قلت قد أوردنا نبذة لطيفة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي مختلفة الأنواع وقد تعين أن نورد له هنا نبذة لطيفة من كتاب الحمقى والمغفلين لأنه قال في كتاب الحمقى: ما وضعت ذلك إلا لأن النفس قد تمل من ملازمة الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال الحنظلة ساعة وساعة. وعن علي ﵁ أنه قال روحوا القلوب بطرائف الحكم فإنها تمل كما تمل الأبدان.
وكان رجل يجالس أصحاب رسول الله ﷺ ويحدثهم فإذا أكثروا وثقل عليه الحديث قال ان الأذن بحاجة وإن القلوب خمصة هاتوا من أشعاركم
[ ١ / ١٥٩ ]
وحديثكم وقال أبو الدرداء ﵁ إني لاستجم نفسي بشيء من الباطل كراهة أن أحملها من الحق ما يملها. وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يحدث أصحابه ساعة ثم يقول حمضونا فيأخذ في أحاديث العرب وأشعارهم ومثله عن الزهري ومالك بن دينار. وكان شعبة يحدث فإذا رأى أبا زيد قال له إيه أبا زيد.
إستعجمت دارُ نُعمٍ ما تكلِّمُنا والدارُ إن كلمتنا ذاتُ أخبار
ووصف رجل عند ابن عائشة فقيل هو جدّ كله فقال ابن عائشة لقد أعان على نفسه وقصر لها طول المدى ولو فكهها بالانتقال من حال إن حال نفس عنها ضيق العقد ورجع إلى الجد بنشاط. وقال الرشيد: النوادر تستحدّ الأذهان وتفتق الآذان. وقال آخر لا يحب الملح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثوهم وقال الشاعر:
أروح القلب ببعضِ الهزلِ تجاهلًا منيّ بغير جهل
أمزحُ فيه مزحَ أهلِ الفضل والمزحُ أحيانًا جلاءُ العقل
قال ابن الجوزي في كتاب الحمقى أن الأحنف بن قيس قال إذا رأيتم الرجل طويل القامة عظيم اللحية فأحكموا عليه بالحمق. وقال معاوية لرجل كفى أن نشهد عليك بالحمق ما نراه من طول لحيتك. وقال آخر وتلطف ما شاء: من طالت لحيته تكوسج عقله. وقال أصحاب الفراسة: من طالت قامته ولحيته وجبت تعزيته في عقله. وقالوا إذا كان الرجل طويلا طويل
[ ١ / ١٦٠ ]
اللحية وأضيف إلى ذلك أن يكون صغير الرأس فأحكم عليه بالحمق. وقال زياد ما زادت لحية الرجل على قبضة إلا كان نقصانا من عقله وقال الشاعر:
إذا عرُضت للفتى لحيةٌ وطالت وصارت إلى سرّته
فقد ضاق عقل الفتى عندنا بمقدار ما زاد من لحيته
وقال ابن الرومي:
إن تطل لحيةٌ عليك وتعرُض فالمخالي مخلوقةٌ للحمير
علّق الله في عذاريك مخلا ةً ولكنّها بغير شعير
وقال بعضهم: صارم الأحمق فليس له خير من الهجران. وقيل مكتوب في التوراة من اصطنع إلى أحمق معروفا فهي كخطيئة مكتوبة عليه. وقال سفيان الثوري هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى. فمن ضرب المثل بحمقه وتغفله هبنقة واسمه يزيد وكان قد جعل في عنقه قلادة عظام وودع وقال أخشى أن أضيع من نفسي ففعلت ذلك لأعرفها فحولت أمه القلادة إلى عنق أخيه فلما أصبح ورآها قال يا أخي أنا أنت وضل له بعير فجعل يقول من وجده فهو له فقيل له فلم تنشده قال: لحلاوة الظفر. واختصمت بنو طفاوة وبنو راسب في رجل ادعى كل من الفريقين أنه منهم فقال هبنقة حكمه أن يلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة وإن رسب فهو من راسب فقال الرجل إن كان الحكم هكذا فقد زهدت في الطائفتين.
ومنهم