ومما تخيرته من سلوان المطاع لابن ظفر أن الوليد ابن يزيد لما بلغه أن ابن عمه يزيد ابن الوليد بن عبد الملك قد شرد عنه القلوب واستجاش عليه أهل اليمن ونازعه في ملكه احتجب عن سمّاره ودعا في بعض الليالي خادما فقال له انطلق متنكرا حتى تقف ببعض الطرق وتأمل من يمر بك من الناس فإذا رأيت كهلا رث الهيئة يمشي مشيًا هوينًا وهو مطرق فسلّم عليه وقل له في أذنه: أمير المؤمنين يدعوك فأن أسرع في الإجابتة فائتني به وإن استراب فدعه واطلب غيره حتى تجد رجلا على الشرط الذي ذكرت لك فانطلق الخادم فأتاه برجل على الشرط فلما دخل الرجل على الوليد حياه بتحية الخلافة فأمره الوليد بالجلوس والدنو منه وصبر إلى أن ذهب روعه وسكن جأشه ثم اقبل عليه فقال له أتحسن المسامرة للخلفاء فقال نعم يا أمير المؤمنين فقال الوليد إن كنت تحسنها فأخبرنا ما هي فقال يا أمير المؤمنين المسامرة أخبار لمنصت وأنصات لمخبر ومفاوضة فيما يعجب ويليق فقال له الوليد أحسنت لا أزيدك امتحانا فقل أسمع لقولك فقال الكهل نعم يا أمير المؤنين ولكن المسامرة صنفان لا ثالث لهما أحدهما الإخبار بما يوافق خبرا مسموعا والثاني الإخبار بما يوافق غرضًا من أغراض صاحب المجلس وإني لم أسمع بحضرة أمير المؤمنين
[ ١ / ١٧٤ ]
طريقة فأنحو نحوها وألزم أسلوبها فقال الوليد صدقت وها نحن نقترح لك ما تقتفيه قد بلغنا أن رجلا من رعيتنا سعى في ضرر ملكنا فأثر سعيه وشق ذلك علينا فهل سمعت بذلك فقال الكهل نعم يا أمير المؤمنين فقال له الوليد قل الآن على حسب ما سمعت وعلى ما ترى من التدبير فقال يا أمير الممنين بلغني عن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان أنه لما ندب الناس لقتال ابن الزبير وخرج بهم متوجها إلى مكة حرسها الله تعالى استصحب عمرو بن سعيد بن العاص وكان عمرو قد انطوى على فساد نية وخبث طويّة وطماعية في نيل الخلافة وكان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد فطن لذلك إلا أنه كان يحترمه ولما أبعد أمير المؤمنين عن دمشق تمارض عمرو بن سعيد فاستأذن أمير المؤمنين في العود إلى دمشق فأذن له فلما دخل عمرو دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من الخليفة واستولى على دمشق ودعا الناس إلى خلع عبد الملك فأجابوه إلى ذلك وبايعوه وحصّن بعد ذلك سور دمشق وحمى حوزتها فبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير وبلغه مع ذلك أن والي حمص قد نزع يده من الطاعة وأن أهل الثغور قد تشوفوا للخلاف فأحضر وزراءه فأطلعهم على ما بلغه وقال لهم دمشق ملكنا قد استولى عليها عمر بن سعيد وهذا عبد الله ابن الزبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن ومصر وخراسان وهذا النعمان بن بشير أمير حمص وزفر بن الحرث
[ ١ / ١٧٥ ]
أمير فلسطين قد خرجا عن الطاعة وبايعا الناس لابن الزبير وهذه المضرية بسيوفها تطالبنا بقتلى المرج فلما سمع وزراؤه مقالته ذهلت عقولهم فقال لهم عبد الملك مالكم لا تنطقون هذا وقت الحاجة إليكم فقال أفضلهم وددت أن أكون طيرًا على عود من أعواد تهامة حتى تنقضي هذه الفتن فلما سمع عبد الملك مقالة صاحبه قام أمرهم بلزوم موضعهم وركب منفردا وأمر جماعة من شجعانه أن يتبعوه متباعدين ففعلوا وسار عبد الملك حتى انتهى إلى شيخ ضعيف البدن سيىء الحال وهو يجمع سمّاقا فسلم عليه عبد الملك وآنسه بحديثه ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بنزول هذا العسكر فقال الشيخ وما سؤالك عنه فقال عبد الملك أني أردت الانتظام في سلكه فقال له أني أرى عليك سمة الرياسة فينبغي لك أن تصرف نفسك عن هذا الرأي فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلّت عرا ملكه والسلطان في اضطراب أموره كالبحر إذا هاج فقال عبد الملك أيها الشيخ قد قوي عليّ جذب نفسي إلى صحبة هذا الأمير فهل لك أن ترشدني إلى رأي أتفق به عنده فلعله يكون سبب قربي منه فقال الشيخ أن هذه النازلة التي نزلت بهذا الأمير من النوازل التي لا تنفذ فيها العقول وإني لأكره أن أرد مسألتك بالخيبة فقال له عبد الله قبل جزاك الله خيرًا فقال الشيخ إن هذا الخليفة خرج إلى قتال عدوه والإرادة غير قابلة لمراده والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يرد من قصده من محاربة ابن الزبير ووثوب
[ ١ / ١٧٦ ]
عمرو بن سعيد على منبره واستيلائه على بيوت أمواله وسرير خلافته فإذا قصدت هذا الأمير وانتظمت في سلكه أنظر في أمره فإن رأيته قد أصر على قصده ابن
الزبير فأعلم أنه مخذول فأجنبه وإن رأيته قد رجع من حيث جاء وترك قصده الأول فأرج له النصر والسلامة. فقال عبد الملك يا شيخ وهل رجوعه إلى دمشق إلا كمسيره إلى ابن الزبير فقال الشيخ إن الذي أشكل عليك لواضح وها أنا أزيل عنك اللبس وهو أن عبد الملك إذا قصد ابن الزبير كان في صورة ظالم لأن ابن الزبير لم يطعه طاعة قط ولا وثب له على ملكة فإذا قصد ابن سعيد كان في صورة مظلوم لأنه نكث بيعته وخان أمانته ووثب على دار ملك لم تكن له ولا لأبيه من قبله بل كانت لعبد الملك ولأبيه من قبله وعمرو عليها متعد، ومن الأمثال سمين الغضب مهزول وولي الغدر معزول وسأضرب لك مثلا يشفي النفس ويزيل اللبس. زعموا أن ثعلبا كان يسمّى ظالما وكان له جحر يأوي إليه وكان مغتبطًا به فخرج يوما يبتغي ما يأكل ثم رجل فوجد فيه حية فانتظر خروجها فلم تخرج فعلم أنها استوطنته وذلك أن الحية لا تتخذ جحرًا بل إذا أعجبها جحر اغتصبته وطردت من به من الحيوان ولهذا قيل فلان أظلم من حية فهذا ظلمها ولما رأى ظالم أن الحية قد استوطنت جحره ولم يمكنه السكنى معها ذهب يطلب لنفسه مأوى فانتهى به السير إلى جحر حسن الظاهر
[ ١ / ١٧٧ ]
في أرض منيعة ذات أشجار ملفتة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فقالوا هذا الحجر يملكه ثعلب اسمه مفوض وأنه ورثه عن أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله إلى جحره وسأله عن حاله فقص عليه خبره مع الحية فرق له مفوض وقال له الموت في طلب الثأر خير من الحياة في العار والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي أخذ منك غصبا حتى أنظر إليه فلعلي أهتدي إلى مكيدة تخلص بها مأواك فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وقال لظالم اذهب معي فبت الليلة عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح من الرأي والمكيدة ففعلا ذلك وبات مفوض مفكرا وجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته ما اشتد به حرصه عليه وطفق يدبر في حيلة اغتصابه ونفي مفوض عنه فلما أصبحا قال مفوض لظالم أني رأيت ذلك الجحر بعيدا من الشجر والماء فأصرف نفسك عنه وهلم أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهى فقال ظالم هذا غير ممكن لأن لي نفسا تهلك لبعد الوطن حنينا فلما سمع مفوض ما قاله ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له أني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبا ونربط منه حزمتين فإذا جاء الليل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام فأخذنا قبس نار واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك فنجعل الحزمتين في بابه نضرم النار فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت
[ ١ / ١٧٨ ]
الجحر قتلها الدخان فقال له ظالم هذا نعم الرأي فذهبا واحتطبا حزمتين ولما جاء الليل انطلق مفوض إلى ظاهر تلك الخيام فأخذ قبسا فعمد ظالم إلى إحدى الزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه ثم جر الحزمة الآخرة إلى باب مسكن مفوض فسده بها سدا محكما وقدر في نفسه أن مفوضا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى وكان ظالم قد رأى في منزل مفوض طعامًا أدخره لنفسه فعول ظالم على أنه يقتات به إن حاصره مفوض وهو من داخل وأذهله الشره والحرص عن فساد هذا الرأي ثم إن مفوضا جاء بالقبس فلم يجد ظالما ولا وجد الحطب فظن أن ظالما قد حمل الحزمتين تخفيفا عنه وأنه سبقه إلى مسكنه الذي فيه الحية اشفاقا على مفوض فشق ذلك عليه وظهر له من الرأي أن يبادر إليه ويلحقه ليحمل معه الحطب فوضع القبس بالقرب من الحطب ولم يشعر أن الباب مسدود به لشدة الظلمة فما بعد عن الباب إلا وضوء النار وشدة الدخان قد لحقا به فعاد وتأمل الباب فرأى الحطب قد صار نارًا فعلم مكيدة ظالم ورآه قد احترق ن داخل الجحر وحاق به مكره فقال هذا الباحث على حتفه بظلفه ثم إن مفوضا صبر حتى انطفأت النار فدخل جحره فأخرج جثة ظالم فألقاها واستوطن جحره آمنا فهذا المثل ضربته لك لأنه ملائم لفعل عمرو بن سعيد في بغيه ومخادعته عبد الملك وحيلته في أخذ دار ملكه وتحصينها منه وهذا
[ ١ / ١٧٩ ]
كفعل ظالم مع مفوض والله أعلم فلما سمع عبد الملك حكمة الشيخ في ضرب أمثاله سر بذلك سرورًا عظيما ثم أقبل عليه فقال جزيت عني خيرًا وأني أريد أن تجعل بيني وبينك موعدًا وتعرفني مكانك لألقاك به بعد يومي هذا فقال الشيخ وما تريد بذلك فقال له عبد الملك إني أريد مكافأتك على ما كان منك فقال له الشيخ إني أعطيت الله عهدًا أن لا أقبل منة
لبخيل فقال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم. قال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع
[ ١ / ١٨٠ ]
بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم.
ومما تخيرته من عجائب سلوان المطاع قيل لما عزم سابور ابن هرمز على الدخول إلى بلاد الروم متنكرًا نهاه نصحاؤه وعقلاء وزرائه وحذروه من ذلك فعصاهم وكان يقال أوزر الناس وزراء الأحداث من الملوك وعشاق الفتيان من المشايخ ثم إن سابور توجه نحو بلاد الروم واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله وكان من أدهى الناس في الحزم وسداد الرأي واختلاف الأديان ولغاتها وكان من المتبحرين في العلوم والمبرزين بالمكايد فسلم إليه في سفره وأمر أن لا يتجاوزه في السير ولا يبعد عنه بحيث يراعي جميع أحواله في ليله ونهاره فتوجها نحو الشام ولبس ذلك الوزير زي الرهبان وتكلم بلسانهم وتحرف بصناعة الطب الجرائحي وكان معه الدهن الصيني الذي إذا دهنت به الجراحات ختمت بسرعة واندملت فكان ذلك الوزير في مسيره نحو بلاد الروم يداوي الجراحات بأدوية يضيف إليها يسيرًا من ذلك الدهن فتبرأ بسرعة وإذا عني بأحد من ذوي الأقدار داواه بذلك صرفا فيبرأ على الفور ولا يأخذ على ذلك أجرة فانتشر ذكره في بلاد الروم وعقدت عليه الخناصر وأقبل عليه الناس وكان مع إنفراده عن سابور يراعي جميع أحواله فلم يزالا كذلك حتى طافا جميع الشام وقصدا القسطنطينية فقدماها فذهب الوزير إلى البطريرك وتفسير هذا الأسم أبو الآباء
[ ١ / ١٨١ ]
فاستأذن عليه فأذن له وسأله عن قصده فأخبره أنه هاجر إليه ليتشرف بخدمته ويدخل في أتباعه ثم أهدى إليه هدية نفيسة حسن موقعها من البطرك فقربه وأكرمه وأحسن نزله وألحقه ببطانته وأختبره فوجده عالما بدينهم بل مبرزا فأعجب به غاية الإعجاب وجعل الوزير يتأمل أحوال البطرك ليصحبه بما يلائمه وينفق عنده فوجده مائلًا إلى الفكاهات معجبا بنوادر الأخبار وكان الوزير في ذلك غاية فأخذ يتحفه بكل نادرة غريبة وملحة عجيبة فصار البطرك لم يطق عن الوزير صبرا لأنه حلا لعينه وحل بقلبه وجعل الوزير مع ذلك يعالج الجراحات ولا يأخذ على ذلك عوضا فعظم قدره في الناس هذا وهو يتعاهد أحوال سابور في كل وقت إلى أن صنع قيصر وليمة وحضر الناس إليها على طبقاتهم فأراد سابور حضورها ليطلع على أحوال قيصر وعلى رتبته في قصره وعظم وليمته فنهاه وزيره عن ذلك فعصاه وتزيا بزي ظن أنه يتستر به ودخل دار قيصر مع من حضر الوليمة وكان قيصر من شدة احتراسه من سابور وخيفته من أن يطرق بلاده وتحسن له همته العالية وحدَّة الشبيبة ذلك، صوّر سابور في مجلسه وعلى ستور بيته وعلى فرشه وفي آلات أكله وشربه، ولما دخل سابور يوم الوليمة واستقر في مجلسه وأكل مع من حضر أتوا بالشراب في كؤوس البلور والذهب والفضة والزجاج المحكم
[ ١ / ١٨٢ ]
وكان في المجلس رجل من حكماء الروم ودهاتهم فلما وقعت عينه على سابور أنكره وجعل يتأمل شخص فرأى عليه مخايل الرياسة ولمازاد في تأمله وصل إليه دور الكاس فتأمل الصورة التي على الكأس وراجع النظر في سابور فما شك أن الصورة التي على الكأس وضعت على مثاله وغلب على ظنه أنه سابور فأمسك الكأس في يده إمساكا طويلًا ثم قال رافعا صوته إن هذه الصورة التي على هذا الكأس تخبرني أخبارًا عجيبًا فقيل له وما الذي تخبرك فقال تخبرني أنّ الذي هي مثال له معنا في مجلسنا هذا ثم نظر إلى سابور وقد تغير لونه حين سمع مقالته فحقق ظنه فبلغ ذلك قيصر فادناه وقربه وسأله فأخبره أن سابور معه في مجلسه وأشار إليه فأمر قيصر بالقبض عليه وقرب من قيصر فسأله عن نفسه فتعلل بضروب من العلل لم تقبل فقال ذلك المتفرس أيها الملك لا تقبل قوله فإنه سابور لا محالة فهدده قيصر بالقتل فاعترف أنه سابور فحبسه قيصر مكرما وأمر أن يعمل له من جلود البقر صورة بقرة وتطبق عليه الجلود سبع طبقات ويتخذ لها باب وتجعل لها كوة لأجل المبال ويستقر سابور بها وتجمع يداه إلى عنقه بجامعة من الذهب ذات سلسلة يمكنه معها تناول ما يعمل له من طعام وشراب وغير ذلك فلما دخل سابور جوف تلك الصورة جمع قيصر جنوده واستعد لغزو بلاد فارس ووكل بسابور وهو داخل البقرة مائة رجل من ذوي البأس والشدة
[ ١ / ١٨٣ ]
يحملونها وصرف أمره إلى المطران وهو خليفة البطرك فكانت تلك الصورة تحمل بين يديه فإذا نزل العسكر نزلت الصورة التي فيها سابور وسط العسكر وضربت عليها قبة وتضرب للمطران قبة مجاورة لقبة سابور وسار قيصر محتفلا بجنوده وعساكره وقد عزم على خراب فارس ولما جد السير قال وزير سابور للبطرك أيها
الأب إنما استفدت بخدمتك الرغبة في مصالح الأعمال ولا عمل أصلح من تنفيس كربة عن مجهود وجر منفعة إلى مضطر وقد علمت اجتهادي في مداواة الجرحى وإن نفسي تنازعني إلى صحبة الملك قيصر في سفره هذا لا غير فلعل الله تعالى يستنقذ بي نفسا صالحة أو يشوقني إلى مداواة جريح من العسكر ليتقدم قلبي بهذه المثوبات، فكره البطرك ذلك وقال له قد علمت أنني لا أستطيع فراقك فكيف تطالبني بالسفر البعيد قال فلم يزل وزير سابور يتضرع إلى البطرك إلى أن استحى منه وسمح له بذلك وزوده وكتب معه إلى المطران يخبره برتبته عنده وأن يحله في أعلى المراتب ويستضيء برأيه إذا أشكل عليه أمر فقدم وزير سابور على المطران فعرف له حقه وأنزله في قبته وجعل زمام أمره ونهيه بيده وصار الوزير يستميله بما يميل إليه ويطرفه في كل ليلة بطرف الأخبار رافعا بها صوته ليسمع سابور حديثه فيتسلى بذلك ويدس في أحاديثه ما يريد أن يعلمه به ويبطنه من الأسرار فكان سابور يجد بذلك راحة عظيمة
[ ١ / ١٨٤ ]
وكان الوزير قد أعد لخلاص سابور أنواعا من المكايد رتبها عندما قدم على المطران منها أنه امتنع عن مؤاكلة المطران وأخبره أنه لا يخلط بطعام البطرك غيره لأجل بركته فكان إذا حضر طعام المطران أخرج هو ذلك الزاد الذي معه وأنفرد بالأكل وحده فلم يزل قيصر سائرا بجنوده حتى بلغ أرض فارس فأكثر فيها القتل والسبي وتغوير المياه وقطع الأشجار وخراب القرى والحصون وهو مع ذلك يواصل السير ليستولي على دار ملك سابور قبل أن يشعروا فيملكوا عليهم رجلا منهم ولم يكن للفرس هم إلا الفرار من بين يديه والاعتصام بالمعاقل والحصون فلم يزل قيصر على تلك الحال حتى بلغ مدينة سابور وقرار ملكه فأحاط بها ونصب عليها آلات الحصار ولم يكن عندها قوة ولا منعة في دفعه أكثر من ضبط الأسوار والقتال عليها وكل ذلك فهمه سابور من كنايات الوزير في محاضراته للمطران ولكن لم يسمع له كلمة من حين سجنه قيصر في تلك الصورة فلما علم سابور أن قيصر قد ثقلت وطأته وأشرف على فتح البلد عيل صبره وساء ظنه ويئس من الحياة فلما جاء الموكل بطعامه قال له إن هذه الجامعة قد نالت مني منالا ضعفت قوتي عن احتماله فإن كنتم تريدون بقاء نفسي فنفسوا عني منها واجعلوا بينها وبين يدي وعنقي خرقا من الحرير فجاء الموكل بالطعام إلى المطران وأعلمه بالذي قاله سابور فسمعه الوزير وعلم أن سابور قد جزع وساء ظنه وفطن
[ ١ / ١٨٥ ]
لما أراد سابور فلما جنَّ الليل وجلس لمسامرة المطران قال له ذكرت الليلة حديثا عجيبا ما ذكرته منذ كذا وكذا وددت أنني كنت حدثت به البطرك قبل سفري فقال له المطران إني أرغب إليك أن تحدثني الليلة أيها الراهب الحكيم فقال الوزير حبا وكرامة ثم اندفع يحدثه رافعا صوته ليسمع سابور ويفهم الغرض ويستأنس فقال اعلم أيها المطران أنه كان ببلادنا فتى وفتاة ليس في زمانهما أحسن منهما اسم الفتى عين أهله واسم الفتاة سيدة الناس وكانا زوجين مؤتلفين ولا يبتغي أحدهما بالآخر بدلا ثم أن عين أهله جلس يوما مع أصحابه فتذاكروا النساء إلى أن ذكر أحدهم امرأة أطنب في وصفها وبالغ، وذكر أن اسمها سيدة الذهب فوقع في قلب عين أهله حبها فسأل الواصف عن منزلها فذكر أنها ببلد بالقرب من بلده ففكر عين أهله في أمرها وخامره حبها فانطلق إلى البلد التي هي ساكنة بها وسأل عن منزلها فعرفه ولم يزل يتردد إلى بابها حتى رآها فرأى منظرا حسنًا ولكن لم تكن بأحسن من امرأته بل ضرورات النفس حب التنقل في الأحوال ولازم عين أهله المعاودة إلى منزل سيدة الذهب حتى فطن له بعلها وكان جافيا غليظ الطبع شديد البطش يسمى الذئب فرصد عين أهله حتى مر به فلما رآه وثب عليه وقتل فرسه ومزق ثيابه واستعان بجماعته عليه فاحتملوه إلى داخل دار الذئب وربطوه إلى سارية في الدار ووكل به عجوزًا مقطوعة اليد جدعاء عوراء شوهاء فلما جن
[ ١ / ١٨٦ ]
عليه الليل أوقدت تلك العجوز النار بالقرب منه وجعلت تصطلي فذكر عين أهله ما كان فيه من السلامة والعافية والرفاهية والعز فبكى بكاء شديدًا فأقبلت عليه العجوز وقالت له ما ذنبك الذي أوجب هذا فقال عين أهله ما علمت لي ذنبًا فقالت العجوز هكذا قال الفرس للخنزير. وكذب فقال عين أهله للعجوز وما الذي كذب فيه الفرس عند الخنزير فقالت له العجوز ذكروا أن فرسًا كان لأحد الشجعان فكان يبالغ في إكرامه ويحسن
إليه ويعده لمهماته ولا يصبر عنه ساعة وكان يخرج به في صحبته كل يوم فيزيل لجامعه وسرجه ويطيل رسنه فيتمرغ ويرعى في كل مرج مخصب حتى يرتفع النهار فيرده وهو على يده ثم أنه خرج يومًا إلى المرج راكبًا ونزل عنه فلما استقرت قدماه على الأرض نفر الفرس وجمح ومر يعدو بسرجه ولجامه فطلبه الفارس يومه كله فأعجزه وغاب عن عينه عند غروب الشمس فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس ولما انقطع الطلب عن الفرس وأظلم عليه الليل جاع وطلب أن يرعى فمنعه اللجام ورام أن يتمرغ فمنعه السرج ورام أن يضطجع فمنعه الركاب فبات بشر فلما أصبح ذهب يبتغي فرجا مما هو فيه فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى جهته الأخرى فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه كان حزامه ولببه من جلد ما اتقن في دبغه فلما خرج أصابت الشمس الحزام واللبب فيبسا واشتد عليه فورم موضع اللبب والمحزم واشتد به الضرر وقوي به الجوع ومضت عليه أيام فتزايد
[ ١ / ١٨٧ ]
ضعفه وعجز عن المشيء فمر به خنزير فهم بقتله فرآه ضعيفا جدًا فسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من أضرام اللجام واللبب والحزام وسأله أن يصنع معه معروفًا ويخلصه مما هو فيه فسأله الخنزير عن الذنب الذي أوقعه في تلك العقوبة فزعم الفرس أن لا ذنب له فقال له الخنزير كذبت ولو صدقت خلصتك مما أنت فيه، ومن جهل ذنوبه وأصرّ عليها لم يرج فلاحه فحدثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك وعن حالك قبل ذلك فصدقه الفرس وأخبره بجميع أمره وكيف كان عند فارسه مكرما وكيف فارقه وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير فقال الخنزير قاتلك الله لقد كفرت النعم وأكثر الذنوب، منها خلافك لفارسك الذي بالغ في الإحسان إليك وأعدك لمهماته ومنها كفرك إحسانه ومنها تعديك على ما ليس لك وهو السرج واللجام ومنها اساءتك لنفسك بتعاطيك التوحش الذي لست من أهله ولا لك عليه مقدرة ومنها إصرارك على ذنبك وكنت قادرًا على العود إلى فارسك قبل أن يوهنك اللجام والجوع والحزام واللبب بالألم فقال الفرس للخنزير قد عرفت ذنبي فانطلق عني ودعني فإني أستحق أضعاف ما أنا فيه فقال الخنزير بعد أن عرفت وعدت على نفسك باللوم واخترت لها العقوبة على جهلها تعين الشروع في خلاصك ثم إن الخنزير قطع عذرا اللجام فسقط وقطع الحزام فنفس عن الفرس قال فلما سمع عين أهله ما خاطبته به العجوز قال لها صدقت فيما نطقت
[ ١ / ١٨٨ ]
قد أدبتيني فتأدبت ثم أعلمها بخبره ثم رغبها في أن تمنَّ عليه بالخلاص كما فعل الخنزير بالفرس فقالت العجوز الذي سألتني لا يمكنني فعله الآن ولعلي أجد لك فرجا ومخرجا عن قريب فعليك بالصبر وأمسكت العجوز عن مخاطبته قال فلما انتهى الوزير في حديثه إلى هذه الغاية أقبل على المطران وقال إني أحس في أعضائي فتورًا وفي رأسي صداعا ولم أقدر الليلة على إتمام الحديث ولعلي أكون الليلة القابلة نشيطا إلى ذلك فنهض إلى مضجعه فجعل سابور يتأمل حديث الوزير ويتأمل الأمثال التي ضربها له ودسها في المسامرة ففهم أن الوزير كنَّى عن سابور بعين أهله وكنَّى عن مملكته بسيدة الناس وكنَّى عن بلاد الروم بسيدة الذهب وكنَّى عن قيصر بالذئب الذي ذكر أنه بعل سيدة الذهب وكنَّى عن طموح نفس سابور إلى مملكة الروم بطموح نفس عين أهله إلى رؤية سيدة الذهب وكنَّى عن أخذ قيصر له بقبض الذئب على عين أهله وكنَّى عن نفسه وحاله وعجزه بالعجوز وأنه ساع في خلاصه فاستروح سابور ريح الفرج فسكنت نفسه ووثق بوزيره فلما كانت الليلة القابلة وتعشى المطران وأخذ مقعده للمسامرة قال الوزير أيها الحكيم الراهب أخبرني عن ما كان من أمر عين أهله وهل خلصته العجوز من وثاق الذئب أم لا فقال الوزير سمعا وطاعة فشرع في حديثه وقال إن عين أهله أقام على حالته عدة أيام وكل يوم يدخل
[ ١ / ١٨٩ ]
عليه الذئب ويهدده بالقتل ويزيده قيدًا ثم إن العجوز جاءته في بعض الليالي وأضرمت لها بالقرب منه نارًا وجلست تصطلي ثم أقبلت على عين أهله وقالت له ساعدني على خلاصك بالصبر فقال لها عين أهله وهان على الطليق ما لقي الأسير فقالت العجوز حداثة سنك قصرت فهمك عن إدراك الحقائق أفتسمع حديثًا لك فيه سلوة قال نعم فقالت العجوز ذكروا أن بعض التجار كان له ولد وكان مشغوفا به فأتحفه بعض معارفه بخشف غزال فعلق قلب الصبي بذلك الخشف الصغير فكان لا يفارقه وجعلوا في جيده حليا نفيسًا وربطوا له شاة ترضعه حتى
اشتد ونجم قرناه فأعجبه بريقهما وسوادهما وقال لأهله ما هذا الذي ظهر في رأس الخشف قالوا قرناه وقالوا له إنهما سيكبران ويطولان فقال الغلام لأبيه إني أحب أن أرى غزالا كبيرا له قرنان كاملان فأمر أبوه بعض الصيادين أن يصيد له غزالا كبيرا فأحضر له غزالا قد استكمل قوة ونموا فأعجب الغلام وحلى جيده أيضا فتأنس الغزال الكبير بالخشف الصغير للمجانسة الطبيعية فقال الخشف للغزال ما كنت أظن لي في الأرض شكلا قبل أن أراك فقال له الغزال إن أشكالك كثيرة فقال الخشف وأين هي فأخبره الغزال بتوحشها وانفرادها في فلوات الأرض وتناسلها فارتاح الخشف لذلك وتمنى أن يراها فقال له الغزال هذه أمنية لا خير لك فيها لأنك نشأت في رفاهية من العيش ولو تحصلت على ما تمنيت لندمت
[ ١ / ١٩٠ ]
فقال الخشف للغزال لابد من اللحاق بأشكالي فلما رأى الغزال أن الخشف غير راجع لم يجد بدا من قضاء اربه لحرمة الألفة فرصدا وقتا وخرجا معا حتى لحقا بالصحراء فلما عاينها الخشف فرح ومرح ومر يعدو ولا يلتفت إلى ما وراءه فسقط في اخدود ضيق قد قطعه السيل فانتظر أن يأتيه الغزال فيخلصه فلم يأته وأما ولد التاجر فإنه تنكد لفقد الخشف والغزال وأشفق أبوه فاستدعى كل من يعاني الصيد فعرفهم القصة وكلفهم طلب الخشف والغزال ووعدهم بالمكافأة على ذلك وركب التاجر معهم وفرق أتباعه على أبواب المدينة ينتظرون من يأتي من الصيادين وانطلق هو وعبيده حتى دخلوا الصحراء فرأوا على بعد رجلا منكبا على شيء بين يديه فأسرعوا نحوه فرأوا صيادا قد أوثق غزالا كبيرا وقد عزم على ذبحه فتأمله التاجر فإذا هو الغزال الكبير الذي لولده فخلصه من الصياد وأمر عبيده ففتشوه فوجدوا معه الحلي الذي كان على الغزال فسأله كيف ظفر به وأين وجده فقال إني بت في هذه الصحراء ونصبت شركا ومكثت قريبا منه فلما أصبحت مر عليَّ الغزال ومعه خشف يعدو ويمرح في جهة غير جهة الشرك وجاء هذا الغزال يمشي حتى حصل فيه فقنصته وقصدت به المدينة فلما بلغت هذا الموضع ظهر لي أني مخطىء في إدخال هذا الظبي إلى المدينة حيا لعلمي أنه إذا رؤي حيا طولبت بما كان عليه من الحلي فرأيت أن أذبحه وأدخل به لحما فهذا خبري فقال له التاجر لقد جنى عليك
[ ١ / ١٩١ ]
طمعك الخيبة فماذا عليك لو اطلقته وخلصت ما كان عليه من الحلي ثم إن التاجر أرسل الغزال إلى ولده مع أحد عبيده وقال للصياد ارجع معي فارني الجهة التي رأيت الخشف سعى نحوها فرجع به إلى تلك الجهة فسمع من قريب صوته فصاح به التاجر فعرف الخشف صوته فصرَّت فسمع التاجر الصوت فأدركه فإذا هو في ذلك الأخدود ملقى فأخذوه ووهب التاجر للصياد ما رضي به وصرفه ورجع التاجر بالخشف إلى ولده فكملت مسرة الغلام لذلك وجهد أهله بكل حيلة أن يجمعوا بين الخشف والغزال فلم يقدروا على ذلك فبينما الخشف نائم في كناسه إذ دخل عليه الغزال فايقظه وعاتبه على نفاره منه فقال الخشف أما أنت الذي غدرت وقد علمت احتياجي في غربتي إلى معاونتك فقال له والله ما أخرني عن ذلك إلا وقوعي في شرك الصياد وقص عليه القصة فقبل عذره وعادا إلى الألفة كما كانا فلما سمع عين أهله خطاب العجوز فهم كنايتها عن عجزها في تخليصه أمسك عن خطابها قيل فلما انتهى وزير سابور من حديثه إلى هذا الحديث سكت فقال له المطران أيها الحكيم الراهب ما هذا السكوت فقال الوزير قد عاودني ذلك الفتور الذي أجده في أعضائي فقال المطران لا تفعل فإن ذلك يشق علي فقال الوزير نعم أفعل ذلك طلبا لمرضاتك ثم اندفع يحدثه قال وبات عين أهله تلك الليلة في أضيق
[ ١ / ١٩٢ ]
الأحوال ولما اصبح دخل عليه الذئب فنال منه وهدده بالقتل وخرج من عنده فجعل يعلل نفسه بقية نهاره ويمنيها بالفرج فلما أقبل في تلك الليلة فأقبل على البكاء حتى مضى جانب من الليل ثم قال للعجوز لم أحظ في هذه الليلة بمؤانستك فقالت له قد جرحت قلبي لقولك لي هان على الطليق ما لقي الأسير لو اعتبرت باطن حالي لعلمت أن أسري اشد من أسرك فاستمع لي أحدثك. واعلم أيها الفتى أني كنت زوجة لبعض الفرسان وكان لي محبا فكنت معه في ارغد عيش وولدت له أولادا كثيرة فغضب الملك على زوجي لأمر كان منه فقتله وقتل أولادي الذكور وباعني أنا وبناتي فاشتراني هذا الفارس الذي عدا عليك واحتملني إلى هذه البلدة وأساء إلى وكلفني من العمل ما لا أطيق ولي معه على هذه الحالة سبع سنين ثم
فررت منه فظفر بي فقطع يديد وعود عسفي ومضرتي وقد عزمت على تخليصك الليلة وما أشك أنه يقتلني وجل قصدي ذلك لأجل الراحة مما أنا فيه ولأجل ذلك أنا أكثر الدخول والخروج إليك وأنا في غاية الحيرة من الفزع والجزع ثم أنها فتحت قيود عين أهله وقطعت وثاقه وتناولت سكينا لتقتل نفسها فقال لها عين أهله وإن تركتك تقتلين نفسك فقد شاركتك في دمك وانتزع السكين من يدها وقال لها قومي اذهبي معي لكي ننجو معا أو نعطب معا فقالت إن كبر سني وضعف بصري يمنعاني من اتباعك فقال لها عين أهله إن الليل متسع والموضع الذي أنا فيه قريب ولي قوة على حملك فقالت له العجوز إذا عزمت على هذا فإني لا أحوجك إلى حملي وخرجا معا فلم ينقض الليل حتى بلغا حيث أمنا فجزاها عين أهله خيرا على ما صنعت واتخذها أمّا، فهذا ما بلغني من ذلك فقال المطران ما أعجب أحاديثك أيها الحكيم ولقد وددت أني لا أفارقك أبدا ونهض كل واحد منهما إلى مضجعه وبات سابور يتصفح حديث وزيره ويتأمل أمثاله ففهم أن الخشف مثل سابور وأن الغزال الكبير مثل الوزير وأن خروج الخشف مع الغزال إلى الصحراء وحصول الخشف في الأخدود مثل لصحبة سابور بوزيره لتأخره عن استنقاذه وتحقق أن الوزير قد عزم على خلاصه والخروج به إلى المدينة ليلا وأن المدينة قريبة منهما وأنه يحمله إن عجز عن المشي فأيقن سابور بالفرج ولما كانت الليلة القابلة تلطف وزير سابور حتى دخل الخيمة التي يطبخ بها الطعام للمطران وبها الموكلون بقبة سابور نائمون ينتظرون الطعام فتحيل إلى أن ألقى في الطعام مرقدا قوي الفعل ولما حضر طعام المطران انفرد الوزير بأكل زاده على ما جرت به العادة فلم تكن إلا ساعة حتى صرع القوم فبادر الوزير إلى فتح باب البقرة واستخرج سيده وأزال الجامعة عن عنقه ويديه وتلطف حتى أخرجه من عسكر قيصر وقصد به المدينة فانتهيا معا إلى سورها فصرخ بهم الموكلون فتقدم الوزير إليهم وأمرهم بخفض أصواتهم وأعلمهم بسلامة الملك سابور ثم عرفهم نفسه فابتدروا لهما وأدخلوهما المدينة فقويت نفوس أهلها وأمرهم سابور بالاجتماع وفرق فيهم السلاح وأمرهم أن يأخذوا أهبتهم فإذا ضربت نواقيس النصارى الضرب الأول يخرجون من المدينة ويفترقون على عسكر الروم فإذا ضربت النواقيس الضرب الثاني يحملون بأجمعهم فامتثلوا أمره ثم أن سابور انتخب كتيبة عظيمة فيها شجعان أساورته ووقف معهم ما يلي الجهة التي فيها أخبية قيصر فلما ضربت النواقيس الضرب الثاني حملوا من كل جهة وقصد سابور أخبية قيصر ولم يكن الروم متأهبين لعلمهم بضعف الفرس عن مقاومتهم وسد أبوابهم فما شعروا حتى دهموهم وأخذ سابور قيصر أسيرا وغنم جميع ما في عسكره واحتوى على جميع خزائنه ولم ينج من جنوده إلا اليسير ثم عاد سابور إلى مدينته ودار مملكته فقسم الغنائم بين أهل عسكره وأحسن إلى حفظة ملكه وفوض جميع أموره إلى الوزير ثم أنه أحضر قيصر فلاطفه وأكرمه وقال له إني مبق عليك كما أبقيت علي وغير مجاز لك على التضييق ولكن آخذك بإصلاح ما أفسدت من جميع ملكي فتبني ما هدمت وتغرس جميع ما قلعت وتطلق كل ما عندك ما أسارى الفرس. فضمن له جميع ذلك ووفى به فلما أتم سابور ما أراد من ذلك كله أحسن إلى قيصر وأطرفه وجهزه إلى دار ملكه واستمر قيصر على مهادنته والانقياد إلى طاعته انتهى. فظفر بي فقطع يديد وعود عسفي ومضرتي وقد عزمت على تخليصك الليلة وما أشك أنه يقتلني وجل قصدي ذلك لأجل الراحة مما أنا فيه ولأجل ذلك أنا أكثر الدخول والخروج إليك وأنا في غاية الحيرة من الفزع والجزع ثم أنها فتحت قيود عين أهله وقطعت وثاقه وتناولت سكينا لتقتل نفسها فقال لها عين أهله وإن تركتك تقتلين نفسك فقد شاركتك في دمك وانتزع السكين من يدها وقال لها قومي اذهبي معي لكي ننجو معا
[ ١ / ١٩٣ ]
أو نعطب معا فقالت إن كبر سني وضعف بصري يمنعاني من اتباعك فقال لها عين أهله إن الليل متسع والموضع الذي أنا فيه قريب ولي قوة على حملك فقالت له العجوز إذا عزمت على هذا فإني لا أحوجك إلى حملي وخرجا معا فلم ينقض الليل حتى بلغا حيث أمنا فجزاها عين أهله خيرا على ما صنعت واتخذها أمّا، فهذا ما بلغني من ذلك فقال المطران ما أعجب أحاديثك أيها الحكيم ولقد وددت أني لا أفارقك أبدا ونهض كل واحد منهما إلى مضجعه وبات سابور يتصفح حديث وزيره ويتأمل أمثاله ففهم أن الخشف مثل سابور وأن الغزال الكبير مثل الوزير وأن خروج الخشف مع الغزال إلى الصحراء وحصول الخشف في الأخدود مثل لصحبة سابور بوزيره لتأخره عن استنقاذه وتحقق أن الوزير قد عزم على خلاصه والخروج به إلى المدينة ليلا وأن المدينة قريبة منهما وأنه يحمله إن عجز عن المشي فأيقن سابور بالفرج ولما كانت الليلة القابلة تلطف وزير سابور حتى دخل الخيمة التي يطبخ بها الطعام للمطران وبها الموكلون بقبة سابور نائمون ينتظرون الطعام فتحيل إلى أن ألقى في الطعام مرقدا قوي الفعل ولما حضر طعام المطران انفرد الوزير بأكل زاده على ما جرت به العادة فلم تكن إلا ساعة حتى صرع القوم فبادر الوزير
[ ١ / ١٩٤ ]
إلى فتح باب البقرة واستخرج سيده وأزال الجامعة عن عنقه ويديه وتلطف حتى أخرجه من عسكر قيصر وقصد به المدينة فانتهيا معا إلى سورها فصرخ بهم الموكلون فتقدم الوزير إليهم وأمرهم بخفض أصواتهم وأعلمهم بسلامة الملك سابور ثم عرفهم نفسه فابتدروا لهما وأدخلوهما المدينة فقويت نفوس أهلها وأمرهم سابور بالاجتماع وفرق فيهم السلاح وأمرهم أن يأخذوا أهبتهم فإذا ضربت نواقيس النصارى الضرب الأول يخرجون من المدينة ويفترقون على عسكر الروم فإذا ضربت النواقيس الضرب الثاني يحملون بأجمعهم فامتثلوا أمره ثم أن سابور انتخب كتيبة عظيمة فيها شجعان أساورته ووقف معهم ما يلي الجهة التي فيها أخبية قيصر فلما ضربت النواقيس الضرب الثاني حملوا من كل جهة وقصد سابور أخبية قيصر ولم يكن الروم متأهبين لعلمهم بضعف الفرس عن مقاومتهم وسد أبوابهم فما شعروا حتى دهموهم وأخذ سابور قيصر أسيرا وغنم جميع ما في عسكره واحتوى على جميع خزائنه ولم ينج من جنوده إلا اليسير ثم عاد سابور إلى مدينته ودار مملكته فقسم الغنائم بين أهل عسكره وأحسن إلى حفظة ملكه وفوض جميع أموره إلى الوزير ثم أنه أحضر قيصر فلاطفه وأكرمه وقال له إني مبق عليك كما أبقيت علي وغير مجاز لك على التضييق ولكن آخذك بإصلاح ما أفسدت من جميع ملكي فتبني ما هدمت وتغرس جميع ما قلعت وتطلق كل ما عندك ما أسارى الفرس. فضمن
[ ١ / ١٩٥ ]
له جميع ذلك ووفى به فلما أتم سابور ما أراد من ذلك كله أحسن إلى قيصر وأطرفه وجهزه إلى دار ملكه واستمر قيصر على مهادنته والانقياد إلى طاعته انتهى.
ومن لطائف المنقول قصة أرينب بنت اسحق زوج عبد الله بن سلام كان عبد الله بن سلام واليا بالعراق من قبل معاوية وكانت أرينب بنت اسحق زوجا له وهي من أجمل نساء عصرها وأحسنهن أدبا وأكثرهن مالا وكان يزيد ابن معاوية قد هام بجمالها وأدبها على السماع وبما بلغه عنها من حسن الخلق والخُلق وفتن بها فلما عيل صبره خص بسره خصيصا بمعاوية اسمه رفيف فذكر ذلك رفيف لمعاوية وذكر شدة شغف يزيد بها فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره فبث له شأنه فقال معاوية: مهلا يا يزيد قال علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل فقال معاوية وأين حجاك ومروءتك فقال له يزيد قد عيل الحجى ونفد الصبر قال يا بني ساعدني على أمرك بالكتمان والله بالغ أمره وكانت أرينب بنت اسحق قد سارت بذكر جمالها الركبان وضربت بها الأمثال فأخذ معاوية في الحيلة حتى يبلغ يزيد رضاه وينال غرضه ومناه فكتب إلى عبد الله ابن سلام يستحثُّه على الحضور لمصلحة عينّها له وكان معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء صاحبا الرسول ﷺ فلما قدم عليه عبد الله بن سلام الشام أعد له معاوية منزلا حسنا ونقله إليه وبالغ في إكرامه ثم قال لأبي هريرة وأبي الدرداء أن ابنتي قد بلغت وأريد انكاحها وقد رضيت
[ ١ / ١٩٦ ]
عبد الله بن سلام لدينه وشرفه وفضله وأدبه وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى ولكن أرجو أن لا تخرج عن رأيي إن شاء الله تعالى فخرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد الله بن سلام بالذي قال لهما معاوية ثم دخل معاوية على ابنته فقال لها إذا دخل عليك ابو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك عبد الله بن سلام وإنكاحي إياك منه وحضاك على المسارعة إلى رضائي فقولي لهما عبد الله بن سلام كفء كريم غير أن تحته أرينب بنت اسحق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء ولست بفاعلة حتى يفارقها وأما أبو الدرداء وأبو هريرة فإنهما لما وصلا إلى عبد الله بن سلام أعلماه بما قال لهما معاوية فردهما خاطبين عنه فلما مثلا بين يدي معاوية قال إني كنت أعلمتكما أنني جعلت لها في نفسها شورى فادخلا عليها واعلمها بما رأيت لها فدخلا وأعلماها بذلك فأبدت ما قرره أبوها عندها من قبل فعادا إلى عبد الله بن سلام فأعلماه بذلك ففهم المراد وأشهدهما عليه بطلاق أرينب وبعثهما إليه خاطبين فلما دخلا على معاوية أعلماه بطلاق أرينب فأظهر معاوية كراهية ذلك وقال ما استحسنت طلاق زوجته ولا أحببته فانصرفا في عافية وعودا غلينا وكتب إلى ابنه يزيد يعلمه بما كان من طلاق عبد علله بن سلام لأرينب بنت اسحق وعاد بعد ذلك أبو الدرداء وأبو هريرة إلى معاوية فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها وهو يقول
[ ١ / ١٩٧ ]
لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت الشورى في نفسها فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله ابن سلام امرأته ليسرها بذلك وذكرا فضله وشرفه وكرمه ومروءته فقالت جف القلم بما هو كائن ولا أنكر شرفه وفضله وإني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ولا قو إلا بالله فإن يك صدر هذا اليوم ولّى فإن غدًا لناظره قريب ثم تزايد حديث الناس بطلاق أرينب وخطبة ابنة معاوية واستحث عبد الله أبا الدرداء وأبا هريرة فاتياها فقال لها اصنعي ما أنت صانعة واستخيري الله فقالت أرجو والحمد لله أن يكون الله قد اختار لي فإنه لا يكل إلى غيره وقد سبرت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه والآمر به فلما بلغه كلامها علم أنه حيلة وأنه مخدوع وقال متعزيا ليس لأمر الله راد ولعل ما سرّوا به لا يدوم لهم سروره قال وذاع أمره وفشا في الناس وقالوا خدعه معاوية حتى طلق امرأته لغرض ابنه بئس ما صنع ثن إن معاوية بعد انقضاء أيامها المعلومة وجه أبا الدرداء إلى العراق خاطبًا لها على ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ فقال أبو الدرداء إلى قدم العراق ما ينبغي لذي عقل أن يبدأ بشيء قبل زيارة الحسين سيد شباب أهل الجنة إذا دخل موضعا هو فيه فقصد الحسين ﵁ فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالا
[ ١ / ١٩٨ ]
لصحبته لجده ﷺ وقال ما أتى بك يا أبا الدرداء قال وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت اسحق فرأيت عليَّ حقا أن لا أبدأ بشيء قبل السلام عليك فشكره الحسين على
ذلك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم. لك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله
[ ١ / ١٩٩ ]
عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى
[ ١ / ٢٠٠ ]
تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم.
ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن يوسف المهمندار المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى الأمير شجاع الدين محمد الشيرازي متولي القاهرة في الأيام الكاملية سنة ثلاث وستمائة قال بتنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد فأكرمنا وكان الرجل شديد السمرة وهو شيخ كبير فحضر له أولاد بيض الوجوه حسان الأشكال فقلنا له هؤلاء أولادك فقال نعم وكأني بكم وقد
[ ١ / ٢٠١ ]
أنكرتم بياضهم فقلنا له نعم: قال هؤلاء أمهم إفرنجية أختها في أيام الملك الناصر صرح الدين وأنا شاب فقلنا وكيف أخذتها قال حديثي بها عجيب قلنا أتحفنا به قال: زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته فانصرف عليه خمسمائة دينار ولم يبلغ الثمن إلى أكثر من ذلك فحملته إلى القاهرة فلم يصل إلى أكثر من ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام فحملته فما زاد على تلك القيمة شيئا فوصلت به إلى عكا فبعت بعضه بالأجل والبعض تركته عندي واكتريت حانوتا أبيع فيه على مهلي إلى حيث انقضاء المدة فينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة إفرنجية ونساء الأفرنج يمشون في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا فرأيت من جمالها ما بهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وعادت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من الكرَّة الأولى فتكررت إلي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي معها أنني قد تلفت بحبها وأريد منك الحيلة فقالت لها ذلك فقالت تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأ، ت وهو فقلت لها: قد سمحت بروحي في حبها واتفق الحال على أن أدفع خمسين دينارا صورته فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت نحن الليلة عندك فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلواء فجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم فقلت في نفسي أما تستحي من الله وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية اللهم أني قد عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك ثم نمت
[ ١ / ٢٠٢ ]
إلى الصبح فنامت إلى الصبح وقامت في السحر وهي غضبى ومضت ومضيت أنا إلى حانوتي فجلست فيه وإذا هي قد عبرت علي هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر فهلكت فقلت في نفسي من هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها ثم لحقت العجوز وقلت ارجعي فقالت وحق المسيح ما أرجع إليك إلا بمائة دينار فقلت نعم رضيت فوزنت مائة دينار فلما حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى ثم مضت ومضيت إلى موضعي ثم عبرت بعد ذلك علي وكانت مستغربة فقالت وحق المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمدًا فارتعدت لذلك وعزمت أنني اصرف عليها ثمن الكتان جميعه فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي معاشر المسلمين إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة فانقضت عني وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتان الذي لي والمصالحة على ما بقي منه وأخذت معي بضاعة حسنة وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة ومنّ الله بكسب وافر وأخذت أتجر في الجواري عسى أن يذهب ما بقلبي من الإفرنجية فمضت ثلاث سنين وجرى للسلطان الملك الناصر ما جرى من وقعة حطين وأخذه جميع الملوك وفتحه بلاد الساحل بإذن الله تعالى فطلب مني جارية للملك الناصر فأحضرت جارية حسناء فاشتريت له ني بمائة
[ ١ / ٢٠٣ ]
دينار فأوصلوا إلى تسعين دينارا وبقيت لي عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم لأنه أنفق جميع الأموال فشاوروه على ذلك فقال امضوا به إلى الخزانة التي فيها السبي من نساء الإفرنج فخيروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة الدنانير التي له فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي الإفرنجية فقلت أعطوني هاتيك فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها وقلت لها أتعرفينني قالت لا فقلت أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت مني الذهب وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكا بعشرة دنانير فقالت مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأسلمت وحسن إسلامها فقلت والله لا وصلت غليها إلا بأمر القاضي فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى فعجب وعقد لي عليها وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني ثم رحل العسكر وأتينا دمشق وبعد مدة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك فردوا من كان أسيرًا من الرجال والنساء ولم يبق إلا التي
عندي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام. دي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه
[ ١ / ٢٠٤ ]
وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام.
ومن لطائف المنقول من المتجاد قال الواقدي كان إبراهيم بن المهدي قد ادعى الخلافة لنفسه بالريّ وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وله أخبار كثيرة أحسنها عندي ما حكاه لي، قال: لّما دخل المأمون الري في طلبي وجعل لمن أتاه بي مائة ألف درهم خفت على نفسي وتحيرت في أمري فخرجت من داري وقت الظهر وكان يوما صائفا وما أدري أين أتوجه فوقفت في شارع غير نافذ وقلت إنا لله وإنا إليه راجعون إن عدت على أثري يرتاب في أمري فرأيت في صدر الشارع عبدا أسود قائما على باب دار فتقدمت إليه وقلت هل عندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار نعم وفتح الباب فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر وبسط ووسائد جلود إلا أنها نظيفة ثم أغلق الباب علي ومضى فتوهمته قد سمع الجعالة فيَّ وأنه خرج ليدل عليّ، فبقيت على مثل النار فبينما أنا كذلك إذ أقبل
[ ١ / ٢٠٥ ]
حمال عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم وقدر جديدة وجرة نظيفة وكيزان جدد فحط عن الحمال ثم التفت إلي وقال جعلني الله فداك أنا رجل حجَّام وأنا أعلم أنك تتقرف مني لما أتولاه من معيشتي فشأنك بما لم تقع عليه يد وكان بي حاجة إلى الطعام فطبخت لنفسي قِدْرًا ما أذكر أني أكلت مثلها فلما قضيت أربي من الطعام قال هل لك في شراب فإنه يسلي الهم فقلت ما أكره ذلك رغبة في مؤانسته فأتى بقطرميز جديد لم تمسه يد وجاءني بدست شراب مطينة وقال لي روق لنفسك فروقت شرابا في غاية الجودة وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت فخار جدد ثم قال بعد ذلك أتأذن لي جعلت فداءك أن اقعد ناحية وآتي بشرابي فاشربه سرورا بك فقلت به افعل فشربت وشرب ثم دخل إلى خزانة له فأخرج عودا مصفحا ثم قال يا سيدي ليس من قدري أن أسألك في الغناء ولكن قد وجبت على مروءتك حرمتي فإن رأيت أن تشرف عبدك فلك علو الرأي فقلت ومن أين لك أني أحسن الغناء فقال يا سبحان الله مولانا اشهر من ذلك أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن دله عليك مائة ألف درهم فلما قال ذلك عظم في عيني وثبتت مروءته عندي فتناولت العود وأصلحته وغنيت وقد مر بخاطري فراق أهلي وولدي:
وعسى الذي أهدى ليوسفَ أهله وأعزَّه في السجن وهو أسيرُ
أن يستجيب لنا فيجمعَ شملنا والله ربُّ العالمين قديرُ
[ ١ / ٢٠٦ ]
فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه كثيرًا ومن شدة طربه وسروره قال لي يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح بخاطري وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت هذا زيادة في أدبك ومروءتك فأخذ العود وغنى:
شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم سريعًا ولا يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضرُّ بذي الهوى جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فو الله أحسست بالبيت قد سار بي وذهب عني كل ما كان بي من الهلع وسألته أن يغني فغنى:
تعِّيرنا أنّا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرّنا إنّا قليلٌ وجارنا عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
وإنّا لقومٌ لا نرى القتل سُبَّةً إذا ما رأته عامرٌ وسلول
يقرِّبُ حبُّ آجالَنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
فداخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر فلم أستيقظ إلا بعد المغرب فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام وحسن أدبه وظرفه فقمت وغسلت وجهي وأيقظته وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير لها قيمة فرميت بها إليه وقلت له استودعتك الله فإنني ماض من عندك وأسألك أن تصرف ما في
[ ١ / ٢٠٧ ]
هذه الخريطة في بعض مهماتك ولك عندي المزيد أن أمنت من خوفي فاعادها علي منكَّدًا وقال: يا سيدي أن الصعاليك منا لا قدر لهم عندكم أآخذ على ما وهبنيه الزمان من قربك وحلولك عندي ثمنا والله لئن راجعتني في ذلك لأقتلنَّ نفسي فاعدت الخريطة إلى كمّي وقد أثقلني حملها فلما انتهيت إلى باب داره قال لي يا سيدي إن هذا المكان أخفى لك من غيره وليس في مؤنتك عليّ ثقل فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك فرجعت وسألته أن ينفق من تلك الخريطة ولم يفعل فأقمت عنده أياما على تلك الحالة في الذ عيش فتذممت من الإقامة في مؤنته واحتشمت من التثقيل عليه فتركته وقد مضى يجدد لنا حالا وقمت فتزييت بزي النساء بالخف والنقاب وخرجت فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر الجسر فإذا أنا بموضع مرشوش بماء فبصر بي جندي ممن كان يخدمني فعرفني فقال هذه حاجة المأمون فتعلق بي فمن حلاوة الروح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزلق فصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ودخلت شارعا فوجدت باب دار وامرأة واقفة في دهليز فقلت يا سيدة النساء أحقني دمي فإني رجل خائف فقالت على الرحب وأطلعتني إلى غرفة مفروشة وقدمت لي طعاما وقالت ليهدأ روعك فما علم بك مخلوق وإذا بالباب يدق دقا عنيفا فخرجت وفتحت الباب وإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر وهو مشدوخ
[ ١ / ٢٠٨ ]
الرأس ودمه يجري على ثيابه وليس معه فرس فقالت يا هذا ما دهاك فقال ظفرت بالمغنِّي وأنفلت عنّي، فأخبرها بالحال فأخرجت خرقا وعصبته بها وفرشت له ونام عليلا وطلعت إلى وقالت أظنك صاحب القصة فقلت نعم قالت لابأس عليك ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثا ثم قالت إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك فينّم بك فانج لنفسك فسالتها المهلة إلى الليل ففعلت فلما دخل الليل لبست زي النساء وخرجت من عندها فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله على سلامتي وخرجت كأنها تريد السوق للاهتمام بالضيافة فظننت خيرا فما شعرت إلا إبراهيم الموصلي بنفسه في خيله ورجله والمولاة معه حتى سلمتني إليه فرأيت الموت عيانا وحملت بالزي الذي أنا فيه إلى المأمون فجلس مجلسا عاما وأدخلني إليه فلما مثلت بين يديه سلمت عليه بالخلافة فقال لا سلم الله عليك ولا حياك ولا رعاك فقلت له على رسلك يا أمير المؤمنين، إن وليَّ الثأر محكّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل عفو كما جعل ذنبي فوق كل ذنب فإن تأخذ فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم أنشدت:
ذنبي إليك عظيمٌ وأنت أعظَمُ منه
فخذ بحقّك أولا فاصفح بحلمك عنه
إن لم أكن في فعالي من الكرام فكنه
فرفع إلي رأسه فبدرته وقلت:
[ ١ / ٢٠٩ ]
أتيت ذنبًا عظيمًا وأنت للعفو أهل
فأن عفوت فمنٌّ وإن جزيت فعدل
فرق المأمون واستروحت روائح الرحمة من شمائله ثم أقبل على ابنه العباس وأخيره أبي اسحق وجميع من حضر خاصته فقال ما ترون في أمره فكلُّ أشار بقتلي إلا أنهم اختلفوا في القتلة كيف تكون فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد ما تقول يا أحمد فقال يا أمير المؤمنين: إن تقتله وجدنا مثلك قتل مثله وإن عفوت عنه لم نجد مثلك عفا عن مثله فنكس المأمون رأسه وجعل ينكت في الأرض وأنشد متمثلا:
قومي همُ قتلوا أميمَ أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فكشفت المقنعة عن رأسي وكبرت تكبيرة عظيمة وقلت عفا والله عني أمير المؤمنين فقال المأمون لا بأس عليك يا عم فقلت ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أتفوه معه بعذر وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر ولكن أقول:
إن الذي خلق المكارم حازها في صُلب آدم للإمام السابع
مُلئتْ قلوبُ الناس منك مهابةً وتظلُّ تكلؤهم بقلبٍ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّني أسبابها إلاَّ بنيّة طائع
فعفوت عمن لم يكن عن مثله عفوٌ ولم يشفع إليك بشافع
ورحمت أطفالًا كأفراخ القطا وحنين والدةٍ بلبٍّ جازع
فقال المأمون لا تثريب عليك اليوم قد عفوت عنك ورددت عليك مالك وضياعك فقلت:
رددت مالي ولم تبخل عليَّ به وقبل ردِّك مالي قد حقنت دمي
[ ١ / ٢١٠ ]
فلو بذلتُ دمي أبغي رضاك به والمالَ حتى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريةٍ رجعت إليك لو لم تعرها كنت لم تلم
فإن جحدتك ما أوليتَ من كرمٍ إني إلى اللؤم أولى منك بالكرم
فقال المأمون: إن من الكلام درًا وهذا منه: وخلع عليه وقال يا عم إن أبا إسحق والعباس أشارا بقتلك فقلت إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين ولكن أتيت بما أنت أهله ودفعت ما خفت بما رجوت فقال المأمون يا عم أمنت حقدي بحياة عذرك وقد عفوت عنك ولم أجرعك مرارة امتنان الشافعين ثم سجد المأمون طويلا ورفع رأسه وقال يا عم أتدري لم سجدت قلت شكرًا لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك فقال ما أردت هذا ولكن شكرًا لله الذي ألهمني العفو عنك فحدثني الآن حديثك فشرحت له صورتة أمري وما جرى لي مع الحجام والجندي والمرأة والمولاة التي نَّمت عليَّ فأمر المأمون بإحضارها وهي في دارها تنتظر الجائزة فقال لها ما حملك على ما فعلت مع سيدك فقالت الرغبة في المال فقال لها هل لك ولد أو زوج قالت لا فأمر بضربها مائتي سوط وخلد سجنها ثم قال أحضروا الجندي وامرأته والحجام فاحضروا فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل فقال الرغبة في المال فقال المأمون أنت يجب أن تكون حجّاما ووكل به ما يلزمه الجلوس في دكان الحجام لتعلم الحجامة وأكرم زوجه وأدخلها إلى القصر وقال هذه امرأة عاقلة تصلح للمهمات ثم قال للحجام
[ ١ / ٢١١ ]
لقد ظهر من مروؤتك ما يوجب المبالغة في إكرامك وسلم إليه دار الجندي بما فيها وخلع عليه وأنعم عليه برزقه وزيادة ألف دينار في كل سنة ولم يزل في تلك النعمة إلى أن مات.
ومما يضارع ذلك أنه لما أفضت الخلفة إلى بني العباس اختفت رجال بني أمية ومهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك وكان إبراهيم رجلًا عالمًا عاملًا أديبًا كاملًا وهو في سن الشبيبة فأخذوا له أمانًا من السفاح فقال له يوما حدثني عما مر بك في اختفائك قال كنت يا أمير المؤمنين مختفيًا بالحيرة في منزل بشارع على الصحراء فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فتخيلت أنها تريدني فخرجت من الدار متنكرا حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحدا أختفي عند فبقيت في حيرة فإذا أنا بباب كبير رحبته واسعة فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه فقال من أنت وما حاجتك فقلت رجل خائف على دمه وقد استجار بمنزلك فأدخلني منزله ثم صيرني في حجرة تلي حرمه وكنت عنده في ذلك على ما أحبه من مطعم ومشرب وملبس لا يسألني عن شيء من حالي إلا أنه يركب في كل يوم ركبة فقلت له يوما أراك تدمن الركوب ففيم ذلك قال إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا وقد بلغني أنه مختف فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري فكثر
[ ١ / ٢١٢ ]
والله تعجبي وقلت القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة فسألت الرجل عن أسمه واسم أبيه فأخبرني فعلمت أن الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه فقلت له يا هذا وجب عليّ حقك ومن حقك أن أدلك على خصمك وأقرب إليك الخطوة قال وما ذاك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال إني أحسبك رجلا قد مضّه الاختفاؤ فأحببت الموت فقلت لا والله ولكن أقول لك الحق يوم كذا وذا بسبب كذا وكذا فلما علم صدقي تغيّر لونه واحمرت عيناه واطرق مليا ثم قال: أمّا أنت فستلقى أبي عند حكم عدل فيأخذ بثأره وأمّا أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن عليك من نفسي وأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه وانصرفت عنه فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين.
ومن لطائف ما نقلته من المستجاد حدث أبو الحسن بن صالح البلخي بمصر قال أخبرني بعض عمال شيوخنا عن شيبة بن محمد الدمشقي قال كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة ابن بشر من بني أسد مشهور بالمروءة والكرم والمواساة وكانت نعمته وافرة فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى أخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليه فواسوه حينا ثم ملوه فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه فقال لها يا بنت العم قد رأيت من اخواني تغيُّرا وقد عزت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت ثم أغلق بابه عليه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا في حاله فكان عكرمة
[ ١ / ٢١٣ ]
الفياض واليا على الجزيرة فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد إذ جري ذكر خزيمة ابن بشر فقال عكرمة ما حاله فقالوا صار في أسوأ الأحوال وقد أغلق بابه ولزم بيته فقال عكرمة الفياض وما سمي الفياض إلا للافراط في الكرم فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا فأمسك عن ذلك فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر باسراج دابته وخرج سرًا من أهله فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ثم سار حتى وقف باب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه فخرج خزيمة فقال له أصلح بهذا شأنك فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له من أنت جعلت فداك قال له ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني قال خزيمة فما أقبله أو تخبرني من أنت قال أنا جابر عثرات الكرام قال زدني قال لا: ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها أبشري فقد أتى الله بالفرج فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة قومي فاسرجي قالت لا سبيل إلى السراج فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه منفردًا فارتابت وشقت جيبها ولطمت خدها فلما رآها تلك الحالة قال لها ما دهاك يا ابنة العم قالت سوء فعلك بابنة عنك، أمير الجزيرة يخرج
[ ١ / ٢١٤ ]
بعد هدأة من الليل منفردًا عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة فقال لقد علم الله ما خرجت لواحدة منهما قالت لابد أ، تعلمني قال فاكتميه إذًا قالت افعل فأخبرها بالقصة على وجهها ثم قال أتحبين أن أحلف لك قالت لا قد سكن قلبي ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه وأصلح من حاله ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه وكان مشهورًا لمروءته وكان الخليفة به عارفا فأذن له فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال يا خزيمة ما أبطأك عنا فقال سوء الحال يا أمير المؤمنين قال فما منعك من النهضة إلينا قال ضعفي قال فمن أنهضك قال لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي وكان منه كيت وكيت وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها فقال هل عرفته قال لا والله لأنه كان متنكرا وما سمعت منه إلا جابر عثرات الكرام قال فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته ثم قال علّي بقناة فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة وعلى عمل عكرمة الفياض وأجزل عطاياه وأمره بالتوجه إلى الجزيرة فخرج خزيمة متوجها إليها فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلم عليه ثم سارا جميعًا إلى أن دخلا البلد فنزل خزيمة في جار الإمارة وامر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة بالمال فقال مالي
[ ١ / ٢١٥ ]
إلى شيء منه سبيل فأمر بحبسه ثم بعث يطالبه فأرسل إليه أني لست ممن يصون ماله لغرضه فأصنع ما شئت فأمر به فكبل بالحديد وضيق عليه وأقام على ذلك شهرًا فأضناه ثقل الحديد وأضر به وبلغ ذلك ابنة عمه فجزعت عليه واغتمت ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي عندي نصيحة فإذا طلبت منك قولي ولا أقولها إلا للأمير خزيمة فإذا دخلت عليه سليه الخلوة فإذا فعل قولي له ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد قال ففعلت ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي قالت نعم فأمر من وقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيرًا قد أضناه الضر فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى
الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعًا إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعًا ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالًا كثيرًا ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعًا ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. لناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعًا إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي
[ ١ / ٢١٦ ]
من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعًا ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالًا كثيرًا ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعًا ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته.
وضارع ذلك من المستجاد أيضا ما روي عن أبي موسى
[ ١ / ٢١٧ ]
محمد بن الفضل بن يعقوب كاتب عيسى بن جعفر قال حدثني أبي قال كنت أتردد إلى زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وأخدمها فتوجهت إلى خدمتها يومًا فقالت أقعد حتى أحدثك حديثًا كان بالأمس يكتب على الآماق، كنت أمس عند الخيزران ومن عادتي أن أجلس بإزائها وفي الصدر مجلس للمهدي يجلس فيه وهو يقصدنا في كل وقت فيجلس قليلًا ثم ينهض فبينما نحن كذلك إذ دخلت علينا جارية من جواريها فقالت أعز الله السيدة، بالباب امرأة ذت جمال وخلقة حسنة ليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية، تستأذن عليك وقد سألتها عن اسمها فامتنعت من أن تخبرني فالتفتت إلي الخيرزان وقالت ما تريدين فقلت أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب فدخلت امرأة من أجمل النساء لا تتوارى بشيء فوقفت بجنب عضادة الباب ثم سملت متضائلة ثم قالت أنا زنة بن مروان بن محمد الأموي فقالت الخيزران لا حيّاك الله ولا قربك فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الأذن في دفن إبراهيم بن محمد فوثبت عليهن وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على تلك الحالة فضحكت مزنة فما أنسى حسن ثغرها وعلو صوتها بالقهقهة، ثم قالت يا بنت العم أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله بي
[ ١ / ٢١٨ ]
على العقوق حتى أردت أن تتأسي بي فيه، والله إن فعلت بنسائك ما فعلت فأسلمني الله لك ذليلة جائعة عريانة، وكان ذلك مقدار شرك لله تعالى على ما أولاك بي، ثم قالت السلام عليكم ثم ولت مسرعة فصاحت بها الخيزران فرجعت، قالت زينب: فنهضت إليها الخيزران لتعانقها فقالت وليس في لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها فقالت الخيزران لها فالحمام إذا وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام فدخلت وطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ثم قالت لها الخيزران هل لك في الطعام فقالت والله ما فيكن أحوج مني إليه فعجعلوه، فأي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت ثم غسلنا أيدينا فقالت لها الخيزران من وراءك مما تعتنين به قالت ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب فقالت إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصوردة من مقاصيرنا وتحولي لها جميع ما تحتاجين إليه ثم لا نفترق إلى الموت فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حولت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكسوة قالت زينب ثم تركناها وخرجنا عنها فقالت الخيزران هذا المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقد مسها الضر وليس يغسل ما في قلبها إلا المال
[ ١ / ٢١٩ ]
فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت إليها وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألنا عن الخبر فحدثته الخيزران حديثها وما لقيتها به فوثب مغضبا وقال للخيزران هذا مقدار شكر الله على أنعمه وقد أمكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها فوالله لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبدًا فقالت الخيزران يا أمير المؤمنين قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علمي المهدي ذلك قال لخادم كان معه أحمل إليها مائة بدرة وأدخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلمًا عليك وقاضيا لحقك فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور فسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنعه وبالغت في الثناء على الخيزران عنده وقالت ما على أمير المؤمنين حشمة إنا في عدد حرمه ثم قامت إلى منزلها، فخلفتها عند الخيزران وهي تتصرف في المنازل والجواري كتصرف الخيزران فأخِّها عندك فإنها من أحسن النوادر.
وروي عن عبد الرحمن بن عمر الفهري عن رجال سماهم، أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من أهل البصرة كانوا قد رموا بالزندقة فحملوا فرآهم أحد الطفيلية قد اجتمعوا بالساحل فقال ما اجتمع هؤلاء إلى لوليمة فدخل معهم ومضى بهم الموكلون إلى البحر وأطلعوهم في زورق قد أعد لهم فقال الطفيلي لا شك أنها نزهة فصعد
[ ١ / ٢٢٠ ]
معهم في الزورق فلم يكن بأسرع من أن قيدوا وقيد الطفيلي معهم فعلم أنه قد وقع ورام الخلاص فلم يقدر وساروا بهم إلى أن دخلوا بغداد وحملوا حتى دخلوا على المأمون مثلوا بين يديه أمر بضرب اعناقهم فاستدعوهم باسمائهم حتى لم يبق إلى الطفيلي وهو خارج عن العدة فقال لهم المأمون من هذا قالوا والله ما ندري يا أمير المؤمنين غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به فقال له المأمون ما قصتك قال يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئا ولا أعرف غير لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إنما رأيتم مجتمعين فظننت أنهم يدعون إلى وليمة فالتحقت بهم قال فضحك المأمون ثم قال بلغ من شؤم التطفل إن أحلّ صاحبه هذا المحل لقد سلم هذا الجاهل من الموت ولكن يؤدب حتى يتوب قال إبراهيم بن المهدي هبّهُ لي وأحدثك بحديث عن نفسي في التطفل عجيب قال المأمون قد وهبته لك هات حديثك قال يا أمير المؤمنين خرجتت يومًا متنكرًا للتنزه فأنتهى بي المشي إلى موضع شممت منه روائح طعام وأبازير قد فاحت فتاقت نفسي إليها ووقفت يا أميرالمؤمنين لا أقدر على المضي فرفعت بصري وإذا بشباك ومن خلفه كفٌّ والمعصم ما رأيت أحسن منهما فوقفت حائرًا ونسيت روائح الطعام بذلك الكفّ والمعصم وأخذت في إعمال الحيلة فإذا خياط من ذلك الموضع فتقدمت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت لمن هذه الدار قال
[ ١ / ٢٢١ ]
لرجل من التجار قلت ما أسمه قال فلان بن فلان فقلت هو ممن يشرب الخمر قال نعم وأحسب اليوم أن عنده دعوة وليس ينادم إلى التجار فبينما نحن في الكلام إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان فأعلمني أنهما أخص الناس بصحبته واعلمني بأسميهما فحركت دابتي فلقيتهما وقلت جعلت فداءكما قد استبطأكما أبو فلان وساررتهما حتى أتيا الباب فدخلت وخلا فلما رآني صاحب الدار معهما لم يشك أني منهما فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ثم جيء بالمائدة فقلت في نفسي هذه الألوان قد منَّ الله عليَّ ببلوغ الغرض منها بقي الكف والمعصم ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة فرأيت مجلسا محفوفا باللطائف وجعل صاحب المجلس يتلطف بي ويقبل عليّ في الحديث لظنه أني ضيف لأضيافه وهم على مثل ذلك حتى شربنا أقداحا إذ خرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة فسلمت غير خجلة وأتي بعود فأخذته وجسَّته فإذا هي حاذقة واندفعت تقول:
أليس عجيبًا أن بيتًا يضمني وإياك لا نخلو ولا نتكلمُ
سوى أعينٍ تبدي سرائرَ أنفسٍ وتقطيعُ أنفاسٍ على النار تُضرم
اشارةُ افواهٍ وغمزُ حواجبٍ وتكسير أجفانٍ وكفٌّ يُسلِّم
فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحذقها وحسن شعرها الذي غنت به فحسدتها وقلت قد بقي عليك يا جارية شيء فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون البغضاء
[ ١ / ٢٢٢ ]
في مجالسكم فندمت على ما كان مني ورأيت القوم قد أنكروا عليَّ ذلك فقلت في نفسي فاتني جميع ما أملت فقلت أثمّ عود قالوا نعم فأحضروا عودًا فأصلحت ما أرت فيه ثم أندفعت فغنيت:
هذا محبّك مطويٌّ على كمده صبٌّ مادامعهُ تجري على جسده
له يدٌ تسأل الرحمن راحتهُ مما به ويدٌ أخُرى على كبده
يا من رأى كلفًا مستبعدًا دنفًا كانت منيتهُ في عينه ويده
فوثبت الجارية فاكبت على رجلي تقبلها وقالت المعذرة إليك يا سيدي والله ما علمت بمكانك ولا سمعت بمثل هذه الصناعة ثم أخذ القوم في إكرامي وتبجيلي بعدما طربوا غاية الطرب وسألني كل منهم الغناء فغنيت لهم نوبات مطربة فغلب القوم السكر وغابت عقولهم فحملوا إلى منازلهم وبقي صاحب المنزل فشرب معي أقداحا ثم قال يا سيدي ذهب ما مضى من عمري مجانًا إذ لم أعرف مثلك فبالله يا مولاي من أنت لا أعرف نديمي الذي من الله عليَّ به في هذه الليلة فأخذت أداري وهو يقسم عليَّ فأعلمته فوثب قائما وقال قد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك ولقد أسدى إليَّ الزمان يدًا لا أقوم بشكرها ومتى طمعت أن تزروني الخلافة في منزلي وتنادمني ليلتي وما هذا إلا في المنام فأقسمت عليه أن يجلس فجلس وأخذ يسالني عن السبب في حضوري عنده بألطف معنى فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئا ثم قلت أما الطعام فقد نلت منه بغيتي
[ ١ / ٢٢٣ ]
فقال والكف والمعصم إن شاء الله ثم قال يا فلانة قولي لفلانة تنزل ثم جعل يستدعي واحدة بعد واحدة يعرضها عليّ وأنا لا أرى صاحبتي إلى أن قال والله ما بقي إلا أمي وأختي ووالله لتنزلان فعجبت من كرمه وسعة صدره فقلت جعلت فداءك تبدأ بالأخت قال حبا وكرامة ثم نزلت أخته فأراني يدها فإذا هي التي رأيتها فقلت هذه الحاجة فأمر غلمانه لوقته فأحضروا الشهود وأحضروا بدرتين فلما حضر الشهود قال لهم هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة وأشهدكم إني قد زوجتها له وأمهرتها منه عشرين ألف درهم فقلت قبلت ذلك ورضيت فشهدوا فدفع البدرة الواحدة إلى أخته والأخرى فرقها على الشهود ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت فتنام مع أهلك فاحشمني ما رأيت من كرمه وتذممت أن أخلوا بها في داره ثم قلت بل أحضر عمارتي وأحملها إلى منزلي فقال افعل ما شئت فأحضرت عمارتي وحملتها إلى منزلي فوحقِّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليَّ من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها وأولدتها هذا الغلام القائم بين يدي أمير المؤمنين فعجب المأمون من كرم هذا الرجل وقال لله دره ما سمعت قط بمثلها وأمر إبراهيم بإحضار الرجل ليشاهده فأحضره بين يديه فاستنطقه فأعجبه وصيره من جملة خواصه ومحاضريه.
ومن غريب المنقول إن فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنةً في الغناء
[ ١ / ٢٢٤ ]
فضاق بهم الخناق واشتد بهما الحال في عدم ما يقتاتان به فقال لها قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أحسن وأهون علي مما أذكره لك فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك ويغسل عنك ما أنت فيه وأنفرج أنا بما لعله يصير إليَّ من الثمن ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه فقالت والله لموتي على تلك الحالة معك آثر عندي من أنتقالي إلى غيرك ولو كان خليفة ولكن أصنع ما بدا لك قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي أن يحملها إلى ابن معمر أمير العراق فحلمها إليها فلما عرضت عليها استحسنها فقال لمولاها كم كان شراؤها عليك قال مائة ألف درهم وقد أنفقت عليها مالًا كثيرًا حتى صارت في رتبة الأستاذين قال أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقته في لذاتك وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط من الثياب وعشرة رؤوس من الخيل وعشرة رؤوس من الرقيق أرضيت قال نعم أرضى الله الأمير فأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانة بإدخال الجارية إلى الحرم فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت:
هنيئًا لك المالُ الذي قد أفدتهُ ولم تُبقِ في كفَّيَّ غير التفكُّر
أقولُ لنفسي وهي في كرباتها أقليِّ فقد بان الحبيبُ أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندكِ موضعٌ ولم تجدي بدًّا من الصبر فاصبري
[ ١ / ٢٢٥ ]
فبكى مولاها وأجاب قائلا:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن يفرقنا شيءٌ سوى الموت فأعذري
أروح بهمٍّ من فراقك موجعٍ أناجي به قلبًا قليل التصبُّر
عليك سلامي لا زيارة بيننا ولا قرب إلا أن يشاء ابنُ معمر
فقال له ابن معمر قد شئت فخذها بارك الله لك فيها وفيما وصل إليك منها فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب وعاد وقد حسنت حاله.
ومما جنيته من ثمرات الأوراق أن الحجاج لما وليّ قتل عبد الله ابن الزبير رحل إلى عبد الملك بن مروان ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما قدم على عبد الملك سلم عليه بالخلافة وقال قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز في الشرف والأبوة وكمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فافعل بها يا أمير المؤمنين ما يستحق أني فعل بمثله في أبوته وشرفه فقال عبد الملك: يا أبا محمد أذكرتنا حقا واجبا ائذنوا لابراهيم فلما دخل وسلم بالخلافة أمره بالجلوس في صدر المجلس وقال له عبد الملك: إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفه منك من الأبوة والشرف فلا تدع حاجة في خاصة أمرك وعامته إلا سالتها فقال إبراهيم أما الحوائج التي نبتغي بها الزلفى ونرجو بها الثواب فما كان لله خالصًا ولنبيه ﷺ ولكن لك يا أمير المؤمنين عندي نصيحة لا أجد بدًَّا من ذكري إياها قال أهي دون ابي محمد قال نعم:
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال قم يا حجاج فنهض الحجاج خجلًا لا يبصر أين يضع رجله ثم قال عبد الملك قل يا ابن طلحة فقال تالله يا أمير المؤمنين إنك عمدت إلى الحجاج في ظلمه وتعديه على الحق واصغائه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ وأبناء المهاجرين والأنصار يسومهم الخسف ويطأهم العسف بطغام أهل الشام ومن لا رؤية له في إقامة الحق ولا إزاحة الباطل قال فاطرق عبد الملك ساعة ثم رفع رأسه وقال: كذبت يا ابن طلحة ظن فيك الحجاج غير ما هو فيك قم فربما ظن الخير بغير أهله قال فقمت وأنا ما أبصر طريقا قال وأتبعني حرسيًا وقال أشدد به قال إبراهيم فما زلت جالسًا حتى دعا الحجاج فما زالا يتناجيان طويلا حتى ساء ظني ولا أشك أنه في أمري ثم دعا بي فلقيني الحجاج في الصحن خارجا فقبل بين عيني وقال أحسن الله جزاءك. فقلت في نفسي إنه يهزأ بي ودخلت على عبد الملك فأجلسني مجلسي الول ثم قال يا ابن طلحة هل اطلع على نصيحتك أحد فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ولا أردت إلا الله ورسوله والمسلمين وأمير المؤمنين علم ذلك فقال عبد الملك قد عزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهته لهما وأعلمته أنك استقللت ذلك عليه وسألتني له ولاية كبيرة ولقد وليته العراقين وقررت له أن ذلك بسؤالك ليلزمه من حقك ما لابد له من القيام به فأخرج معه غير ذامٍّ لصحبته.
ومن لطائف المنقول عن القاضي أبي الحسين بن عبد المحسن بن علي التنوخي رحمه الله تعالى أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونزل على ملكها أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال
[ ١ / ٢٢٧ ]
له رسول ملك الصين يستأذن عليك فقال ائذن له فلما دخل عليه وقف بين يديه وسلم وقال إن رأى الملك أن يخلي مجلسه فليفعل فأمر الإسكندر من يخدمه بالانصراف ولم يبق غير حاجبه فقال له الرسلو الذي جئت به لا يجمل أن يسمعه غيرك فأمر بتفتيشه ففتش فلم يوجد معه شيء ن السلاح فوضع الإسكندر بين يديه سيفًا مجردًا وقال له قل ما ئشت ثم أخرج جميع من عنده فلما خلا المكان قال له الرسول أنا ملك الصين لا رسوله وقد حضرت أسالك عما تريد فإن كان مما يمكن الانقياد إليه ولو على أصعب الوجوه أجبت إليه وغنيت أنا وأنت عن الحرب فقال له الإسكندر وما الذي أمنك مني: قال علمي بأنك رجل عاقل وليس بيننا عداوة متقدمة ولا مطالبة بدخل ومتى قتلتني أقاموا غيري ولم يسلموا إليك البلد ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم فأطرق الاسكندر متفكرًا في مقاله وعلم أنه رجل عاقل فقال له أريد ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلًا ونصف ارتفاعه في كل سنة قال أجبتك قال فكيف تكون حالك قال أكون قتيلًا أو محاربًا قال فإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف حالك قال أصلح مما تقدم ذكره قال فإن قنعت منك بارتفاع سنة واحدة قال يكون مضرا بين ومذهبا لجميع لذاتي قال فإن اقتصرت منك على السدس قال يكون السدس موفرًا والباقي لجيشي ولأسباب الملك
[ ١ / ٢٢٨ ]
قال: قد اقتصرت على هذا فشكره وانصرف، فلما أصبحت وطلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض واختلط بجيش الإسكندر فارتعب وتواثبت أصحابه فركبوا واستعدوا للحرب فبينما هم كذلك إذ ظهر ملك الصين وعليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل فقال له الإسكندر أغدرت قال لا والله قال فما هذا الجيش قال أردت أن أعلمك أني لم أطعك من ضعف ولا من قلة وما غاب عنك من الجيش أكثر لكني رأيت العالم الكبر مقبلا عليك ممكنا لك فعلمت أنه من حارب العالم الأكبر غلب فأردت طاعته بطاعتك والذلة لأمره بالذلة لأمرك فقال الإسكندر ليس مثلك يؤخذ منه شيء فما رأيت بين وبينك أحدًا يستحق التفضيل والوصف بالفضل غيرك وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك فقال ملك الصين أما إذ فعلت ذلك فلست تخسر فلما انصرف الاسكندر اتبعه ملك الصين من الهدايا والتحف بضعف ما كان قدره عليه.
ومن غريب المنقول عن أبي الفرج الأصبهاني أنه قال أخبرني عمي عن أبيه عن الكلبي عن أبيه قال أخبرني شيخ من بني نبهان قال أصابت بني نبهان سنة ذهبت بالأموال فخرج رجل منهم بعياله حتى أنزلهم الحيرة وقال كونوا قريبا من الملك يصبكم من خيره حتى أرجع إليكم ومضى على وجهه يسوق راحلته سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل عند تطفيل الشمس فإذا خباء عظيم وقبة
[ ١ / ٢٢٩ ]
من أدم قال فقلت في نفسي ما لهذا الخباء بد من أهل وما لهذه القبة بد من رب وما لهذا العطن بد من ابل فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد أوهاه الكبر وهو شبه النسر فجلست خلفه فلما انصرم النهار أقبل فارس لم أر أعظم من شكله وفي خدمته أسودان يمشيان بين جنبيه وإذا مائة من الإبل معها فحلها فبرك الفحل وبركن حوله فقال لأحد عبيده احلب فلان فحلبها ثم وضع اللبن بين يدي الشيخ فكرع منه وأخذه وقدمه إلي فشربت نصفه ثم أمر بشاة فذبحت وشويت وأكلنا منها جميعًا فأملهت حتى إذا ناموا وحكم عليهم النوم ثرت إليى الفحل فحللت عقاله وركبته فاندفع بي وتبعته الإبل فمشيت إلى الصباح فلما أصبحت نظرت فلم أجد أحدا ولما تعالى النهار التفت فإذا أنا بخيال كأنه طائر فما زال يدنو تى تبينته فإذا هو فارس على فرس وإذا هو صاحبي بالامس فعقلت الفحل وعمدت إلى كنانتي فقال: إحلل عقاله فقلت كلا لقد خلفت خلفي عيالا جياعًا بالحيرة قال فإنك ميت حل عقاله لا أم لك وانصب علي خطامه واجعل فيه خمس عقد وقل لي أين تحب أن أضع سهمي فقلت في هذا الموضع فكأنما وضعها بيده ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم فرددت نبلي وحططت قوسي ووقفت مستسلما فدنا مني وأخذ القوس والسيف ثم أردفني خلفه وقد عرف أني الذي شربت اللبن عنده وأكلت اللحم
[ ١ / ٢٣٠ ]
فقال كيف ظنك بي فقلت أحسن ظن فقال أبشر إنه لن ينالك شر وقد كنت ضيف مهلهل فقلت أزيد الخيل أنت قال نعم أنا زيد الخيل فلماَّ انتهينا إلى منزله قال لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك ولكنها لابنة مهلهل فأقم عندي فأقمت عنده أياما فشن الغارة على بني نمير فأصاب مائة بعير فقال هذه أحب إليك أم تلك قلت هذه قال دونكها وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء إلى أن وردت الحيرة فلقيني نبطي فقال يا أعرابي احتفظ بابلك فقد قرب مخرج النبي ﷺ الذي يملك هذه الأرض ويطرد أهلها حتى أن أحدكم ليبتاع البستان بثمن بعير قال فاحتملت بأهلي إلى النبط حتى جاءنا رسول الله ﷺ فأسلمنا على يديه وما مضت إلا أيام حتى اشتريت بثمن بعير من ابلي بستانًا بالحيرة والله أعلم.
ونقل عن الواقدي قال كان لي صديقان أحدهما هاشمي والآخر نبطي فكنا في الصداقة كنفس واحدة فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد فقالت امرأتي أما نحن فنصبر على البؤس والشدة وأما صبياننا هؤلاء فقد نقطَّع قلبي عليهم رحمة لأنهم يرون صبيان جيراننا وقد تزينوا في عيدهم وهم فرحون ولا بأس بالاحتيال فيما نصرفه في كسوتهم قال فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ بشيء فوجه إليَّ كيسا فيه ألف درهم فما استقر قراره حتى كتب إليَّ صديقي الآخر يشكو إلى مثل ما شكوته إلى الهاشمي فوجهت إليه
[ ١ / ٢٣١ ]
بالكيس على حاله وخرجت إلى المسجد وأنا مستح من امرأتي فلما دخلت عليها لم تعنفني لعلمها بالحال فبينما أنا كذلك إذ أقبل صديقي الهاشمي ومعه الكيس بختمه فقال أصدقني عما فعلته فيما وجهتُ به إليك فاعلمته بالخبر فقال إنك وجهت به إليَّ ولا أملك إلا ما بعثت به إليك وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه إليَّ كيس بختمه فاخرجنا للمرأة مائة درهم وتقاسمنا الباقي أثلاثا ونما الخبر إلى المأمون فاحضرني وسألني عن الخبر فشرحته له فأمر لنا بسبعة آلاف دينار منها ألف للمرأة وألفان لكل واحد منا.
ويضارع ذلك ما هو منقول عن الأصمعي قال قصدت في بعض الأيام رجلا كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بوابا فمنعني من الدخول إليه ثم قال والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلا لرقة حاله وقصور يده فكتبت رقعة فيها:
إذا كان الكريم له حجابٌ فما فضل الكريم على اللئيم
ثم قلت له أوصل رقعتي إليه ففعل وعاد بالرقعة وقد وقع على ظهرها:
إذ كان الكريم قليل مالٍ تحجّب بالحجاب عن الغريم
ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار فقلت والله لأتحفن المأمون بهذا الخبر فلما رآني قال من أين يا أصمعي قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشى أمير المؤمنين قال ومن هو فدفعت إليه الورقة والصرة وأعدت عليه الخبر فلما رأى الصرة قال هذا من بيت مالي ولا بد لي من الرجل
[ ١ / ٢٣٢ ]
فقلت والله يا أمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه برسلك فقال لبعض خاصته امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل قل له أجب أمير المؤمنين من غير ازعاج قال فلما حضر الرجل بين يدي المأمون قال له أما أنت الذي وقعت بالامس وشكوت رقة الحال وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه فقال نعم يا أمير المؤمنين والله ما كذبت فيما شكوت لأمير المؤمنين من رقة الحال لكن استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلى كما أعادني أمير المؤمنين فقال له المأمون لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك ثم بالغ في إكرامه وجعله من جملة ندمائه.
ومن لطائف المنقول ما هو منقول عن الربيع إنه قال ما رأيت رجلا أثبت ولا أربط جأشا من رجل رفع إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية فأمرني باحضاره فأحضرته ودخلت به إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا الودائع والأموال التي لبني أمية عندك فأخرج لنا منها فقال يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية قال لا، قال فوصي قال لا، قال فما سؤالك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقهم فأريد أن آخذ أموال المسلمين وأجعلها في بيت مالهم فقال يا أمير المؤمنين تحتاج في ذلك إلى إقامة
[ ١ / ٢٣٣ ]
البينة العادلة على أن الذي في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه واغتصبوه من أموال المسلمين فإن بني أمية كان لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال صدق الرجل يا ربيع ما وجب عليه عندنا شيء ثم بش في وجهه فقال هل لك من حاجة فقال نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن تنقذ كتابي مع البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي فقد راعهم اشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين قال ما هي قال تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فو الله ما لبني أمية عندي ولا في يدي وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني رأيت ما قلته أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فقال هذا غلامي ضرب على ثلاثة آلاف من مالي وابق فشدد المنصور على الغلام فأقر أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره وأبق منه وكذب عليه خوفا من الوقوع في يده فقال المنصور للرجل نسألك أن تصفح عنه فقال يا أمير المؤمنين صفحت عن جرمه وأبرأته من المال وأعطيته ثلاثة آلاف دينار أخرى فقال المنصور ما على ما فعلت مزيد في الكرم قال بلى يا أمير المؤمنين هذا حق كلامك وانصرف
[ ١ / ٢٣٤ ]
وكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول ما رأيت مثل هذا الرجل يا ربيع.
رحلة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال الشيخ الإمام العالم المقرّي أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الأردبيلي المالكي بالجامع العتيق بمصر في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن فتح المعروف بابن الحبشي سنة ثلاثين وخمسمائة أخبرنا الشريف القاضي الموسوي أبو إسماعيل موسى بن الحسي بن إسماعيل بن علي الحسيني المقّري في سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالجماع العتيق بمصر قال أخبرنا الشيخ أبو العباس حمد بن إبراهيم الفارسي في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال أخبرنا يحيى بن عبد الله الرجل الصالح ويحيى ابن موسى المعدل بمصر قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الواعظ المصري الكرازة قال حدثني أبو الفرج عبد الرزاق حمدان البطين قال حدثني أبو بكر محمد بن المثنى قال حدثني الربيع بن سليمان قال سمعت الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: فارقت مكة وأنا ابن أربعة عشرة سنة لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى وعلّي بردتان يمانيتان فرأيت ركبا فسلمت عليهم فردوا علي السلام ووثب إلّي شيخ كان فيهم قال سألتك بالله إلا ما حضرت طعامنا قال الشافعي ﵁ ما كنت أعلم أنهم أحضروا طعاما فأجبت مسرعا غير محتشم فرأيت القوم يأخذون الطعام بالخمس ويدفعون بالراحة فأخذت
[ ١ / ٢٣٥ ]
كأخذهم كي لا يستبشع عليهم مأكلي والشيخ ينظر إلي ثم أخذت السقاء فشربت وحمدت الله وأثنيت عليه فأقبل عليَّ الشيخ وقال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي ثم أقبلت عليه وقلت يا عم بم استدللت عليَّ قال أما في الحضر فبالزي وأما في النسب فبأكل الطعام لأنه من أحب أن يأكل طعام الناس أحب أن يأكلوا طعامه وذلك في قريش خصوصا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت للشيخ من أين أنت قال من يثرب مدينة النبي ﷺ فقلت له من العالم بها والمتكلم في نص كتاب الله تعالى والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ قال سيد بني أصبح مالك ابن أنس رضي الله تعالى عنه قال الشافعي ﵁ فقلت واشوقاه إلى مالك فقال لي قد بل الله شوقك أنظر إلى هذا البعير الاورق فإنه أحسن جمالنا ونحن على رحيل ولك منا حسن الصحبة حتى تصل إلى مالك فما كان غير بعيد حتى قطروا بعضها وأركبوني البعير الاورق وأخذ القوم في السير وأخذت أنا في الدرس فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة بالليل ختمة وبالنهار ختمة ودخلت المدينة في اليوم الثامن بعد صلاة العصر فصليت العصر في مسجد رسول الله ﷺ ودنوت من القبر فسلمت على النبي ﷺ ولذت بقبره فرأيت مالك بن أنس متزرا ببردة متوشحا بأخرى قال حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر وضرب بيده إلى قبر رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٣٦ ]
قال شافعي ﵁ فلما رأيت ذلك هبته مهابة عظيمة وجلست حيث انتهى بي المجلس فأخذت عودا من الأرض فجعلت كلما أملى مالك حديثا كتبته بريقي على يدي والإمام مالك ﵁ ينظر إلي من حيث لا أعلم حتى انقضى المجلس وانتظرني مالك أن أنصرف فلم يرني انصرفت فأشار إلي فدنوت منه فنظر إلي ساعة ثم قال أحرمي أنت قلت حرمي قال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي قال كملت أوصافك لكن فيك إساءة أدب قلت وما الذي رأيت من سوء أدبي قال رأيتك وأنا أملي ألفاظ الرسول ﵊ تلعب بريقك على يدك فقلت له عدمت البياض فكنت أكتب ما تقول فجذب مالك يدي إليه فقال ما أرى عليها شيئا فقلت إن الريق لا يثبت على اليد ولكن فهمت جميع ما حدثت به منذ جلست وحفظته إلى حين قطعت فتعجب الإمام مالك من ذلك فقال أعد عليَّ ولو حديثا واحدا.
قال الشافعي ﵁ فقلت حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأشرت بيدي إلى القبر كإشارته حتى أعدت عليه خمسة وعشرين حديثا حدث بها من حين جلس إلى وقت قطع المجلس وسقط القرص فصلى مالك المغرب وأقبل على عبده وقال خذ بيد سيدك إليك وسألني النهوض معه.
قال الشافعي ﵀ فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه فلما أتيت الدار أدخلني الغلام إلى خلوة في الدار وقال لي القبلة في البيت هكذا وهذا إناء فيه ماء وهذا
[ ١ / ٢٣٧ ]
بيت الخلاء. قال الشافعي ﵁ فما لبث مالك ﵁ حتى أقبل هو والغلام حاملًا طبقا فوضعه من يده وسلم الإمام عليَّ ثم قال للعبد اغسل علينا ثم وثب الغلام إلى الاناء وأراد أن يغسل عليَّ أولًا فصاح عليه مالك قال الغسل في أول الطعام لرب البيت وفي آخر الطعام للضيف.
قال الشافعي ﵁ فاستحسنت ذلك من الإمام مالك ﵁ وسألته عن شرحه فقال أنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يبتدىء بالغسل وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل فيأكل معه.
قال الشافعي ﵁ فكشف الإمام ﵁ الطبق فكان فيه صفحتان في إحداهما لبن والأخرى تمر فسمى الله تعالى وسميت فأتيت أنا ومالك على جميع الطعام وعلم مالك أنا لم نأخذ من الطعام الكفاية فقال لي يا أبا عبد الله هذا جهد من مقل إلى فقير معدم فقلت لا عذر على من أحسن إنما العذر على من أساء.
قال الشافعي ﵁ فأقبل مالك يسألني عن أهل مكة حتى دنت العشاء الآخرة ثم قام عني وقال حكم المسافر أن يقل تعبه بالاضطجاع فنمت ليلتي فلما كان في الثلث الأخير من الليل قرع عليَّ مالك الباب فقال لي الصلاة يرحمك الله فرأيته حاملًا إناء فيه ماء فتبشع عليَّ ذلك فقال لي لا يرعك ما رأيته فخدمة الضيف فرض.
قال الشافعي ﵁ فتجهزت للصلاة وصليت الفجر مع
[ ١ / ٢٣٨ ]
الإمام مالك في مسجد رسول الله ﷺ والناس لا يعرف بعضهم بعضا من شدة الغلس وجلس كل واحد منا في مصلاه يسبح الله تعالى إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال فجلس مالك في مجلسه بالأمس وناولني الموطأ أمليه وأقرؤه على الناس وهم يكتبونه.
قال الشافعي ﵁ فأتيت على حفظه من أوله إلى آخره وأقمت ضيف مالك ثمانية أشهر فما علم أحد من الأنس الذي كان بيننا أينا الضيف ثم قدم على مالك المصريون بعد قضاء حجهم للزيارة واستماع الموطأ. قال الشافعي فأمليت عليهم حفظًا منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب وأبن القاسم قال الربيع وأحسب أنه ذكر الليث بن سعد ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي ﷺ.
قال الشافعي ﵁ فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثوب حسن الصلاة فتوسمت فيه خيرًا فسألته عن اسمه فأخبرني وسألته عن بلده فقال العراق فقلت أي العراق فقال لي الكوفة فقلت من العالم بها والمتكلم في نص الكتاب والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ فقال لي أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ﵁.
وقال الشافعي ﵁ فقلت ومتى عزمتم تظعنون فقال لي في غداة غد وقت الفجر فعدت إلى مالك فقلت له خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز أفأعود إليها أو أرحل في طلب العلم فقال لي: العلم فائدة يرجع منها إلى فائدة ألم تعلم
[ ١ / ٢٣٩ ]
أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلبه.
قال الشافعي ﵁ فلما أزمعت على السفر زودني الإمام مالك ﵁ فلما كان في السحر سار معي مشيعا إلى البقيع ثم صاح بعلو صوته من يكري راحلته إلى الكوفة فأقبلت عليه وقلت بم تكتري وليس معك ولا معي شيء فقال لي انصرفت البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع عليَّ قارع الباب فخرجت إليه فأصبت ابن القاسم فسألني قبول هديته فقبلتها فدفع لي صرة فيها مائة دينار وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي فاكترى لي بأربعة دنانير ودفع إليَّ باقي الدنانير وودعني وانصرف وسرت في جملة الحاج حتى وصلت إلى الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة فدخلت المسجد بعد صلاة العصر وصليت فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلاما قد دخل المسجد وصلى العصر فما أحسن الصلاة فقمت إليه ناصحا فقلت له أحسن صلاتك لئلا يعذب الله هذا الوجه الجميل بالنار فقال لي أنا أظن أنك من أهل الحجاز لأن فيكم الغلظة والجفاء وليس فيكم رقة أهل العراق وأنا أصلي هذه الصلاة خمس عشرة سنة بين يدي محمد بن الحسن وأبي يوسف فما عابا عليَّ صلاتي قط وخرج معجبا ينفض رداءه في وجهي فلقي للتوفيق محمد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد فقال أعلمتما في صلاتي من عيب فقالا اللهم لا قال ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي فقالا اذهب إليه فقل له بم تدخل في الصلاة.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قال الشافعي ﵁ فقال لي يا من عاب صلاتي بم تدخل في الصلاة فقلت بفرضين وسنة فعاد إليهما وأعلمهما بالجواب فعلما أنه جواب من نظر في العلم فقالا اذهب إليه فقل له ما الفرضان وما السنة فأتى إليَّ فقال ما الفرضان وما السنة فقلت له أما الفرض الأول فالنية والثاني تكبيرة الاحرام والسنة رفع اليدين فعاد إليهما فأعلمهما بذلك فدخلا إلى المسجد فلما نظرا إليَّ أظنهما ازدرياني فجلسا ناحية وقالا اذهب إليه وقل له أجب الشيخين.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى فلما أتاني علمت إني مسؤول عن شيء من العلم فقلت من حكم العلم أن يؤتى إليه وما علمت لي إليهما حاجة قال الشافعي ﵁ فقاما من مجلسهما إليَّ فلما سلما عليَّ قمت غليهما وأظهرت البشاشة لهما وجلست بين أيديهما فأقبل علي محمد بن الحسن وقال أحرمي أنت فقلت نعم فقال أعربي أم مولى فقلت عربي فقال من أي العرب فقلت من ولد المطلب قال من ولد من قلت من ولد شافع قال رأيت مالكا قلت من عنده أتيت قال لي نظرت في الموطأ قلت أتيت على حفظه فعظم ذلك عليه ودعا بداوة وبياض وكتب مسألة في الطهارة ومسألة في الزكاة ومسألة في البيوع والفرائض والرهان والحج والإيلاء ومن كل باب في الفقه مسئلة وجعل بين كل مسئلتين بياضا ودفع إليَّ الدرج وقال أجب عن هذه المسائل كلها من الموطأ.
قال الشافعي ﵁ فأجبت بنص كتاب الله وبسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين في المسائل كلها ثم دفعت إليه الدرج فتأمله ونظر فيه ثم قال لعبده خذ سيدك إليك. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ثم سألني النهوض مع العبد فنهضت غير ممتنع فلما صرت إلى الباب قال لي العبد إن سيدي أمرني أن لا تسير إلى المنزل إلا راكبا. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت له قدم فقدم إلي بغلة بسرج محلى فلما علوت على ظهرها رأيت نفسي باطمار رثة فطاف بي أزقة الكوفة إلى منزل محمد بن الحسن وما هم فيه فبكيت وقلت أهل العراق ينقشون سقوفهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد ويمصون النوى ثم أقبل عليَّ محمد بن الحسن وأنا في بكائي فقال لا يروعك يا عبد الله ما رأيت فما هو إلا من حقيقة حلال ومكتسب وما يطالبني الله فيها بفرض وإني أخرج زكاتها في كل عام فأسرَّ بها الصديق وأكبت بها العدو.
قال الشافعي ﵁ فما بت حتى كساني محمد بن الحسن خلعة بألف درهم ثم دخل خرانته فأخرج إليَّ الكتاب الأوسط تأليف الإمام أبي حنيفة فنظرت في أوله وفي آخره ثم ابتدأت الكتاب في ليلتي أتحفظه فما أصبحت إلا وقد حفظته ومحمد بن الحسن لا يعلم بشيء من ذلك وكان المشهور بالكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل فبينما أنا قاعد عن يمينه في بعض الأيام إذ سئل عن مسئلة أجاب فيها وقال هكذا قال أبو حنيفة فقلت قد وهمت في الجواب في هذه المسئلة والجواب عن قول الرجل كذا وكذا وهذا المسئلة تحتها المسئلة الفلانية وفوقها المسئلة الفلانية في الكتاب. فأمر محمد بن الحسن بالكتاب فأحضر فتصفحه ونظر فيه فوجد القول كما قلت
[ ١ / ٢٤١ ]
فرجع عن جوابه إلى ما قلت ولم يخرج إلي كتابًا بعد هذا.
قال الشافعي واستأذنته في الرحيل فقال ما كنت لآذن لضيف بالرحيل عني وبذل لي في مشاطرة نعمته فقلت ما لذا قصدت ولا لذا أردت ولا رغبتي إلى في السفر قال فأمر غلامه أن يأتي بكل ما في خزانته من بيضاء وحمراء فدفع إلي ما كان فيها وهو ثلاثة آلاف درهم وأقبلت أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم وألقى الرجال حتى صرت ابن إحدى وعشرين سنة ثم دخلت العراق في خلافة هارون الرشيد فعند دخول الباب تعلق بي غلام فلاطفني وقال لي ما أسمك فقلت محمد قال ابن من قلت ابن إدريس الشافعي فقال مطلبي فقلت أجل فكتب ذلك في لوح كان في كمه وخلى سبيلي فأويت في بعض المساجد أفكر في عاقبة ما فعل حتى إذا ذهب من الليل النصف كبس المسجد واقبلوا يتأملون وجه كل رجل حتى أتوا إلي فقالوا للناس لا بأس عليكم هذا هو الحاجة والغاية المطلوبة ثم أقبلوا علي وقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت غير ممتنع فلما بصرت بأمير المؤمنين سلمت عليه سلامًا بينا فأستحسن الألفاظ ورد عليَّ الجواب ثم قال تزعم أنك من بني هاشم فقلت يا أمير المؤمنين كل زعم في كتاب الله باطل فقال ابن لي عن نسبك فانتسبت حتى لحقت آدم ﵇ فقال لي الرشيد ما تكون هذه الفصاحة ولا هذه البلاغة إلا في رجل من ولد المطلب هل لك أن أوليك قضاء المسلمين وأشاطرك ما أنا فيه وتنفذ فيه حكمك وكمي على ما جاء به الرسول ﵊ واجتمعت عليه الأمة فقلت يا أمير المؤمنين لو سألتني أن أفتح باب القضاء بالغداة وأغلقه بالعشى بنعمتك هذه ما فعلت ذلك أبدًا فبكى الرشيد وقال تقبل من عرض الدنيا شيء قلت يكون معجلًا فأمر لي بألف دينار فما برحت من مقامي حتى قبضتها ثم سألني بعض الغلمان والحشم أن أصلهم من صلتي فلم تسع المروءة إن كنت مسؤولًا غير المقاسمة فيما أنعم الله به علي فخرج لي قسم كأقسامهم ثم عدت إلى المسجد الذي كنت فيه في ليلتي فتقدم يصلي بنا غلام صلاة الفجر في جماعة فأجاد القراءة ولحقه سهو ولم يدر كيف الدخول ولا كيف الخروج فقلت له بعد السلام أفسدت علينا وعلى نفسك أعد فأعاد مسرعًا وأعدنا ثم قلت له أحضر بياضًا أعمل لك باب السهو في الصلاة والخروج منها فسارع إلى ذلك ففتح الله ﷿ عليَّ فألفت له كتابًا من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين وسميته باسمه وهو أربعون جزءًا يعرف بكتاب الزعفران وهو الذي وضعته بالعراق حتى تكامل في ثلاث سنين وولاني الرشيد الصدقات بنجران وقدم الحاج فخرجت أسألهم عن الحجاز فرأيت فتى في قبته فلما أشرت إليه بالسلام أمر قائد القبة أن يقف وأشار إليَّ بالكلام فسألته عن الإمام مالك وعن الحجاز أجاب بخير ثم عاودته إلى السؤال عن مالك فقال لي أشرح لك أو أختصر قلت في الاختصار البلاغة فقال في صحة جسم وله ثلثمائة جارية يبيت عند الجارية ليلة فلا يعود إليه إلى سنة فقد اختصرت لك خبره.
قال الشافعي ﵁ فاشتهيت أن أراه
[ ١ / ٢٤٢ ]
في حال غناه كما رأيته في حال فقره فقلت له أما عندك من المال ما يصلح للسفر فقال إنك لتوحشني خاصة وأهل العراق عامة وجميع مالي فيه لك فقلت له فيم تعيش قال بالجاه ثم نظر إلي وحكمني في ماله فأخذت منه على حسب الكفاية والنهاية وسرت على ديار ربيعة ومضر فأتيت حران ودخلتها يوم الجمعة فذكرت فضل الغسل وما جاء فيه فقصدت الحمام فلما سكبت الماء رأيت شعر رأسي شعثًا فدعوت المزين فلما بدأ برأسي وأخذ القليل من شعري دخل قوم من أعيان البلد فدعوه إلى خدمتهم فسارع إليهم وتركني فلما قضوا ما أرادوا منه عاد إلي فما أردته وخرجت من الحمام فدفعت إليه أكثر ما كان معي من الدنانير وقلت له خذ هذه وإذا وقف باك غريب لا تحتقره فنظر لي متعجبا فإجتمع بعض من كان في الحمام من الأعيان فقدمت له بغلة ليركبها فسمع خطابي لهم فإنحدر عن البلغة بعد أن استوى عليها وقال لي أنت الشافعي فقلت نعم فمد الركاب مما يليني وقال بحق الله اركب ومضى بي الغلام مطرقًا بين يدي حتى أتيت إلى منزل الفتى ثم أتى وقد حصلت في منزله فأظهر البشاشة ثم دعا بالغسل فغسل علينا ثم حضرت المائدة فسمى وحبست يدي فقال مالك يا عبد الله فقلت له طعامك حرام عليَّ حتى أعرف من أين هذه المعرفة فقال أنا ممن سمع منك الكتاب الذي وضعته ببغداد وأنت لي أستاذ.
قال الشافعي ﵁ فقلت العلم بين أهل العقل رحم متصلة فأكلت بفرحة إذ لم يعرف الله تعالى إلا بيني وبين أبناء جنسي وأقمت ضيفه ثلاثًا فلما كان بعد ثلاثًا قال: إنّ لي حول حرّان أربع ضياع ما بحرَّان أحسن منها أشهد الله أن أخترت المقام فإنها هدية مني إليك فقلت فيم تعيش قال بما في صناديقي تلك وأشار إليها وهي أربعون ألف درهم وقال أتجربها فقلت ليس إلى هذا قصدت ولا خرجت من بلدي لغير طلب العلم فقال لي فالمال إذا من شأن المسافر فقبضت الأربعين ألفا وودعته وخرجت من مدينة حران وبين يدين أحمال ثم تلقاني الرجال وأصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعي فأجزت كل واحد منهم على قدر ما قسم له حتى دخلت مدينة الرملة وليس معي إلا عشرة دنانير فاشتريت بها راحلة واستويت على كورها وقصدت الحجاز فما زلت من منهل إلى منهل حتى وصلت إلى مدينة النبي ﷺ بعد سبعة وعشرين يومًا بعد صلاة العصر فصليت العصر ورأيت كرسيا من الحديد عليه مخدة من قباطي مصر مكتوب عليها لا إله إلى الله محمد رسول الله ﷺ.
قال الشافعي ﵁ وحوله أربعمائة دفتر أو يزدن وبينما أنا كذلك إذ رأيت مالك بن أنس ﵁ قد دخل من باب النبي ﷺ وقد فاح عطره في المسجد وحوله أربعمائة أو يزيدون يحمل ذيوله منهم أربعة فلما وصل قام إليه من كان قاعدًا وجلس على الكرسي فألقى مسئلة في جراح العمد فلما سمعت ذلك لم يسعني الصبر فقمت قائمًا في سور الحلقة فرأيت إنسانًا فقلت له قل الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب قبل فراغ مالك من السؤال فأضرب عنه مالك وأقبل على أصحابه فسألهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم
[ ١ / ٢٤٣ ]
وأصاب الرجل ففرح الجاهل بإصابته فلما ألقى السؤال الثاني أقبل عليَّ الجاهل يطلب من الجواب فقلت له الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب فلم يلتفت إليه مالك فأقبل على أصحابه واستخبرهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم وأصاب الرجل.
قال الشافعي ﵁ فلما ألقى السؤال الثالث قلت له قل الجواب كذا وكذا فبارد بالجواب فأعرض مالك عنه وأقبل على أصحابه فخالفوا فقال أخطأتم وأصاب الرجل ثم قال للرجل أدخل ليس ذلك موضعك فدخل الرجل طاعة منه لمالك وجلس بين يديه فقال له مالك فراسة قرأت الموطأ قال لا قال فنظرت ابن جريج قال لا قال فلقيت جعفر بن محمد الصادق قال لا قال فهذا العلم من أين قال إلى جانبي غلام شاب يقول لي قل الجواب كذا وكذا فكنت أقول، قال فالتفت مالك والتفت الناس بأعناقهم لالتفات مالك ﵁ فقال للجاهل قم فأمر صاحبك بالدخول إلينا.
قال الشافعي ﵁ فدخلت فإذا أنا من مالك بالموضع الذي كان الجاهل فيه جالسًا بين يديه فتأملني ساعة وقال أنت الشافعي فقلت نعم فضمني إلى صدره ونزل عن كرسيه وقال أتمم هذا الباب الذي نحن فيه حتى ننصرف إلى المنزل الذي هو لك، المنسوب إلي.
قال الشافعي ﵁ فألقيت اربعمائة مسئلة في جراح العمد فما أجابني أحد بجواب واحتجت إلى أن آتي بأربعمائة جواب فقلت الأول كذا وكذا والثاني كذا وكذا حتى سقط القرص وصلينا المغرب فضرب مالك بيد إليَّ فلما وصلت المنزل رأيت بناء غير الأول فبكيت فقال مم بكاؤك كأنك خفت يا أبا عبد الله أن قد بعت الآخرة بالدنيا قلت هو والله ذلك قال طب نفسا وقر عينا هذه هدايا خراسان وهدايا مصر والهدايا تجيء من أقاصي الدنيا وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويرد الصدقة وإن لي ثلثمائة خلعة من زي خراسان وقباطي مصر وعندي عبيد بمثلها لم تستكمل الحلم فهم هدية مني إليك وفي صناديقي تلك خمسة آلاف دينار أخرج زكاتها عند كل حول فلك مني نصفها قلت إنك موروث
[ ١ / ٢٤٤ ]
وأنا موروث فلا يبيت جميع ما وعدتني به إلا تحت خاتمي ليجري ملكي عليه فإن حضرني أجلي كان لورثتي دون ورثتك وإن حضرك أجلك كان لي دون ورثتك فتبسم في وجهي وقال أبيت إلا العلم فقلت لا يستعمل أحسن منه وما بت إلا وجميع ما وعدني به تحت خاتمي فلما كان في غداة غد صليت الفجر في جماعة وانصرفت إلى المنزل أنا وهو وكل واحد منا يده في يد صاحبه إذ رأيت كراعًا على بابه من جياد خراسان وبغالًا من مصر فقلت له ما رأيت أحسن من هذا فقال هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله فقلت له دع لك منها دابة فقال إني أستحي من الله أن أطأ فيها نبي الله ﷺ بحافر دابة.
قال الشافعي ﵁ فعلمت أن ورع الإمام مالك باق على حاله فأقمت عنده ثلاثًا ثم ارتحلت إلى مكة وأنا أسوق خير الله ونعمه ثم أنفذت من يعلم بخبري فلما وصلت إلى الحرم خرجت العجوز ونسوة معها فضمتني إلى صدرها وضمتني بعدها عجوز كنت آلفها أدعوها خالتي وقالت:
ليس امُّك اجتاحت المنايا كلّ فؤادٍ عليك أمُّ
[ ١ / ٢٤٥ ]
قال الشافعي ﵁ وهي أول كلمة سمعتها في الحجاز من امرأة فلما هممت بالدخول قالت لي العجوز إلى أين عزمت فقلت إلى المنزل فقالت هيهات تخرج من مكة بالأمس فقيرًا وتعود إليها مترفًا تفخر على بني عملك بذلك فقلت ما أصنع فقالت ناد بالأبطح في العرب بإشباع الجائع وحمل المنقطع وكسوة العراة فتربح ثناء الدنيا وثواب الآخرة ففعلت ما أمرت به وسار بذلك الفعل الرجال على آباط الإبل وبلغ ذلك مالكًا فبعث إليَّ يستحثني على الفعل ويعدني أنه يحمل إليَّ في كل عام مثل ما صار إليَّ منه وما دخلت إلى مكة وأنا أقدر على شيء مما جاء معي إلى على بغلة واحدة وخمسين دينارًا فوقعت المقرعة فناولتني إياها أمة على كتفها قربة فأخرجت لها خمسة دنانير فقالت له العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها لها خمسة دنانير فقالت لي العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها فقالت أدفع إليها جميع ما تأخر معك قال فدفعت إليها ودخلت إلى
[ ٢ / ٢ ]
مكة فما بت تلك الليلة إلا مديونا وأقام مالك ﵁ يحمل إليَّ في كل عام مثل ما كان دفع إليَّ أولا إحدى عشرة سنة فلما مات ضاق بي الحجاز وخرجت إلى مصر فعوضني الله عبد الله بن عبد الحكيم فقام بالكلفة فهذا جميع ما لقيته في سفري فإفهم ذلك يا ربيع قال الربيع وسألني المزني املاء ذلك بحضرته فما وجدنا للمجلس فرغة فما وقع كتاب السفر إلى أحد غيري.
ومن لطائف المنقول ما نقله القرطبي في كتابه المسمى بالأعلام عن صدق محبة أبي طالب لسيدنا رسول الله ﷺ قال كان رسول الله ﷺ قد خرج إلى الكعبة يومًا وأراد أن يصلي فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته فقام عبد الله بن الزبعري فأخذ فرثا ورماه فلطخ به وجه النبي ﷺ فانتقل النبي ﷺ من صلاته وأتى إلى أبي طالب عمه وقال يا عم ألا ترى ما فعل بي فقال له أبو طالب من فعل بك
[ ٢ / ٣ ]
هذا فقال النبي ﷺ عبد الله بن الزبعري فقام أبو طالب فوضع سيفه على عاتقه ومشى حتى أتى القوم فلما رأوه قد أقبل نهضوا له فقال أبو طالب والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا ثم قال يا بني من الفاعل بك هذا فقال عبد الله بن الزبعري فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية الشريفة وهم ينهون عنه وينأون عنه فقال النبي ﷺ يا عم نزلت فيك آية قال وما هي تمنع قريشا أن يأذوني وتأبى أن تؤمني بي فقال أبو طالب
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسَّد في التراب دفينا
فامضِ لأمرك قد زعمتك ناصحي فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينًا قد عرفتُ بأنّه من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّةٍ لوجدتني سمحًا بذاك يقينا
وقيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله هي تنفع نصرة أبي
[ ٢ / ٤ ]
طالب قال نعم رفع عنه بذلك الفعل إنه لم يقرن مع الشياطين ولم يدخل جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منها دماغه وهو أهو أهل النار عذابا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأبي طالب قل لا إله إلى الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب لولا أن يعايروني بها يعني قريشًا يقولون إنما حمله الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
وأما عبد الله بن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى النبي ﷺ فقبل عذره وكان شاعرًا مجيدًا فقال يمدح النبي ﷺ بأبيات منها في حكاية حاله:
إني لمعتذرٌ إليك من الذي أسديت إذ أنا في الضلال مقيم
فاعفر فداؤك والديّ كلاهما وأرحم فإنك راحمٌ مرحوم
ومن غريب ما نقله القرطبي في الأعلام
[ ٢ / ٥ ]
أن الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ كانوا من أولاد العلماء والحكماء الذين كانوا مع تبع الأول فيما ذكر ابن اسحق وكان تبع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكان كثير الوزراء فاختاروا واحداص منهم وأخرجه معه لينظر في ملكه فكان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال وكان معه من العلماء والحكماء مائة ألف رجل ثم الذين اختارهم من البلدان وهذا القدر غير محسوب من الجيش فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل البلاد ولم تعظمه فغضب لذلك ودعا وزيره وكان اسمه عماريا فقال له كيف شاهدت هذه البلد فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري فقال إنهم عرب لا يعرفون شيئًا ولهم بيت يقال له الكعبة وهم معجبون به ويسجدون فيه للأصنام قال فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة وعزم على هدم البيت وقتل الرجال وسبى النساء فأخذه الله بالصداع وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة
[ ٢ / ٦ ]
عين من نتن الريح فاستيقظ لذلك وقال لوزيره أجمع العلماء والحكماء والأطباء وتكلم معهم في أمري فاجتمع عنده العلماء والحكماء والأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده ساعة وعجزوا عن مداواته وقالوا نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض وهذا شيء من السماء لا نستطيع له ردًا ثم اشتد أمره ونفرت الناس عنه ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل فجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال له إن بيني وبينك سرًا وهو إن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته فاستبشر الوزير بذلك وقال له قل ما شئت فقال أريد الخلوة فأخلي له المكان فلما خلا مجلس الملك قال له العالم أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوء قال نعم نويت خرابه وقتل رجاله وسبي نسائه فقال له العالم أيها الملك هذه النية هي التي أحدثت لك هذا الداء ورب هذا البيت قادر يعلم الأسرار فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أمر هذا البيت وأهله ولك خير الدنيا والآخرة قال الملك قد أخرجت ذلك من قلبي ونويت لهذا البيت
[ ٢ / ٧ ]
المبارك ولأهله كل خير فلم يخرج العالم من عنده حتى برىء من علته وعافاه الله تعالى بقدرته فآمن بالله من ساعته وخلع على الكعبة سبعة أثواب وهو أول من كسار الكعبة وخرج إلى يثرب وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ومعهم رئيسهم عماريا الذي يرى الملك برأيه ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم وبايع كل واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام ون قتلهم الملك فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا محتاج إليهم واي حكمة أقتضت نزولهم في هذا المكان واختيارهم إياه على سائر النواحي فسألهم الوزير عن ذلك فقالوا أيها الوزير إن ذلك البيت وهذه البقعة التي نحن فيها يشرفان برجل يبعث في آخر الزمان يقال له محمد ووصفوه له ثم قالوا طوبى لمن أدركه وآمن به ونحن على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا فلما سمع
[ ٢ / ٨ ]
الوزير مقالتهم هم بالمقام معهم فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا فقالوا لا نفعل وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا فدعا بالوزير فأخبره بما سمع منهم فتفكر الملك وهم أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمدًا ﷺ فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار على عدة العلماء والحكماء واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوجها برجل منهم وأعطى كل واحد عطاء جزيلا وأمرهم أن يقيموا في ذلك المكان إلى أن يجيء زمان النبي ﷺ ثم كتب الكتاب وختمه بخاتم من ذهب ودفعه إلى عالمهم الكبير وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد ﷺ إن أدركه وإلا فيوصي به أولاده مثل ما أوصاه به وكذلك الأولاد حتى يتصل بالنبي ﷺ وكان في ذلك الكتاب، أما بعد فإن آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان والإسلام فإن أدركتك فيها نعمت وإلا فإشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإن من أمتك الأولين وقد بايعتك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم ﵇ ثم ختم الكتاب
[ ٢ / ٩ ]
ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب عنوانه إلى محمد بن عبد الله ونبي الله ورسوله وخاتم النبيين
ورسول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعًا برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله ﷺ فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكرًا وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحبًا بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم. سول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعًا برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله ﷺ
[ ٢ / ١٠ ]
فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكرًا وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحبًا بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم.
وقال أبو عبد الله منحمد القرطبي نور الله ضريحه ما ذكرت هذا الخبر وإن كان فيه طول إلاّ لما احتوى عليه من فضل مكة والمدينة والتصديق بنبوة النبي ﷺ قبل أيجاده بالف عام.
ومن لطائف ما نقلته من كتاب الاعلام للقرطبي ما أورده من مسند أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿ إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى آخر الآية إن أول من جحد الدين آدم ﵇ لأنه لما أراه الله تعالى ذريته رأى فيهم رجلًا أزهر ساطع النور فقال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فما عمره قال ستون سنة قال
[ ٢ / ١١ ]
يا رب زد في عمره قال لا إلا أن تزيده من عمرك قال وما عمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبته أربعين سنة قال فكتب الله عليه كتابًا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة قال بقي من عمري أربعين سنة فقيل له قد وهبتها لابنك داود قال ما وهبت لأحد شيئًا فأخرج الله ذلك الكتاب وفيه شهادة الملائكة.
وفي رواية إن الله ﷻ أتم لداود مائة سنة ولآدم ألف سنة أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وفيه فقال ﵊ نسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته والله أعلم.
ومن لطائف الغرائب المنقولة من كتاب الأعلام للقرطبي أن العباس بن عبد المطلب ﵁ مدح النبي ﷺ بأبيات على قافية بديعة أعجبت النبي ﷺ منها قوله:
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ر وسُبل الرشاد نخترقُ
فقال يا عم لكل شاعر جائزة وجائزتك إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة.
ومن غرائب التفسير ما نقلته من الأعلام أن في قوله
[ ٢ / ١٢ ]
تعالى ووجدك ضالًا فهدى أقوالًا ذكرت في أحكام مخارج القرآن أحسنها ما ذكره بعض المتكلمين إن العرب كانت إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من الأرض لا شجر معها سموها ضالة فيهتدى بها على الطريق فقال الله تعالى لنبيه ﷺ ووجدك ضالًا فهدى أي وجدتك لا أحد على دينك فهديت بك الخلق إليّ.
قلت قد تقدم الكلام في سعادة العباس ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ وما نال بالإسلام من العز قول النبي ﷺ إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة وتقدم ذكر شقوة عمه أبي طالب بالشرك مع حمايته ورعايته لجانب النبي ﷺ وهو الذي تقدم قوله مشيرًا إلى قريش في خطابه إلى النبي ﷺ:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التّراب دفينا
قال السهيلي نور الله ضريحه في الروض الأنف هذا من باب النظر في حكمة الله.
ونقل في الروض الأنف أيضا عن هشام بن السائب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع وجوه قريش وقال لهم إنكم صفوة الله من خلقه وقلب العرب وفيكم السيد المطاع وفيكم المتقدم الشجاع والواسع الباع لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إلا أحرزتموه
[ ٢ / ١٣ ]
ولا شرفًا إلا أدركتموه فلكم على الناس بذلك الفضيلة ولهم به إليكم والوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها في صلة الرحم منسأة في الأجل وزيادة في العدد واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم وأجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام وأنا أوصيكم بمحمد خيرًا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب وهو جامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وأيِّمِ الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابًا وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم من أحظاهم عنده أصغت ودادها وأصغت له فؤادها وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماه ووالله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد
[ ٢ / ١٤ ]
ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي ثم هلك.
ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه مر على طائفة بالمدينة أيام خلافته فإذا بجارية تبكي وتقول:
وهويته من قبل قطع تمائمي متناشيًا مثل القضيب الناعم
فكأنّ نور البدر سنَّة وجهه يمشي ويصعد من ذؤابة هاشم
فقرع الباب فخرجت إليه فقال لها أحرة أنت أم أمة فقالت بل أمة يا صاحب رسول الله ﷺ فقال من هويت فبكرت وقالت بحق صاحب هذا القبر إلا انصرفت عني فقال لست بمنصرف من مكاني حتى تعلميني وتقول لي فقالت:
إن الذي عمل الفراق بقلبها فبكت بحبّ محمد بن القاسم
فسار أبو بكر ﵁ إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى علي ابن القاسم بن جعفر بن أبي طالب عفي عنه.
ومن مناقب الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في فتح بيت المقدس إن المسلمين تكامل لهم فتوح الشام فأقاموا على دمشق شهرًا فجمع أبو عبيدة أمراء المسلمين واستشارهم في المسير إلى قيسارية أو إلى بيت المقدس
[ ٢ / ١٥ ]
فقال له معاذ بن جبل أيها الأمير أكتب لأمير المؤمنين عمر فحيث أمرك أمتثله قال له أصبت الرأي يا معاذ ثم كتب إلى أمير المؤمنين عمر يعلمه بذلك وأرسل الكتاب إلى عرفجة بن ناصح النخعي فسار حتى وصل المدينة فسلم الكتاب إلى عمر ﵁ فقرأه على المسلمين واستشارهم فقال عليّ رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين مر صاحبك ينزل بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس فإذا فتح الله بيت المقدس صرف وجهه إلى قيسارية فإنها تفتح بعدها إن شاء الله تعالى كذا أخبرنا رسول الله ﷺ قال عمر صدق المصطفى ﷺ وصدقت يا أبا الحسن ثم دعا بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى عامله بالشام أبي عبيدة أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه وقد وصلني كتابك تستشيرني إلى أي ناحية تتوجه وقد أشار ابن عم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بيت المقدس فإن الله يفتحها على يدك والسلام فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة قرأه على المسلمين ففرحوا بالمسير إلى بيت المقدس وتقدمه الجيش إلى بيت المقدس وأقام المسلمون في القتال عشرة أيام وأهل بيت المقدس يظهرون الفرح لعدم
[ ٢ / ١٦ ]
الخوف فلما كان يوم الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن يساره فضج الناس ضجة عظيمة بالتهليل والتكبير فوقع الرعب في أهل بيت المقدس فاجتمعوا بقمامة وهي البيعة المعظمة عندهم فلما وقفوا بين يدي البطرك قال لهم ما هذه الضجة التي أسمع قالوا يا أبانا قد قدم أمير المؤمنين ببقية المسلمين فلما سمع البطرك منهم ذلك انخطف لونه وتغير وجهه وقال أنا وجدنا في علمنا الذي ورثناه إن الذي يفتح الأرض هو الرجل الأحمر صاحب نبيهم محمد فإن كان قدم عليكم فلا سبيل إلى قتاله ولابد أن أشرف عليه وأنظر إلى صفته فإن كان هو أجبته إلى ما يريد وإن كان غيره فلا بأس عليكم ثم وثب قائما والقسس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه فصعدوا إلى السور إلى أن ورد أبو عبيدة ﵁ فناداهم رجل من الروم بإذن البطرك يا معاشر المسلمين كفوا على القتال حتى نسألكم فأمسك المسلمون عنهم فناداهم الرجل بلسان عربي أعلموا أن الرجل الذي يفتح بلدتنا هذه وجميع الأرض صفته عندنا فإن كانت في أميركم لم نقاتلكم بل نسلم إليكم وإن لم تكن هذه صفته فلا نسلم إليكم أبدًا فأعلم المسلمون أبا عبيدة بذلك فخرج أبو عبيدة
[ ٢ / ١٧ ]
إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البطرك وحقق صوته فقال ليس هو الرجل فأبشروا وقاتلوا عن دينكم وحريمكم وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في فصل الشتاء والبرج فأقاموا عليها أربعة أشهر في أشد قتال مع الصبر على المطر والثلج فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار في ذلك الفصل الصعب وما نزل بهم من المسلمين وقفوا بين يدي البطرك وقالوا له قد عظم الأمر ونريد منك أن تشرف على القوم وتسأل من الذي يريدون فإن كان أمرًا صعبًا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهما فأما نقتل عن آخرنا أو نهزمهم عنا فأجابهم البطرك إلى ذلك وصعد السور والجتمع القسيسون والرهبان حوله ونادى منهم رجل بالعربي وقال يا معشر الفرسان عمدة دين النصرانية قد أقبل يخاطبكم فليدنُ منا أميركم فقام أبو عبيدة يمشي ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وترجمان فلما وقف بإزائهم قال ما الذي تريدون هذا أمير العرب فقال البطرك إنكم لو أقمتم علينا عشرين سنة لم تصلوا إلى فتح بلدتنا أبدًا وإنما يفتحه رجل موصوف وليست الصفة معكم قال أبو عبيدة وما صفة من يفتح بلدكم قال البطر لا نخبركم بصفة ولكن قرآنا إن هذا البلد يفتحه صاحب لمحمد اسمه عمر بن الخطاب
[ ٢ / ١٨ ]
ويعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولسنا نرى صفته فيكم فلما سمع أبو عبيدة كلام البطرك تبسم وقال فتحنا البلد ورب الكعبة ثم أقبل على البطرك وقال إن رأيت الرجل تعرفه قال نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندنا قال أبو عبيدة هو والله خليفتنا وصاحب نبينا ﷺ
قال البطرك فإذا كان الأمر على ما ذكرتم فأحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبينا نعته فتحنا له البلد وأعطيناه الجزية فانصرف أبو عبيدة وأمر الناس بالكف عن القتال وأعلمهم بالخبر فكبروا وكتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر ﵁ يعلمه بالخبر على يد ميسرة بن مسروق فلما وصل الكتاب إلى عمر ﵁ فرح وقرأه على المسلمين وقال ما ترون رحمكم الله فيما كتب إلينا أمين الأمة فكان أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فقال يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف فلا يثبتون إلا يسيرًا فلما سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيرًا وقال هل عند أحدهم منك رأي غير هذا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نعم عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه إليك رحمك الله فقال له عمر وما هو أبا الحسن قال إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذل وهو على المسلمين فتح وقد أصابهم جهد عظيم
[ ٢ / ١٩ ]
من البرد والقتال وطول المقام وإن سرت إليهم فتح الله على يديك هذه المدينة وكان لك في مسيرك الأجر العظيم ولست آمن منهم إنهم إذا آيسوا منك أن يأتيم المدد من طاغيتهم فيحصل للمسلمين بذلك الضرر والصواب أن تسير إليهم ففرح عمر بمشورة علي وقال لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وعلي أحسن النظر للمسلمين جزاهما الله خيرًا ولست آخذ إلا بمشورة علي فما عرفناه إلا محمود المشورة ميمون الطلعة ثم إن عمر أمر الناس أن يأخذوا الأهبة للمسير معه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من المدينة وهو على بعير له أحمر عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة وخلفه جفنة الزاد وسار إلى أن أقبل على بيت المقدس فالتقاه أبو عبيدة فلما رآه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره وترجلا ومد أبو عبيدة يده وصافح عمر وتعانقا وسلم كل منهما على صاحبه وأقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبوا جميعًا إلى أن نزلوا فصلى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم فلما فرغ من خطبته جلس وأبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم إلى أن حضرت صلاة الظهر أذن بلال في ذلك اليوم فلما قال الله أكبر خشعت جوارحهم واقشعرت أبدانهم فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله.
[ ٢ / ٢٠ ]
وأشهد أن محمدًا رسول الله أبكى الناس بكاء شديدًا عند ذكر رسوله وكاد بلال أن يقطع الأذان فلما فرغ الأذان صلى عمر وجلس ثم أمرهم بالركوب فلما همّ بالركوب من بعيره وعليه مرقعة الصوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من آدم قال المسلمون يا أمير المؤمنين لو ركبت غير بعيرك جوادًا ولبست ثيابا لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب أعدائك وأقبلوا يسألونه ويتلطفون به إلى أن أجابهم إلى ذلك ونزع مرقعته ولبس ثياب بيضا قال الزبير أحسبها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشرة درهما وطرح على كتفيه منديلًا من الكتان دفعه إلى أبو عبيدة وقدذم له برذونا أشهب من براذين الروم فلما صار عمر فوقه جعل البرذون يهملج به فلما نظر عمر إلى ذلك نزل مسرعًا وقال أقيلوا عثرتي أقالكم الله عثراتكم يوم القيامة لقد كاد أميركم يهلك مما داخله من الكبر ثم إنه نزع البياض وعاد إلى لبس مرقعته وركوب بعيره فعلت ضجة المسلمين بالتهليل والتكبير فقال البطرك للروم أنظروا ما شأن العرب فأشرف رجل من المتنصرة فقال يا معشر العرب ما قضيتكم فقالوا أن عمر بن الخطاب قد قدم علينا من مدينة نبينا ﷺ فرجع المتنصر وأعلم البطرك فأطرق ولم يتكلم فلما كان من الغد صلى عمر
[ ٢ / ٢١ ]
بالمسلمين صلاة الفجر ثم قال لأبي عبيدة تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد أتى فما تصنعون فيما قلتم فاعلم البطرك بذلك فخرج من قمامة وعليه المسوح ومن حوله الرهبان والقسس ثم علا السور وأشرف على أبي عبيدة وقال ما هذا أيها الشيخ قال أبو عبيدة هذا أمير المؤمنين من بينكم حتى نراه فرجع أبو عبيدة إلى عمر فأخبره بما قال البطرك فهم عمر بالقيام فقال له أصحاب رسول الله ﷺ يخشى عليك من الإنفراد بلا عدة فقال عمر قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم لبس مرقعته وركب بعيره وأبو عبيدة سائر بين يديه إلى أن أتى بإزاء البطرك قريبًا من الحصن فقال أبو عبيدة هذا أمير
المؤمنين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله ﷾ وخر ساجدًا على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محرابًا وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية. ين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى
[ ٢ / ٢٢ ]
عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله ﷾ وخر ساجدًا على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محرابًا وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية.
ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما نقله أبو الحسن علي بن عبد المحسن التنوخي في المستجاد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما بات على فراش النبي ﷺ ليفديه أوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل ﵉ أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى الله إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره الحياة أهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه فكان جبريل عند
[ ٢ / ٢٣ ]
رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاه مرضاة الله والله رؤوف بالعباد.
قال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵁ حجاجا ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقال أحدهم هل من شراب قالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة فقالت احلبوها فاشربوا لبنها ففعلوا فقالوا هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيىء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألّمي بنا فإنّا صانعون إليك خيرا فارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب وقال ويحك تذبحين شاتي لقوم لا أعرفهم ثم تقولين نفر من قريش ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا يلتقطان البعر ويعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي على باب داره فعرف العجوز وهي منكرة فبعث إليها غلامه
[ ٢ / ٢٤ ]
فدعا بها فقال لها يا أمة الله أتعرفينني قالت لا قال أنا ضيفك بالأمس يوم كذا وكذا قالت بابي أنت وأمي ثم اشترى لها من شاة الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار بعث بها مع غلامه إلى الحسين ﵄ فأمر لها بمثل ذلك وبعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر ﵁ فقال عنه فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما في العطاء أعطوها عطيتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف دينار وأربعة آلاف شاة.
ومما يضارع هذه اللطائف أنه جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد بن الحنيفة ﵄ كلام فانصرفا متغاضبين فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رقعة وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي ابن أبي طالب أما بعد فإن لك شرفا لا أبلغه وفضلا لا أدركه فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليَّ فترضيني وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام فلما قرأ الحسين ﵁ الرقعة لبس رداءه ونعليه ثم جاء إلى أخيه محمد فترضاه.
قال أبو الفرج الاصفهاني
[ ٢ / ٢٥ ]
حدثني أحمد بن محمد الجعدي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا محمد بن زكريا العلاثي قال حدثنا ابن عائشة قال حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد ومعه رؤساء أهل الشام فطاف وجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من الازدحام فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس فأقبل علي بن الحسين ﵄ وهو أحسن الناس وجها وأنظفهم ثوبا وأطيبهم رائحة فلما طاف بالبيت وبلغ الحجر تنحى الناس كلهم إجلالا له فاستلم الحجر وحده فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه فقال رجل من أهل الشام لهشام من هذا أصلح الله الأمير قال لا أعرفه وكان عارفا ولكن خاف من رغبة أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا أنا أعرفه يا شامي قال من هو قال:
هذا ابنُ من تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلِّهم هذا التقيُّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلُهُمْ إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهلُهُ بجدّه أنبياء الله قد ختموا
يكاد يمسكه عرفان راحته رُكن الحطيم إذا ما جاء يستلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لأوليه هذا فأوله نِعمُ
من يعرف الله يعرف أولية ذا
[ ٢ / ٢٦ ]
.. فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره فالعرب تعرف من أنكرت والعجم
فحسبه هشام ثم أطلقه فوجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال أعذرنا يا أبا فراس فلوا كان معنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها الفرزدق وقال ما قلت ما كان إلا الله فقال له علي بن الحسين قد رأى الله مكانك ولكننا أهل بيت إذا أنفذنا شيئًا لم نرجع فيه وأقسم عليه فقبلها.
ومن غالي جواهر العقد لابن عبد ربه قال يزيد حدثني أبي أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم من المدينة إلى الشام على حمار فتلقاه معاوية في موكب نبيل فأعرض عنه عمر فجعل يمشي إلى جنبه راجلًا فقال له عبد الرحمن بن عوف أتعبت الرجل فأقبل عليه وقال يا معاوية أنت صاحب الموكب مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك قال نعم يا أمير المؤمنين قال ولم ذلك قال لأنا في بلاد لا تمنع من الجواسيس ولا بد لهم ما يروعهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك أقمت عليه وإن نهيتني عنه انتهيت قال إن كان الذي قلت حقًا فإنه رأي أريب وإن كان باطلًا فإنها خدعة أديب فلا آمرك ولا أنهاك عنه.
ومن لطائف معاوية أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض قريبة لأرض معاوية فيها عبيد له من الزنوج ويعمرونها فدخلوا
[ ٢ / ٢٧ ]
في أرض عبد الله فكتب إلى معاوية أما بعد فإنه يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من أرضي وإلا كان لي ولك شأن فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه إلى ابنه يزيد فلما قرأه قال له ما ترى قال أرى أن تنفذ إليه جيشًا أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه قال يا بني عندي خير من ذلك عليَّ بداوة وقرطاس وكتب، وقفت على كتابك يا ابن حواري رسول الله ﷺ وساءني والله ما ساءك والدنيا هينة عندي في جنب رضاك وقد كتبت على نفسي رقمًا بالأرض والعبيد وأشهدت عليّ فيه ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية كتب إليه وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أسفر وجهه فقال يا بني إذا رميت بهذا الداء دواه بهذا الدواء.
نادرة لطيفة قال الأستاذ أبو علي لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فإنه استتر بالفقه وأما الشخام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم الثوري فقال له السياف أتدري لماذا تتقدم قال نعم قال فما
[ ٢ / ٢٨ ]
يعجلك قال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف ونما الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليعرف أحوالهم فألقى القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب عن الكل ثم أخذ يقول إن لله عبادًا إذا قاموا قاموا بالله وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد حتى بكى القاضي فأرسل إلى الخليفة إن كان هؤلاء زنادقة فما هو وجه الأرض مسلم فأكرمهم وأطلقهم.
ومن المروي عن أحمد بن أبي داود القاضي أنه قال ما رأيت رجلًا عرض على الموت فلم يكترث به إلا تميم بن جميل الخارجي كان قد خرج على المعتصم ورأيته قد جيء به أسيرًا فأدخل عليه في يوم موكب وقد جلس المعتصم للناس مجلسًا عاما ودعا بالسيف والنطع فلما مثل بين يديه نظر المعتصم فأعجبه شكله وقده ورآه يمشي إلى الموت غير مكترث به فأطال الفكرة فيه ثم استنطقه لينظر في عقله وبلاغته فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به فقال أما إذا أذن أمير المؤمنين جبر الله به صدع الدين ولمَّ به شعث المسلمين وأخمد شهاب الباطل وأنار سبل الحق فالذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسن وتصدع الأفئدة وأيِّمِ الله لقد عظمت الجريمة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا العفو وهو الأليق بشيمتك الطاهرة ثم أنشد:
[ ٢ / ٢٩ ]
ارى الموت بين السيف والنطع كامنًا يلاحظني من حيثُ لا أتلفَّتُ
وأكثر ظنيّ أنك اليوم قاتلي وأيُّ امرىءٍ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يأتي بعذرٍ وحجةٍ وسيف المنايا بين عينيه مُصْلَت
وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أنّ الموت شيءٌ موقّت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم وأكبادُهُم من حسرةٍ تتفتَّت
كأنيّ أراهم حين أُنعى إليهمُ وقد لطموا تلك الخدود وصوّتوا
وإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ أذود الردى عنهم وإن متُّ موِّتوا
وكم قائلٍ لا يبعد الله داره وآخر جذلان يسرُّ ويشمت
قال فبكى المعتصم وقال ابن من البيان لسحرًا ثم قال كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل وقد وهبتك لله ولصبيتك وأعطاه خمسين ألف درهم.
ومن لطائف المنقول من المستجاد أنه كان بين غسان بن عباد وبين علي بن عيسى القمر عداوة عظيمة وكان علي بن عيسى ضامنا أعمال الخراج والضياع ببلده فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار فألح المأمون عليه بطلبها
[ ٢ / ٣٠ ]
إلى أن قال لعلي بن صالح الحاجب أمهله ثلاثة ايام فإن أحضر المال وإلا فأضربه بالسياط حتى يؤدي المال أو يتلف فإنصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيسا من نفسه وهو لا يدري وجها يتجه إليه فقال له كاتبه لو عرجت على غسان بن عباد وعرفته خبرك لرجوت أن يعينك على أمرك فقال له على ما بيني وبينه من العداوة فقال نعم فإن الرجل أريحي كريم فدخل على غسان فقال إليه وتلقاه بالجيمل وأوفاه حقه بالخدمة ثم قال له الحال الذي بيني وبينك على حاله ولكن دخولك إلى داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني فأذكر أن كان لك حاجة فقص عليه القصة فقال أرجو أن يكفيكه الله تعلى ولم يزده على ذلك شيئًا فنهض علي بن عيسى وخرج آيسا نادما على قصد غسان وقال لكاتبه ما أفدتني بالدخول على غسان غير تعجيل الشماتة والهوان فلم يصل علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال فتقدم وسلمه وبكر إلى دار أمير المؤمنين فوجد غسان قد سبقه إليها ودخل على المأمون وقال يا أمير المؤمنين أن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما تعارفه الناس وقد توعدته بضرب السياط بما أطار عقله وأذهب لبَّه فإن رأى
[ ٢ / ٣١ ]
أمير المؤمنين أن يجيزني على حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة يجددها على تحرّس ما تقدمها من إحسانه ولم يزل يتلطف إلى أن حط عنه النصف واقتصر على عشرين ألف دينار فقال غسان على أن يجدد عليه أمير المؤمنين الضمان ويشرفه بخلعة تقوّي نفسه وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضا عنه فأجابه المأمون إلى ذلك قال فيأذن أمير المؤمنين أم أحمل الداوة إلى حضرته ليوقع ما رآه من هذا الإنعام قال افعل فحمل الدواة إلى أمير المؤمنين فوقع ذلك وخرج علي بن عيسى بالخلعة والتوقيع بيده فلما حضر في داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأرسلها إلى غسان وشكره على جميل فعله معه فقال غسان لكاتبه والله ما شفعت عند أمير المؤمنين إلا لتوفر عليه وينتفع بها فأمض بها إليه فلما ردها كاتبه إلى علي بن عيسى علم قدر ما فعل غسان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر.
ومن غريب ما يقتطف من ثمرات الأوراق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ خلف أحد عشر ابنا فأصاب كل ابن نصف وربع دينار وقال لهم عند وفاته يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، وخلف هشام بن عبد الملك أحد عشر ابنا فأصاب كل واحد من البنين ألف دينار فأما أولاد
[ ٢ / ٣٢ ]
عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني ومنهم واحد جهز من ماله مائة ألف فارس على مائة ألف فرس في سبيل الله تعالى وما رؤي أحد م أولاد هشام بن عبد الملك إلا وهو فقير ولقد شوهد أحدهم وهو يوقد في الأتون.
قيل لمعاوية ابن أبي سفيان إن بالحيرة رجلًا من بني جرهم قد عمّر ورأى أعاجيب فقال معاوية عليَّ به فلما حضر قال من الرجل قال عبيد بن شربة قال ثم ممن قال من قوم لم يبق منهم بقية قال فكم مضى من عمرك قال عشرين ومائتا سنة قال أخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك قال نعم يا أمير المؤمنين كنت في حي من أحياء العرب فمات عندهم ميت يقال له عشير بن لبيد العذري فمشيت في جنازته وتأسيت بجماعته فلما دفن في قبره وأعول النساء في أثره أدركتني عليه عبرة ولم أستطع ردها وتمثلت بأبيات كنت سمعتها قديما وعلق الآن على خاطري منها هذه الأبيات:
يا قلب إنك من أسماءُ مغرور فأذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍ حتى جرت لك اطلاقًا محاظير
فلست تدري ولا تدري أعاجلها أدنى لرشدك أمْ ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرًا وارضيَنَّ به فبينما العسر إذا دارت مياسير
[ ٢ / ٣٣ ]
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ إذا هو الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفُهُ وذو قرابته في الحيّ مسرور
وذاك أخر عهدٍ من أخيك إذا ما المرء ضمّنه اللحد الخناسير
فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي ينسكبان إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة يا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر قلت لا والله قال قائله هذا الميت الذي دفناه وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولا تعرفه ولا تعلم إنه قائل هذه الأبيات وذو قرابته الذي ذكرته مسرور هو ذاك وأشار إلى رجل في الجماعة فرأيته لا يستطيع كتمان ما هو عليه من المسرة فقال معاوية يا أخا جرهم سل ما شئت قال ما مضى من عمري ترده والأجل إذا حضر تدفعه قال ليس ذلك لي سل غيره قال يا أمير المؤمنين ليس إليك رد شبابي ولا الآخرة فتكرم مآبي والمآل فقد أخذت عنه في عنفواني ما كفاني قال لابد أن تسألني قال أما إذا شئت فأمر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخرة واتق الله وأعلم أنك مفارق ما أنت فيه وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية
[ ٢ / ٣٤ ]
بأشياء من حنطة وغيرها فردها وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثلها أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في ذلك ثم ودعه وانصرف.
وقيل وفد عبد الله بن جعفر ﵁ على أحد خلفاء بني أمية فقال له الخليفة كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه قال كان ﵀ يعطيني ألف ألف درهم قال زدناك لترحمك عليه ألف ألف درهم قال بأبي أنت وأمي قال وبهذه ألف ألف لا أقولها لأحد بعدك قال ولهذه ألف ألف قال منعني من الأطناب في وصفك الإشفاق عليك من جودك قال ولهذه ألف ألف فقيل: فرَّقتَ يا أمير المؤمنين بيت مال المسلمين على رجل واحد قال إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين ثم وكل به من يعلمه بخبره من حيث لا يشعر فلما قدم المدينة فرق جميع ما معه حتى احتاج بعد شهر إلى القرض.
ومن لطائف المنقول أن رجلًا قال لهشام القرطبي كم تعد قال من واحد إلى ألف ألف وأكثر قال لم أرد هذا كم تعد من السن قال اثنتين وثلاثين سنا ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل قال لم أرد هذا كم لك من السنين قال والله ليس لي منها شيء والسنون كلها لله قال يا هذا ما سنك قال عظم قال أبِنْ لي أبِنْ كم أنت قال اثنين رجل وامرأة قال كم أتى عليك قال لو أتى علي شيء قتلني قال كيف أقول قال تقول كم مضى من عمرك.
قيل عرض
[ ٢ / ٣٥ ]
محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيدًا فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل عرض محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيدًا فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخل قوم فيها غلام أسود يقوم عليها فأتى بثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا منه فرمى إليه بالأول وبالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت الكلب قال لان أرضنا ما هي بأرض كلاب وأخاله جاء من مسافة بعيدة جائعًا فكرهت رده قال فما كنت صانعًا اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر الأمر مبني على السخاء والله إن هذا لاسخى مني فاشترى النخل والعبد فأعتقه ووهب ذلك له.
ومن لطائف المنقول أنه رفع للرشيد موت العباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي المعروف بالنديم وعشيمة الخمارة في يوم واحد فخرج للصلاة عليهم فصفوا بين يديه فقال من الأول فقالوا إبراهيم الموصلي فقال أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم وصلى عليه فلما فرغ
[ ٢ / ٣٦ ]
وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي وقال يا أمير المؤمنين كيف آثرت العباس بالتقديم على من حضر فقال بقوله:
وسعى بها قومٌ وقالوا إنهّا لهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهّم إني ليعجبني المحبُّ الجاحد
ثم قال أتحفظهما قلت نعم قال أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقديم فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين.
قلت ويضارع هذا ما حكاه صاحب الأغاني حكي أن رجلا أدى شهادة عند بعض القضاة فقال القاضي هل يعرفك أحد من ذوي العدالة قال نعم فلان فلما حضر قال له القاضي هل تعرف هذا قال نعم أعرفه عدلا وما ذاك إلا أني سمعته ينشد لجرير:
إن الذين غدوا بلبِّك غادروا وشلًا بعينك لا يزال معينا
فغضضن من أبصارهنّ وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن.
وقال الشيخ أثير الدين أبو حبان ﵀ كانت رقائق الشيخ تقي الدين السوجي تسلب العقول وكان يغنّى بها في عصره لأنها في الطريق الغرامي غاية لا تدرك فمن ذلك قوله ﵀:
[ ٢ / ٣٧ ]
أنعم بوصلك لي فهذا رقتهُ يكفي من الهجران ما قد ذُقتهُ
أنفقت عمري في هواك وليتني أُعطي وصولًا بالذي أنفقته
يا من شُغِلت بحبِّه عن غيره وسلوت كلَّ الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حسنك فارسٌ بالسبق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه لكن عليه تصبُّري فرّقته
قال الوشاة قد ادّعى بك نسبةً فسررت لّما قلت قد صدَّقته
بالله إن سألوك عنّي قل لهم عبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاقٌ إليك فقل لهم أدري بذا وأنا الذي شوَّقته
قلت لو كان الشيخ تقي الدين السورجي ﵀ في جملة من صلى عليه الرشيد لم يقدم غيره عليه، قال الشهاب محمود وكان الشيخ تقي الدين السروجي مع دينه وورعه وزهده وعفته مغرما بالجمال وكذلك قال الشيخ أثير الدين وكان يكره مكانا فيه امرأة ومن دعاه من أصحابه قال شرطي معروف وهو أن لا يحضر بالمجلس امرأة. قال الشهاب محمود وكنّا يوما في دعوة فأحضر صاحب الدعوة شواء وأمر بإدخاله إلى النساء ليجعلنه في الصحون فلما أحضر
[ ٢ / ٣٨ ]
بعد ذلك تقرّف منه وقال كيف وقد مسسنه بأيديهن.
قال الشيخ أثير الدين ولما توفي الشيخ تقي الدين بمصر رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وتسعين وستمائة حلف أبو محبوبة أن لا يدفنه إلا في قبر ابنه وقال كان الشيخ يهواه بالحياة وما أفرق بينهما بالممات هذا لما كان يعلمه من دينه وعفافه.
قلت والشيخ مدرك هو أبو هذه العذرة وثمرة هذه الشجرة فإنه ممن هام مع زهده وورعه بالجمال وعف وصبر إلى أن مات وكان الشيخ مدرك المذكور من أكابر علماء المغرب المتفقهين وكان مطبوعا في نظم الشعر الجيد الرقيق وكان يُقرىْ الأدب وله مجلس بمحلة دار الروم وكان لا يُقرىء إلا الأحداث ففتن بنصراني اسمه عمرو بن يوحنا كان من أحسن أهل زمانه وأسلمهم طبعا فهام الشيخ به وكتب رقعة وطرحها في حجره وهي:
بمجالس العلم التي بك تمَّ جمعُ جموعها
ألاَّ رثيت لمقلةٍ غرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمةٌ الله في تضييعها
فلما قرأها عمرو استحيا وعلم بها من في المجلس فانقطع عمرو واشتد بالشيخ الوجد فترك المجلس وتظم القصيدة المشهورة قيل أنها اشتملت على سائر عبادات النصارى ومواقيتهم وأسماء المعظمين في دينهم وعده صاحب مصارع العشاق
[ ٢ / ٣٩ ]
مع الذين ماتوا غراما.
وقال في كتابه الموسوم بمصارع العشاق أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي سنة ثلاثة وأربعين وأربعمائة قال حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى قال أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني قال القاضي أبو الفرج وقد رأيت عمرًا وقد أبيض رأسه:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دان ناطق دمعٍ صامت اللسان
موثق قلبٍ مطلق الجثمان معذّبٍ بالصدّ والهجران
من غير ذنبٍ كسبت يداه لكن هوىً نمت به عيناه
شوقًا إلى رؤية من أشقاه كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقى من أدمع منهلّةٍ ما ترقى
ذاب إلى إن كاد يفنى عشقا وعن دقيق الفكر سقمًا دقَّا
لم يبق منه غير طرفٍ يبكي بأدمعٍ مثل نظام السلك
تخمد نيران الهوى وتذكي منهلّة قطر السماء تحكي
إلى غزالٍ من بني النصارى فُضِّل بالحسن على العذارى
وغادر الأسد به حيارى في ربقة الحب له أسارى
ريمٌ به أي هزبرٍ لم يصد يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى تقل ها قالت الألحاظ قد كأنه ناسوته حين اتحد
يا ليتني كنت له زنارا يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا صرت له حينئذٍ إزارا
[ ٢ / ٤٠ ]
يا عمرو ناشدتك بالمسيح إلا سمعت القول من فصيح
يذبُّ عن قلبٍ له جريح ليس من الحب بمستريح
يا عمرو بالحقِّ مع اللاهوت والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنعوت عوٍّض بالنطق عن السكوت
بحقِّ ناسوتٍ ببطن مريم حلَّ محلَّ الريق منها بالفم
ثم استحال في القنوم الأقدم يكلم الناس ولما يفطم
بحق من بعد الممات قمِّصا يومًا على مقداره ما قصصا
وكان لله تقيًا مخلصًا يشفي ويبرىء أكمهًا وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيور وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور يعلم ما في البر والبحور
بحقِّ من في شامخ الصوامع من ساجدٍ لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجع خوفًا من الله بدمعٍ هامع
بحقّ قومٍ حلّقوا الرؤسا وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا مشمعلين يعبدون عيسى
بحق مار مريم وبولس بحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونس بحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربه مطهرًا من كل سوء قلبه
ومستقيلًا فأقيل ذنبه ونال من مولاه ما أحبَّه
[ ٢ / ٤١ ]
بحقِّ ما في قُلة الميرون من نافع الأدواء للمجنون
بحقِّ ما يؤثر عن شمعون من بركات النخل والزيتون
بحقِّ أعياد الصليب الزهر وعيد شمعون وعيد الفطر
وبالشعانين الجليل القدر وعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء بالهياكل والدخن اللاتي بكفِّ الحامل
يشفي بها من خبل كل خابل ومن دخيل السقم في المفاصل
بحقِّ سبعين من العبّاد هاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد حتى أهتدى من لم يكن بهاد
بحقِّ ثنتي عشرة من الأمم ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صُبْحُ الهدى جلا الظُّلم ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحق ما في محكم الإنجيل من منزل التحريم والتحليل
وخير كل نبأٍ جليل يرويه جيل قد مضى عن جيل
بحقّ مر عيد التقي الصالح بحق لوقا بالحكيم الراجح
والشهداء بالفلا الصحاصح من كلِّ غادٍ منهم ورائح
بحقِّ معمودية الأرواح والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابس الأمساح من راهبٍ باكٍ ومن نوّاح
بحقّ تقريبك في الأعياد وشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السواد بطول تقطيعك للأكباد
[ ٢ / ٤٢ ]
بحقّ ما قدَّس شعيا فيه بالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطورٍ وما يرويه عن كلّ ناموسٍ له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلم وبعض أركان التّقى والحلم
لم ينطقا قطُّ بغير الفهم موتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطران والجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديراني والبطرق الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول وبالمسيح المرتضى وما فعل
بحرمة الأسقوفيا والبيرم وما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم بحقّ كلّ بركةٍ ومحرم
بحقّ يوم الذبح في الأشراق وليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز لا الأوراق بالفصح يا مهذب الأخلاق
بكل قداسٍ على قداس قدسه القس مع الشمّاس
وقربوا يوم خميس الناس وقدموا الكاس لكلّ حاس
إلاّ رغبت في رضا أديب باعده الحبُّ عن الحبيب
فذاب من شوقٍ إلى المذيب أعلى مناه أيسر التقريب
أنظر أميري في صلاح أمري محتسبًا في عظيم الأجر
مكتسبًا منيّ جميل الشكر من نثر الفاظٍ ونظم شعر
قلت والشيء بالشيء يذكر الشيخ مدرك ألجأته الضرورة الغرامية أن يتجشم المشاق ويتقرب إلى محبوبه بأقسام لها عند أهل دين النصرانية محل عظيم الموقع كما ألجأت الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي
[ ٢ / ٤٣ ]
الشاعر المشهور أن يترك التشيع وكان من كبار الشيعة ويرجح جانب السنة ويوهي أقوال الرافضة وموجب ذلك أن مهذب الدين المذكور هاجر إلى بغداد بسبب مدح الشريف الموسوي نقيب الأشراف بها وكان الشريف أيضًا من كبار الشيعة فلما دخل بغداد جهز إلى الشريف هدية مع مملوكه بل معشوقه تتر الذي سارت الركبان بغرامه فيه فأخذ الهدية وأعجبه المملوك فأخذه فلما وصل الخبر إلى مهذب الدين بن منير أشرف على ذهاب روحه وكتب إلى الشريف وإلى تتر:
عذبت طرفي بالسهر وأذبت قلبي بالفكر
وجفوت صفو مودتي من بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضنا وكحلت جفني بالسهر
وجفوت صبًّا ماله عن حسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك كم تخا دع بالغرور وكم تغرّ
وإلام تكلف بالأغنِّ من الظباء وبالأغر
ريمٌ يفوّق أن رما ك به بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركها من بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عن قسيَّ لا يناط بها وتر
جرحتك جرحا لا يخيّ ط بالخيوط ولا الإبر
تلهو وتلعب العقو ل عيون أبناء الخزر
فكأنهنّ صوالجٌ وكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتُسره وخفيُّ سرِّك قد ظهر
[ ٢ / ٤٤ ]
أفهل لوجدك من مدى يُقضى إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادنٍ أنا من هواه على خطر
رشأٌ تحاوله الخوا طر أن تثنّى أو خطر
عذل العذول وما رآ هـ فحين عاينه عذر
قمرٌ يزين ضوء ص بح جبينه ليل الشعر
تدمي اللواحظ خده فيُرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثمًا والبدر حسنًا إن سفر
ويلاه ما أحلاه في قلبي الشقيّ وما أمر
يومي المحرم بعده وربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفا والبيت أُقسمُ والحجر
وبمن سعى فيه وطا ف ولبّى واعتمر
إن الشريف الموسوي ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يردَّ إليَّ ملوكي تتر
واليت آل أمية ال طهر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدرٍ وعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحا بة بين قومٍ واشتهر
قلت المقدم شيخ تيٍّم ثم صاحبه عمر
ما سلَّ قطُّ ظُبًا على آل النبيٍّ ولا شهر
كلاّ ولا صدّ البتو ل عن التراب ولا زجر
وأثابها الحسنى وما شقّ الكتاب والا بقر
وبكيت عثمان الشهي د بكاء نسوان والحضر
وشرحت حسن صلاته جنح الظلام المعتكر
[ ٢ / ٤٥ ]
وقرأت من أوراق مص حفة البراءة والزُّمر
ورثيت طلحة والزب ير بكل شعرِ مبتكر
وأزور قبرهما وأز جر من لحاني أو زجر
واقول أمُّ المؤمن ين عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل التص بح من بنيها على غرر
فأتى أبو حسنٍ وس لَّ حسامه وسطا وكرّ
وأذاق إخوته الردى وبعير أُمّهم عقر
ما ضرّه لو كان كفّ وعفّ عنهم إذ قدر
وأقول إنّ إمامكم ولّى بصفين وفرّ
هذا ولم يغدر معا وية فما أخطا القدر
هذا ولم يغدر معا وية ولا عمروٌ مكر
بطلٌ بسوأته يقا تل لا بصارمه الذكر
وجنيت من رطب النوا صب مما تتمّر واختمر
وأقول ذنب الخارج ين على عليِّ مغتفر
لا ثائرٌ لقتالهم في النهروان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤ ل إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبرًا فإنا البريء من الخطر
فعلًا وقال خلعت صا حبكم وأوجز واختصر
وأقول إنّ يزيد ما شرب الخمور ولا فجر
[ ٢ / ٤٦ ]
والشمر ما قتل الحسين ولا ابن سعدٍ ما غدر
وحلقت في عشر المح رم ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهاره وصيام أيامٍ أخر
ولبست فيه أجلّ ثو بٍ للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبو ب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلًا أصا فح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطري ق أقصّ شارب من عبر
وأكلت جرجير البقو ل بلحم جوني الجفر
وجعلتها خير المآ كل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كلّها ومسحت خفّي في السفر
وأمين أجهر في الصلاة كمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسليم القبو ر لكلّ قبرٍ يحتفر
وإذا جرى ذكر الغدي ر أقول ما صحّ الخبر
وسكنت جلّق واقتدي ت بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهم بالفاشر يا قد فشر
مصطيحتي مكسورة وفطيرتي فيها قصر
بقرٌ ترى برئيسهم طيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقلٌ وصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهم خبئت وقدّت من حجر
ما يدرك التشبيب تغ ريد البلابل في السحر
وأقول ي يومٍ تحا ر له البصائر والبصر
والصحف ينشر طيُّها والنار ترمي بالشرر
[ ٢ / ٤٧ ]
هذا الشريف أطلّني بعد الهداية والنظر
مالي مضلٌّ في الورى إلاّ الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشري ف فمستقرُّكما سقر
لواحةٌ تسطو فما تبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسي ء إذا تنصل واعتذر
فاخشَ الإله بسوء فع لك واحتذر كل الحذر
واليكها بدويةٌ رقّت لرقتها الحضر
شاميةٌ لو شامها قسُّ الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أنني بحرٌ والفاظي دُرر
حبَّرتها فغدت كزه ر الروض باكره المطر
وغلى الشريف بعثتها قرأها وانبهر
رَدَّ الغلام وما استمرَّ على الجحود ولا أصر
وأثابنيوجزيتهشكرًا وقال لقد صبر
ومن لطائف المنقول ما نقله الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر زين الدين أبو حفص عمر بن الوردي رحمه الله تعالى لما دخل دمشق المحروسة في أيام قاضي القضاة نجم الدين بن مصري الشافعي تغمده الله برحمته ورضوانه فأجلسه في صفة الشهود المعروفة بالشباك وكان الشيخ زين الدين يلبس زي أهل المعرفة فاستزاره الشهود فحضر كتاب مشترى فقال بعضهم أعطوا المعري يكتبه فقال الشيخ زين الدين
[ ٢ / ٤٨ ]
ترسمون أكتبه نظما أو نثرا فزاد استهزاؤهم فقالوا نظما فأخذ القرطاس وكتب:
آله الخلق هذا ما اشترى محمدُ بن يونس بن سنقرا
من مالك بن أحمد بن الأزرق كلاهما قد عرف من جلّق
فباعه قطعة أرضٍ واقعه بكورة الغوطة وهي جامعة
لشجرٍ مختلف الأجناس والأرض في البيع مع الغرّاس
وذرع هذي الأرض بالذراع عشرون في الطول بلا نزاع
وذرعها في العرض أيضًا عشره هي ذراعٌ باليد المعتبرة
وحدّها من قبلةٍ ملك التقي وحائز الروميّ حدّ المشرق
ومن شمالٍ ملك أولاد علي والغرب ملك عامل بن جهبل
وهذه تعرف من قديم بأنها قطعة بيت الرومي
بيعًا صحيحًا لازمًا شرعيَّا ثم شراءً قاطعًا مرعيَّا
بثمن مبلغه من فضَّه وازنةٌ جيّدةٌ مبيضّه
جاريةٌ للناس في المعاملة ألفان منهما النصف ألفٌ كامله
قبضها البائع منه وافيه فعادت الذّمة منه خاليه
وسلّم الأرض إلى من اشترى فقبض القطعة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرق طوعًا فما لأحدٍ تعلّق
ثم ضمان الدرك المشهور فيه على بائعه المذكور
وأشهدا عليهما بذاك في رابع عشر رمضان الأشرف
من عام سبعمائة وعشرة من بعد خمسٍ تلوها للهجرة
والحمد لله وصلى ربي على النبيَّ وآله والصحب
يشهد بالمضمون من هذا عمر ابن المظفر المعرِّي إذ حضر
فلما فرغ الشيخ
[ ٢ / ٤٩ ]
زين الدين وتأمل الجماعة سرعة بديهته مع استيعاب الشروط الشرعية اعترفوا بفضله واعتذروا إليه لما علموا أنه ابن الوردي وأجلسوه في الصدر ولكنهم عجزوا عن رسم الشهادة نظما وسألوه ذلك فكتب عن شخص منهم إلى جانبه يدعى ابن رسول:
قد حضر العقد لذاك أحمدُ ابنُ رسولٍ وبذاك يشهد
تحفة من فوائد كتاب الرشيد كتب إلى يحيى بن خالد، في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه جمع من الشكر والاستزادة بأبلغ عبارة وأوجز.
عمرو بن مسعدة كاتب المأمون كتب إليه كتابي هذا وأجناد أمير المؤمنين على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم فقال المأمون لأحمد بن يوسف لله در عمرو ما أبلغه ألا ترى إلى ادماجه المسئلة في الأخبار وإعفائه من الإكثار.
إبراهيم الصولي كاتب المعتصم والواثق والمتوكل كان يقول التصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل
[ ٢ / ٥٠ ]
منشئه وكان يقول الخبر ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته.
ومن بديع نثره ما كتبه عن أمير المؤمنين إلى بعض الخارجين يتهددهم ويتوعدهم أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. وهذا الكلام وجازته في غاية الإبداع وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناةٌ فإن لم تغنِ عقّب بعدها وعيدًا فإن لم يغن أغنت عزائمه
وكان يقول ما اتكلت في مكاتيبي إلا على ما يتخيله خاطري ولا يجلس في صدري إلا قولي وصار ما يحرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم وقولي من أخرى فانزلوه من معقل إلى عقال وبدلوه آجالا من آمال فإني ألممته بقولي آجالا من آمال بقول مسلم بن الوليد الإنصاري المعروف بصريع الغواني:
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي وهجٍ كأنّه أجلٌ يسعى إلى أمل
وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام
فإن باشر الأضحى فبالبيض والقنا قِراه وأحواض المنايا مناهله
وإن تبن حيطانًا عليه فإنما أولئك عقّالاته لا معاقله
وإلاّ فأَعلمه ساخطٌ عليه فإنّ الخوف لا شك قاتله
ومن رقيق شعره حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالا:
صدّ عنّي وصدَّق الأقوال وأطاع الوشاة والعذّالا
[ ٢ / ٥١ ]
أتراه يكون شهر صدودٍ وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب المتوكل واهتز وخلع عليه.
ومن رقيق شعره أيضا قوله:
دنت بأناسٍ عن تناءٍ زيارةٌ وشطّ بليلى عن دنوٍّ مزارها
وإنّ مقيماتٍ بمنعرج اللوى لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
الحسن بن وهب سئل عن مبيته فقال شربت البارحة على عقد الثريا ونطاق الجوزاء فلما تنبه الصبح نمت فلم استيقظ إلاّ بلبسي قميص الصبح.
بديع الزمان الهمذاني الحمد لله الذي بيّض القار وسماه الوقار وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد.
ومن إنشائه البديع قد يوحش اللفظ وكله ود ويكره الشيء وليس منه بد هذه العرب تقول لا أبا لك ولا يقصدون الذم وويل أمه لأمر إذا هم وسبيل ذوي الألباب في الدخول من هذا الباب أن ينظروا في القول إلى قائله فإن كان وليا فهو للولاء وإن خشن، وإن كان عدوًا فهو للبلاء وإن حسن.
ومن إنشاء أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بالمغربي وصلت الرقعة فاستجفيت النسيم بالإضافة إلى لطافتها واستثقلت عقود اللؤلؤ بالقياس إلى خفة موقعها.
ومن بديع إنشائه وغرقت في هواجس الفكر ووساوس الذكر حتى نسيتكم من شدة التذكر أو لقيتكم من حدّة التصور ولله تعالى أسأل
[ ٢ / ٥٢ ]
أن يسقط أنيننا في تشاكي ألم الفراق وإسناد القلم بمشافهة الفم للفم.
أبو الحسن بن بسام من إنشائه عارض إذا همع استوشلت البحار ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار وسابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم وصارم لا يجلي غمده إلا بإفراد النجوم.
ضياء الدين ابن الأثير الجزري ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للدهر ورعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالوصل الذي لا يصرم.
وله في القلم فهو الملقب بالجواد المضمر وإذا أخذت السوابق في احضارها بلغ الغاية وما أحضر وله لون تحقق فيه القول النبوي لو جمعت الخيل في صعيد لسبقها الأشقر.
ومن إنشاء القاضي تاج الدين بن الأثير والمنجنيقات تفوَّق غليهم قسيّها وتخيّل لهم أنها ساعية بحبالها إليهم وعصيها وهي للحصون من آكد الخصوم وإذا أمَّت حصنًا حُكم بأنه ليس بإمام معصوم ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممتري وإذا نزلت بساحة قوم صباح المنذرين تدعى إلى الوغى فتكلم وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم.
ولقد سهوت عن الصابىء وكان في هذا الفن أمة
[ ٢ / ٥٣ ]
وهو أبو اسحق إبراهيم بن هلال صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع كان كاتب الإنشاء ببغداد عند الخليفة وعند معز الدولة بن بويه وكان متشددا في دينه واجتهد معز الدولة أن يسلم فلم يفعل وكان يصوم شهر رمضان ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ واستعمله في رسائله والصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه.
قيل للصابىء أن الصاحب بن عباد قال ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويغير علي وإن أصبت.
ومن إنشائه ما كتب به إلى أبي الخير عن رقعة وصلت تتضمن أنه أهدى إليه جملا، وصلت رقعتك ففضضتها عن بلاغة يعجز عنها عبد الحميد في بلاغته وسبحان في خطابته وتصرف بين جد أمضى من القدر وهزل ارق من نسيم السحر إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت جملا جعلته لصفتك جملا وكان المعيدي أن تسمع لا أن تراه صغر عن الكبر وكبر عن القدم يعجب العاقل من حلول الحياة به ومن تأتِّي الحركة فيه لأنه عظم مجلد قد طال الكلأ فقده وبعد بالمرعى عهده لم ير القتّ إلاّ نائما
[ ٢ / ٥٤ ]
ولا عرف الشعير إلا حالما وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير ورغبتي في التثمير فلم أجد فيه مستبقى لبقاء ولا مدفعا لعناء لأنه ليس بأنثى فتلد ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى ولا بسليم فيبقى فقلت اذبحه ليكون وظيفة للعيال وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال فأنشدني وقد أضرمت النار وحددت الشفار:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
ولست بذي لحم فاصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي ولا بذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي ولا بذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته ولم أعلم من أيّ أمر به أعجب أمن مطالبته الدهر بالبقاء أم من قدرتك عليه مع عدم مثله أم من هديتك غياه للصديق مع خساسة قدره ويا ليت شعري ما كنت مهديًا لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهديا إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب والسلام.
٠و - له من رسالة هو أخفض قدرا ومكانة وأظهر عجزا ومهانة من أن يستقل به قدم في
[ ٢ / ٥٥ ]
مطاولتنا أو تطمئن له ضلوع في منابذتنا وهو في نشوزه عنا وطلبنا إياه كالضالة المنشودة والظلامة المردودة وكان له عبد اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة فمن ذلك قوله فيه:
قد قال يمنٌ اسود للذي ببياضه استعلى علوّ الخائنِ
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أنّ منه فيَّ خالًا زانه ولو أنَّ منه فيَّ خالًا شانني
الصاحب بن عباد من بلاغته المخترعة إنه قيل له ما هو أحسن السجع، قال ما خف على السمع قيل مثل ماذا، قال مثل هذا. وسئل ابن العميد عن بغداد فقال بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
وله جواب كتاب وصل كتاب مولاي فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح وواسطته أنفس من واسطة العقد وخاتمته أشرف من خاتم الملك. ومن شعره يرثي كثير بن أحمد الوزير:
يقولون قد أودى كثير بنُ أحمدٍ وذلك رزءٌ في الأنام جليلُ
فقلت دعوني والعلا نبكه معًا فمثل كثيرٍ في الرجال قليل
القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم علم المتقدمين والمتأخرين وزير السلطان صلاح الدين بن أيوب
[ ٢ / ٥٦ ]
الملقب بالملك الناصر تمكن منه غاية التمكين وبرز في صناعة الإنشاء على المتقدمين قال ابن خلكان في تاريخه أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.
وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضا أن العماد الكاتب قال في الخريدة هو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع وكانت ولادته خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان وولي ابوه القضاء ببيسان فلهذا نسبوه إليها.
وقال الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية في ترجمة العادل بن الصالح بن رزيك ومن ايامه الحسنة التي لا توازى بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى خروج أمره إلى والي الاسكندرية بإحضار القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه بحضرته في الديوان فإنه عروس الدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء اصلها ثابت وفرعها في السماء.
وتوفي الفاضل في ليلة الأربعاء سابع ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ودفن في تربة بسفح المقطم في القرافة الصغرى.
قال ابن خلكان كان القاضي الفاضل من محاسن الدنيا وهيهات أن يخلف الزمان مثله.
فمن إنشائه المرقص المطرب قوله
[ ٢ / ٥٧ ]
وقد كان يقال أن الذهب الابريز لا تدخل عليه آفة وإن يد الدهر البخيلة به كافة وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة نفائس الأموال كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم وقلدتم أيامه صوارم ووهبتم شموسه وأقماره دنانير ودراهم وأيام هذه البشارة بالزيادة الوافرة، وينشق من طيبها نشرًا فقد حملت له من دولتكم أعراس ومآتم فيها لا على الأموال مآثم والجود في إيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم.
ومن إنشائه في كاحل كأنه غاسل يدخل إلى إنسان العين بحنوط من كحله الملعون لعلة المنون، ويدرجه في كفن من الخرقة السوداء التي يلبسها سواد العيون، ينقل العين إلى بياض الثغور ويسلبها سواد اللما وما برحت عصيه مردودة ولديها عصا العما، قد انتهى إلى فوق ما يضرب به المثل، إذ قيل يسرق الكحل من العين فهذا يسرق العين من الكحل، وهو لص من أكابر اللصوص وسموا كحالين وهم صاغة لما يركبون فوق العين من الفصوص قد أودع كحله حزن يعقوب فمن كحل منه أبيضّت عيناه وجحد معجزة القميص اليوسفي، فلو مروا به على ناظر انقرحت جفناه وهو من الذين إذا رفعوا أميالهم فإنما هي لشمس العيون مزولة، وإذا أولج أحدهم الميل في المكحلة فهو أولى بالرجم ممن أولج الميل في المكحلة، ومن إنشائه سقى الله
[ ٢ / ٥٨ ]
ثراه والجو يتنفس عن صدر مسجور كصدر المهجور، والحر وصاليه في هذا النحو جار ومجرور، والمهامه قد نشرت فيها ماء السراب، وزخرفيها بحر ماء ولد لغير رشدة على غير فراش السحاب، وحر الرمل قد منع حث الرمل، ونحن في أكثر من جموع صفين إلا أننا نخاف وقعة الجمل، ووردنا ماء هذه العيون وهو كالمحابر، يغترف منه المجرم مثل عمله ويرسله سهما فلا يخطىء نقرة مقتله، وهو مع هذا قليل كأنه مما جادت به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق فيا لك من ماء لا تتميز أوصافه من التراب ولا يرتفع به فرض التيُّمم كما لا يرتفع بالسراب، ولا يعد ما وصف به أهل الجحيم في قوله تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب، فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعللون عليلا لا يرد الجواب، بل يندبون ميتا قد حال بينه وبينهم التراب، يجهز للدفن ونعشه المراد ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد. وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع. على أنه لو كان دمعا لما بلّ الأجفان، ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان.
ومن إنشائه إلى أن يرد كتب العسكر وأعلامها من مدات ألفاته، ورؤوس العدا قطعات همزته.
ومنه فبنت سنابك الخيل سماء من العجاج نجومها الأسنة وطارت إليهم
[ ٢ / ٥٩ ]
عقبان الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنة، وتصوبت عيون السمر إلى قلوبهم كأنما تطلب سوادها، وقصدت أنهار السيوف صدورهم لتروي أكبادها.
ومنه وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه من مرقدها، ولا سودت رؤوسها إلا لأنها أعلام عباسية وتناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحامي الحمى وتسفك دما وتحقن دما وتتشيح بها يده عنانا وترسلها، فتعلم الفرسان أن في الكتاب لفرسانا، وتقوم الخطباء بما كتبت تعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانا.
قلت ومن مخترعاته قوله وأن ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه، كنت أفضح باطل سحره وأذيقه وبال أمره، وأصب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسنة عن الكلام.
ومن إنشائه في وفاء النيل المبارك عن الملك الناصر صلاح الدين نور الله ضريحه نعم الله ﷾ من أضوئها بزوغا، وأضفاها سبوغا، وأصفاها ينبوعا، وأسناها منفوعا
[ ٢ / ٦٠ ]
وأمدها بحر مواهب وأضمنها حسن عواقب النعمة بالنيل المصري الذي يبسط الآمال ويقبضها مدّه وجزره ويربى النبات حجره ويحيي مطلقه الحيوان ويحيي ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان وينشر مطوي حريرها وينشر مواتها ويوضح معنى قوله ﷿ وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وكان وفاء النيل المبارك تاريخ كذا فاسفر وجه الأرض وإن كانت تنقب، وأمن يوم بشراه من كان خائفا يترقب، ورأينا الإبانة عن لطائف الله التي حققت الظنون ووفت بالرزق المضمون أن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقد أعلمناك لتوفي حقه من الإذاعة وتبعده من الإضاعة، وتتعرف على ما يصرفك في الطاعة، وتشهر ما أورده البشير بأبانته وتمده بإيصال رسمه مهنًا على عادته.
ورسم لي في الأيام المؤيدية وأنا منشىء الديوان الشريف المؤيدي سنة تسع عشرة وثمانمائة أن انشىء رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها ممّن تقدمني من المنشئين بالديار المصرية حتى أن المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي سقى الله ثراه قرأ على المسامع الشريفة هذه الرسالة المسطرة ورسالة من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة وكان
[ ٢ / ٦١ ]
غرضه في ذلك إختبار الألفاظ والمعاني من الرسالتين فأنشأت بعد المستعان بالله. ونبدي لعلمه الكريم ظهور آية النيل الذي عاملنا فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وخلق أصابعه ليزول الإبهام فأعلن المسلمون بالشهادة؛ كسر جسره فأمسى كل قلب بهذا الكسر مجبورا؛ وأتبعناه بنوروز وما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مكسورا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع عليه، وقبل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت أعطاف غصونها إليه، وشبب خريره في الصعيد بالقصب؛ ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا أنه صبغ بقوة لما جاء وعليه ذلك الاحمرار، وأطال الله عمر زيادته فتردد في الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي مكة إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحضن مشتهى الروضة في صدره وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم:
وأرشَفَنَا على ظمأٍ زلالًا ألذّ من المدامة للنديم
وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنات النخيل والعناب، فالق النوى والحب فأرضع جنين النبت وأحيا له أمهات العصف والأب، وصافحته كفوف
[ ٢ / ٦٢ ]
الموز فختمها بخواتمه العقيقية، ولبس الورد تشريفه وقال أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهر بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به مخدرات الأشجار فارخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوى، واستوفى النبات ما كان له في ذمة الريِّ من الديون ومازح الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكر والليمون، وانجذبت إليه الكباد وامتد ولكن قوي قوسه لما حظي منه بسهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج وترفّع إلى أن لبس بعده التاج وفتح منشور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراح فتناول مقالم الشنبر وعلم بأقلامها ورسم لمحبوس كل سد بالإفراج وسرّح بطائق السفن فخفقت أجنحتها بمخلق بشائره وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره وحظي بالمعشوق وبلغ من كل منية مناه فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه بعد ما تفقه واتقن باب المياه ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الجسر وزاد بسرعته فاستحلى المصريون زائده على الفور ونزل في بركة الحبش فدخل التكرور في طاعته وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فاقر الله عينه وصار
[ ٢ / ٦٣ ]
أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله فما شعر إلا وقد ركب عليه، ونزل في ساحله وأمست واوات دوائه على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة، ومال شبق النخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبل سالفه، وأمست سود الجواري كالحسنات في حمرة وجناته، وكلما زاد الله في حسناته، فلا فقير سد إلا حصل له من فيض نعماه فتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به ودبت فيه الروح، ولكنه احمرت عينه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس عندي قبالة كل عين أصبع، فنشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذلك الخرير زمجره ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم المؤيدي وكسره، وقد أثر ذا المقر بهذه البشرى التي عم فضلها برا وبحرا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالا وصدرا، ليأخذ حظه من طيبات ذلك النسيم أنفاسا عاطرة، والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة بسمعة الكريم ليصير بها في كل وقت مشنَّفا، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا.
[ ٢ / ٦٤ ]
قلت تقدم قولي أن الشيء بالشيء يذكر وقد ذكرت بوصف النيل المبارك هنا رسالتي البحرية التي كتبت بها إلى علامة عصرنا الشيخ بدر الدين الدماميني فسح الله في أجله من القاهرة المحروسة إلى ثغر الاسكندرية المحروسة عند دخولي إليها من ثغر طرابلس الشام وقد عضّت عليَّ أنياب الحرب بثغرها شائبا من أهوال برها وبحرها وذلك في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة.
وهي يقبل الأرض التي سقي دوحها بنزول الغيث فأثمر الفواكه البدرية، وطلع بدر كمالها من المغرب فسلمنا لمعجزاتها المحمدية، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد، وأنشد وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد:
لقد حسنت بك الأيام حتى كأنك في فم الدهر ابتسام
فأكرم به مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام، ومدينة علم تشرفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام، ومجلس حكم ما ثبت للباطل به حجة، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة كنت على الحقيقة ابن حجة، وافق معال بالغ في سمو بدره فلم يقنع بدون النجوم، وعيدان عرشه تجول به فرسان الفصاحة من بين مخزوم، وتالله ما لفرسان الشقراء
[ ٢ / ٦٥ ]
والأباق في هذا الميدان مجال، وإذا اعترفوا بما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح كفى الله المؤمنين القتال، وينهى بعد أدعية ما برح المملوك منتصبًا لرفعها، وثغر ثلاثية ما لسجع المطوق في الأوراق النباتية حلاوة سجعها، واشواق برحت بالمملوك ولكن تمسك في مصر بالآثار.
وابرح ما يكون الدهر يومًا إذا دنت الديار من الديار
وصول المملوك إلى مصر محتميًا بكنانتها، وهو بسهام البيت مصاب مذعور لما شاهده من المصارع عند مقابلة الفرسان في منازل الأحباب مكلمًا، من ثغر طرابلس الشام بأسنة الرماح محمولًا على جناح غراب، وقد حكم عليه البين أن لا يبرح من سفره على جناح،
وكان في البين ما كفاني فكيف بالبين والغراب
يا مولانا لقد قرعت من هذا الثغر بأصابع السهام، وقلع منه ضرس الأمن ولم يبق له بعد ما شعر به البيت نظام، وكثرت الحرب في ثناياه عن أنياب، وأقتلعنا منه مع أنهم لم يتركوا لنا فيه ثنية ولا ناب، وأمست شهب الرماح قافية على آثارنا والسابق السابق منا الجواد، ولزمت الروى من دمائنا لئلا يظهر لقافيتها عند نظم الحرب سناد، وفسد انسجام تلك الأبيات
[ ٢ / ٦٦ ]
المنظومة على ذلك البحر المديد، وبدلت جنتها بنار الحرب التي كم تقول لها هل امتلأت وتقول هل من مزيد، ونفذ حكم القضاء وكم جرح خصم السيف في ذلك اليوم شهودًا، واتصل الحكم بقضاء القضاة فلم يسلم منهم إلا من كان مسعودًا، ووقع غالبنا في القبض من عروض حربهم الطويل، وتبدلت محاسن طرابلس الشام بالوحشة فلم نفارقها على وجه جميل، وتالله لم يدخلها المملوك في هذه الواقعة إلا مكرها لا بطل، وكم قلت لسارية العزم لما كشف لي عن مضيق سهلها يا سارية الجبل، ولم يطلق المملوك عروس حماته إلا جبرا أظهروا به كسره، والعلوم الكريمة محيطة كيف يكون طلاق المكره. يا مولانا:
بوادي حماة الشام من أيمن الشطّ وحقِّك تطوي شقة الهمّ بالبسط
بلادٌ إلى ما ذُقت كوثر مائها أهيم كأنِّي قد ثملت بإسفنط
ومن يجتهد في أنّ بالأرض بقعةً تشاكلها قل أنت مجتهدٌ مخطي
وصوب حديثي ماؤها وهواؤها فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
بمعصمها إن دار ملوي سوارها فما الشام بالخلخال أو مصر بالقرط
تنظم بالشطين درُّ ثمراها عقودًا لها العاصي رأيناه كالسمط
[ ٢ / ٦٧ ]
وترخي علينا للغصون ذوائبًا يسرِّحها كفّ النسيم بلا مشط
ومذ مدَّ ذاك النهر ساقًا مدملجًا وراح بنقش النبت يمشي على بسط
لوينا خلاخيل النواعير فالتوت وأبدت لنا دورًا على ساقط البسط
سقى سفحها إن قلّ دمعي سحابةٌ مطنّبةٌ بالدمع منهلّة النقط
ويا أسطرَ النبت التي قد تسلسلت بصفحتها لا زلت واضحة الخط
ولا زال ذاك الخط بالطلِّ معجمًا ومن شكل أنواع الأزاهر في ضبط
لويت عناني في حماها عن اللوى وهمت بها لا بالمحصّب والسقط
ولذّ عناق الفقر لي بفنائها وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط
منازل أحبابي ومنبت شعبتي وأوطان أوطاري بها ورضا سخطي
نعمت بها دهرًا ولكن سُلبته برغمي وهذا الدهر يسلب ما يعطي
وقد جاء شرط البيت أني أغيب عن حماها لقد أوفى فؤاديَ بالشرط
وحطّ عليَّ الدهر عمدًا وشالني إلى غيرها صبرًا على الشيل والحطّ
وسبحة جمع الشمل كان لنا بها منظّمةٌ لكنْ قضى الدهر بالفرط
أُمثِّلُ شوقًا شكلها في ضمائري
[ ٢ / ٦٨ ]
.. فتُتْبِعُ عيني ذلك الشكل بالنقط
وقد سار يمشي الهمُّ نحوي بسرعةٍ فيا ليته لو كان في مشيه يبطي
وأصبح نظمي راجعًا بي إلى ورا كأنِّيَ في الديوان أكتب بالقبطي
يا مولانا وأبثك ما لقيت من أهوال هذا البحر وأحدث عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك في أعاريضه في زحافٍ تقطّع منه القلب لما دخل إلى دوائر اللجّ، وشاهدت منه سلطانًا جائرًا يأخذ كل سفينة غصبًا، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبي، فتحققت أن رأى من رجاء يسمى في الفلك جالسًا غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد أتخذ بالبحر سبيلًا، وكم قلت من شدة الظمأ يا ترى قبل الحفرة هي أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة.
وهل أباكر بحر النيل منشرحًا، وأشرب الحلو من أكواب ملاح
بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقامع فنصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء استرقت موالينا وهي جارية، وغشيهم منها ما غشيهم فهل أتاك حديث الغاشية، واقعها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاص، وانشق قلبها لفقد رجالها
[ ٢ / ٦٩ ]
وجرى ما جرى على ذلك القلب وفاض، وتوشحت بالسواد في هذا الماء ثم سارت على البحر وهي مثل، كم سمع للمغاربة على ذلك التوشيح زجل، برح ما بين ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عدَّ من المتصبرين في تابوت، تأتي بالطباق ولكن بالقلوب لأن صغيرها كبير وبياضها سواد، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد، إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، ورقص على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، نتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء، وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبت للصبا وهي بنت أربعمائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال، هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاديفها في مقلة البحر احتلاج، وكم أسبلت على وجنته طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها، تتعاضم فتهزل
[ ٢ / ٧٠ ]
إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد، ولقد رأيناها بعد ذلك قد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد، وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصفا وإخوان الوفا، وتنصّل من ذلك العدو الأزرق ذي الباطن الكدر، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه بين عين الحياة والخصر، وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين وقضي الأمر، وقيل بعدًا للقوم الظالمين.
وبعد فإن المملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة فقد علم الله أنها صدرت من فكر تركه البيت مشتتًا، وأعضاء مع كثرة بردها قد خرجت من البحر عارية في فصل الشتاء، وليستر عوراتها بستائر الحلم وينظر إليها من الرحمة بعين، وليكن ضربها بسيف النقد صفحا فقد كفى ما جرحت بسيوف البين، وتالله لم يسلك المملوك هذه الجادة إلا ليجد له سبيلا إلى نهارة من عذب تلك الموارد، ويعود على الضعيف الذي قطعت صلاته من صفاء هذا المشرب عائد، ويصير العبد مسعودًا إذا عدَّ للأبواب العالية من جملة الخدام، ويحصل لكبده الحرّاء من ذلك النسيم الغربي برد وسلام، والله تعالى يمنُّ بقرب المثول بين يديه، ليحصل للملوك بعد التخلص
[ ٢ / ٧١ ]
من البين حسن الختام.
القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك وإن الشوق بحر وقلبه والله لغريقٌ بأمواجه وجمرَّ صدره المظلم بسراجه.
ومن انشائه فالإسلام من طلقائه، والكفر مجاهد ولكن باتقائه، وسيوفه تحسن في الأجسام البسط وفي الأرواح القبض، ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض.
ومن انشائه وكيف لا يحمد المملوك تلك الأشواق وهي تقربه من المولى بالتخيل إذا أبعدته الأيام، وتمثل المقام الكريم فيقابله كل ساعة بالسجود ويشافهه بالسلام، ويرفع ناظره فلولا نظره إليه لكانت عينه مطرقة، وستور أهدابه مسبلة، وأبواب جفونه مغلقة، ولولا اشتغالها بمطالعة طلعته لا لتهب من دموعها بمياه محرقة، فهو منها في نار وجنَّه، مغلول بغلّه مطوّق بمنّه.
ومن انشائه ولقد أنساه فراق مولاه حروف المعجم فما يعرف منها حرفًا أو عاقب خاطره الذي كفر بالبلاد فاسقط عليه من سمائها كسفا، شوق ما خطر مثله على قلب بشر، ودمع ما مر على بصر إلا ومر كلمح بالبصر، ولسان لا ينفك من الدعاء على يوم الفراق ومن دعا على ظالمه فقد انتصر.
القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر خليفة القاضي الفاضل. انشائه قوله
[ ٢ / ٧٢ ]
نعلمه بفتوحات استطعم الإيمان حلاوتها من أطراف المران، واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرسان، وذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في خلق البلاد الشامية غصة لم تسغ بمياه السيوف المجردة، وشجى في صدرها لم تقوّمه أدوية العزائم المفردة.
ومن انشائه بابطال الحشيش بعد الخمر نعلمه أن المنكرات أمرنا أن تملأ الصحائف باجرها وتفرغ الصحاف، وأن لا يخلوا بيت من بيوتها من كسر أو زحاف، وقد بلغنا الآن أنها اختصرت، وإن كلمة الشيطان بالتعريض عنها ما قصرت، وأن أم الخبائث ما عقمت، وإن الجماعة التي كانت ترضع ثدي الكاس عن ثديها ما فطمت، وإنها في النشوة ما خيب إبليس مسقاها، وإنها لما أخرج المنع عنها ماء الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها، وأنها استراحت من الخمار، واستغنت بما تشتريه بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار، وإن ذلك فشا في كثير من الناس وعرف في عيونهم ما يعرف من الإحمرار، في الكأس، وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرى، وإذا مشوا يقدمون لفساد عقولهم رجلًا ويؤخرون أخرى، ونحن نأمر بأن تجتث أصولها وتقتلع،
[ ٢ / ٧٣ ]
ويؤدب مستعملها في المحافل والمجامع، حتى تنتبه العيون من هذا الوسن، وحتى لا تشتهي بعدها خضراء ولا خضراء الدمن.
ومن انشائه عن لسان الشريف إلى الفرنج وقد أخذت شواتي السلطان وفرق بين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال تصيدت بغراب، فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة، فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وقد قال الملك فقلنا وعلم الله أن قولنا من الصحيح، وأتكل واتكلنا وأين من اتكل على الله ممن اتكل على الريح.
ومن انشاء الصدر عز الدين بن سينا في بشارة بكسر عساكر الفرنج عن الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة اثنتين وأربعين وستمائة فلا روضة إلا درع، ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نقع، ولا وبل إلا سهام، ولا مدامة إلا دم، ولا نغم إلا صليل، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل، حتى أنبت كافور الرمال شقيقا، واستحال بلور الحصباء عقيقا، وأزدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقًا وضرب النقع في السماء طريقا:
وضاقت الأرض حتى كادها ربهم إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
قلت ذكرت بهذا التلاعب المطرب من انشاء الصدر عز الدين
[ ٢ / ٧٤ ]
تلاعب القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في شفاعة ما نسج على منوالها وهي أدام الله نعمة مولانا ولا زال عَلَمُ علمه مرفوعًا أبدًا، وبناء مجده منصوبا بخفض العدا، ولا برحت أقلامه لأفعاله الشك جازمة، ولأعدائه متعدية، ولآرائه لازمة.
وأما بعد فإن فلانا حضر وادعى أنه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل في الأسماء، واستثنى من غير موجب فخفض والخفض من أدوات الاستثناء، وذكر أن العامل الذيدخل عليه منعه من الصرف ولزمه لزوم البناء، واجتمع معه في الشرط وافرده بالجزاء، والمأثور من مكارم مولانا نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرّي من العوامل على الابتداء، ففيه من التمييز والظرف ما يوجب العطف، ومن المعرفة والعدل ما يمنعه من الصرف، ولا زال مولانا بابا للعطف والصلة، ومآثر مكارمه متصلة لا منفصلة.
قلت قد انتهت الغاية هنا إلى التحلي بالقطر النباتي وقد عنّ لي أن أورد هنا حظيرة الأنس إلى حضرة القدس فإنها من بديع إنشائه وهي في رحلته ألى القدس الشريف مع الصاحب أمين الدين.
وهي الحمد لله حافظ سر الملك بأمينه، وحامي حماه بمن قسم الشكر والأجر بين دنياه ودينه، ومن إذا رفعت راية مجده تلقاها وعرّابة براعته بيمينه وإذا امتدت إليه أجياد الممالك حلاها
[ ٢ / ٧٥ ]
من عقد التدبير بثمينه، وإذا نوى في السيادة فعلا أمضى العزم السني قبل دخول سينه، وإذا حمل بنانه القلم روينا عن ابن بحر كتاب بيانه في الفضل وتبيينه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أيد بالروح الأمين، وعضد بوزراء آله وصحبه الغر الميامين، وسلم عليه وعليهم سلامًا باقيا إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الله سبحانه وتالى لما يريد من صلاح عباده، وانتظام هذا العالم الأرضي في سلك سداده، وتمام أمر هذا السواد الأعظم بمدبرة تماما بخط الطرس بسواده، جعل لكل دولة قائمة وزيرًا قائمًا بتدبيرها، مفرغًا غص القلم بتثميرها، مفنذا أمر سلطانها، ومبلغًا أحكام عدلها وإحسانها، يبني ممالكها على الأسل من أقلامه، ويحوط أطرافها إحاطة الزهر بكمامه، ويتحفها بأوصاف وزيرية يعقد عليها العدل خنصره ويتضح بها وجه الاستحقاق من إبهامه.
وكان صاحب هذه الولة التي خضعت لها الدول وفاضل أمرها الدليل وراسخ دوحها الذي ما مال مع الهوى، وقديم صحائفها الذي تلا تسديده ما ضل صاحبكم وما غوى، وضابط أمورها الذي طال ما استشرفت إليه إسماع وأبصار، وانتصرت به تقديم هجرته فلا غرو أن صار من المهاجرين بها والأنصار، المقر الأشرف الصاحبي والوزيري الأميني
[ ٢ / ٧٦ ]
أعلى الله تعالى أبدًا شأنه ورفع فوق الفرقدين مكانه، وزان بأقلامه أقاليم مصر فهذه سهام وهذه كنانه، ممن استدعته رواة المحافل، وتردد في المناصب العلية تردد الأقمار في المنازل، وجمع الأوصاف الوزيرية جمع أبي جاد للحروف، وتنبه قلبه ونامت ملء أجفانها السيوف، وعرف بالسيادة والزهد فعلى كلا الحالين هو السري وقدره معروف، وكنت أود لو نقلت الشهادة بصفاته عن الخبر إلى المعاينة، وجمعت بملازمة مقره الشريف الظاهر الوصف باطنه، ورويت الأخبار عن لسنه، وجنيت الورد من غصنه، بل التبر من معدنه هذا وأشغاله بتدبير الدول شاغله، وأيام البعد عند فراغه بيني وبين القصد حائله.
فلما عزم بدمشق المحروسة سنة خمس وثلاثين على زيارة القدس الشريف اطلع رأيه الشريف على ما في خاطري، وأمرني بالمسير في ظل ركابه فسر على الحقيقة سائري، وكاشف ولاينطر التكشف لمن كثرت زواياه في البلاد، ونظر لحالي ولا ينكر النظر في الأحوال لسيد الوزراء والزهاد، وكان له في استصحابي مقصد تقبل الله عمله الصالح ومتجره الرابح، ذلك أني كنت لابسًا ثياب الحزن على ولدي، مقيما بين المقابر إقامة تفتت حبة قلبي على قطعة كبدي، ساقيًا روض الحزن بغمائم الجفون، باكيًا على دينار
[ ٢ / ٧٧ ]
وجه عاجلته الأيام بصرف المنون، أطلب قلبي في التراب وأنشده وأطارح صوت الصدا فينشدني وأنشده:
يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا شوقي إليه ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحمام لقد أحرقت بالنار يا كانون أحشائي
وقال أيضا:
آهًا لعقدٍ قد وهى سلكُهُ وكان ذا درٍّ بعبد الرحيم
فليتني لاقيت عنه الرّدى وعاد ذاك الدرّ درًّا يتيم
فاقتضى تدقيق النظر الصاحبي في اسداء العوارق، وابداء عواطف الفضل وفضل العواطف، أن ينزع عني بصحبة ركابه الكريم لباس الباس، ويشغلني بمشافهة الأنس القابل ألا هكذا فليصنع الناس، وينهضني الناس وينهضني بالإنعام من حوادث الزمن، ويقرب مثل قربانا لا يفطن لمثله إلا منَّ ومن، فيا لها سفرة قابلها وجه الأقبال بالسفور، وتلا فضلها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، ومد فيها الأنعام علي ظلاّ ظليلا، وملأ بيتي وعيني دقيقًا وجليلًا، وأمرني أن أصف له المنازل والطرق وصفا كقصده الجميل جميلا، فسرنا وأيدي السعد قد ذللت الطرق بل طوتها، وقدمت وعود الآمال بل أنجزتها، والأرض قد شرعت في لباس
[ ٢ / ٧٨ ]
حليها وحللها، ومراعي الربيع قد وعدت حتى الشمس لتسمين حملها، والشتاء قد آن أن يقوض الخيام، والأفق قد شمر للأنصراف ذيل الغمام، ومبدأ الروض أحق بقول أبي الطيب المتنبي:
لقد حَسُنت بك الأيام حتَّى كأنّك في فمِ الدهر إبتسامُ
فأتينا الكسوة فلبسنا منها للمسرة ثيابًا سابغة الذيول، وطفنا منها بكعبة الفضل طوافًا واضح الإقبال والقبول، وقلنا للمقاصد تباشري بالخطوة، ولعيون الإقبال تأملي فما أحسن الكعبة في الكسوة، ومررنا والخيل تجمز جمزًا، وجزنا بالصنمين فهمت أن تفخر بمواطىء خيلنا على اللات والعزى، وصعدنا منزلة رأس الماء فكاد الطرب يهزه هزا، ورأينا بينها وبين منزلة المغير روضنا قد أخضرَّ جنابها، وطرزت بآثار طرف ثيابها، فأمت بالقول فقلت:
سقى الله أرضًا طرقها مثل طرزها وسائرها بردٌ من الوشي أخضر
تذكرت أحبابي بمثوى بريدها فعيني رأس الماء وجسمي المغيرّ
ووافينا الحصين وقد راغت الخيل روغان أبيه، وتلقتنا بالبشر والبشرى وجوه أهليه، وسألونا أن نريح عندهم الركاب من الأين، وعجلوا بالضيافة على الفتوح ولا ينكر تعجيل الفتوح للحصين، ووجدنا هناك فقيرًا مغربيًا حسن التلاوة، وقد عجز عن المسير،
[ ٢ / ٧٩ ]
وأرتد طرف قصده عن القدس خاسئًا وهو حسير، فأمرت له الصدقات الصاحبية بمركوب ونفقة تعينه على السفر والإقامة ولحقه في ذلك فقير عجمي ينشد لسان حاله:
بي مثل ما بك يا حمامة
فلم أر مثلها صدقات تجود من الزاد والراحلة بالغيث والبرق، ولا مثله متصدقًا يجلس لحظة واحدة فيركض نداه في الغرب والشرق، وعجنا بعجلون فحشر الناس لدينا ضحى، وجاء أهل المدينة يستبشرون فرحًا، وارتفعت الأصوات بالأدعية الوافية، وأردنا أن نكتم دخلونا البلد وكيف تكتمنا وهي ذات عين صافية، ثم نزلنا بالخيام في مرجتها الخضراء تحت قلعتها الغراء وهي في معارج السحب صاعدة شائدة، في الجو كأنها في السحر على عمود الصبح قاعدة، مضيئة بين عقود الأنجم كأنها درتها اليتيمة، جالسة على سرير الخيل تنادم الفرقدين كأنها جذيمة، فنظر في المصالح، وميز بالعدل بين الصالح والطالح، وعجل من عجلون المسير فلم ينظر بالغادي الذي هو رائح، وأشرفنا على بركات القصد المنجية واقتحمنا إلى الفور عقبة سهلها السعد فلا تقل ما أدراك ما العقبة واستفتحنا المزارات التي نوينا قصدها وطوينا غورها ونجدها، بمشهد صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو أبو عبيدة بن الجراح
[ ٢ / ٨٠ ]
رضي الله تعالى عنه فترامينا إليه بالعزم الفاخر، وزار أمين هذه الأمة الأول أمينها الآخر، وأجرى أمر مشهده على سنن الصلاح، ونظر في مرتبه بعين العدل وأعانه بيد السماح، وجعل والي الناحية عبيدة وما جعل لشاهده المعروف بالجراح، وسلكنا جانب الغور الممطور فاعجبنا ريّا ورواء، وكنا نظن الماء فيه غورًا فوجدنا الغور ماء، وخضنا في حديثه وخاضت الخيل، وتركنا عقباته كالمغلقة ولمنا إلى السهل كل الميل، وتلقينا كل ذي قصد ببشر والصباح ولم نقل أهلك والليل، وما زلنا كذلك لا نمر بواد إلا أنّت مع الإبتهال بطول العمر ماله وأرامله، ولا بناد إلا قامت للدعاء رجاله وأطفاله وحلائله، ولا بولاية إلا ارتج غدرها، ولا ببلدة إلا زها على التي بين السماكين بدرها، ولا ماش إلا حمله المعروف، ولا عابر سبيل إلا آنسه من النعماء صنوف، ولا جائز إلا شملته جائزة، ولا منقطع بمفازة، إلا وعقباه فائزة، ولا ظبية من ظبيات مشق إلا والمكارم تؤاليها وتواليها، وتوجدها في القفار كما توجدها أولياء الله فيها، إلى أن قدمنا القدس الشريف نحن والغمام، وسبقنا إليه طرة الصبح تحت أذيال الظلام، وخفّ بنا جناح الشوق والسوق حين دنت الخيام من الخيام، وألقينا بباب حرمه عصي
[ ٢ / ٨١ ]
السفر، وألقت هناك رحالها ركائب المطر، وزرنا باب الرحمة من الأرض، وزارنا باب الرحمة من السماء، وصرنا من الصالحين عند زيارة الأقصى فمشينا على الماء وحمدنا الأوطان والأقطار، واستمرت السحب حتى عادت كحجر موسى تتفجر منها الأنهار، وأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبح فيها بالغدو والآصال سكانها، وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا، وغمّض عينه على لارفاق تغميضًا بيَّنا.
فقال مولانا الصاحب ما تقول في بيته فقلت ما أقول في جنة الخلد وشكا قوم عشرة هذا الرجل فكتبت على ورقتهم أصبروا على ما يفعلون، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون، ثم دخل الناس على الأبواب الصاحبية افواجًا، وما ترك أحد منهم منهاجًا ذا ناحية إلا منهاجًا ومكثنا في البيوت إلى أن صحا الأفق من غمامه، وحسر عن وجهه للأبصار فضل ثلامه، وقمنا لبقية المشاهد قاصدين، ولتلك المباني المعظمة شاهدين ومشاهدين، فعاودنا الصخرة بقلوب قد لانت، ونثرنا على مواطىء القدم دموعًا عزت بلمسها ولا نقول هانت، ونظرنا آثار قديمة تذهل عيون النظارة، وآثارًا متجددة في هذه الدولة القاهرة تقصر عنها العبارة، ومحاسن يقف
[ ٢ / ٨٢ ]
في طريق الزيارة متأملها، ووقفة في الطريق نصف الزيارة فمنها ما هو مخصوص بالحرم الشريف نستلم كالحجاج أركانه، ونقلب وجوهنا في سماء سقف يكاد يمطر علينا لجينه وعقيانه ونشاهد رخامًا بلغ في الحسن والمحل الأقصى في الأقصى، وتمت به في بهجه المكان زيادة تخالف قول النجاة: إنَّ في الترخيم نقصا، فأما المياه التي تجري في الحرم على رأسها، وتطوف على مواضع المنافع بنفسها، فتلك نعمة مقيمة يكافىء الله عنها في دار المقامة، وحسنة في المعنى والصورة جارية إلى يوم القيامة، ومن المباني المذكورة ما هو خصيص بمولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وأبقاه سيفا يقف كل ذي قدر عند حده فلا يجاوز مقداره، من مدرسة علم يدرس ولا يدرس معهده، ودار حديث يروي فيروي الأسماع الطامئة مورده، وخانقه تضيء عليها أنوار البركات الكوامل ورباط ومكتب هما كما قيل:
ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
وقلت فيها:
بنيت رباطًا للنساء ومكتبًا يدير على الأيتام سحب الفواضل
فللَّهِ من هذا وذاك كما ترى ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فجنينا من تلك المحاسن بساتين دانية القطوف؛ ولحظنا من الظلال السيفية جنة نشأت
[ ٢ / ٨٣ ]
وكذلك الجنة نحت ظلال السيوف؛ وشرعت صدقات السر والجهر؛ وقوبل السؤال ببحر لا يسمع عنده نهر؛ وغص بفقرائهم المكان والطريق؛ وجاءوا رجالا ونساء وعلى كل ضامر من العصي يأتين من كل فج عميق؛ فوضع في مواضع النوال؛ وقدرت الكساوي حتى على المستورين والأطفال؛ هذا وكم ثياب صوف أعرض أشراقها عن مقال اللاحين؛ واتخذ الفقراء والأغنياء من أصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين؛ وجاءت الدراهم بعد التفاصيل بالجمل؛ وقال جودها لحاتم هذي التي لا ناقة فيها ولا جمل.
ومما قلت في ذلك:
لله حال امرىءٍ مقترٍ قضيت في القدس بتنفيسه
ودرهمٍ ولّى ولكنّه قد أخذ الأجر على كيسه
ثم تليت الختمات التي شرف الله تعالى ذكرها، ومواعيد التفاسير والرقائق التي أجرت الأوقات الصاحبية أجرها، وشرع في بناء الرواق على سطح الزاوية الصاحبية بباب الحرم الشريف، وأخذ راقم الرخام في التوشيع والتفويف فيا لها ألواحا كتب فيها من الحسن كل شيء، واطرد ماء رونقها فكأن العين منها في ماء وفّيءٍ، ويا له رواقا شاق وصفه وراق، ورفع محله فقال لسان المتصوف حبذا رفاعي الرواق،
[ ٢ / ٨٤ ]
ثم رتب للشيخ والفقراء ما يحتاجون إليه من كل نوع فريد، واصبح كل أحد وهو للنزول عند ذلك الشيخ مُريد، ورزنا في اليوم السابع من الإقامة وقد قدمنا نقصد الخليل صلوات الله عليه بالنية الجلية، وطربنا لتلك المنازل وكيف لا نطرب لها وهي الخليلية، وزرنا قبر يونس ﵇ في طريقنا ورفعنا لأنواره الجفون، وتملّى عند الزيارة ذو العين بذي النون، ثم نزلنا من محل الخليل على محل القوي، وحمدنا عند صباح ذلك الوجه السّري، واستقبلنا بمقام إبراهيم أمانا، واستلمنا من ضريح شائد الركن ومن ضرائح أهله أركانا، وأكلنا من شهي عدسه لونا ووجدنا من الهناء ألوانا، وقلنا لأنفاس الشوق كوني بردا وسلاما على إبراهيم، ووردنا مورد اللقاء تشفي ظمأ إبراهيم، وفرقت الهبات، وتليت الختمات، وجردت المواعيد على عوائدها المحكمات، فقلت:
قصدنا خليل الله في ظلِّ صاحبٍ جليِّ العلى والمكرمات جليل
فهذا لدنيانا وهذا لديننا فيا حبذا من صاحبٍ وخليل
وسرنا في ظل الصاحب من الخليل وكادت دمشق تمد أيدي إعطائها لمجاذبة ركابه، ومصر تتضرع بأصابع نيلها طعمًا في اقترابه، وترضع ثدي هرمها داعية إلى الله بعوده إليها وغيابه، وهمّ شباك
[ ٢ / ٨٥ ]
الوزارة أن يتلقى صاحب فتحه، وصدر الخزائن أن يعانق ما اعتاده من رأى عطفه منحه، فإنه ما جلس فيه أبهر وأبهى من الطلعة الامينية بإجماع الآملين والمتأملين، والخزائن التي كم قال لها تدبيره إني حفيظ عليم فقال الملك: إنك لدينامكين أمين، ثم عطفتنا الأقدار إلى جهة الرملة وجاءت الوفود كالرمل، وخفت أكياس دراهم الصلات الحمل، وأقمنا ثلاثة أيام نكاد ننشد:
خرجنا على أنّ المقام ثلاثةٌ فطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا
ورأينا مسجدًا يعرف بالركيني قد غير الزمان محاسنه الأنيقة، وهدم الخراب والموت ركنيه على الحقيقة، فأمرنا مولانا الصاحب بعمارة ما منه اندثر، ولحظت لآراء حجارته المنقضة فتبين أن السعادة تلحظ الحجر، ولقد صنع في هذه المنزلة من المعروف مالا صنع ذوو الدهر الطويل مثله، وبنى من المكرمات ما ثبت ولولا إبداع سعادته ما ثبت البناء فوق الرملة، ورحلنا عن الرملة بنيّة الزيارة لمشهد زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام، فمررنا في طريقنا بجملة خير معترضة وبينة وفي وجهة القبول مبيضّة تحتوي على قبر بنيامين أخي يوسف ﵉
[ ٢ / ٨٦ ]
فألحقناهُ بالزيارة بأخيه، وتوكلنا على الله في القبول توكَّل أبيه، وتيممنا ببنيامين، وقرعنا أبواب السماء بأدعية فاتحة فقال النجيح عقيب الفاتحة آمين، وسرنا والصدور منشرحة، والطريق إلى خير الدارين متضحة وجئنا المشهد وقد ظهرت عليه بضريحين كريمين بهجة الدين والدنيا، وتلا مزارها للقادم إنا نبشرك بيحيى، وبتنا ليلة طيبة نحييها ونميت النوم، ونعصي بالسهر أمره فما له سلطان على أعين القوم، وأصبحنا وقد امتلأت القلوب سرورا، والأعين نورا، وقوينا على قصد جنى الجنان، واستقبلنا محاسن بيسان، وختمنا الزيارة بمشهد معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فأنقذت أنواره القلوب من الهم أي إنقاذ، وكدنا نفتن بالأنس حتى نقول أفتان أنت يا معاذ، وأمسكنا عنده من الدعاء بعروة لا تنفصم، وآوينا من طوفان الذنوب إلى جبل ينجح من به يعتصم، وأمر بما يحتاج إليه من تجديد عمارة وإنشاء طهارة، والحق بكل مزار وردنا عليه في هذه السّيارة، فإنا لا نفارقه إلا عن إقامة صلاة وصِلات، وتجديد آثار يزين به وجه القبول كاتب الحسنات، ثم نهضنا على الفور نهوض ليثه الملبد وجزنا مبتسمين فما بكينا بكاء لبيد يوم فراقه أربد، وانتشقنا من تلقاء طيبه الاسم أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها مستبشرين فكانت طيبة
[ ٢ / ٨٧ ]
الاسم والفعل والحرف، ثم عاودنا المنازل التي قدمنا ذكرها، ورجعنا كما تسترجع منازل الأفق زهرها، وتنسمنا أرواح دمشق حتى كدنا ننشق من ذيل الكسوة عطرها، واستقبلنا الديار على هذا السعي الجليل، وفاصلنا السفر على كل وجه للفضل جميل، وقطعنا بالكسوة ليلًا طائلًا نداؤه: كل ليلٍ للعاشقين طويل، وفي تلك الليلة كان دخولنا إلى دمشق المحروسة كدخلونا إلى القدس الشريف سائرين سرى النجوم في الليل، سابقين لغرة الصباح بغرر الخيل، موفرين لخواطر الملتقين وهيهات وقد سال منهم السيل، نازلين من دمشق جنة قد تبسمت لقدومنا عن ثغور الأزهار، وأجرت أمام ركابنا الأنهار، ولبست من وشيء البديع حللا لها من أوائل ما انعقد من الثمار أزرار، فائزين من الثناء والثواب بفوق الأرادة، داعين لمن فضله لنا جامع مترقبين لرتبته باب الزيارة، وتمتهذه السفرة على أحسن ما يكون، واشتملت من وجوه المحاسن على عيون، قضيت المهمات بها بالنهار وقضيت في الليل المذاكرة، والتقطت من الفوائد الوزارية ما كنت أرتقب جواهره وأزهاره، وأردت أن أذكرها في هذه الخطبة لأنها جواهر، وأضمنها بعض العلم في هذه الأوراق فإنها أزاهر، فكثرت على هذا اللفظ المسجوع، واقتضى
[ ٢ / ٨٨ ]
الحال أن أجمعها في سفر يقال فيه تلك رحلة وهذا تاريخ ومجموع، وقد علم الله أن هذه النبذة من القول وردت من قريحة مسها فقد الولد بقرح وأي قرح، وقال تفكرها الذي كان حائك الكلام لست اليوم من ذلك الطرح، فليبسط الواقف على هذه الرحلة عذري، ويعلم السبب في كونها ليست عادة نظمي ونثري، وإذا كانت القريحة في بقايا قورحها فليت شعري أينهض سجعي وشعري، والله تعالى المسؤول أن يجمل في البقاء الصاحبي سلوة عن كل فقيد، ويصل أسبابنا أبدًا بتحريره الوافر وظله المديد، ويرزقنا في شكر نعمه لسانًا لفظه ذهب وذهنا بصره حديد.
قلت ذكرت برحلة الشيخ جمال الدين رحمه الله تعالى إلى القدس الشريق صحبة الركاب الصاحبي الاميني رحلتي صحبة الركاب الشريف السلطاني المؤيدي سقى الله ثراه إلى البلاد الرومية وبروز أمره الشريف بذكر الفتوحات بها وتسمية البلاد واستيعاب الرحلة الشريفة في البشارة المجهزة إلى الديار المصرية وأنا لا يقرأها بالجوامع المطهرة غير مولانا شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي عظم الله شأنه فقراها بالجامع المؤيدي والأزهر في شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وثمانمائة وقد عنَّ لي أن أقرنها
[ ٢ / ٨٩ ]
بالرحلة النباتية فإنهما رحلتان.
وهي ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي ولا زالت طرف أخبارها السارة خاطره وتشنف سمعه، وترنحه بنسمات قربنا وتجاور كريم سمعه ليأخذها بالشفعة، وإن حصل بينه وبين المسرة لبعدنا طلاق فمائلنا الشريف يبشره بالرجعة.
صدرت: هذه المكاتبة تهدي إليه من أوراقها ثمرات الفتح ليتفكه بالفواكه الفتحية، وتعرب عما أبدته عربياتنا من شواهد التسهيل في فتح البلاد الرومية، فإنها رحلة مؤيدة تشد إليها الرحال، وإن كانت دول الإسلام حلة على أعطاف الدهر فهي لها من أطهر الأذيال، ونبدي لكريم علمه تجلي مخدرات الحصون بكل وجه حسن تحت عصابتها المؤيدية، واستقرار رسيسفي هذه الحلبة على قديم عادتها بين الجنائب الحلبية، وفتح قلعتها وقد حرك بابها مصراعي شفتيها وأعان بسورة الفتح جهرًا، وتلت أقفاله بعدما عسرت على الغير فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، وصعدت أنفاس الأدعية من افواه مراميها فرحًا بنا وسرورًا، وبدلتن صوامعها وتلك البيع بمساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، وأخلصت الطاعة لشيخ ملوك الأرض طائفتها الأرمينية، وانقطعوا في زوايا الطاعة مريدين لهذه المشيخة
[ ٢ / ٩٠ ]
الشريعة الصوفية، ورغب ابن رمضان في طاعتنا الشريفة فجعلنا له في ربيع حلاوة الرغائب، ورفعنا قواعد بيته الإبراهيمي وأدنيناه من أرمنة فدنا منها إلى أعلى المراتب، وتلمظت سيوفنا بحلاوة الفتح ورشفت بالسنتها في كل قطر قطرها، ففتحت اياس من بعيد لهذه الحلاوة ثغرها، وانسجمت أبياتها لما نظمت على بسيط الطاعة بحرها، ومص حصن مصيصه من رحيق هذه الطاعة فأمسى ثغره بأفواه الشكر يقبل، وبسط جبين جسره لمواطىء خيلنا فرحة وتهلل، وجانس الفتح بين اياس وبانياس، ولم ينتظم لبني كندبيت بملطية يقام له وزن ويظهر عنه إقتباس، وإنعكس هذا الأسم بعد الاستحالة ون كان مما لا يستحيل بالانعكاس، ويستجر كافرهم وقد أضرم به النار فخاطبته بلسان جمّ لا يفجم:
وما هو إلا كافرٌ طال عمره فجاءته لما استبطأته جهنَّمُ
وفر إلى ملك عثمان فحكمنا بقتله في تلك الأرض علما إن الجهاد في أعداء الدين عند العصابة المحمدية من الفرض وسمع العصاة بطرسوس زئير آسادنا من بعيد، فأدبر مقبلهم وتخيل أنّ الموت أقرب إليه من حبل الوريد، وأعربت أبوابها بعد كسرة عن الفتح وقال أهلها إدخلوها بسلام آمنين، وأوى العصاة إلى جبل القلعة لما رأوا بعد هذا الفتح المبين، وصفع مقبلهم وجهه
[ ٢ / ٩١ ]
فبصقت فيه أفواه المدافع، وحكم عليه القضاء باعتقال ولم يأت عند ذلك الحكم بدافع، وشاهد القرمانيون من سيوفنا شدة القرن فخشي كل منهم أن يصير لحمًا على وضم، ورأوا ألسن السهام في أفواه تلك المرامي برأينا الصائب ناطقة، فمزقوا الأصواق من الحنق فطوقناهم بالحديد، وأحبينا الفتح المأموني برأينا الرشيد، وما خفي عن كريم علمه وقوع انتقامنا الشريف في الغادر ابن الغادر لما أدبر وقطع الله دابره، وظهور السر الإبراهيمي لما أدعى أنه نمروذ تلك الفئة الغادرة؛ كلمه بسيوفنا فأخرسه وتخبطه شيطان الرعب بمسّه ورأى فيه تلك الهمة العالية فنجا من تلك الوقعة بفرسه ونفسه، وأوى من قبل إلى جبل ليعصمه فقال له لا عاصم اليوم من أمر الله، ورماه من شاهقة في بحر عساكرنا بعد ما عض عليه بثناياه، وسمع الرعد من سيف إبراهيم ففر وقد شاهد من أصيب بصواعقه من عصاة التركمان وصدقت فيه عزائم أتراكنا وما رؤي أحد في ذلك اليومن من الترك مان وسقوا أوعار تلك الجبال من دمائهم فكادت أحجارها أن تروق وتخصب بعد المحل، وجنوا بالعسال على النصر وغنموا من الأنعام
[ ٢ / ٩٢ ]
مازاد في عدد أجناسه على النحل، ونقرت عنهم أوانس تلك الظباء والمتيم ينشد:
لهفي لظبية أنسٍ منكم نفرت
وانفطرت كبده لما رأى كواكب الحي من أفلاك تلك الصدور قد نتثرت، وسن المقر الصارمي فيهم عزمه فقطع بهذا الصارم من عواتقهم أوصالًا، وحميت نار حربه فسبكت أوانيهم من الذهب والفضة تحت وحوافر خيله نعالًا، ورخصت أنواع الديباج فكم من معدني صار مع دني، لأن قبورهم بعثرت، وتلا لسان حال الكسب على السمور وغيره من أصناف الوبر، وإذا الوحوش حشرت، وانقادت ركائبهم إلينا وبدور مواطئها في بروج تلك الجبال قد أشرقت، والناظر يتلوا متعجبًا أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وكانت نار حرب القوم على المقر الإبراهيمي بردًا وسلامًا، فإنه رفع قواعد بيته في ذلك اليوم وعلمنا إن الله قد جعل لإبراهيم في هذا البيت الشريف مقامًا، ورقاه في عمر الإبدار إلى بروج الكمال فأبدر فيها وسرى وأنشد لسان الحال بهذا المقال:
وقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ إلاّ على أكمهٍ لا يعرف القمرا
وإن كان شبلا فهو في المخبر كأسده، ومصارع ليوث الحرب قد جعلها الله من صغره تحت يده، ورفع له في هذا المبتدأ وسيره في الآفاق خبرًا، وعلم الأعداء أن دمعهم يجري عند لقائه
[ ٢ / ٩٣ ]
دما وكذا جرى، وهذه المقابلة تليق بابن الغادر على قبح سريرته وغدره، فإنه أخرج أهل تلك البلاد من أرضهم بظلمه لا بسحره، وسألنا قبل ذلك في ولده وقد كره العود إليه، وألف أبوتنا الشريفة وتوطن فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، فخالف نص الكتاب ومشى في ظلم الطغيان، ولم يعمل بقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلى الإحسان، فقابلته سطواتنا الشريفة على قوله وفعله، وما حاق المكر السيىء إلا بأهله، وحلّ ركابنا الشريف بالأبليستين في العشرين من ربع الآخر فجمعنا بحصنها الزاهر بين ربيعين، وتمناها بعشر الإقامة لاستيفاء مالنا في ذمة جيرانها من الدين، فرحبت بنا وبسطت بساطها الأخضر وقالت على الرأي والعين، وألقتنا إلى درندة وما العيان من صنع الله في أخذها كالخبر، وادعت أن صخرها أصم فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر، وطلعت فيظهر الجبل كدمل فطار كل جارح من سهامنا بريشة إلى فتحها، وظنت صون من بها لعلوّ ذلك السفح فطالت سيوفنا إلى جماء القوم وسفحها، وقرعنا جبلها بسبابات المدافع وكسرنا
[ ٢ / ٩٤ ]
منه الثنية، وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع سهامنا المستوية، وخرَّ بحرها طائعًا فركبنا عليه سفن سور على الزحف جاسرة، وأقلعنا إلى خشب سفنها المسندة فمزقنا قلوع سائرها وخرجنا قرينها العامرة، وهذا مع الملك خطبها لنفسه وأراد أن يعرج إليها فترفعت عليه، ولم ترضه لنقص العرج أن يعلو عليها فرحل عنها ولم يحظ مني ديوان وصلها بمسموح، ولكن ساعة رؤيتها قالت بكارتها مرحبًا بأبي النصر وأبي الفتوح، وتعلق سكانها بأذيال الأمان فأمناهم، ولكن كانوا في صدرها غلًاّ فنزعناهم، وجاءت مفاتيح جندروس قبل التخلص منها براعة فأحسنها الختام بدرندة، وألقينا إكسير المدافع على حجرها الذي كانغير مكرم وأحسنا التدبير في الصناعة، وسمعت كرت برت بذلك فألقت من بها من بئر معطلة، وزهت فرحت بقصرها المشيد، ووصلت مفاتيحها يوم هذا الفتح مهنئة بلسانها الحديد، وغارت عروس بهنتان من ذلك فخطبتنا لجمالها البارع، وجهزت كتابها يشهد لها بالخلو من الموانع، وهي أيضا ممن خطبها الملك لنفسه فتمنعت، وأراد السمو إلى أفقها العالي فاستسفلته وترفعت، وعوت كلابه فلقمتهم ما ثقل وزنه من أحجارها الثقال، خلافا لمن أصبح الصخر عنده بمثقال، ولعم طغرق أن سهامنا في كل
[ ٢ / ٩٥ ]
عضو من أعضاء العصارة جارحة، وأفواه مدافعنا في أعراض الصخور من سائر القلاع قادحة، فتبت يداه عن المنع وجنح إلى الإخلاص فسابقه باب القلعة ورفع صوته في الفاتحة وضحك ناموس ملكنا على من أدعى بكختا وكرك، ولكن أبكتهم سهامنا دما جرى من محاجر القلعتين ولم يتعثر، وقال حصن كختا إن كانت قلعة نجم عقابًا في عقاب، فالنسر الطائر يخفق تت قامتي بأجنحته أو كان الهلال قلامة لأنملتها التي علاها من الأصيل خضاب، فكي الخضيب يتيم تربي ويمسح بياض جبهته فأنا الهيكل الذي ذاب قلب الأصيل على تذهيبه، وود دينار الشمس أن يكون من تعاويذه، والشجرة التي لولا سمو فرعها تفكهت به حبات الثريا وانتظمت في سلك عناقيده، وتشامخ هذا الحصن ورفع أنف جبله وتشامم فارمدنا عيون مراميه بدم القوم وأميال سهامنا على تكحيلها تتراحم، ووصل النقب بتنقيبه عن مقاتلهم إلى الصواب، وأيقنوا أن بعده لم يضرب بيننا برسوله باب، وكان منهل مائهم عذبا فأكثرنا على منبعه الزحام، وتطفلوا على رضاع ثدي دلو فلم ترض أم المنبع بغير الفطام، وأمسى دلوهم كدلو أبي زيد السروجي لا يرجع
[ ٢ / ٩٦ ]
ببلَّةٍ ولا يجلب نقع غلّه، وحكم المدفع الكبير على سور القلعة فقال له السور دائم النفوذ والأحكام، وانقلبوا صاغرين إلى الطاعة وقد قابلنا أنف جبلهم بالإرغام، ورجعوا عن خليلهم الكردي لما قام لهم على جهله الدليل، وقالوا طاعة السلطنة الشريفة ما يراعي فيها من العصاة خيل، وسألونا الصفح عن حديث جهلهم القديم، وسلموا القلعة لرضا خواطرنا الشريعة فاجمعوا بذلك بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد كركر بسور القعلة فعرفناهم بلامات بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد الكوكر بسور القلعة فعرفناهم بلامات القسي وألفات السهام، وعطست أنوف
مراميهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلًا، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها: يهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلًا، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها:
كريشةٍ في ممرّ الريح ساقطةٍ
وتمام البيت معروف عند من له عليه اطلاع وجاءت مفاتيح كل من ديار بكر وقد أزهرت باسمنا
[ ٢ / ٩٧ ]
الشريف أغصان منابرها، وسألت قلعتها التشريف برسول يدوس بنعله محاجرها، فأحببناها إلى ذلك وأمست بنا بعد التنكر معرفه، وصارت أبراجها بالنسبة المؤيدية مشرفة، وجهز قرا عثمان مفاتيح الرها وآمد وسأل تشريفه بتشريفهما بتقليدين يرفعان لهما في الشرف محلا، فحليناه بذلك وكان من العواطل، فحلت المطابقة باعاطل المحلى، والتهب ابن الغادر بحرارة المعصية ففر إلى برد الطاعة من غير فترة، وهز جذع مراحمنا الشريفة واعترف أنه جهل الفرق بين التمرة والجمرة، وأقر بذنوبه وقال التوبة تجب ما قبلها، ودوحة المراحم الشريفة قد مد الله على الخافقين ظلها، وعلم أنه ما أحسن البيان عن درندة في تخليص ذلك المفتاح، وسأل أن يحظى من بيان عفونا الشريف باستجلاء عروس الأفراح، فاذقناه حلاوة قربنا بعد ما ذاق مرارة بينه، وألبسناه تشريفة بنيابة الابليسين فباس الأرض وهو لا يصدق أنه يرى محاجر تلك العين بعينه، وجهزنا ولده داود بدروع من الأمن ليأمن بها من يدداود، ويتفيأ بظلال جبرنا ويصير بعد حر المعصية في ظل ممدود، وقد تقدم سؤال قيسارية أن يقام بها سوق الأمان فأجبناها، وسعرت بها نار الخوف بعدما غلت فجهزنا إليها بضائع الأمن وأرخصناها،
[ ٢ / ٩٨ ]
وأيقن أهلها أنهم مشوا في حدائق عدلنا على غير هذه الطريقة، وصار على سوسنة كل سنان من دمائهم شقيقة، فازلنا عنهم بإيناس عدلنا الوحشة وأمست قيساريتهم في أيامنا الزاهرة هشّة وسجعت خطباء منابرها باسمنا الشريف والدهر يهتز فرحة ويترنم:
ولم يخل من أسمائنا عودُ منبرٍ ولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم
وتقارب الاشتقاق بين سيواس وسيس فتجانسا للطاعة، ومات العصيان بتلك البلاد فقالت أرزيكاز الصلاة جامعة وصلت طائعة مع الجماعة، فلا قلعة إلا إفتضضنا بكارتها بالفتح وابتذلنا من ستائرها الحجاب، ولا كأس برج أترعوه بالتحصين إلا توجنا رأسه من مدافعنا بالحباب، حتى فصلت في الروم لعساكرنا التي هي عدد النمل قصص، وعدنا فكان العود أحمد إذ لم يبق بتلك البلاد ما تعده القدرة على الفتح من الفرص، وجاءت رسل ملوك الشرق بالإذعان لطاعتنا التي اتخذوها لشرفها قبلة، وود كل منهم أن يحظى من جبهات أعتابنا بقبله، وتنوعوا من الهدايا بأجناس صدقت من كل نوع مقبول، وبالغوا في الرقة واهدوا من الرقيق ما قام له عندنا سوق القبول، وأسفر قرا يوسف من الجمال اليوسفي ونور الطاعة عن بهجتين، وأظهر كتاب
[ ٢ / ٩٩ ]
الطهارة بتطهير الأرض ممن ندبنا إليه من أعداء الدولتين، ودنت الديار من الديار فكانت سيوفنا في القرب له حصنا وملاذا، ولم يباشر في إخلاص الطاعة مما يقال على إقبالها وجنينا منها ثمار المحبة، وجمل التفاصيل التي وسعها سناء الملك ببهجة ولم يترك لابنه في دار الطراز رتبه، والنمورة التي يحجم ابن فهد عن وصفها إذا قابل منها السواد والبياض بالمقلتين، فإنها جمعت لنا من ليلها الحالك ونهارها الساطع بين الآيتين، والجواد الذي تميز بأوصاف صاحب مجرى السوابق من الفحول التي تجاريها، فإنه غرة في جباه الخيل التي قال قائد الغر المحجلين: إن الخير معقود بنواصيها، والسروج التي سمت على السروجي بمقاماتها العالية، ورأيناها أهلة تغني عن الفجر فخصبنا كل سرج منها بالغاشية، والجوارح التي خشي النسر الطائر أن يصير منها واقعا وصدق فيما تفرس، وخافت الشمس لما تسمت بالغزالة ولف سرحان الأفق ذنبه على خيشومه ولم يتنفس، والقوس الذي اصاب به أغراض المحبة ونال منها أوفر سهم ونصيب، وجاء عبارة عن رأي مهديه وكل عندنا بحمد الله مصيب، وهو من الأشياء التي وقعت في محلها
[ ٢ / ١٠٠ ]
ونحن نقيم دلائل ذلك وبرهانه فإن القوس إذا عانق سهامه بنصر علم أنه وصل إلى الكنانة، وأبلغ المقر الجمالي في نظم بديع الهداي ونسخ الجفاء بكثرة رقيقة، وأدار من أواني الصيني كؤوسا اترعها الود بسلاف رحيقه، ودخلنا حلب المحروسة وأوصلناها ما استحق لها من ديون الفتح علينا، ورددنا ما اغتصب منها فقالت هذه بضاعتنا ردت إلينا، وقد آثرنا الجناب بكرامة هذه البشارة التي استبشر بها وجه الزمان بعد قطوبه وتبسم، فإن ركن هذا البيت الشريف ونسيب مدحه المقدم، فيأخذ منها حظه ويثلج صدر البرايا ففيها لهم برد وسلام، ويرعاهم بعين الرعاية ليضوع فيهم عرف العدل ويصير مسكا لهذا الختام، والله تعالى يمتعه في ليله ونهاره من أخبارنا السارة بالأعياد والمواسم، ويجعل له من صياغة أعماله إن شاء الله حسن الخواتم،.
قلت وذكرت بهذه الرحلة أيضا رحلتي من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة المحمية سنة إحدى وتسعين وسبعمائة والملك الناصر قد خرج من الكرك ونزل عليها وتصدى لحصارها وقد اجتمعت عليه العساكر المصرية والشامية وحدث بدمشق المحروسة ما حدث من القتال والحصار والحريق فكتبت إلى مقر المرحومي الفخر القاضي ابن مكانس في شرح ذلك رسالة لم ينسج على
[ ٢ / ١٠١ ]
منوالها ولم تسمح على غلبة الظن قريحة بمثالها.
وهي يقبل المملوك أرضا من يمَّها أو تيمم بثراها حصل له الفخر والمجد، ففلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيام العرب إلى ربا نجد، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنة لفظها فتركض في ذلك المضمار، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار، وينهي بعد اشواق أمست الدموع بها في محاجر العين معثرة، ولو لم يقر إنسانها بمراسلات الدمع لقلت قتل الإنسان ما أكفره، وصول المملوك إلى دمشق المحروسة فيا ليته قبض قبل ما كتب عليه الوصول، ودخوله غليها ولقد والله تمنى خروج الروح عند الدخول، فنظر المملوك إلى قبة يلبغا وقد طار بها طير الحمام وجثت حولها تلك الأسود الضارية، فتطيرت في ذلك الوقت من القبة والطير وتعوذت بالغاشية، ودخلت بعد ذلك إلى القبيبات التي صغر اسمها لأجل التحبب، فوجدتها وقد خلا منها كل منزل كان آنسا بحبيبه، فأشد به لسان الحال قفا نبك من ذكرى حبيب، ونظرت بعد القباب إلى المصلى وما فعلت به سكان تلك الخيام، والتفت إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام:
فسال وقد وقعتُ عقيق دمعي على أرض المصلَّى والقباب
[ ٢ / ١٠٢ ]
ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق بسكانه الفضا، فتوهمت أن وادي المصلى قد تبدل بوادي الفضا:
فسقى الفضا والساكنيه وإن همُ شبّوه بين جوانحٍ وقلوب
واصطليت النار وقد أرادت سبي ذلك النادي فشبت عليه من فوارس لهيبها الغارة، وركضت في ميدان الحصى فوجدت أركانه كما قال تعالى وقودها الناس والحجارة، ودخلت قصر الحجاج وقد مدت النار به من غير ضرورة في موضع القصر، وأصبح أهله في خسر وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر، وتأملت تلك الألسن الجمرية وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع تكلم السكان، وتطاولت بألسنة الأسنة الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلموا بكل لسان، ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد وقد تلا بعد زخرفة في سورة الدخان، فوجب أن أجري الدموع على وجيب كل ربع وأنشد وقد دخل صبري بعد أن كان في خبر كان:
دمعٌ جرى فقضى في الربع ما وجبا
ووقفت أندب عرصاتها التي فمحت بالبين فخابت من أهلها الظنون، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم يسلم فصدقت المثل بأن القمح يدور ويجيء إلى الطاحون، وتطرقت بعد ذلك إلى الحدادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد،
[ ٢ / ١٠٣ ]
أتوني زبر الحديد، ولقد كان يوم حريقها يوما عبوسا قمطريرا، أصبح المسلمون فيه من الخفية وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا، هذا وكلما اصليت نار الحريق وشبت نار الحرب، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر فأنشدت من شدة الكرب:
آهًا لمصرَ وأين مصرُ وكيف لي بديار مصرَ مراتعًا وملاعبا
والدهر سلمٌ كيفما حاولته لا مثل دهري في دمشق محاربا
يا مولانا لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد، وطبخت قلوب أهلها كما تقدم على نارين وسلقوا من الاسنة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية، وكم رؤي في ذلك اليوم وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلي نارا حامية، وكم رجل تلا عند لهيب بيته تبت يدا أبي لهب، وخرج هاربا وامرأته حمالة الحطب، وشك الناس من شدة الوهج وهم في الشتاء وصاروا من هذا الأمر يتعجبون، فقال لهم لسان النار أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون، ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال، وما تم على أهل دمشق في كانون لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال:
يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا حُزني ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحريق لقد
[ ٢ / ١٠٤ ]
.. أحرقت بالنار يا كانون أحشائي
ونظرت بعد ذلك إلى قلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفت الآزقة؛ وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يلتون ليس لها من دون الله كاشفة؛ واستجليت عروس الطارقة عند زفها وقد تجهزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر؛ وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر؛ وغازلت بحواجب قسيها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنبال؛ وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال؛ وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وسمع وهو على فرسه بنفسه الغالية؛ وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارقة علية؛ وتالله ولقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار؛ وقد استيقظوا الحمل قسيهم ولم تنمّ أعينهم عن الأوتار؛ فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج؛ وأحصنها القلعة بالسماء ذات البروج؛ وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات؛ فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تخليصا لما أبداه من المشكلات؛ وما أحقه بقول القائل:
[ ٢ / ١٠٥ ]
فضائله سورٌ على المجد حائطٌ وبالعلم هذا السور أضحى مشرّفا
كم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصرا، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدرًا، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب قد تصاعد فيه أنفاس الرجال لقلت ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلًا وفارسا ليشهدوا القتال لقلت وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت، وإلى قبور الشهداء وهي من تحت أرجل الخيل قد بعثرت، وإلى كرَّ الفوراس وفرِّها لقلت علمت نفس ما قدمت وأخرتن وإلى نار النفط وقد نفطت من غيضها، وإلى ذكور السيوف وقد وضعت لمنايا السعود وتعذرت من شدة الدماء لكثرة حيضها، ومن العجائب أن بيض سيوفهم تلك المنايا السود وهي الذكور وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجو ولحق بعنان السماء، وإلى أهداب السهام وقد بكت لما تخضبت بالدماء، وإلى كل هارب سلب عقله وكيف لا وخصمه له، وإلى كل مدفع وما له عند حكم القضاء دافع، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال: عرّج ركابك عن دمشق، ونظرت بعد
[ ٢ / ١٠٦ ]
ذلك إلى العشير وقد استحل في ذي الحجة المحرم وحمل كل قيسيٍّ يمانيا، وتقدم فخرج النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير فقلت:
وغير بدعٍ للنسا ء إذا تنكّرن العشير
وتصفحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص وزدت لله شكرا وحمدا، وتأملت أهل الباب وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين وجعلنا من بين أيديهم سدًّا، كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت إلى ما تحت القلعة من أسواق التجار فوجدت كلا قد محت النار آثاره وأهله يتلون قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، فمنهم من همُّ شأنه على صاحبته وبنيه، وآخر قد استغنى بشأن نفسه فهم كما قال الله لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد شعرت:
ألا موتٌ يباع فأشتريه
ونظرت إلى المؤمنين الركع السجود وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار، وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت
[ ٢ / ١٠٧ ]
وهو يقول النجاة وطلب الفرار، وكلما دعا قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الإصطبار، ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، ونظرت ضواحي البلد وقد استدت في وجوههم المذاهب وما لهم من الضيق مخرج، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لما غلق في وجوههم باب الفرج، فقلت اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا، ولإنتهاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا، ولقطع الماء عنهم إلى كل خير سبيل فإنك حسبنا ونعم الوكيل، هذا وكم نظرت إلى سماء ربع غربت شمسه بعد الإشراق، فأنشدت وقد ازددت كربا من شدة الإحتراق:
فدنياك من ربعٍ وإن زدتنا كربا فإنّك كنت الشرق للشمس والغربا
وانتهيت إلى الطواقيين وقد أسبل عليهم الحريق شدته فكشفوا الرؤوس لعالم السرائر، وكم ذات ستر خرجت بفرق مكشوف ورمت العصائب وبعلها بعينه دائر، هذا وكم ناهدات أسبلن من فوق النهود ذوائبا فتركن حبّات القلوب ذوائبا، ووصلت إلى ظاهر الفراديس وقد قام كل إلى فردوس بيته فاطلع فرآه في سواء الجحيم، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدة الخوف وهي تستغيث للذي أنشأها أول
[ ٢ / ١٠٨ ]
مرة وهو بكل خلق عليم، ونظرت إلى ظاهر باب السلامة وقد أخفت النار أعلامه، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة، وإلى الشلاحة وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أهلها الكبود، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود، ولقد والله عدمت لذات الحواس الخمس وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة، وأكلت الأنامل من الأسف لما سمعت بحريق أطراف السبعة، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته فاصفر لونه وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وتغربت إلى ظاهر الباب الشرقي فتشرقت بالدمع من شدة الالتهاب، فلقد كان أهله من دار عينه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب، وتوسلت إلى ظاهر باب كيسان فانفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت بسم الله مجراها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر محاسنها أسماء ولا الجيداء، لقد كانت ست الشام فاستعبدها
[ ٢ / ١٠٩ ]
ملك النار حتى صارت جارية سوداء، ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال:
سقى دمشق وأيامًا مضت فيها مواطرُ السحب ساريها وغاديها
ولا يزال جنين النبت ترضعه حوامل المزن في أحشا أراضيها
فما نضا حبّها قلبي لنّيرها ولا قضى نحبه ودّي لواديها
ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها ولا نسيت مبيت جار جاريها
هذا وكم خائف قبل النوم أويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار، وبطل الجنك لما انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى، وكسر الدف لما خرج نهر المغنية عن المغنى، واستسمح الناس من قال:
انهض إلى الربوة مستمتعًا تجد من الّلذات ما يكفي
فالطير قد غنّى على عوده في الروض بين الجنك والدفّ
وأصبحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره،
[ ٢ / ١١٠ ]
ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الباسم، ولم ينتظر لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم، رسالة من النسيم سحر به، وكيف لا وقد محى سجع المطوق من طروس تلك الأوراق النباتية، هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلما انقطع نهرها صح أنها كسرت السوار، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا:
لم لا أشبِّبُ بالعيش الذي انقرضت أوقاتُهُ وهو بالَّلذات موصولُ
ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وبردى حمي مزاجه لما شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره الأشنب برد حصائبه ما يبلّ الريق، وانقطع وقد اعتلى من غيضه بانياس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس، وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المرجة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطف الدانيات، وكسر الخلخال لما قام الحرب على
[ ٢ / ١١١ ]
ساقه، وسقط براس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه، وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبة، طالما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة، فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين، ويا شوقي إلى رأس تلك المرحلة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين، هذا وقد اسودت الشقراء فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان، وجانسها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضر ذلك الميدان، يا مولانا لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء، هل في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال:
قُلْ للذي قايس بين حلبٍ وجلّقٍ بمقتضى عيانها
ما تلحق الشهباء في حلبتها تعثّر الشقراء في ميدانها
فقال لسان الحال والله ما كذبت ولكنه قد يخبو الزناد، وقد يكبو الجواد، وقد يصاب الفارس بالعين التي
[ ٢ / ١١٢ ]
تغمز قناته غمزا وأنشد:
ومن ظنَّ سيلاقي الحروب وإن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
ودخلت بعد ذلك إلى البلد فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة، فقلت با رب مكة والحرم أنظر إلى أحوال أهل المدينة، ولكن ما دخلت بها إلى حمام إلاّ وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما، واعلم القوام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرا ومقاما، وتلا على بيت ناره قلنا يا نار كوني برد وسلاما، فحسن أن أُنشد قول ابن الجوزي من الكان كان:
الحار عندك بارد والنهر أمسى منقطع
والعين لا ماء فيها ما حيلة القوّام
وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع، تمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية، وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، وقلت هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا، ولقد صدق من قال:
أرى الحسن مجموعًا بجامع جلّقٍ
[ ٢ / ١١٣ ]
.. وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ
فإن يتعالى بالجوامع معشرٌ فقل لهم بابُ الزيادة مفتوح
معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته، ورأيته في القبلة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته، وخفض النسر جناح الذل وود بأن يكون النسر الطائر، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر، هذا وكم نظرت إلى حجر مكرم ليس له بعد أكسير الماء جابر، واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق، ومرت حلاوة نارها بعدما ركبت طبقا عن طبق، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل، ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهّبة، ولم يبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبه الطيّبة، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضة، وأنشد لسان حاله:
لو أن مشتاقًا تكلّف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبرُ
وودت العروس أن تكون
[ ٢ / ١١٤ ]
مجاورة لحماتها، لتبلَّ برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية وقد دخل جناتها، ونظرت إلى فوار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتجرَّا، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء ألا فاسقني خمرا، ودخلت إلى الكناسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كل ناهدة، ورثيت للنساء وقد فقدت بعد تلك النعام المائة، واستطردت إلى باب البريد فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد اعقدت من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز، ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع، وقد استعدوا بساهم من الأدعية أطلقوها عن قسيّ الركوع، مريَّشة بالهدب من جفن ساهر متصلة اطرافها بدموع، ونظرت إلى الريان من العلم وقد اشتد لفقد الماء ظمأه وتبلَّد ذهنه، حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه، ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلق وسنه، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كل يوم بسنة، ونزلت في ذلك الوقت الساعات إلى الدرج في دقيقه، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوار فوجدته كأن لم يكن له حقيقة، كم
[ ٢ / ١١٥ ]
وردته وهو كأنه يطعن في صدر الظماء أو شجرة كدناء، وتقول إنها طوبى لما ظهرت واصلها ثابت وفرعها في السماء، أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضاء، أو عمود وفاء اشارت الناس إليه بالأصابع، أو ملك طلب السماء بودائع، حتى كان إكليل الجوزاء له من جملة الصنائع، ونسر أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبات النجوم الثواقب، أو شجاع ذو همة علية يحاول تأثرًا عند بعض الكواكب، فخفض لفقد الماء منارة وخفى بعد ما كان به أشهر من علم، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرينه شمم، فقلت:
لست أنسى الفوّار وهو ينادي غيض مائي وعطّل الدهر حالي
فتمنَّيت من لهيبي بأنِّي اشتري غيضه بروحي ومالي
فلا والله ما كانت إلا أيسر مدة حتى رجع الماء إلى مجاريه، وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ بعدما نشف ريقه في فيه، هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم، وبطلت آلتها التي كانت لها على تحريك الأوتار وجس العيدان نغم، واعتقل الرمح بسجن السلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود، وعمت مقل السيوف في أجفانها لما علمت أن الزيادة في الجد نقص في المحدود، وفاضت غدران
[ ٢ / ١١٦ ]
الرحمة على رياض الأمن فظهر لها من نبات حسن، فالحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وبعد فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب بأقلية والصفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السحبانية وليكون محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله أنها صدرت من قلب مكسور، وفؤاد مصدوع، وذهن ضعيف وليس لكسير ضعفه عاصم ولا نافع، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ضالع:
فسيروا على سيري فإنَّي ضعيفكم وراحلتي بين الرواحل ضالعُ
هذا وكم تولد للملوك في طريق الرمل من عقله، وكم ذاق من قطاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النصرة ليس له إلى الاجتماع وصله، وكلما زعق عليه غراب تألم لسهام البيت وفقد مصر التي هي نعم الكنانة، وأنشد وقد تحير في الرمل لفراق ذلك التخت الذي أعز الله سلطانه:
من زعقة الغراب بعد الملتقى فارقت مصرًا وبها أحبابي
وفي الطريق الرمل صرت حائرًا مروّعا من زعقة الغراب
واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشام فبئس الحال وبئس الاستقبال، فو الرحمن ما وصل بها إلى مكان إلا وجده قد وقعت فيه
[ ٢ / ١١٧ ]
الواقعة واشتد القتال، وحصدوا سنبل الرشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس، وأداروا رحى الحرب بقلوب كالأحجار فطحنت عن ذلك الرؤوس، وأنشد لسان الحال:
من كل عادٍ كعادٍ في تجبُّره من فوق ذات عمادٍ شادها إرمُ
لا يجمعون على غير الحرام إذا تجمّعوا كحباب الرَّاح وانتظموا
وانتهيت الغاية بالملوك إلى أنه شلح بقرب الكسوة في الشتاء وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت:
لي مهجةٌ في النازعات وعبرةٌ في المرسلات وفكرةٌ في أهل أتى
هذا والليل قد أنطفأت مصابيح أنواره وعسعس، حتى أيقنت بموت الصبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفس، فذهب المملوك وقد تزود عند قسم الغنيمة بسهم، فخرج ولم يجد له تعديلا ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمى من الوهم، ولم يلق له مجيرا لما قوي ألمه وضعف منه الحيل، إلا أنه دخل تحت ذيل الليل، فوصل إلى البلد وقد ود يومه لو تبدل بالأمس، ولم يسلم له في وقعة الحرب غير الفرس والنفس، ولكنه أنشد:
وتفعل الأعداء في جاهلٍ ما يفعل الجاهل في نفسه
[ ٢ / ١١٨ ]
فأعاذ الله مولانا وبلاده من تلك القيامة القائمة، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن وفي الآخرة بحسن الخاتمة.
قلت قد استوعبت هنا تراجم كتَّاب الإنشاء ونبذة مما تخيرته من إنشائهم وقد تعين أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشىء الكامل الأدوات من المحاسن اللائقة به وبالله المستعان.
قلت قد استوعبت هنا تراجم كتَّاب الإنشاء ونبذة مما تخيرته من إنشائهم وقد تعين أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشىء الكامل الأدوات من المحاسن اللائقة به وبالله المستعان.
قال أبو حيان التوحيدي يجب على المنشىء أن يكون حافظًا لكتاب الله لينتزع من آياته الشريفة وأن يعرف كثيرًا من السنة والأخبار والتواريخ والسير ويحفظ كثيرًا من الرسائل والكتب ويكون متناسب الألفاظ متشاكل المعاني عارفًا بما يحتاج إليه ماهرًا في نظم الشعر نظيف الثوب لطيف المركب ظريف الكلام ليق الدواة حاد السكين متوددًا إلى الناس مخالطهم غير متكبر عليهم دمث الأخلاق رقيق الحواشي ترف الأطراف عذب السجايا حسن المحاضرة مليح النادرة غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف الألفاظ الغريبة ولا متعسف اللغة العويصة.
آداب الكتابة روى الشعبي أنه قال كتب رسول الله ﵌ أربعة كتب أولها باسمك اللهم فنزلت سورة هود فيها بسم الله مجراها ومرساها فكتب بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها قل أدعو
[ ٢ / ١١٩ ]
الله أو ادعو الرحمن فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت سورة النمل وفيها إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتبها.
وروي إن فصل الخطاب الذي أعطيه داود ﵇ أما بعد. روي أن أول من قالها كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة.
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كتب أحدكم كتابًا فليتربه فإن التراب مبارك وهو أنجح.
روي عنه ﵊ أنه كتب كتابين إلى قريتين فأترب أحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي أترب كتابها.
وقال الحسن بن وهب كاتب رئيسك بما يستحق ومن دونك بما يستوجب وكاتب صديقك بما تكاتب بها حبيبك فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة.
ورأيت في تذكرة الوداعي أن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز كان إذا كتب كتابًا بدأ في ترسله بالبسملة لتعم بركتها سائر الكتاب ورمَّله ويخزن ذلك الرمل ويحترز عليه.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى إني ألقي إليَّ كتبا كريم قال مختوم وفضَّ الكتاب إذا كسر ختمه. والعنوان فيه خمس لغات أفصحها عنوان وجمعه عناوين وعلوان وعلاوين والعنوان الأثر
[ ٢ / ١٢٠ ]
وهو أثر الكتاب ممَّن وإلى من هو كما قيل:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
والقلم لا يقال له قلم إلا إذا بري وإلا فهو أنبوبة.
من بديع ما سمعته في وصف القلم من النظم قول الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي منقول من خط الوداعي:
تمشي اليراعة والمداد وراءها ظلٌّ على شمس الطروس ينوعُ
عوض الغواني لو تلوح لمسلمٍ هذي المعاني راح وهو صريع
لو لم تكن ألفاظه خطّيّةً ما راح سرب اللفظ وهو منيع
ألفاظه رقّت بوجنة طرسه فكأنهّنّ وقد جرين دموع
قلمٌ مسيحيُّ الخطاب لنطقه في المهد من يمناه وهو رضيع
وغدا كليميًّا وقد ضاهى العصا فغدا يروق بفعله ويروع
بالنقط حاكته الشموع وبالضيا حاكته في حلك المداد شموع
قد لازم القرطاس وهو منوّرٌ والطلُّ يهوى الروض وهو مريع
نورٌ ونوِّر خطّه وكلامه هذا يضيء به وذاك يضوع
[ ٢ / ١٢١ ]
وقال فيه وأجاد إلى الغاية:
ليمناه ذو طرفٍ كحيلٍ إذا بكى تبسّم ثغر الخطّ من دمعه عُجْبا
وقد راح مشقوق اللسان متى جرى بثغر الدوى المعسول أبدى اللمى العذبا
قلت من قصيدة رائية:
له يراع سعيدٌ في تقلُّبه إن خطّ خطًَّا أطاعته المقادير
محبّرٌ وبتحرير العلوم إذا جرى يُرى منه تحريرٌ وتحبير
غصنٌ عليه طيور العلم عاكفةٌ وجانس النَّور من أوراقه النور
وأشقرٌ عينه السوداء تلحظنا وهدب أجفانها تلك التشاعير
أو سهمُ علمٍ بأطراف السطور غدا مريّشًا وله في الضدّ تأثير
كذا محابره سود العيون فإن دانت أياديه فهي الأعيُنُ الحور
ويعجبني قول الشيخ شمس الدين ابن المزني في الدواة:
أنا دواةٌ يضحك الجود من بكا يراعي جلّ من قد براه
دلّوا على مثليَ من شفَّهُ داءٌ من الفقر فإنيّ دواه
وقلت فيما يكتب على دواة فولاذ:
كنانة الفضل دواتي ولها
[ ٢ / ١٢٢ ]
.. سهمٌ يراعى نصله نفَّاذُ
وأسمر الخط لديها قاصرٌ لأنّها على الحمى فولاذ
قلت ويتعين بعد صف أقلام المنشئين والدواة وصف السكين فإنهم أنشأوا في وصف السيف والقلم وما ألموا بها وهي أحق بذلك من غيرها لقربها من القلم وقد تقدم أن أبا طاهر كمال الدين إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني إنفرد برسالة القوس، والشيخ جمال الدين بن نباته إنفرد برسالة السيف والقلم، وقد انفردت برسالة السكين.
وهي يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفقر بمسنون عزائمها، وينهى وصول السكين التي قطع بها أوصال الجفا، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفا، وتالله ما غابت إلا بلغت الأقلام من تعثرها إلى الحفا، زرقاء وكم شاهدت منها البيض ألوانًا خرساء، ومن العجائب أن لها لسانًا لكل عنوان ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعدما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بصدق محبتها قطعا، ماضية العزم قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين، أنملة صبح تقمصت بسواد الدجى، ولسان برق إمتد في لهوات الليل، فتنكرت
[ ٢ / ١٢٣ ]
أشعة الأنجم حتى ما عرفت منها سهيل، هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الخد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد:
من أجلنا تدخل في مضايقٍ ليس لسيفٍ قطُّ فيها مدخل
وكلّما تفعله توجزه والرمح في تعقيده يطول
إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد إلى السيف، تنسي حلاوة العسال فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بايقاع ضربها الداخل، إن مرت بشكلها المحلى تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادله، شهد الرمح بعدالته إنها أقرب للصواب، وحكم بصحة ذلك قبل أن يتكامل لها النصاب، ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرَّحتها بإحسان، ولا طالعت كتابًا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان، تعقد عليها الخناصر لأنها عدّة وعده، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلمت بحدَّه، إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبقت على الدخول، أو أبرزت من غيمة كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وباقامتها الحد حافظت الاقلام مواظبة الخمس، وكم لها من عجائب تركت جدول السيف وهو في بحر غمده غريق، ولو سمع بها من قبل
[ ٢ / ١٢٤ ]
ضربه ما حمل التطريق، فلو عاصرها الكمال لعرك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين، فإن جذبت إلى مقاومتها كانت لك يد تمتد، وصلت السكين منك العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى ذا الحد، وهل تعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ولو لمحها الفاضل تحقق قوله إنّ خاطر سكينه كلّ، أو أدركها ابن نباتة ما أقر برسالة السيف وفل، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، ولم يقصد المملوك الإيجاز في رسالة السكين ونظمها؛ إلا لتكون مختصرة لحجمها، لا زالت صدقات مهديها تتحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي في كل وقت بما يبرىء من داء الاحتياج ويري، قلت وعلى ما وقع من الغريب في رسالة السكين يتعيَّن أن نورد ما وقع من غريب النظم في السيف فإن الشيخ جمال الدين ابن نباتة ذكر من نثره في رسالة السيف بدائع ولكنها مشهورة لتنقيب الناس عنها والاقتباس منها.
قال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب كيف تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف قال فالمجن قال: هو المجن وعليه تدور الدوائر قال فالنبل قال منه ما يخطىء وما يصيب قال فما تقول
[ ٢ / ١٢٥ ]
في الدرع قال مثقلة للراجل مشغلة للفارس وأنها حصن حصين قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال: لم تقل لا أم لك، قال: الحمى أصرعتني يا أمير المؤمنين: الشريف البياضي:
إنّا إذا الأرواح ذابت مخافةً فتحنا باشطان الرماح ركابها
متى ما أردنا أني ذاق حديدنا خلقنا بحدّ المشرفيّة فاهها
وقال أبو العلاء المعري:
غراراه لسانًا مشرفيٍّ يقول غرائب الموت ارتجالا
وديَّث فوقه حمر المنايا ولكن بعدما مسخت نمالا
يذيب الرعب منه كلّ عضبٍ فلولا الغمد يملكه لسالا
وقال النامي:
ذو مدمعٍ من غير ما مستعير وتبسّمٍ من ثغره متوالي
يريك من لألآئه متوقِّدًا حنق المنون به على الآجال
وقال الغنوي:
كأنّ على إفرنده موج لجّةٍ تقاطر في حافاته وتجولُ
حسامٌ غذاء الروح حتى كأنّه من الله في قبض النفوس رسول
وقال وحيد الدين بن الذروري:
فتقتُ بأجساد الأسود لواحظًا رنت للمنايا عن عيون الثعالب
وأنطقت أفواهًا إلى قمم العدا
[ ٢ / ١٢٦ ]
.. بألسنة البيض الرقاق المضارب
بحيث الوغى روضٌ تغنّى ذبابه وسال على نور الطلا كالمذاب
وقد رشفت ورد الكلوم صغاره وما شربت إلاّ دماء الثرائب
وله:
سكران من شربه خمر الدماء فإن حيّاه نور الطلا غنىّ لها هزجا
لسان الدين بن الخطيب:
وخليج هندٍ راق حسن صفائه حتى يكاد يعوم فيه الصيقل
غرقت بصفحته النمال وأوشكت تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل
فالصرحُ منه مُمرَّدٌ والصفح منه مورّدٌ والشطُّ منه مهدّل
القاضي الفاضل:
ولربَّ هاتفةٍ دعتهم للوغى جعلوا صليل المرهفات صداها
هي في بحار يديه أمواجٌ ترى ونفوسهم من قتله غرقاها
وقال ابن قلاقس وأجاد:
أسهرتهم وشعرتها فجموعهم مذ أحرمت في راحتيك حرامُ
وكلاهما جفنٌ منعت قراره
[ ٢ / ١٢٧ ]
.. لكنَّ ذا عضبٌ وذاك سنام
وقال ابن سناء الملك:
له منصل لا ينقضي فرض حجّه فبالضرب لبّى حين بالنسك أحرما
تنسَّك بالإسلام لكنْ رأيته يحلّ له في الشرع أن يشرب الدما
فكم سلّ لما سُلّ من بطن غمده لسان دمٍ من ضربةٍ خلقت فما
مجير الدين بن تميم:
لما قنيت من الصوارم أعوجًا يجري القضاء بنهره المتوّجِ
جبت القفار وما حملت أوانيًا للماء من ثقتي بنهر الأعوج
وقال الغزي:
وقد سلب الطعن الأسنّة لونها فعصفر في اللبّات ما كان أزرقا
وأسيافنا في السابغات كأنهّا جداول تجري بين زهرِ تفتّقا
ابن خفاجة:
موسّدٌ تحت ظل السيف تحسبه مستلقيًا فوق شاطىء جدولٍ ثملا
جمال الدين بن نباتة:
وصارمٍ كعباب الموج ملتطمٍ يكاد يغرق رائيه ويحترقُ
لما غدا جدولًا يُسقى المنون به أضحى يشفُّ على حافاته العلق
[ ٢ / ١٢٨ ]
برهان الدين القيراطي:
قومٌ مناديلهم بيضٌ فكم مسحت رقاب اعدائهم تلك المناديلُ
وقلت:
وسيفٍ له في الحرب حسن تغزّلٍ إذا ما رآني قد علوت على نهد
فكم خدَّ فوق صدرٍ مدرّعٍ فبان إحمرار الورد في ذلك الخدِّ
وكم مال قدٌّ في الوغى ميل معجبٍ فقابله ذاك المهنّد بالقدِّ
وكم أعجموا ألفاظهم ساعة اللقا فكلّمهُمُ ذاك المهنّد بالهندي
وقلت وقد وجب أن نذكر هنا ما وقع بع السيف من غريب النظم في الرمح.
ذكر القاضي الرشيدي ابن الزبير في كتابه العجائب والطرف أنه كان في خزانة السلاح أيام السفّاح خمسون ألف درع وخمسون ألف سيف وثلاثون ألف جوشن ومائتا ألف رمح.
وقال الفضل بن الربيع لما ولي الأمين الخلافة سنة ثلاث وتسعين ومائة أمرني أن أحضر ما في خزانة السلاح فكان من السيوف المحلاة بالذهب عشرة آلاف وخمسون ألف سيف للشاكرية والغلمان ومائة وخمسون ألف رمح ومائة ألف قوس وألف
[ ٢ / ١٢٩ ]
جوشن ومائة ألف وخمسون ألف ترس وأربعة آلاف سرج محلاة بالذهب وثلاثون ألف عامة انتهى.
قلت يعجبني قول القاضي في بيت من قصيدة؟
أمتصل الرمح الطويل بكوكبٍ من ذا يطاعن والسِّماك سنانُ
ومثله في الحسن قول ابن سناء الملك:
ملوكٌ يحوزون الغنائم عنوةً بسمر العوالي أو ببيض القواضب
رماح بأيديهم طوالٌ كأنّما أرادوا بها تنقيب درِّ الكواكب
ابن قلاقس وأجاد:
وقد كَحَلتْ بأميال العوالي أساةُ الحرب أحداق الدروع
وشبّ الباس نيران المواضي واسبل غيث أمواه النجيع
فللفرسان من محلٍ ووحل حديثٌ عن مصيفٍ أو ربيع
ويعجبني أيضا قول القاضي الفاضل من قصيدة:
فيا عجبًا للملك قرّ قراره بمختلفاتٍ من قتال السواحر
طواعن أسرارِ القلوب نواظرٌ كأنّك قد نصّلتها بنواظر
ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب وأجاد:
[ ٢ / ١٣٠ ]
وبكل أزرق إن شكت ألحاظه مرة العيون فبالعجاجة تكحلُ
متاوِّدٌ أعطافه في نشوةٍ مما يعلُّ من الدماء وينهل
عجبًا له أنّ النجيع بطرفه رمدٌ ولا يخفى عليه مقتل
السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين بن الآمدي:
غصونٌ بها طير النفوس تنافرت وعهديَ أنّ الطير للغصن يألفُ
فلا وَرَقٌ إلاّ من التبر حولها ولا زَهَرٌ إلاّ من النصر يقطف
ابن نباتة السعدي:
وولّوا عليها يقدمون رماحنا وتقدمها أعناقهم والمناكبُ
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم عيونًا لها وقع السيوف حواجب
قلت رسم كافل المملكة الشريقة الشامية وهو المقر المرحومي العلائي تغمده الله برحمته ورضوانه للفضلاء بدمشق المحروسة وغيرهم من الفضلاء بالبلاد الشامية أن ينظموا أبياتًا تكتب على أسنّة الرماح وتكون عدة الأبيات أربعة.
فنظم المقر المرحومي الفتحي بن الشهيد قوله:
إذا الغبار علا في الجوّ عاثره فأظلم الجوّث ما للشمس أنوارُ
هذا سناني نجمٌ يستضاء به كأنّه علم في رأسه نار
والسيف إن نام ملء الجفن في غلقٍ
[ ٢ / ١٣١ ]
.. فإنّني بارزٌ للحرب خطّار
إنّ الرماح لأغصانٌ وليس لها سوى النجومِ على العيدان أزهار
ونظم الرئيس شمس الدين بن المزين:
أنا أسمرٌ والراية البيضاء لي لا للسيوف وسل من الشجعان
لم يحلُ بي عيش العداة لأنني نوديت يوم الجمع بالمرّان
وإذا تفاهمت الكماة بجحفلٍ كلّمتهم فيه بكلِّ لسان
فتخالهم غنمًا تساق إلى الردى قهر المعظم سطوة الجوبان
ونظم المقر المرحومي وهو إذ ذاك كاتب السر بحمص المحروسة:
عروسُ سناني حين تجُلى على العدا وتظهر تبدي ما لهم من بواطنِ
وقد صيغ من همٍّ فبين صدورهم مجالٌ له رحبٌ فسيح المواطن
سيلقون يوم الجمع غبنًا لموتهم بطعني ويوم الجمع يوم التغابن
وإن شهدوا بالجور فّي وعدّلوا فإنِّيَ قد بيّنت فيهم مطاعني
ونظم قاضي القضاة صدر الدين ابن الآمدي سامحه الله:
النصرُ مقرونٌ بضرب أسنَّةٍ لمعانها كوميض برقٍ يشرقُ
سبكت لتسبك كلَّ خصمٍ ماردٍ
[ ٢ / ١٣٢ ]
.. وتطرّقتْ لمعاندٍ يتطرّقُ
زرقٌ تفوق البيض في الهيجا إذا يحمرُّ من دمه العدوّ الأزرق
ينسخن بوم الحرب كلِّ كتيبةٍ تحت الغبار فنسخُهُنَّ محقَّق
وقلت:
أنا رمحٌ ورمح الأفق يخشى من سموّي إليه يوم الطعان
وإذا أنكروا عدالة قدّي يوم حكمٍ جرحتهم بلساني
وسناني كالبرق بل صار منه قلب سيف البروق في خفقان
رمحه للرّدين ينسب لكنْ صاح لما علاه ذا بالسنان
مجير الدين بن تميم:
لو كنت تشهدني وقد حمي الوغا في موقفٍ ما الموت فيه بمعزل
لترى أنابيب القناة على يدي تجري دمًا من تحت جنح القسطل
ابن شرف القيرواني:
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدُّجى فبان بأطراف الأسنّة شائبا
ذكر الثعالبي في لطائف المعارف أن أول من عمل السنان من حديد ديرون الحميري وإليه تنسب الرماح اليزنية وإنما كانت أسنة العرب من صياصي البقر.
قلت لم يبق بعد السيف والرمح غير اقوس
[ ٢ / ١٣٣ ]
لو أن رسالة القوس مشتملة بكاملها على إصابة الغرض لأثبتها هنا ولكن جمع في نظم عقدها بين الجوهر والعرض وبراعة استهلالها غاية لا تدرك.
وهي ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا إنّا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا.
ومن غاياتها بعد ذلك قوله منها صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم.
وممن أصاب الغرض بالغازه في القوس الشهاب الأعزازي بقوله:
ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عمرًا طويلًا وتتّقيها الرجالُ
قد علا جسمها صفارٌ ولم تشك سقامًا ولا عراها هزال
ولها في البنين سهمٌ وقسمٌ وبنوها كبارُ قدرٍ نِبَال
صفي الدين الحلى ملغزًا فيه:
وما اسمٌ سراه في البروج وإنّما يحلُّ به المريخ دون الكواكب
إذا قدَّر الباري عليه مصيبةً عدته وحلت في صدور الكتائب
الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
لله مملوكٌ إذا ما قام في الشغل اعترضْ
[ ٢ / ١٣٤ ]
لكنّه في ساعةٍ محصِّلٌ لك الغرض
ومن الغايات التي لا تدرك لغز قاضي القضاة صدر الدين ابن الآدمي رحمه الله تعالى في الستوران ما رفق:
ما رفيقٌ وصاحبٌ لك تلقاه معينًا على بلوغ المرامِ
هو للعين واضحٌ وجليٌّ وتراه في غاية الإبهام
قلت ومن نظمي في القوس:
قوسي إذا جذبته يطربني بجسِّ عوده وتحريك الوترْ
ونجم ذاك السهم إن فوَّقته يرى له في طارة البدر أثر
الشيخ جمال الدين ابن نباته:
فديتك أيُّها الرامي بقوسٍ ولحظٍ يا ضنى قلبي عليه
لقوسك نحو حاجبك انجذابٌ وشبه الشيء منجذبٌ إليه
قلت لم يبق بعد وصف آلة الحرب وصف غير الخيل المسوّمة التي لا بد لفحول كتاب الإنشاء من الجولان في ميدان وصفها ومجرى السوابق الذي جمعته في هذا الباب قد تقدم في الجزء الأول من بلوغ المراد ولكن إذا كنت منشىء دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية
[ ٢ / ١٣٥ ]
المحروسة يتعين عليَّ أن أورد هنا لكتاب الإنشاء من فقه هذا الفن ما يحتاجون إلى معرفته.
قلت السجع مأخوذ من سجع الحمام واختلف فيه هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا فمنهم من منعه ومنهم من أجازه والذي منع تمسك بقوله تعالى كتاب فصلت آياته فقال قد سماه فواصل فليس لنا أن نتجاوز ذلك والسجع ينقسم إلى أربعة أقسام المرصع والمطرف والمتوازي والمشطر.
فالمرصع عبارة عن مقابلة كل لفظة من صدر البيت أو فقرة النثر بلفظة على وزنها ورويها وهو مأخوذ من مقابلة العقد في ترصيعه ومن أمثلته الشريفة في الكتاب العزيز إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ومثله قوله تعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ومنه قول الحريري في المقامات يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.
واالمطرَّف هو أن يأتي المتكلم في آخر كلامه أو في بعضه بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية ولا محصورة في عدد معين بشرط أن يكون روي الأسجاع روى القافية كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارًا وقد خلقكم أطوارًا.
وكقولهم جنابه محط الرحال ومخيم الآمال.
[ ٢ / ١٣٦ ]
ومن أمثلته الشعرية قول أبي تمام:
تحلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي وفاض به ثمدي وأورى به زندي
الثالث المتوازي وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة مع نظيرتها في الوزن والروي كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة.
ومنه قول النبي ﷺ اللهم أعط منفقا خلفًا وأعط ممسكًا تلفا.
ومنه قول الحريري في المقامات: وأودى بي الناطق والصامت ورثى لي الحاسد والشامات انتهى.
القسم الرابع السجع المشطر وهو أن يكون لكل نصف من البيت قافيتان مغايرتان لقافيتي النصف الآخر ولكن هذا القسم مختص بالنظم كقول أبي تمام يمدح أمير المؤمنين المعتصم رحمهما الله تعالى:
تدبير معتصمٍ بالله منتقمٍ لله مرتقبٍ في الله مرتغبِ
انتهى باب السجع قلت وقالت علياء هذا الفن إن قصر الفقرات في الإنشاء يدل على قوة المنشىء وأقل ما تكون من كلمتين كقوله تعالى يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب العزيز لكن الزائد على ذلك هو الأكثر.
وكان بديع الزمان يكثر من ذلك كقوله: كميت نهدٌ كأنّ راكبه في مهد يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر لكن قالوا التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر
[ ٢ / ١٣٧ ]
لتشوقه إلى ما يرد منه متزايدًا على سمعه انتهى.
وأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليتين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية على الأولى يسيرًا والثالثة على الثانية فلا بأس ولكن لا يكون أكثر من المثل مثاله في القرينتين قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئًا إذا تكاد السموات ينفطرون منه تنشق الأرض وتخر الجبال هذا فالثانية أطول من الأولى.
ومثاله في الثالثة قوله تعالى وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرًا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيُّظًا وزفيرًا وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورا.
ومن فوائد الإنشاء أن تكون كل فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى لأن اللفظ إذا كان من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى لم يحسن كقول الصاحب بن عباد في وصف منهزمين طاروا واقين بظهورهم صدورهم وبأصلابهم نحورهم فالظهور بمعنى الأصلاب والصدور بمعنى النحور.
ومنه قول الصابىء يسافر رأيه وهو دان لا يبرح ويسير وهو باق لا ينزح فلا يبرح، فلا يبرح ولا ينزح
[ ٢ / ١٣٨ ]
بمعنى واحد ويسافر ويسير كذلك.
ومن فوائد الإنشاء التي يتسع فيها المجال على المنشىء أن السجع مبني على الوقف وكلمات الإسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الإعجاز موقوفًا عليها لأن الغرض أن يجانس المنشىء بين القرائن ويزاوج ولا يتم له ذلك إلا بالوقف إذا لو ظهر الأعراب لفات ذلك الغرض وضاق المجال على قاصده فإن قافية السجعة، إذا كانت في محل نصب وأختها في محل رفع ساوى بينهما السكون وصار الإعراب مستترًا فلو أثبتوا الإعراب في قول من قال ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منوَّنة فيفوت غرض المنشىء.
ومن ذلك أن السجع مبني على التغيير فيجوز أن يغير لفظ القافية الفاصلة لتوافق أختها فيجوز فيها حالة ازدواج ما لا يجوز فيها حالة الإنفراد.
فمن ذلك الإمالة فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء وما هو من ذوات الواو فتمال التي هي من ذوات الواو وتكتب الياء حملًا عن ما هو من ذوات الياء لأجل الموافقة كقوله تعالى والضحى فالضحى أميلت وكتبت بالياء حملا على ما في السورة الشريفة من ذوات الياء لأجل الموافقة.
وكذلك سورة والشمس وضحاها
[ ٢ / ١٣٩ ]
أميلت فيها ذوات الواو وكتب بالياء حملا على ما فيها من ذوات الياء.
ومن حذف المفعول نحو قوله تعالى: ما ودعك ربك وما قلى الأصل وما قلاك ولكن حذفت الكاف لتوافق الفواصل.
ومن ذلك صرف ما لا ينصرف كقوله تعالى قواريرًا وصرفه بعض القراء السبعة ليوافق فواصل السورة الشريفة ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز لوجده كثيرًا.
ومما جاء في ذلك في الحديث قوله ﷺ أعيذه من الهامة والسامة ومن كل عين لامة الأصل عين ملمة.
ومنه قوله ﷺ مأزورات غير مأجورات الأصل موزورات بالواو لأنه من الوزر ولكن همز ليوافق مأجورات.
ومنه قوله ﷺ دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم الأصل ما وأدعوكم ولكن حذفت الألف لتحصل الموافقة.
قلت وهذا نوع من المشاكلة لأن المشاكلة في اللغة هي المماثلة وهي في المصطلح ذكر الشيء بغير لفظه لموافقة القرائن ومشاكلتها كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة والأصل وجزاء سيئة عقوبة.
ومنه قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم
[ ٢ / ١٤٠ ]
ما في نفسك والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك لأن الحق تعالى وتقدس لا تستعمل لفظة النفس في حقه إلا أنها استعملت هنا للمماثلة والمشاكلة كما تقدم.
ومنه قوله تعالى ومكروا ومكر الله والأصل وأخذهم الله.
وفي الحديث قوله ﷺ: فإن الله لا يملُ حتى تملوا الأصل فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا من مسئلته فوضع لا يمل موضع لا يقطع لأجل المشاكلة وهو مما وقع فيه لفظه المشاكلة أولًا.
ومنه قول الشاعر:
قالوا اقترحْ شيئًا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبّةً وقميصا
أراد خيّطوا لي جبة وقميصا وذكره بلفظ اطبخوا لوقوعه في صحبة طبخة انتهى.
قلت ومن غايات الإنشاء البلاغة في المقاصد والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده مع إيجاز بلا اخلال وإطالة من غير املال.
والفصاحة خلوص الكلام من التعقيد وقيل البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ. يقال معنى بليغ ولفظ فصيح والفصاحة خاصة تقع في المفرد يقال كلمة فصيحة ولا يقال كلمة بليغة ففصاحة المفرد خلوصه من التعقيد وتنافر الحروف والفصاحة أعم من البلاغة لأن الفصاحة تكون صفة الكلمة والكلام يقال كلمة فصيحة وكلام فصيح والبلاغة لا يوصف بها إلا الكلام فيقال كلام بليغ ولا يقال
[ ٢ / ١٤١ ]
كلمة بليغة واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال متكلم فصيح بليغ.
فمن الإنشاء البليغ الفصيح قول عبد الحميد عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة وتصحوا من هذه السكرة فسينصب السيل وتمحى آية الليل.
ومثله قول أبي نصر العتبي: دبَّ الفشل في تضاعيف أحشائهم وسرى الوهن في تفاريق أعضائهم فجيوب الأقطار عنهم مزرورة مجرورة.
ومثله قول الصابئ نزع به شيطانه وامتدت في الغيّ أشطانه.
ومثله قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره فقد سمعت خبره والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره.
ومثله قول القاضي الفاضل ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة له الغمام عمامه وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال له قلامه.
قلت ويعجبني في هذا الباب من انشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: كَشْفُ الأزار في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف وأروع للعدا من سلَّة سيف.
ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قِرَبها،
[ ٢ / ١٤٢ ]
والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الإرتواء من قلبها، والحماة ما منهم إلاّ من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه والأبطال ليس فيهم من يسأل عن عدد عدوه بل عن مكانه.
ومثله في الحسن ما كتبت به جوابًا عن مولانا السلطان الملك المؤيد سقى الله ثراه إلى قرا يوسف ملك العراق يتضمن خطاب الإيناس نظير ما خطب في مكاتبته.
فمن الجواب قولي: وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقران يقول أنا يوسف وهذا قد من الله علينا، وقد سرتنا الإشارة الكريمة بالتمكن من أرض العدا ومطابقة الطول بالعرض وهذا الأسم قد شملته العناية قديما بقوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وأما قرا عثمان فقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا ما ذكرت توبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا من برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلًا فلا بد لأجل المقرّ أن نخيم عليه، وينزل سلطان قهرنا بأرضه ويغرس فيها عيدان المران، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لإشغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخارج وإيقاع
[ ٢ / ١٤٣ ]
الضرب الداخل من جس العيدان في كل خارج، ويدهمه من ابن أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدُّهم، ورد الجموع الصحيحة إلى لتكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء عذرت بورق الحديد الأخضر مردهم، إذا امتدوا إلى آمد تلا لهم حصنها في سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لسكانها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت حصونهم في الواقعة، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي فرقها الله أيدي سبأ، وكم سئل سائل وقد رآهم في النازعات عن ذلك العصر بالنبأ، وقد أشار منشىء دولتنا الشريفة إلى ذلك في قصيد كامل بحره والقصد هنا من أبيات ذلك القصيد قوله:
يا حامي الحرمين والأقصى ومن لولاه لم يسمر بمكة سامِرُ
والله إنَّ الله نحوك ناظرٌ هذا وما في العالمين مناظر
زحف على المخون نظّم عسكرًا وأطاعه في النظم بحرٌ وافر
فانبتّ منه زحافه في وقعةٍ يا من بأحوال الوقائع شاعر
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم
[ ٢ / ١٤٤ ]
.. دارت عليهم من سطاك دوائر
وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفةً فكأنّ هاتيك السروج مقابر
وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا واشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق بهم المكر السيىء فأجابهم الصدى، ولم يكن في حرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة، حتى أظهرنا بألوان الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان البصرة، وأخذوا سريعًا بشان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المعامع، وقد اسبغ الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهر لمحراب بهجة إلا بهاتين القبلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل إلى غير نحوهما ما علمت، فقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كؤوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة ولهذه الأحكام عندنا عمدة، وقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب المحبة ليس عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطورها في رقاع الأخوة محققة، وتصديق ما يقصده في كريم جوابه فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة،
[ ٢ / ١٤٥ ]
والله تعالى يمتع الأبصار والأسماع بمشاهدة أمثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهيِّ ثماره، إن شاء الله تعالى انتهى ما دنت قطوفه من ثمرات الأوراق، وحلا في الأذواق السليمة وراق.
وهذا ذيل ثمرات الأوراق للإمام تقي الدين بن حجة رحمه الله تعالى وهي محاضرات لا يستغني عنها وعلي يعول فلذلك ألحقت بالأصل في الطبع وجعلت تتمة للأول.