ومثله ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء وهو من الغرائب في هذا الباب أن رجلا من طلبة العلم قعد على جسر بغداد يتنزه فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم فقالت المرأة رحم الله أبا العلاء المعري وما وقفا بل سار مشرقا ومغربا قال الرجل فتبعت المرأة وقلت والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحكت، قالت: أراد به قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وعنيت أنا بأبي العلاء قوله:
فيا دارها بالخيف إن مزارها قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال
ومثله ما هو منقول على الإمام الحافظ فتح الدين أبي الفتح محمد بن
[ ١ / ١٤٠ ]
محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري أن الشيخ بهاء الدين بن النحاس ﵀ دخل إلى الجامع الأزهر فوجد أبا الحسين الجزار جالسا وإلى جانبه مليح ففرق بينهما وصلى ركعتين ولما فرغ قال لأبي الحسين ما أردت إلا قول ابن سناء الملك فقال أبو الحسين الجزار وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق أما مراد الشيخ بها الدين فهو إشارة إلى قول ابن سناء الملك:
أنا في مقعد صدقٍ بين قوّادٍ وعلق
وأما مراد أبي الحسين الجزار من قول سراج الوراق فهو:
ومهفهفٍ راضَ الأبيّ فقادَهُ سلِسَ القياد
فلما توسّط بيننا جرت الأمور على السداد
فبلغ كل منهما ما أراد من صاحبه ولم يشعر أحد بمراد الاثنين غيرهما. قلت وبالنسبة إلى هذا الذكاء المفرط الصادر من هؤلاء القوم يتعين أن نورد هنا نبذة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي.