أَجود الْعَرَب وَلَو قَدمته على هرم فِي الْجُود لما اعْترض عَلَيْهِم وَلَكِن الذى يحدث بِهِ عَن حَاتِم لَا يبلغ مِقْدَار مَا رَوَوْهُ عَن كَعْب لِأَن كَعْبًا بذل النَّفس حَتَّى أعطبه الْكَرم وبذل المجهود فِي المَال فساوى حاتما من هَذَا الْوَجْه وباينه ببذل المهجة وَمن حَدِيثه أَنه خرج فِي ركب فيهم رجل من النمر ابْن قاسط فِي شهر ناجر فضلوا وعطشوا فتصافنوا مَاءَهُمْ والتصافن أَن تطرح حَصَاة فِي الْقَعْب والتفت كَعْب فأبصر النمرى يحدق النّظر إِلَيْهِ فآثره بِمِائَة وَقَالَ للساقى اسْقِ أَخَاك النمرى فَشرب النمرى نصيب كَعْب ذَلِك الْيَوْم ثمَّ نزلُوا الْمنزل الآخر فتصافنوا بَقِيَّة مَائِهِمْ وَنظر النمرى إِلَى كَعْب كنظر أمسه فَقَالَ كَعْب كَقَوْل أمسه وارتحل الْقَوْم وَقَالُوا ارتحل يَا كَعْب فَلم يكن بِهِ قُوَّة للنهوض وَكَانُوا قد قربوا من المَاء فَقيل لَهُ رد يَا كَعْب إِنَّك وَارِد فعجز عَن الْجَواب ثمَّ فاضت نَفسه النفسية
وَقد أَكثر النَّاس التمثل بِهِ وَمن أبدعه قَول الصاحب
(وَمَا نَالَ كَعْب فِي السماحة كَعبه )
[ ١٢٦ ]
١٧٩ - (بخل مادر) هُوَ رجل من بنى هِلَال بن عَامر يضْرب بِهِ الْمثل بلغ من بخله انه سقى إبِله فبقى فِي الْحَوْض مَاء قَلِيل فسلح فِيهِ ومدر الْحَوْض بالسلح أى لطخه
وَأحسن من هَذَا القَوْل مَا قَرَأت للصاحب فِي رِسَالَة مداعبة قَوْله اعْلَم يَا أخى أَنَّك جِئْت فِي اللؤم بنادر لم تهتد لَهُ فطنه مادر
وَكَانَ يأتى المَاء حَتَّى إِذا روى وأروى ملأَهُ مدرا ضنا على غَيره بوروده
١٨٠ - (بلاغة قس) قد تقدم ذكره وَذكر ضرب الْمثل ببلاغته وخطابته فِي الْبَاب الذى قبل هَذَا الْبَاب وَهُوَ أشهر من أَن يُعَاد حَدِيثه
١٨ - (عى بَاقِل) حَدِيثه مَشْهُور وَهُوَ أَنه اشْترى ظَبْيًا بِأحد عشر درهما فَمر بِقوم فَقَالُوا لَهُ بكم أخذت الظبى فَمد يَدَيْهِ وَأخرج لِسَانه يُرِيد بأصابعه عشرَة دَرَاهِم وبلسانه درهما فشرد الظبى حِين مد يَدَيْهِ وَكَانَ الظبى تَحت إبطه فَجرى الْمثل بعيه وَقيل أَشد عيا من بَاقِل كَمَا قيل أبلغ من سحبان وَائِل
١٨ - (جَار أَبى دَاوُد) كَانَ كَعْب بن مامة إِذا جاوره رجل قَامَ لَهُ بِكُل مَا يصلحه وَعِيَاله وحماه مِمَّن يُريدهُ وَإِن هلك لَهُ بعير أَو شَاة أَو عبد أخلف عَلَيْهِ وَإِن مَاتَ وداه فجاوره أَبُو دَاوُد الأيادى الشَّاعِر فَكَانَ يفعل بِهِ ذَلِك وَيزِيد فِي بره فَصَارَت الْعَرَب إِذا حمدت جارا يحسن جواره قَالُوا كجار أَبى دَاوُد قَالَ قيس بن زُهَيْر
[ ١٢٧ ]
(أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوى إِلَى جَار كجار أَبى دَاوُد)
وَكَانَ أَبُو دَاوُد يفعل بجيرانه مثل مَا فعل كَعْب بِهِ ولبعض أهل الْعَصْر فِي االتمثيل بِهِ
(وعجزى بَان عَن وصف الأيادى كجار أَبى دَاوُد للإيادى)
١٨٣ - (جليس قعقاع) هُوَ الْقَعْقَاع بن شور الذهلي كَانَ إِذا جالسه وَاحِد بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ جعل لَهُ نَصِيبا من مَاله وأعانه على عدوه وشفع لَهُ فى حَوَائِجه وَغدا إِلَيْهِ بعد المجالسة شاكرا لَهُ وَدخل الْقَعْقَاع على مُعَاوِيَة ﵁ يَوْمًا ومجلسه غاص بأَهْله فَلم يجد موضعا فأوسع لَهُ بعض جُلَسَائِهِ حَتَّى جلس بجنبه ثمَّ أَمر مُعَاوِيَة للقعقاع بِمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ الْقَعْقَاع لجليسه اقبضها فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ الرجل خُذ مَالك فَقَالَ مَا دَفعته إِلَيْك وَأَنا أُرِيد أسترجعه مِنْك فَقَالَ الرجل فِي ذَلِك
(وَكنت جليس قعقاع بن شور وَلَا يشقى بقعقاع جليس)
(ضحوك السن إِن نطقوا بِخَير وَعند الشَّرّ مطراق عبوس)
وَكَانَ الرجل يُجَالس بنى مَخْزُوم فسعوا بِهِ وَزَعَمُوا أَنه يَقع فِي الْوُلَاة فَقَالَ الرجل
(شقيت بكم وَكنت لكم جَلِيسا وَلست جليس قعقاع بن شور)
(وقبلكم أَبُو جهل أخوكم غزا بَدْرًا بمجمرة وتور)
١٨٤ - (فتكة البراض) هُوَ البراض بن قيس الكنانى أحد فتاك الْعَرَب االذين يضْرب بهم الْمثل فِي الفتك كالحارث بن ظَالِم وَعَمْرو بن كُلْثُوم
[ ١٢٨ ]
والجحاف بن حَكِيم وَمن خبر فتكه البراض أَنه كَانَ وَهُوَ فِي حيه عيارا فاتكا يجنى الْجِنَايَات على أَهله فخلعه قومه وتبرءوا من صنعه ففارقهم وَقدم مَكَّة مُخَالف حَرْب بن أُميَّة ثمَّ نبا بِهِ الْمقَام بِمَكَّة أَيْضا فَفَارَقَ الْحجاز إِلَى الْعرَاق وَقدم على النُّعْمَان بن المندر فَقَامَ بِبَابِهِ وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر يبْعَث كل عَام إِلَى عكاظ بلطيمة لتباع لَهُ هُنَاكَ فَقَالَ وَعِنْده البراض والرحال وَهُوَ عُرْوَة بن عتبَة من يُجِيز لى لطيمتى حَتَّى يقدمهَا عكاظ فَقَالَ البراض أَبيت اللَّعْن أَنا مجيزها على كنَانَة فَقَالَ النُّعْمَان مَا أُرِيد إِلَّا رجلا يجيزها على الْحَيَّيْنِ قيس وكنانة فَقَالَ عُرْوَة الرّحال أَبيت اللَّعْن أَهَذا الْعيار الخليع يكمل أَن يُجِيز لطيمة الْملك أَنا وَالله أجيزها على أهل الشَّيْخ والقيصوم من نجد وتهامة فَقَالَ خُذْهَا فَأَنت لَهَا فَرَحل عُرْوَة بهَا وَتبع البراض أَثَره حَتَّى إِذا صَار بَين ظهرانى قومه وثب إِلَيْهِ البراض بِسَيْفِهِ فَضَربهُ ضَرْبَة خر مِنْهَا وَاسْتَاقَ العير فَصَارَت فتكة البراض مثلا قَالَ أَبُو تَمام
(والفتى من تعرقته الليالى والفيافى كالحية النضناض)
(كل يَوْم لَهُ بِصَرْف الليالى فتكة مثل فتكة البراض)
وَكَانَ يُقَال فتكات الْجَاهِلِيَّة ثَلَاث وفتكات الْإِسْلَام اثْنَتَانِ فَأَما فتكات الْجَاهِلِيَّة ففتكه البراض بِعُرْوَة وفتكة الْحَارِث بن ظَالِم بِخَالِد بن جَعْفَر بن كلاب فتك بِهِ وَهُوَ فى جوَار الْأسود بن الْمُنْذر الْملك فَقتله وَطَلَبه
[ ١٢٩ ]
الْملك فأعجزه وفتكة عَمْرو بن كُلْثُوم بِعَمْرو بن هِنْد الْملك فتك بِهِ وَقَتله فِي دَار ملكه بَين الْحيرَة والفرات وهتك سرادقه وانتهب رَحْله وخزائنه وَانْصَرف بالتغالبة إِلَى بادية الشَّام موفورا وَلم يصب أحد من أَصْحَابه وَأما فتكتا الْإِسْلَام ففتكه عبد الْملك بن مَرْوَان بِعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ وَفِيه قيل
(كَأَن بنى مَرْوَان إِذْ يقتلونه بغاث من الطير اجْتَمعْنَ على صقر)
وفتكة الْمَنْصُور بأبى مُسلم
١٨٥ - (حَدِيث خرافة) خرافة رجل من بنى عذرة استهوته الْجِنّ فَلَمَّا خلت عَنهُ رَجَعَ إِلَى قومه وَجعل يُحَدِّثهُمْ بالأعاجيب من أَحَادِيث الْجِنّ فَكَانَت الْعَرَب إِذا سَمِعت حَدِيثا لَا أصل لَهُ قَالَت حَدِيث خرافة وضربه ابْن الزِّبَعْرَى مثلا بالْكفْر بِالْبَعْثِ حَيْثُ قَالَ
(حَيَاة ثمَّ موت ثمَّ نشر حَدِيث خرافة يَا أم عَمْرو)
ثمَّ كثر هَذَا فِي كَلَامهم حَتَّى قيل للأباطيل والترهات خرافات
ويروى أَن رجلا تحدث بَين يدى رَسُول الله ﷺ بِحَدِيث فَقَالَت امْرَأَة من نِسَائِهِ هَذَا حَدِيث خرافة فَقَالَ ﷺ (لَا وخرافة حق) \ ح \
ويروى أَن الْجِنّ لما استهوته كَانَت تخبره بِمَا يَقع إِلَيْهِم من أَخْبَار السَّمَاء عِنْد استراقهم السّمع فيخبر بِهِ خرافة أهل الأَرْض فيجدونه كَمَا قَالَ
[ ١٣٠ ]
١٨٦ - (مواعيد عرقوب) يضْرب بهَا الْمثل فِي الْكَذِب وَالْخلف وعرقوب رجل من خَيْبَر وَيُقَال إِنَّه من العمالقة أَتَاهُ أَخُوهُ يسْأَله فَقَالَ لَهُ عرقوب إِذا أطلعت تِلْكَ النَّخْلَة فلك طلعها فَلَمَّا أطلعت أَتَاهُ للعدة فَقَالَ لَهُ دعها حَتَّى تبلح فَلَمَّا أبلحت أَتَاهُ فَقَالَ دعها حَتَّى تزهى فَلَمَّا زهت قَالَ دعها حَتَّى ترطب فَلَمَّا أرطبت قَالَ دعها حَتَّى تتمر فَلَمَّا اتمرت سرى إِلَيْهَا عرقوب من اللَّيْل فجدها وَلم يُعْط أَخَاهُ شَيْئا فسارت مواعيده مثلا سائرا فِي الْأَمْثَال كَمَا قَالَ كَعْب بن زُهَيْر
(صَارَت مواعيد عرقوب لَهَا مثلا وَمَا مواعيدها إِلَّا الأباطيل)
(فَلَيْسَ تنجز ميعادا إِذا وعدت إِلَّا كَمَا يمسك المَاء الغرابيل)
وَقَالَ الشماخ
(وعدت وَكَانَ الْخلف مِنْك سجية مواعيد عرقوب أَخَاهُ بيترب)
وَمِمَّا نقم بِهِ عَمْرو بن هِنْد على المتلمس حَتَّى أَمر فِيهِ بِمَا أَمر قَوْله فِي هجائه
[ ١٣١ ]
(وطردتنى حذر الهجاء وَلَا وَاللات والأنصاب لَا تئل)
(شَرّ الْمُلُوك وشرهم حسبا فِي النَّاس من عزوا وَمن جهلوا)
(من كَانَ خلف الْوَعْد شيمته والغدر عرقوب لَهُ مثل)
وَقَالَ الصنوبرى فِي نظم قصَّة عرقوب
(قَالُوا لنا نَخْلَة وَقد طلعت نخلتها فاصطبر لطلعتها)
(حَتَّى إِذا صَار طلعها بلحا قَالُوا توقع بُلُوغ بسرتها)
(حَتَّى إِذا بسرها غَدا رطبا فازوا بأعداقها برمتها)
(عدمتها نَخْلَة كنخلة عرقوب وَمن قصَّة كقصتها)
وقرأت لبَعض الْكتاب فصلا فى الشكوى استظرفت مِنْهُ قَوْله وَقد حصلت على أحزان يَعْقُوب ومواعيد عرقوب
١٨٧ - (وَفَاء السموءل) هُوَ ابْن عادياء اليهودى الْقَائِل
(إِذا الْمَرْء لم يدنس من اللؤم عرضه فَكل رِدَاء يرتديه جميل)
وَمن وفائه أَن امْرأ الْقَيْس بن حجر الكندى لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الرّوم استودع السموءل دروعا لَهُ فَلَمَّا هلك امْرُؤ الْقَيْس غزا ملك من مُلُوك الشَّام السموءل فتحصن مِنْهُ فِي حصنه فَأخذ الْملك ابْنا لَهُ خَارج الْحصن وَقَالَ لَهُ إِمَّا أَن تفرج عَن وَدِيعَة امْرِئ الْقَيْس وَإِمَّا أَن أقتل ابْنك فَامْتنعَ من تَسْلِيم
[ ١٣٢ ]
الْوَدِيعَة فذبح الْملك ابْنه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ ثمَّ انْصَرف ووافى السموءل بالدروع الْمَوْسِم فَدَفعهَا إِلَى وَرَثَة امْرِئ الْقَيْس وَقَالَ
(بنى لى عاديا حصنا منيعا وَمَاء كلما شِئْت استقيت)
(وفيت بأدرع الكندى إنى إِذا مَا خَان أَقوام وفيت)
(وَقَالُوا إِنَّه كنز رغيب وَلَا وَالله أغدر مَا مشيت)
وَقد أَكثر النَّاس من ضرب الْمثل بِهِ فَمن ذَلِك قَول الْأَعْشَى
(كن كالسموءل إِذْ طَاف الْهمام بِهِ فِي جحفل كسواد اللَّيْل جرار)
(بالأبلق الْفَرد من تيماء منزله حصن حُصَيْن وجار غير غدار)
(ورامه الْخَسْف تهديدا فَقَالَ لَهُ مهما تقله فإنى سامع حَار)
(فَقَالَ غدر وثكل أَنْت بَينهمَا فاختر وَمَا فيهمَا حَظّ لمختار)
(فَشك غير طَوِيل ثمَّ قَالَ لَهُ اقْتُل أسيرك إنى مَانع جارى)
١٨٨ - (ندامة الكسعى) هُوَ محَارب بن قيس وَمن حَدِيثه انه كَانَ يرْمى إبِلا لَهُ فَبَصر بنبعة فِي صَخْرَة فَأَعْجَبتهُ وَقَالَ ينبغى أَن تكون هَذِه قوسا فَجعل يتعهدها ويرقبها حَتَّى إِذا أدْركْت قطعهَا وجففها فَلَمَّا جَفتْ أَتَّخِذ مِنْهَا قوسا وأسهما ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى غرَّة على موارد حمير وَحش
[ ١٣٣ ]
فكمن لَيْلًا فِيهَا فَمر قطيع مِنْهَا فَرَمَاهُ فمرق مِنْهُ السهْم فَظن أَنه أَخطَأ ثمَّ لم يزل يفعل ذَلِك حَتَّى أفنى الأسهم الْخَمْسَة فِي خَمْسَة أعيار وَقد أَصَابَهَا كلهَا وَهُوَ يظنّ أَنه أخطأها فَأَنْشَأَ يَقُول
(أبعد خمس قد حفظت عدهَا أحمل قوسى فَأُرِيد ردهَا)
(أخزى الْإِلَه لينها وشدها وَالله لَا تسلم عندى بعْدهَا)
(وَلَا أَرْجَى مَا حييت رفدها )
ثمَّ عمد إِلَى الْقوس فَضرب بهَا حجرا وَكسرهَا ونام فَلَمَّا اصبح نظر إِلَى الأعيار مصرعة حوله وأسهمه مضرجة فندم على كسر الْقوس فَشد على إبهامه فقطعها وَأَنْشَأَ يَقُول
(نَدِمت ندامة لَو أَن نفسى تطاوعنى إِذن لَقطعت خمسى)
(تبين لى سفاه الرأى منى لعمر وَأَبِيك حِين كسرت قوسى)
وسارت ندامته مثلا فِي كل نادم على مَا جنته يَدَاهُ كَمَا قَالَ الفرزدق لما طلق امْرَأَته نوار وَنَدم عَلَيْهَا
(نَدِمت ندامة الكسعى لما غَدَتْ منى مُطلقَة نوار)
(وَكنت كفاقئ عَيْنَيْهِ جهلا فَأصْبح لَا يضئ لَهُ نَهَار)
(وَكَانَت جنتى فَخرجت مِنْهَا كآدم حِين لج بِهِ الْفِرَار)
وَقَالَ آخر
(نَدِمت ندامة الكسعى لما رَأَتْ عَيْنَاك مَا صنعت يداك)
١٨٩ - (عَدو السليك) هُوَ السليك بن السلكة الذى يُقَال لَهُ
[ ١٣٤ ]
سليك المقانب وَقد تقدم ذكره وَالْعرب تضرب بِهِ الْمثل وتزعم أَنه والشنفرى أعدى من رئى ويحكى كثير عَن سبقهما الأفراس وصيدهما الظباء عدوا وَالله أعلم بصدقه أَو كذبه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة العداءون من الْعَرَب السليك والشنفرى والمنتشر بن وهب وأوفى بن مطر وَلَكِن الْمثل سَار من بَينهم بالسليك
١٩٠ - (صَفْقَة أَبى غبشان) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الخسران وَكَانَت خُزَاعَة سدنة الْكَعْبَة قبل قُرَيْش وَكَانَ أَبُو غبشان الخزاعى يَلِي من بَينهم أَمر الْكَعْبَة وَبِيَدِهِ مفاتيحها فاتفق لَهُ أَنه اجْتمع مَعَ قصى بن كلاب فى شرب بِالطَّائِف فخدعه قصى عَن مَفَاتِيح الْكَعْبَة بِأَن أسكره ثمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بزق خمر وَأشْهد عَلَيْهِ وَدفع المفاتيح فِي يَد ابْنه عبد الدَّار بن قصى وسرحه إِلَى مَكَّة فَلَمَّا أشرف عبد الدَّار على دور مَكَّة رفع عقيرته وَقَالَ يَا معاشر قُرَيْش هَذِه مَفَاتِيح بَيت أبيكم إِسْمَاعِيل قد ردهَا الله عَلَيْكُم من غير غدر وَلَا ظلم وأفاق أَبُو غبشان من سكره نَادِما خاسرا فَقَالَ النَّاس أَحمَق من أَبى غبشان وأندم من أَبى غبشان وأخسر صَفْقَة من أَبى غبشان فَذَهَبت الْكَلِمَات الثَّلَاث أَمْثَالًا وَأَكْثَرت الشُّعَرَاء القَوْل فِيهِ فَقَالَ بَعضهم
(باعت خُزَاعَة بَيت الله إِذْ سكرت بزق خمر فَمَا فازت وَلَا ربحت)
وَقَالَ آخر
(أَبُو غبشان أظلم من قصى وأظلم من بنى فهر خُزَاعَة)
(فَلَا تلحوا قصيا فى شراها ولوموا شيخكم إِذْ كَانَ بَاعه)
وَقَالَ آخر
(إِذا افتخرت خُزَاعَة فِي قديم وجدنَا فخرها شرب الْخُمُور)
[ ١٣٥ ]
(وبيعا كعبة الرَّحْمَن حمقا بزق بئس مفتخر الفخور)
١٩ - (قبر أَبى رِغَال) أَبُو رِغَال هُوَ الذى كَانَ يرْجم النَّاس قَبره إِذا أَتَوا مَكَّة وَكَانَ وَجهه فِيمَا يَزْعمُونَ أَن صَالحا النبى ﵇ أمره على صدقَات الْأَمْوَال فَخَالف أمره وأساء السِّيرَة فَوَثَبت عَلَيْهِ ثَقِيف فَقتلته قتلا شنيعا وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك لسوء سيرته فى أهل الْحرم وَقد ذكره الشُّعَرَاء فَأَكْثرُوا قَالَ مِسْكين الدارمى
(وأرجم قَبره فِي كل عَام كرجم النَّاس قبر أَبى الرغال)
وَقَالَ جرير
(إِذا مَاتَ الفرزدق فارجموه كرجم النَّاس قبر أَبى رِغَال)
وَأنْشد الجاحظ للْحكم بن عَمْرو البهرانى
(والذى كَانَ يكتنى برغال جعل الله قَبره شَرّ قبر)
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لغيلان بن سَلمَة حِين أعتق عبيده وَجعل مَاله فِي رتاج الْكَعْبَة لَئِن لم ترجع فِي مَالك لأرجمن قبرك كَمَا يرْجم قبر أَبى رِغَال
١٩ - (نفس عِصَام) يضْرب مثلا لمن يشرف بالأكتساب لَا بالأنتساب ويسود بِنَفسِهِ لَا بقَوْمه وعصام هُوَ الباهلى الذى يَقُول مِنْهُ النَّابِغَة
[ ١٣٦ ]
(نفس عِصَام سودت عصاما وعلمته الْكر والإقداما)
(وَجَعَلته ملكا هماما)
وَكَانَ عِصَام هَذَا حَاجِب الْملك النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَعرض للنعمان مرض احتجب فِيهِ عَن النَّاس حَتَّى أرجفوا بِهِ وَلما تعذر وُصُول النَّابِغَة إِلَيْهِ قَالَ فِيهِ قصيدة مِنْهَا قَوْله لعصام
(فإنى لَا ألومك فِي دُخُول فَقل لى ماوراءك يَا عِصَام)
(ألم أقسم عَلَيْك لتخبرنى أمحمول على النعش الْهمام)
(فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام)
قَالَ الجاحظ وَإِنَّمَا مدحه ليستأذن لَهُ وليوصله وَلم يمدحه لعظم الحجابة فِي عينه وَمَعْلُوم كَيفَ قدر حَاجِب الْملك الْيَوْم
وَكَانَ الْأَمِير إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السامانى يَقُول كن عصاميا وَلَا تكن عظاميا اى سد بشرف نَفسك كَمَا سَاد عِصَام وَلَا تتكل على سؤدد آبَائِك الَّذين مَاتُوا وصاروا عظاما نخرة فَإِن الشَّاعِر يَقُول
(إِذا مَا الحى عَاشَ بِعظم ميت فَذَاك الْعظم حى وَهُوَ ميت)
١٩٣ - (يدا عدل) هُوَ عدل بن سعد الْعَشِيرَة كَانَ على شرطة تبع وَكَانَ تبع إِذا أَرَادَ قتل رجل دَفعه إِلَيْهِ فَجرى الْمثل بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ النَّاس يَقُولُونَ للشئ الذى ييئسون مِنْهُ هُوَ على يدى عدل
[ ١٣٧ ]
وعهدى بأبى بكر الخوارزمى يَقُول عِنْد ذمّ الْعُدُول مَا وَقع فى يدى عدل فَهُوَ على يدى عدل
١٩٤ - (هوان قعيس) قَالَ الجاحظ كَانَ قعيس عِنْد عمته فِي لَيْلَة مطر وقر وَكَانَ قد أَتَى بَيتهَا ضيفا فأدخلت كلبها إِلَى الْبَيْت وَتركت قعيسا فِي الْمَطَر فَمَاتَ من الْبرد
وَذكر الشرقى بن القطامى ان قعيس بن مقاعس من بنى تَمِيم وَأَنه لما مَاتَ أَبوهُ حَملته عمته إِلَى صَاحب بر فرهنته على صَاع من بر وَلم تفكه حَتَّى غلق الرَّهْن واستعبده الحناط فَصَارَ عبدا لَهُ فَصَارَ هوان قعيس مثلا كَمَا قَالَ جحظة البرمكى ويروى انه لمنصور الْفَقِيه
(إِذا مَا الْبَخِيل ثوى فِي الثرى خرى وارثوه على حفرته)
(هوان الْبَخِيل على أَهله هوان قعيس على عمته)
١٩٥ - (ميتَة أَبى خَارِجَة) سمع أعرابى يَقُول وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة اللَّهُمَّ ميتَة كَمَا مَاتَ أَبُو خَارِجَة فَقيل لَهُ كَيفَ كَانَت ميتَة أَبى خَارِجَة فَقَالَ أكل بذجا وَشرب مشعلا ونام شامسا فَأَتَتْهُ منيته شعْبَان رَيَّان دفآن
[ ١٣٨ ]
١٩٦ - (جَزَاء سنمار) يضْرب بِهِ الْمثل للمحسن يكافأ بالإساءة وَكَانَ سنمار الرومى مَشْهُورا بِبِنَاء المصانع والحصون والقصور للملوك فَبنى الخورنق على فرات الْكُوفَة للنعمان بن امْرِئ الْقَيْس فِي مُدَّة عشْرين سنة فَكَانَ يبْنى مُدَّة ويغيب مُدَّة يُرِيد بذلك أَن يطمئن الْبُنيان ويتمكن فَلَمَّا فرغ مِنْهُ وصعده النُّعْمَان وَهُوَ مَعَه وَرَأى الْبر وَالْبَحْر وَرَأى صيد الضباب والظباء وَالْحمير وَرَأى صيد الْحيتَان وصيد الطير وَسمع غناء الملاحين واصوات الحداة أعجبه حسن الْبناء وَطيب مَوْضِعه فَقَالَ سنمار عِنْد ذَلِك متقربا إِلَيْهِ بالحذق وَحسن الْمعرفَة أَبيت اللَّعْن وَالله إنى لأعرف فى أَرْكَانه مَوضِع حجر لَو زَالَ لزال جَمِيع الْبُنيان قَالَ أَو كَذَلِك قَالَ نعم قَالَ لَا جرم وَالله لأدعنه وَلَا يعلم بمكانه أحد ثمَّ أَمر بِهِ فَرمى من أعالى الْبُنيان فتقطع
وَيُقَال بل قَتله مَخَافَة أَن يبْنى مثله لغيره من الْمُلُوك فَقَالَ شُرَحْبِيل الكلبى وَجعل الحَدِيث مثلا
(جزانى جزاه الله شَرّ جَزَائِهِ جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب)
(سوى رصه الْبُنيان عشْرين حجَّة يعالى عَلَيْهِ بالقراميد والسكب)
(فَلَمَّا رأى الْبُنيان تمّ سحوقه وآض كَمثل الطودذى الباذخ الصعب)
(وَظن سنمار بِهِ كل نَافِع وفاز لَدَيْهِ بالكرامة والقرب)
(فَقَالَ أقذفوا بالعلج من رَأس شَاهِق وَذَاكَ لعمر الله من أعظم الْخطب)
١٩٧ - (كنز النطف) من أَمْثَال الْعَرَب كَأَن عِنْده كنز
[ ١٣٩ ]
النطف وَهُوَ النطف بن خيبرى أحد بني سليط بن الْحَارِث بن يَرْبُوع وَكَانَ أصَاب عَيْني جَوْهَر من اللطيمة الَّتِي أنفذها باذان من الْيمن إِلَى كسْرَى ابْن هُرْمُز فانتهبها بَنو حَنْظَلَة وحصلت الْجَوَاهِر عِنْد النطف فكنزها وَقتلت بهَا بَنو تَمِيم يَوْم صَفْقَة المشقر وَصَارَ كنز النطف مثلا فِي كل رغيبة وعلق نَفِيس يُقَال لَو كَانَ عِنْده كنز النطف مَا عدا
١٩٨ - حلف الفضول هُوَ فِي بعض الرِّوَايَات تحالف ثَلَاثَة من الفضلين على أَلا يرَوا ظلما بِمَكَّة إِلَّا غيروه وأسماؤهم الْفضل بن شراعة وَالْفضل بن قضاعة وَالْفضل بن نصاعة وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة أَنه لما كَانَ فِيهِ من الشّرف وَالْفضل سمى حلف الفضول
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد شهِدت فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا لَو دعيت إِلَى مثله الْيَوْم لَأَجَبْت
وَكَانَ سَبَب ذَلِك الْحلف أَن رجلا جاورهم من زبيد فظلم حَقه وَثمن سلْعَته وَكَانَت ظلامته عِنْد الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي وَكَانَت لرجل من بارق ظلامة عِنْد أبي بن خلف الجُمَحِي فَلَمَّا سمع الزبير بن عبد الْمطلب الزبيدِيّ وَقد صعد فِي الْجَبَل وَرفع عقيرته بقوله
(يَا للرِّجَال لمظلوم بضاعته بِبَطن مَكَّة نائي الدَّار والنفر) ن الْحَرَام لمن تمت حرامته وَلَا حرَام لثوب الْفَاجِر الْغدر)
فَقَالَ الزبير
(حَلَفت لنعقدن حلفا عَلَيْهِم وَإِن كُنَّا جَمِيعًا أهل دَار
[ ١٤٠ ]
(نُسَمِّيه الفضول إِذا عَقدنَا يقر بِهِ الْغَرِيب لذى الْجوَار)
ثمَّ قَامَ هُوَ وَعبد الله بن جدعَان فدعوا قُريْشًا إِلَى التَّحَالُف والتناصر وَالْأَخْذ للمظلوم من الظَّالِم فأجابوهما وتحالفوا فِي دَار ابْن جدعَان وشهده النَّبِي ﷺ قبل الْوَحْي فَهَذَا حلف الفضول
وَأما حلف المطيبين فَهُوَ تحالف آخر بَين قُرَيْش لما اجْتَمعُوا لذَلِك غمسوا أَيْديهم فِي الطّيب ثمَّ تصافحوا وتحالفوا وتعاقدوا
١٩٩ - مسير حُذَيْفَة قَالَ الْمبرد من الْمسير الْمَذْكُور الَّذِي يتَمَثَّل بِهِ مسير حُذَيْفَة بن بدر وَكَانَ أغار على هجائن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَسَار فِي لَيْلَة مسيرَة ثَمَان فَقَالَ قيس بن الخطيم متمثلا بِهِ
(هممنا بِالْإِقَامَةِ ثمَّ سرنا مسير حُذَيْفَة الْخَيْر بن بدر)
٢٠٠ - نِكَاح حوثرة حوثرة رجل من عبد الْقَيْس يضْرب بِهِ الْعَرَب الْمثل فِي شدَّة النِّكَاح وكثرته فَتَقول أنكح من حوثرة
وَمِمَّنْ يضْرب بِهِ الْمثل فِي النِّكَاح والغلمة خَوات بن جُبَير الْأنْصَارِيّ صَاحب ذَات النحيين وَكَانَ يَأْتِي أَحيَاء الْعَرَب يتطلب النِّسَاء فَإِذا سُئِلَ عَن حَاجته قَالَ قد شرد لى بعير فَخرجت فِي طلبه وَأدْركَ الْإِسْلَام وَشهد بَدْرًا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَوْمًا مَا فعل بعيرك الشرود
[ ١٤١ ]
فَقَالَ أما مُنْذُ قيدة الْإِسْلَام فَلَا وتزعم الْأَنْصَار أَن النبى ﷺ دَعَا لَهُ بِأَن تسكن غلمته فسكنت بدعائه ﷺ
٢٠ - (ذكر ابْن الغز) ابْن ألغز رجل من إياد كَانَ أعظم النَّاس أيرا وأشدهم نِكَاحا وَكَانَ إِذا انعظ وتحرك يستلقى على قَفاهُ فيجئ الفصيل الأجرب فيحتك بأيره يَظُنّهُ الجذل والجذل عود فى العطن ينصب لتحتك بِهِ الْإِبِل الجربى ويزعمون أَنه أصَاب رَأس أيره جنب عروس زفت إِلَيْهِ فَقَالَت أتهددنا بالركبة وَهُوَ الْقَائِل
(أَلا رُبمَا أنغطت حَتَّى أخاله سينقد بالإنعاظ أَو يتمزق)
(فأعمله حَتَّى إِذا قلت قد ونى أَبى وتمطى جامحا يتسبق)
وَمِمَّنْ ضرب بِهِ الْمثل الفرزدق حَيْثُ قَالَ
(لحا الله هَذَا من خلال وَمن يقل سوى ذَاك لاقاه باير ابْن ألغز)
وَقَالَ آخر
(أولاك الألى كَانَ ابْن ألغز مِنْهُم وَلَا مثل مَا كَانَ ابْن ألغز يصنع)
وَذكر عبد الْملك بن مَرْوَان إيادا فَقَالَ هم أَخطب النَّاس لمَكَان قس وأسخى النَّاس لمَكَان كَعْب وأشعر النَّاس لمَكَان أَبى دَاوُد وأنكح النَّاس لمَكَان ابْن ألغز
٢٠ - (أير الْحَارِث بن سدوس) يضْرب بِهِ الْمثل فى كَثْرَة الْأَوْلَاد قَالَ الأصمعى كَانَ لَهُ أحد وَعِشْرُونَ ذكرا قَالَ الشَّاعِر
[ ١٤٢ ]
(فَلَو شَاءَ ربى كَانَ أير أبيكم طَويلا كأير الْحَارِث بن سدوس)
وَالْعرب تَقول فلَان طَوِيل الأير إِذا كَانَ كثير الْأَوْلَاد
وَقَالَ على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ أى من كثرت إخْوَته استظهر بهم وَضرب المنطقة إِذْ كَانَت تشد الظّهْر مثلا لذَلِك
٢٠٣ - (نومَة عبود) روى الْفراء بن الْمفضل بن سَلمَة قَالَ كَانَ عبود عبدا أسود حطابا فغبر فى محتطبه اسبوعا لم ينم ثمَّ أنصرف وبقى اسبوعا نَائِما فَضرب بِهِ الْمثل لمن ثقل نَومه فَقيل قد نَام نومَة عبود
وَقَالَ الشرقى بن القطامى اصل ذَلِك أَن عبودا تماوت على أَهله وَقَالَ اندبونى لأعْلم كَيفَ تندبون إِذا مت فسجينه وندبنه فَإِذا بِهِ قد مَاتَ
قَالَ أَبُو عبد الله بن الْحجَّاج وَهُوَ يضْرب بِهِ الْمثل
(قومُوا فَأهل الْكَهْف مَعَ عبود عنْدكُمْ صراصر)
٢٠٤ - (حمق هبنقة) قَالَ حَمْزَة الأصبهانى هُوَ هبنقة ذُو الودعات واسْمه يزِيد بن ثروان أحد بنى قيس بن ثَعْلَبَة وَمن حمقه أَنه جعل فِي عُنُقه قلادة من ودع وَعظم وخزف وَهُوَ ذُو لحية طَوِيلَة فَسئلَ عَنْهَا فَقَالَ لأعرف بهَا نفسى وَلِئَلَّا أضلّ فَبَاتَ ذَات لَيْلَة وَأخذ أَخُوهُ قلادته فتقلدها
[ ١٤٣ ]
فَلَمَّا أصبح هبنقة رأى القلادة فِي عنق أَخِيه فَقَالَ لَهُ يَا أخى إِن كنت أَنْت أَنا فَمن أَنا
وَمن حمقه أَنه أختصمت الطفاوة وَبَنُو راسب إِلَى عرباض فِي رجل أدعاه هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فَقَالَت الطفاوة هَذَا من عرافتنا وَقَالَت بَنو راسب بل هُوَ من عرافتنا ثمَّ قَالُوا قد رَضِينَا بِحكم أول من يطلع علينا فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ طلع عَلَيْهِم هبنقة فقصوا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ الحكم عندى فِي ذَلِك أَن تلقوهُ فِي نهر الْبَصْرَة فَإِن كَانَ راسبيا رسب وَإِن كَانَ طفاويا طفا فَقَالَ الرجل قد زهدت فى النسبتين فَخلوا عَنى فلست من راسب وَلَا من الطفاوة
وَمن حمقه أَنه ضل لَهُ بعير فَأخذ يُنَادى من وجد بعيرى فَهُوَ لَهُ فَقيل لَهُ فَلم تنشده قَالَ فَأَيْنَ حلاوة الوجدان
وَكَانَ يرْعَى غنما لَهُ فيرعى السمان مِنْهَا وينحى المهازيل فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ لَا أفسد مَا أصلح الله وَلَا أصلح مَا افسد الله
وَقَالَ الشَّاعِر فِيهِ
(عش بجد وَلَا يَضرك نوك إِنَّمَا عَيْش من ترى بالجدود)
(عش بجد وَكن هبنقة القيسى أَو مثل شيبَة بن الْوَلِيد)
(رب ذى إربة مقل من المَال وذى عنجهية مجدود)
وَقَالَ آخر
(فعش بجد وَكن هبنقة يرض بك النَّاس قَاضِيا حكما)
وأخبار حمقه كَثِيرَة والمثل بِهِ سَائِر كَمَا سَار بحمق جحا وحمق دغة
[ ١٤٤ ]
٢٠٥ - (جهل أَبى جهل) هُوَ ابْن هِشَام يضْرب بِهِ الْمثل لجهله لموافقة كنيته صفته وَكَانَ يكنى بأبى الحكم وَفِيه قَالَ مُصعب بن الْوراق فِي مُخَالفَة ظَاهره بَاطِنه
(النَّاس كنوه أَبَا حكم وَالله كناه أَبَا جهل)
(أبقت رياسته لأسرته غضب الْإِلَه وذلة الأَصْل)
وَفِيه يَقُول أَيْضا حسان بن ثَابت
(ألم تريانى حِين اغدو مسبحا بسمت ابى ذَر وَجَهل أَبى جهل)
(ومحبرتى رَأس الرِّيَاء ودفترى ونقلى بالأسحار أَو رائحا رحلى)
(فكم من فَتى قد قَالَ وَالِده لَهُ علمت بِهَذَا إِنَّه من ذوى الْفضل)
(يُبرئهُ من أَن يصاحب شاطرا كمن فر من حبس الْخراج إِلَى الْقَتْل)
وَقَالَ ابْن الْحجَّاج من قصيدة
(برطل رَاح كالمسك ساعية تغنيك فِي طيبها عَن النَّقْل)
(عَادِية السن بَطش سورتها أَجْهَل فِي الرَّأْس من أَبى جهل)
٢٠٦ - (شُؤْم طويس) طويس من مخنثى الْمَدِينَة وَكَانَ يُسمى طاوسا فَلَمَّا تخنث سمى بطويس ويكنى بأبى عبد النَّعيم وَهُوَ أول من غنى فِي الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ ونقر بالدف المربع وَكَانَ مأبونا خليعا يضْحك كل حَزِين وثكلى
وَكَانَ يَقُول يَا أهل الْمَدِينَة مَا دمت بَين ظهرانيكم فتوقعوا خُرُوج الدَّجَّال وَالدَّابَّة فَإِن مت فَأنْتم آمنون اعلموا أَن أمى كَانَت تمشى بَين نسَاء الْأَنْصَار بالنمائم وولدتنى فِي اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ وفطمتنى يَوْم مَاتَ أَبُو بكر وَبَلغت الْحلم فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ عمر بن
[ ١٤٥ ]
الْخطاب وَتَزَوَّجت فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ عُثْمَان وَولد لى فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ على وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي التخنث وفى الأبنة والشؤم
وَمن أَمْلَح مَا أحفظ فِي التمثل بشؤمه قَول ابى الْفَتْح البستى فِي أَبى على ابْن سيمجور
(ألم تَرَ مَا ارتاه أَبُو على وَكنت أرَاهُ ذَا لب وكيس)
(عصى السُّلْطَان فابتدرت إِلَيْهِ جيوش يقلعون أَبَا قبيس)
(وصير طوس معقله فأضحت عَلَيْهِ طوس أشام من طويس)
وَكَانَ أَبُو الْحسن اللحام يلقب أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الْحسن بطويس حَتَّى شهر بِهِ وَفِيه يَقُول
(عَاد إِلَى الحضرة نفسان طويس والنذل ابْن مطران)
(اثْنَان مَا أَن لَهما ثَالِث إِلَّا عَصا مُوسَى بن عمرَان)
٢٠٧ - (كذب مُسَيْلمَة) هُوَ أَبُو ثُمَامَة مُسَيْلمَة بن حبيب الحنفى من أهل الْيَمَامَة كَانَ صَاحب نيرنجات وأسجاع ومخاريق وتمويهات وأدعى النُّبُوَّة وَرَسُول الله ﷺ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة فَمَا زَالَ يخفى وَيظْهر ويقوى ويضعف وَأهل الْيَمَامَة فرقتان إِحْدَاهمَا تعظمه وتؤمن بِهِ وَالْأُخْرَى تستخفه وتضحك مِنْهُ وَكَانَ يَقُول أَنا شريك مُحَمَّد فِي النُّبُوَّة وَجِبْرِيل ﵇ ينزل على كَمَا ينزل عَلَيْهِ وَكَانَ رجال بن عنفوة من رائشى نبله والحاطبين فِي حبله والساعين فِي نصرته وَكَانَ مُسَيْلمَة يَقُول يَا بنى حنيفَة مَا جعل الله قُريْشًا بِأَحَق بِالنُّبُوَّةِ مِنْكُم وبلادكم أوسع من بِلَادهمْ
[ ١٤٦ ]
وسوادكم أَكثر من سوادهم وَجِبْرِيل ينزل على صَاحبكُم مثل مَا ينزل على صَاحبهمْ وَلما قدم النبى ﷺ الْمَدِينَة وجد النَّاس يتذاكرونه وَمَا يبلغهم عَنهُ من قَوْله وَقَول بنى حنيفَة فِيهِ فَقَامَ يَوْمًا خَطِيبًا فَقَالَ بعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ أما بعد فَإِن هَذَا الرجل الذى تكثرون فِي شَأْنه كَذَّاب فى ثَلَاثِينَ كذابا قبل الدَّجَّال فَسَماهُ الْمُسلمُونَ مُسَيْلمَة الْكذَّاب وأظهروا شَتمه وعيبه وتصغيره وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ يركب الصعب والذلول فِي تَقْوِيَة أمره ويعتضد بِرِجَال بن عنفوة وَهُوَ ينصره ويذب عَنهُ وَيصدق أكاذيبه وَيقْرَأ أقاويله الَّتِى مِنْهَا وَالشَّمْس وَضُحَاهَا فى ضوئها ومنجلاها وَاللَّيْل إِذا عَداهَا يطْلبهَا ليغشاها فأدركها حَتَّى أَتَاهَا وأطفأ نورها فمحاها
وَمِنْهَا سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى الذى يسر على الحبلى فَأخْرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى من بَين أحشاء ومعى فَمنهمْ من يَمُوت ويدس فى الثرى وَمِنْهُم من يعِيش وَيبقى إِلَى أجل ومنتهى وَالله يعلم السِّرّ وأخفى وَلَا تخفى عَلَيْهِ الْآخِرَة وَالْأولَى
وَمِنْهَا أذكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم واشكروها إِذْ جعل لكم الشَّمْس سِرَاجًا والغيث ثجاجا وَجعل لكم كباشا ونعاجا وَفِضة وزجاجا وذهبا وديباجا وَمن نعْمَته عَلَيْكُم أَن أخرج لكم من الأَرْض رمانا وَعِنَبًا وريحانا وحنطة وزوانا
وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ إِذا قرع سَمعه هَذِه الترهات يَقُول أشهد أَن هَذَا الْكَلَام لم يخرج من إِلَه
وَكَانَ النبى ﷺ رأى فِيمَا يرى النَّائِم أَن فِي يَده سوارى
[ ١٤٧ ]
ذهب فنفخهما فطَارَا فَوَقع أَحدهمَا بِالْيَمَامَةِ وَالْآخر بِالْيمن فأولهما لمُسَيْلمَة صَاحب الْيَمَامَة وَالْأسود العنسى صَاحب الْيمن
وَكَانَ رجال بن عنفوة صَاحب مُسَيْلمَة قدم الْمَدِينَة مرَارًا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأظْهر الْإِيمَان واسر الْكفْر ويروى أَن النبى ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي أَصْحَابه إِذْ سمع وطئا من خَلفه فَقَالَ هَذَا وَطْء رجل من أهل النَّار فَإِذا هُوَ رجال بن عنفوة فَلَمَّا قدم وَفد حنيفَة على النبى ﷺ وَفِيهِمْ مُسَيْلمَة إِلَّا أَنه لم يلقه وأظهروا الْإِسْلَام وَأَرَادُوا الإنصراف أَمر لَهُم ﷺ بجوائز كعادته فِي الْوُفُود وَقَالَ هَل بقى مِنْكُم أحد قَالُوا لَا إِلَّا رجل منا يحفظ رحالنا يعنون مُسَيْلمَة فَقَالَ ﷺ لَيْسَ بشركم مَكَانا فَلَمَّا رَجَعَ الْوَفْد إِلَى مُسَيْلمَة وَقد بلغه كَلَام النبى ﷺ قَالَ لَهُم قد سَمِعْتُمْ قَول مُحَمَّد فِي (لَيْسَ بشركم مَكَانا) \ ح \ وَقد أشركنى فى الْأَمر فَسَكَتُوا وَلم يحيروا جَوَابا فَقَالَ رجال بن عنفوة يَا قوم نبى مِنْكُم خير لكم من نبى من غَيْركُمْ وَأَنا أشهد أَن مُحَمَّد أشركه فى الْأَمر بعده فَعَلَيْكُم بِهِ وَلما انصرفوا إِلَى الْيَمَامَة أعلن مُسَيْلمَة النُّبُوَّة وَادّعى الشّركَة وَفتن أهل الْيَمَامَة وانقسموا بَين مُصدق ومكذب وراض وساخط وَكتب مُسَيْلمَة إِلَى النبى ﷺ كتابا قَالَ فِيهِ إِلَى النبى مُحَمَّد رَسُول الله من مُسَيْلمَة رَسُول الله أما بعد فإنى قد أشركت فى الْأَمر مَعَك وَإِن لنا نصف الأَرْض ولقريش نصفهَا وَلَكِن قُريْشًا قوم يعتدون وَلَا يعدلُونَ وَختم الْكتاب وأنفذه مَعَ رسولين فَلَمَّا قرئَ الْكتاب على النبى ﷺ قَالَ لَهما مَا تقولان قَالَا نقُول مَا قَالَ أَبُو ثُمَامَة فَقَالَ أما وَالله لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا يقتلُون لقتلتكما وأملى فى الْجَواب (من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب سَلام على من أتبع الْهدى أما بعد فَإِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين)
[ ١٤٨ ]
وَلما صدر الرسولان إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب افتعل كتابا يذكر فِيهِ أَنه جعل لَهُ الْأَمر من بعده فَصدقهُ أَكثر بنى حنيفَة
وَبلغ من تبركهم بِهِ أَنهم كَانُوا يسألونه أَن يَدْعُو لمريضهم ويبارك لمولودهم وجاءه قوم بمولود لَهُم فَمسح رَأسه فقرع وجاءه رجل يسْأَله أَن يَدْعُو لمولود لَهُ بطول الْعُمر فَمَاتَ من يَوْمه
وَكَانَ ثُمَامَة بن أَثَال الحنفى يقشعر جلده من ذكر مُسَيْلمَة وَقَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه إِن مُحَمَّدًا لانبى مَعَه وَلَا بعده كَمَا أَن الله تَعَالَى لَا شريك لَهُ فى ألوهيته فَلَا شريك لمُحَمد فِي نبوته ثمَّ قَالَ أَيْن قَول مُسَيْلمَة يَا ضفدع نقى نقى كم تنقين لَا المَاء تكدرين وَلَا الشّرْب تمنعين من قَول الله تَعَالَى الذى جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ ﴿حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير﴾ فَقَالُوا أوقح بِمن يَقُول مثل ذَلِك مَعَ مثل هَذَا
وَلما انْتقل النبى ﷺ إِلَى جوَار ربه وارتدت الْعَرَب بعث أَبُو بكر ﵁ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى حَرْب أهل الرِّدَّة فأوقع بهم وانتصف مِنْهُم ثمَّ أمره أَبُو بكر ﵁ بِقصد الْيَمَامَة ومقارعة مُسَيْلمَة فَفعل وزحف إِلَيْهَا فى وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وتلقاه مُسَيْلمَة فِي خيله وَرجله وَلما كَانَ يَوْم الْيَمَامَة حمى الْوَطِيس واشتدت الْوَاقِعَة وعظمت الملحمة والتجأ بَنو حنيفَة وَفِيهِمْ مُسَيْلمَة إِلَى حديقة سميت من بعده حديقة الْمَوْت فاقتحمها خَالِد ﵁ والمسلمون وَوَضَعُوا فيهم السيوف وَقتل الله مُسَيْلمَة فاشترك فِي قَتله وحشى بحربته وَعبد الله بن الزبير بِسَيْفِهِ وَفتح
[ ١٤٩ ]
الله تَعَالَى الْيَمَامَة على الْمُسلمين وأفاء عَلَيْهِم الْغَنِيمَة ببركة أَبى بكر الصّديق ويمن نقيبته رضى الله تَعَالَى عَنهُ
٢٠٨ - (طمع أشعب) كَانَ أشعب من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ صَاحب نَوَادِر وَصَاحب إِسْنَاد وَكَانَ يحدث فَيَقُول حَدثنَا سَالم بن عبد الله بن عمر ﵁ وَكَانَ يبغضنى فى الله فَإِذا قيل لَهُ دع ذَا قَالَ لَيْسَ للحق مترك
وَكَانَت عَائِشَة بنت عُثْمَان كفلته وكفلت مَعَه ابْن أَبى الزِّنَاد
وَكَانَ اشعب يَقُول تربيت أَنا وَابْن أَبى الزِّنَاد فى مَكَان وَاحِد فَكنت أَسْفَل وَهُوَ يَعْلُو حَتَّى بلغنَا إِلَى مَا ترَوْنَ
وَسَأَلَهُ رجل شِرَاء قَوس بِدِينَار فَقَالَ لَو كنت إِذا رميت عَنْهَا طائرا وَقع مشويا بَين رغيفين مَا اشْتَرَيْته بِدِينَار
وَقَالَ لَهُ سَالم بن عبد الله مَا بلغ من طمعك قَالَ مَا نظرت إِلَى اثْنَيْنِ فى جَنَازَة يتساران إِلَّا قدرت ان الْمَيِّت أوصى لى بشئ وَمَا زفت فى جوارى امْرَأَة إِلَّا كنست بيتى رَجَاء أَن يغلط بهَا إِلَى
وَبلغ من طمعه أَنه مر بِرَجُل يعْمل طبقًا فَقَالَ أحب أَن تزيد فِيهِ طوقا فَقَالَ وَلم قَالَ عَسى ان يهدى إِلَى فِيهِ شئ فَيكون أَكثر
وَقيل لَهُ هَل رَأَيْت أطمع مِنْك قَالَ نعم خرجت إِلَى الشَّام مَعَ رَفِيق لى فنزلنا عِنْد دير فِيهِ رَاهِب وتلاحينا فى أَمر فَقلت أير الراهب فى است الْكَاذِب فَنزل الراهب وَقد أنعظ وَقَالَ بأبى أَنْتُمَا من الْكَاذِب مِنْكُمَا
ونوادر طمعه أَكثر من أَن تحصى وَقد تظرف من قَالَ فى كذب مُسَيْلمَة وطمع أشعب
[ ١٥٠ ]
(وَتقول لى قولا أَظُنك صَادِقا فأجئ من طمع إِلَيْك وأذهب)
(فَإِذا اجْتمعت أَنا وَأَنت بِمَجْلِس قَالُوا مُسَيْلمَة وَهَذَا أشعب)
٢٠٩ - (سنيات خَالِد) يضْرب الْمثل بهَا أهل الْمَدِينَة فى الْقَحْط والشدة كَمَا يضْرب الْمثل بسنى يُوسُف وخَالِد هَذَا هُوَ خَالِد بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن مطرة ولى لهشام بن عبد الْملك خَالِد بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم الْمَدِينَة سبع سِنِين فأقحط النَّاس حَتَّى أجلى أهل البوادى إِلَى الشَّام وَكَانَ يُقَال سنيات خَالِد لَا أعَاد الله أَمْثَالهَا
٢١٠ - (اصفر سليم) كَانَ سليم صيدلانيا بِالْبَصْرَةِ وَقد عجن دَوَاء أصفر لكل مَا شرب لَهُ فَكَانَ يستشفى بِهِ كل مبرود ومحرور فَسَار مثلا فى الْبركَة وَحسن الْموقع وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم
٢١ - (بخت أَبى نَافِع) كَانَ أَبُو نَافِع تَاجِرًا مَا خسرت تِجَارَته قطّ وَمَا عرف إِلَّا الرِّبْح فِيمَا يَبِيعهُ ويشتريه طول أَيَّامه فَسَار الْمثل ببخته
[ ١٥١ ]
٢١ - (قنديل سَعْدَان) كَانَ يحيى بن خَالِد ولى سَعْدَان الدِّيوَان فَكَانَ يرتشى وَلَا يقْضى حَاجَة لأحد مَا لم يَأْخُذ رشوة حَتَّى قَالَ فِيهِ الشَّاعِر
(صب فى قنديل سَعْدَان مَعَ التَّسْلِيم زيتا)
(وقناديل بنيه قبل ان يخفى الكميتا)
وصب الزَّيْت فى الْقنْدِيل كِنَايَة عَن الرِّشْوَة فَلَمَّا شهر بالإرتشاء عَزله يحيى وَولى مَكَانَهُ أَبَا صَالح بن مَيْمُون فَكَانَ يَرْبُو على سَعْدَان فى الإرتشاء وفرط الطمع فَقيل لَهُ فِيهِ
(قنديل سَعْدَان على ضوئه فرخ لقنديل أَبى صَالح)
(ترَاهُ فى ديوانه أحولا من لمحه للدرهم اللائح) فَعَزله يحيى وَأعَاد سَعْدَان إِلَى عمله
٢١٣ - (وَاو عَمْرو) تضرب مثلا لما لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأول من ضرب الْمثل بهَا أَبُو نواس حَيْثُ قَالَ لأشجع السلمى
(أَيهَا الْمُدعى سليمى سفاها لست مِنْهَا وَلَا قلامة ظفر)
(إِنَّمَا أَنْت من سليمى كواو ألحقت فى الهجاء ظلما بِعَمْرو)
وَقَالَ ابْن بسام
(يَا طُلُوع الرَّقِيب مَا بَين إلْف يَا غريما أَتَى على الميعاد)
(يَا ركودا فى يَوْم صيف وغيم يَا وُجُوه التُّجَّار يَوْم الكساد)
(خل عَنَّا فَإِنَّمَا أَنْت فِينَا وَاو عَمْرو أَو كالحديث الْمعَاد)
[ ١٥٢ ]
وَأحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول أَبى سعيد الرستمى للصاحب بن عباد من قصيدة
(أفى الْحق أَن يعْطى ثَلَاثُونَ شَاعِرًا وَيحرم مَا دون الرِّضَا شَاعِر مثلى)
(كَمَا ألحقت وَاو بِعَمْرو زِيَادَة وضويق باسم الله فى ألف الْوَصْل)
وَوصف بَعضهم زِيَادَة لَا يحْتَاج إِلَيْهَا فَقَالَ وَاو عَمْرو وَبغلة الشطرنج
٢١٤ - (شربة أَبى الجهم) يضْرب مثلا للشئ الطّيب اللذيذ الردئ الْعَاقِبَة وَكَانَ أَبُو الجهم عينا لأبى مُسلم على أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور يراعيه ويداخله ويحفظ أنفاسه والمنصور يستثقله ويتبرم بِهِ ويترصد الغوائل لَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم عِنْده إِذْ عَطش فَاسْتَسْقَى فَقَالَ الْمَنْصُور يَا غُلَام اسْقِهِ سويق اللوز بالطبرزذ فَجَاءَهُ بقدح مِنْهُ وَفِيه سم سريع الْقَتْل فشربه أَبُو الجهم وَلم يلبث أَن حرك بَطْنه فَقَامَ فَقَالَ الْمَنْصُور إِلَى أَيْن يَا أَبَا الجهم فَقَالَ إِلَى حَيْثُ وجهتنى يَا أَبَا جَعْفَر وَرجع إِلَى منزله وَقذف كل شئ فى بَطْنه وَتلف لوقته فَقيل فِيهِ
(تجنب سويق اللوز لَا تشربنه فَشرب سويق اللوز أردى أَبَا الجهم)
٢١٥ - (لحن الموصلى) هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يتَمَثَّل بِهِ فى الظّرْف وجودة الْغناء كَمَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ يصف حمامة
(وورقاء تحكى الموصلى إِذا شدا بألحانه أحبب بهَا وبمن تحكى)
وَقَالَ آخر
[ ١٥٣ ]
(أزاح بلبالى غناء البلبل إِذْ مر فى ألحانه كالموصلى)
وَقَالَ آخر
(خلق مَا يكَاد يصبر عَنهُ قلب خلق إِلَّا بِأَلف كَفِيل)
(وَحَدِيث كَأَن إِسْحَاق يَحْدُو فى تضاعيفه بِشعر جميل)
٢١٦ - (غناء إِبْرَاهِيم بن المهدى) كَانَ من آدب النَّاس وأشعرهم وأبلغهم وَغلب عَلَيْهِ الْغناء فبرز وأعجز وسحر وبهر حَتَّى ضرب بِهِ الْمثل وَكَانَ عَجِيب الشَّأْن بديع الْوَصْف وَالْحَال وَكَانَ أسود شَدِيد السوَاد براق اللَّوْن وَأَبوهُ المهدى ابيض وَأمه أميل إِلَى السوَاد وتنقلت بِهِ أَحْوَال وأدوار وتقلد الْخلَافَة سِنِين إِلَى أَن دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد وَهُوَ مسنتر ثمَّ ظهر وَعَفا عَنهُ الْمَأْمُون ورد عَلَيْهِ امواله وأكرمه ونادمه ورتبه فى مَشَايِخ بنى هَاشم
وَكَانَ غناء إِبْرَاهِيم لِأَخِيهِ الرشيد ثمَّ للثَّلَاثَة من بنى أَخِيه الْخُلَفَاء وهم الْأمين والمأمون والمعتصم وطرب المعتصم يَوْمًا لغنائه فَقَالَ أَحْسَنت يَا أَمِير االمؤمنين فَقَالَ إِبْرَاهِيم عربدت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَكَانَ إِذا ضرب وغنى لأَحَدهم فى الصحارى والمصائد والمتنزهات وقفت لَهُ الطير وعكفت عَلَيْهِ الوحوش حَتَّى تكَاد تُؤْخَذ بالأيدى
وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد يَقُول لَهُ السكر على صَوْتك شَهَادَة يَا عَم
وَكَانَ أَحْمد بن يُوسُف يَقُول فِيهِ الْقُلُوب من غنائه على خطر فَكيف الْجُيُوب
وقرأت لأبى إِسْحَاق الصابى فصلا لأبى عُثْمَان الخالدى استحسنته
[ ١٥٤ ]
جدا فى محَاسِن الْأَفْرَاد وَهُوَ قَوْله لَو كَانَ لَك خصم يجمع شعر البحترى وغناء إِبْرَاهِيم بن المهدى ومذاكرة الأصمعى وَكِتَابَة جَعْفَر بن يحيى وَحسن وَجه المعتز وَطيب عشرَة حمدون لما كنت إِلَّا منحرفا عَنهُ معينا عَلَيْهِ مقبحا محاسنه من أَجلك
٢١٧ - ٢١ ﴿عود بنان وناى زنام) كَانَ بنان وزنام مطربى المتَوَكل وَكَانَ كل مِنْهُمَا مُنْقَطع القرين فى طبقته فَإِذا اجْتمعَا على الضَّرْب وَالزمر أحسنا وفتنا وأعجبا وعجبا وَكَانَ المتَوَكل لَا يشرب إِلَّا على سماعهما وَفِيهِمَا يَقُول البحترى من قصيدة
(هَل الْعَيْش إِلَّا مَاء كرم مُصَفِّق يرقرقه فى الكأس مَاء غمام)
(وعود بنان حِين ساعد شدوه على نغم الألحان ناى زنام)
٢١٩ - (خرص أَبى السقاء) كَانَ يخرص النخيل بِالْبَصْرَةِ للسُّلْطَان فَلَا يغلط برطل فَضرب بِهِ الْمثل فى ذَلِك
٢٢٠ - (حِكَايَة أَبى ديونة) كَانَ زنجيا وَكَانَ كَمَا قَالَ ابْن الرومى يخاطبه
(حكيت القرد فى قبح وسخف وَمَا قصرت عَنهُ فى الْحِكَايَة)
وَكَانَ يحْكى كل صَوت وكل هَيْئَة وكل مشْيَة ويحكى أصوات الدَّوَابّ
[ ١٥٥ ]
والبهائم وَالطير فَلَا يفرق بَين صَوته وَأَصْوَاتهَا وَنَظِيره فى زَمَاننَا أَبُو الْورْد صَاحب المهلبى الْوَزير وَلَا ثَالِث لَهما
٢٢ - (لواط يحيى بن أَكْثَم) أَصله من مرو فاتصل بالمأمون ايام مقَامه بهَا فاختص بِهِ وَاسْتولى على قلبه وَصَحبه إِلَى بَغْدَاد وَمحله مِنْهُ مَحل الْأَقَارِب أَو أقرب
وَكَانَ مُتَقَدما فى الْفِقْه وآداب الْقُضَاة حسن الْعشْرَة عذب اللِّسَان وافر الْحَظ من الْجد والهزل ولاه الْمَأْمُون قاضى الْقُضَاة وَأمر بألا يحجب عَنهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وأفضى إِلَيْهِ بأسراره وشاوره فى مهماته وَكَانَ يحيى ألوط من ثفر وَمن قوم لوط وَكَانَ إِذا رأى غُلَاما يُفْسِدهُ وَقعت عَلَيْهِ الرعدة وسال لعابه وبرق بَصَره
وَكَانَ لَا يستخدم فى دَاره إِلَّا المرد الملاح وَيَقُول قد اكرم الله تَعَالَى أهل جنته بِأَن أطاف عَلَيْهِم الغلمان فى حَال رِضَاهُ عَنْهُم لفضلهم على الجوارى فَمَا بالى لَا أطلب هَذِه الزلفى والكرامة فى دَار الدُّنْيَا مَعَهم
وَيُقَال إِنَّه هُوَ الذى زين لِلْمَأْمُونِ اللواط وحبب إِلَيْهِ الْولدَان وغرس فى قلبه محاسنهم وفضائلهم وخصائصهم وَقَالَ إِنَّهُم بِاللَّيْلِ عرائس وبالنهار فوارس وهم للْفراش والهراش وللسفر والحضر فصدر الْمَأْمُون عَن رَأْيه وَجرى فى طَرِيقه واقتدى بِهِ المعتصم حَتَّى اشْتهر بهم وَملك ثَمَانِيَة آلَاف مِنْهُم وَمَا كَانَ بَنو الْعَبَّاس يحومون حَولهمْ اللَّهُمَّ إِلَّا
[ ١٥٦ ]
مَا كَانَ يُؤثر عَن مُحَمَّد الْأمين من اسْتِخْدَام الخصيان والعبث بهم دون فحول الْولدَان
ويحكى أَن الْمَأْمُون نظر يَوْمًا إِلَى يحيى فى مَجْلِسه وَهُوَ يحد النّظر إِلَى ابْن أَخِيه الواثق وَهُوَ إِذْ ذَاك أَمْرَد تَأْكُله الْعين فَتَبَسَّمَ إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد حوالينا وَلَا علينا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْكَلْب لَا يَأْكُل النَّار
وخلا بِهِ الْمَأْمُون لَيْلَة على المطايبة والمداعبة والمجاراة فى ميدان الغلمان ومترف غُلَام الْمَأْمُون يتسمع عَلَيْهِمَا وَهُوَ الذى حكى هَذِه الْقِصَّة عَنهُ قَالَ قَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا أَبَا مُحَمَّد أخبرنى عَن أظرف غُلَام مر بك قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ احتكم إِلَى غُلَام فى نِهَايَة الملاحة والظرف واللباقة فَأَخَذته عينى وتعلقه قلبى فَلم أفضل الحكم بَينه وَبَين خَصمه إيثارا منى للقائه ومعاودته إياى فى حكومته فَدخل إِلَى على حِين غَفلَة وَمثله لَا يحجب عَنى فَلَمَّا وصل إِلَى قَالَ أَيهَا القاضى أعنى على خصمى فَقلت لَهُ وَمن يعيننى على عَيْنَيْك يَا بنى قَالَ شفتى وَأَدْنَاهَا منى فَلَمَّا شممت الْخمر من فِيهِ وفيته حدا من الْقبل وَقلت لَهُ يَا بنى مَا بَال شفتيك متشققتين فَقَالَ أحلى مَا يكون التِّين إِذا تشقق ثمَّ قلت لَهُ ويدى فى ثِيَابه يَا بنى مَا أنحفك فَقَالَ كلما دق قصب السكر كَانَ أحلى فَضَحِك الْمَأْمُون وَوَقع لَهُ بمائتى دِينَار وَقَالَ أوصلها إِلَيْهِ وَلَو على أَجْنِحَة الطير وَكَانَ إِذْ ذَاك قد التحى وَكَانَ يحيي يعرف منزله فامتثل أمره وأوصلها لَهُ
وَمِمَّا قيل فى يحيى
(وَكُنَّا نرجى أَن نرى الْعدْل ظَاهرا فأعقبنا بعد الرَّجَاء قنوط)
[ ١٥٧ ]
(مَتى تصلح الدُّنْيَا وَيصْلح أَهلهَا وقاضى قُضَاة الْمُسلمين يلوط)
وَفِيه أَيْضا
(انطقنى الدَّهْر بعد إخراسى بحادثات أطلن وسواسى)
(قَاض يرى الْحَد فى الزناء وَلَا يرى على من يلوط من باس)
(أميرنا يرتشى وحاكمنا يلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا راس)
(مَا إِن أرى الجؤر ينقضى وعَلى الْأمة وَال من آل عَبَّاس)
وَفِيه قيل
(وَكنت ألوم الشَّيْخ فِيك وَلَا أرى دم الشَّيْخ إِن رام الْحَرَام محرما)
(فَلَمَّا رَأَيْت الْحسن ألْقى رِدَاءَهُ عَلَيْك عذرت الشَّيْخ يحيى بن أكثما)
ولفرط لواطه نسب إِلَى الأبنة فَقيل فِيهِ
(حربه يحيى لين رَأسهَا إِن وَقعت فى اللَّحْم لم تخدش)
(يحشو بهَا الممرد إِذا مَا خلا وَهُوَ كَمَا يحشوهم يحتشى)
(ينحط من فَوق إِلَى أَسْفَل مثل انحطاط الطَّائِر المرعش)
ويحكى أَنه دخل يَوْمًا على الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون وَهُوَ يلْعَب بالشطرنج وينشد
(يَا لَيْت يحيى لم يلده أكثمه وَلم تطَأ أَرض الْعرَاق قدمه)
(أى دَوَاة لم يلقها قلمه )
فَقَالَ يحيى دواتك أَيهَا الْأَمِير
وسَمعه إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أَبى حنيفَة يَوْمًا يغض من جده فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا جزاءه مِنْك قَالَ حِين فعل مَاذَا حِين أَبَاحَ الْمُسكر وَدَرَأَ الْحَد عَن اللوطى
[ ١٥٨ ]
الْبَاب التَّاسِع فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْعَرَب
تيجان الْعَرَب
أغربة الْعَرَب
جمرات الْعَرَب
أثافى الْعَرَب
نخوة الْعَرَب
صناجة الْعَرَب
كسْرَى الْعَرَب
صلاء الْعَرَب
كَاهِل الْعَرَب
سَابق الْعَرَب