وكان المنصور قد أخذ الناس بلباس قلانس طوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم "، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم. فدخل أبو دلامة عليه في ذلك الزي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة؟ فقال: ما حال من صار وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره!! فأمر المنصور بتغيير ذلك الزي.
ودخل أبو دلامة على أم سلمة بنت يعقوب بن مسلمة المخزومية زوجة أبي العباس السفاح يعزيها عنه فبكى وأنشد قصيدةً منها:
أمسيت بالأنبار يابن محمّدٍ لا تستطيع من البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلّهم ويلًا وهولًا في الحياة طويلا
فلتبكينّ لك النساء بعبرةٍ وليبكينّ لك الرجال عويلا
مات النّدى إذ متّ يابن محمد فجعلته لك في التراب عديلا
إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكن صبري ولا جلدي عليك جميلا
يجدون منك خلائفًا وأنا امرؤٌ لو عشت دهري ما وجدت بديلا
إني سألت النّاس بعدك كلّهم فوجدت أسمح من وجدت بخيلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي يدع العزيز من الرجال ذليلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي يدع السمين من العيال هزيلا
فقالت له أم سلمة: يا زند، ما أصيب أحد بأمير المؤمنين غيري وغيرك؟ قال: ولا سواي، أنت لك ولد منه تتسلين به، وأنا لا ولد لي مه. فضحكت أم سلمة ولم تكن ضحكت منذ مات أبو العباس، وقالت: يا زند، ما تدع أحدًا إلا أضحكته!.
وأنشد أبو دلامة المنصور هذه القصيدة فأبكى الناس جميعًا، وغضب المنصور غضبًا شديدًا. وقال: لئن سمعتك بعد اليوم تنشدها لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أبا العباس كان لي مكرمًا وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء يوسف ﵇ بإخوته، فقل كما قال الله ﷿ " لا تثريبَ عليكم اليوم يغفرُ الله لكم وهو أرحمُ الراحمين ".
فسري عن المنصور وضحك، وقال: قد أقلناك فسل حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس قد كان أمر لي بعشرة آلاف درهم وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء كلهم، وأشار إلى جماعة ممن حضر. فوثب سليمان بن مجاهد وأبو الجهم، فقالا: نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب المورياني: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي، وكان قد خرج وأظهر الخلاف عليه بناحية الشام، وجمع جمعًا كثيرًا من بقايا بني أمية وقوادهم، وأهل البأس والنجدة.
فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين؛ إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فإني والله مشؤوم. فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك، فاخرج مع الجيش. فقال: والله ما أحب يا أمير المؤمنين، ولا أرى أن تجرب؛ فإني لا أدري على أي المنزلتين تكون. فقال: دعني فلا بد من مسيرك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ والله لأصدقنك، إني حضرت تسعة عساكر هزمتها كلها، وإن شئت بينتها لك؛ فاستفرغ المنصور ضحكًا، وأمره بالتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
[ ٤١ ]
وأراد موسى بن داود الخروج إلى الحج، فقال لأبي دلامة: تأهب حتى تخرج معي في هذا الوجه، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: خلف لعيالك ما يكفيهم واخرج؛ وإنما أراد أن يأنس به في طريقه بحديثه وأشعاره ونوادره.
فلما حضر خروج موسى هرب أبو دلامة إلى سواد الكوفة، فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهها، فسأل عنه فأخبروها باستتاره، فطلبه فلم يقدر عليه، وخاف أن يفوته الحج؛ فلما يئس منه قال: دعوه إلى النار وحر سقر وأليم عذابه. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصر به. فقال: ائتوني بعدو الله الكذاب، فر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، قيدوه وألقوه في بعض المحامل. ففعل ذلك به، فلما ولت الإبل، صاح أبو دلامة بأعلى صوته:
يأيها الناس قولوا أجمعين معي صلّى الإله على موسى بن داود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهبٍ إذا تشرّف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه وأنت أشبه خلق الله بالجود
نبّئت أنّ طريق الحجّ معطشةٌ من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما فيّ من خيرٍ فتطلبه في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداودٍ وتربته من أن أحجّ بكرهٍ يابن داود
فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ودعوه يذهب إلى سقر وحر نارها، فألقوه.
ومضى موسى لوجهه، فما زال أبو دلامة يتمتع بالنزه، ويشرب الخمر حتى أتلف العشرة آلاف رهم، وانصرف موسى من حجه، فدخل أبو دلامة يهنئه، فلما رآه قال: أتدري ما فاتك من الخير؟ فقال: والله ما فاتني خير ليلًا ولا نهارًا يريد الشرب والقصف فضحك ووصله.
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى، والعباس بن محمد، وناس من بني هاشم، فقال المهدي: يا أبا دلامة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: اهج من شئت ممن ضمه هذا المجلس ولك الجائزة؛ فنظر في القوم فلم ير إلا شريفًا قريبًا من المهدي، فقال: أنا أحد من في المجلس ثم أنشده:
ألا أبلغ إليك أبا دلامه فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌ وخنزيرٌ إذا نزع العمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا فلا تفرح فقد دنت القيامه
قال: فضحك المهدي، وسر القوم، إذ لم يسود بأحد منهم، فقال له المهدي: تمن. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأمر لي بكلب صيد، فقال: يابن الفاعلة؛ وما تصنع به؟ فقال: إن كانت الحاجة لي فليس لك أن تعرض فيها. فقال: صدقت أعطوه كلبًا، فأعطي. فقال: يا أمير المؤمنين: لا بد لهذا الكلب من كلاب. فأمر له بغلام مملوك، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتهيأ لي أن أصيد راجلًا؟ فقال: أعطوه دابةً، فقال: ومن يسوس الدابة؟ فقال: أعطوه غلامًا سائسًا. فقال: ومن ينحر الصيد ويصلحه؟ فقال: أعطوه طباخًا. فقال: ومن يأويهم؟ فقال: أعطوه دارًا، فبكى أبو دلامة وقال: ومن يمون هؤلاء كلهم؟ فقال: يكتب له إلى البصرة بمائة جريب عامرة، ومائتي جريب غامرة. فقال: وما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: فأنا أعطيك مائتي ألف جريب من فيافي بني أسد، فضحك وقال: ما تريد؟ قال: بيت المال. قال: على أن أخرج المال منه. قال: فإذًا يصير غامرًا، فاستفرغ ضاحكًا وقال: اذهب فقد جعلناها لك كلها عامرة. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ائذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعا. فقال: والله ما تمنع عيالي شيئًا أهون عليهم من هذا، فناوله يده فقبلها. وقد تقدم له بعض هذا حكاية مع المنصور، والرواة يختلفون، وهو أدب لا يخطب أبكاره بالنسب.
وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فعن لهم ظبي؛ فرماه المهدي فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب الصيد، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل في هذا شيئًا فأنشد:
قد رمى المهديّ ظبيًا شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما ن رمى كلبًا فصاده
فهنيئًا لهما ك لّ امرىءٍ يأكل زاده
فاستفرغ المهدي ضحكًا وأمر له بجائزة.
[ ٤٢ ]
وكان أبو العباس السفاح مولعًا بأبي دلامة، لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا لكثرة نوادره وجودةً شعره، ومعرفته بأيام الناس وأخبارهم؛ وكان أبو دلامة يهرب منه جهده، ويأتي حانات الخمارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وكان يحب مجالستهم وتهرب من مؤانستنا؟ فقال: والله يا أمر المؤمنين؛ إن الفضل والشرف والعز والخير كله في الوقوف ببابك ولزوم خدمتك، ولكن نكره كما ذكرت، ولا مللتك قط، وإنك لتعلم ذلك، ولكنك قد اعتدت حانات الخمارين، ومجالسة أهل المجون. ثم أمره بلزوم قصره، ووكل به من يمنعه الخروج، وأمره بملازمة المسجد الذي يصلي فيه السفاح، حتى أضر به فقال:
ألم تعلموا أنّ الخليفة لزّني بمسجده والقصر، ما لي وللقصر!
أُصلّي به الأولى مع العصر آيسًا فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلسٍ أستلذّه أعلّل فيه بالسماع وبالخمر
ووالله ما لي نيّةٌ في صلاته ولا البرّ والإحسان والخير من أمري
وما ضرّه، والله يصلح أمره لو أنّ ذنوب العالمين على ظهري
فلما بلغت الأبيات السفاح قال: دعوه وشأنه، فوالله ما أفلح قط.
وشرب أبو دلامة مع حماد عجرد، فأتى المهدي بأبي دلامة فقال: استنكهوه؛ ففعلوا فوجدوا رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به؛ فأمر الربيع أن يحبسه في بيت الدجاج ويطين عليه الباب، ففعل؛ ثم أمر بعد يومين فأخرج ملببًا بطيلسانه، فأقيم بين يديه، فقال: يا عدو الله؛ أتشرب الخمر؟ أما إني لأقيمن عليك الحد، ولا تأخذني فيك لومة لائم، فأنشأ أبو دلامة:
أمير المؤمنين، فدتك نفسي علام حبستني وخرقت ساجي
أُقاد إلى السجون بغير جرمٍ كأني بعض عمّال الخراج
ولو معهم حبست لكان خيرًا ولكني حبست مع الدّجاج
أمن صهباء! ريح المسك فيها ترقرق في الإناء لدى المزاج
عقار مثل عين الديك صرفٌ كأنّ شعاعها لهب السّراج
وقد طبخت بنار الله حتى لقد صارت من النّطف النّضاج
وقد كانت تحدّثني ذنوبي بأنّي من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرًّا لخيرك، بعد ذاك الشر، راجي
فأمر به فأقيم عليه الحد، ثم أمر له بأربعة آلاف درهم، فلما ولى قال الربيع: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله:
وقد طبخت بنار الله حتى لقد صارت من النّطف النّضاج
قال: بلى، فما يعني بذلك؟ قال: يعني به الشمس. قال: ردوه نسأله عن ذلك. فلما حضر قال له المهدي: ما تعني بنار الله؟ أتعني بها الشمس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن: نار الله الموقدة، التي تطلع على فؤاد الربيع مؤصدة، وعلى من أخبرك أني عنيت بها الشمس مطبقة؛ فضح المهدي وجلساؤه وعفا عنه، فذهب.
وخرج الربيع إلى أصحاب المنصور وهم بالباب، وقد هرب منه سلم غلامه، فقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن غلامي سلمًا قد هرب، ومحال أن يهرب أحد من غلماني إلا وقد أسند أمره إلى واحد منكم.
فقام أبو دلامة فقال: بلغ عنا أمير المؤمنين كما بلغتنا عنه. قال: نعم! قال: أما سلم فلا نعرف خبره ولا قصته، ولكن هذا بديع يريد الهروب، فرأي أمير المؤمنين في أخذه، وكان بينه وبين بديع تباعد، فبلغ ذاك المنصور فهرب.
وماتت حمادة بنت علي بن عبد الله بن عباس، فصار المنصور إلى شفير قبرها ينتظر الجنازة، وكان أبو دلامة حاضرًا فقال: ما أعددت لهذه الحفرة يا أبا دلامة؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يؤتى بها الساعة.
أخذت امرأة في زنا وطيف بها على جمل، فمرت ببعض المجان فقال لها: كيف خلفت الحاج؟ قالت: بخير، وقد كانت أمك معنا، فخرجت في النفر الأول.