وكان ابن جامع أطيب الناس غناءً، فاعتقد بغنائه عقدًا نفيسة، وأموالًا جزيلة. حكى عن نفسه قال: ضمني الدهر ضمًا شديدًا وأنا بمكة، فانتقلت بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يومًا وما أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، وأنا جالس مع بعض أهل المدينة على مناقشة ومذاكرة إذ قال بعضنا: إنه ليبلغنا أن الرشيد يتشوق إليك وأنت ضائع في بلدنا. قال: فما لي من نهوض. قالوا: نحن ننهضك. فقمت موليًا فإذا بجارية حميراء على رأسها جرة تريد الركي، وهي تسعى بين يدي وتترنم بصوت شج في غنائها وتقول:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا فقال لنا ما أقصر اللّيل عندنا
إذا أقبل الليل المضرّ بذي الهوى جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم سريعًا ولا يغشى لنا النوم أعينا
[ ٤٧ ]
فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فأخذ غناؤها بمجامع قلبي، ولم أدرك منه حرفًا. فقلت: يا جارية؛ ما أدري أوجهك أحسن أم صوتك؟ فلو شئت أعدت علي الوصف. قالت: حبًا وكرامة. ثم أسندت ظهرها إلى الحائط ثم غنته، فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ فلو شئت أعدت علي الصوت مرة أخرى. قالت: حبًا وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى الجدار ووضعت الجرة ثم غنته؛ فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ لقد أحسنت وتفضلت، فلو شئت أعدت الصوت مرة أخرى؛ فغضبت وكلحت وقالت: ما أعجب أحدكم يأتي إلى الجارية عليها غلة فيقول: أعيدي علي، فضربت بيدي إلى الثلاثة دراهم فدفعتها إليها فأخذتها شبيهة المتكرهة؛ وقالت: أنت تريد أن تأخذ مني صوتًا أحسبك تأخذ عليه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. فقلت: أرجو أن يؤول الأمر إلى ما تحسبين، فانبعثت تغني، وأعملت فكري في غنائها حتى داري لي الصوت وفهمته، فانصرفت مسرورًا إلى منزلي أردده حتى خلف على لساني، ثم أقبلت أريد بغداد، فنزل بي المكاري على باب المحول أولًا ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد؟ حتى انتهى بي السير إلى الجسر، فرأيت الناس يعبرون؛ فعبرت معهم، حتى انتهيت إلى شارع الميدان، إلى باب الفضل بن الربيع. فرأيت هناك مسجدًا مرتفعًا. فقلت: هذا مسجد قوم سراة، وحضر المغرب فلم ألبث أن جاء المؤذن، فأذن وأقام الصلاة فصليت، ثم أقمت مكاني حتى عاد المؤذن للعشاء، فأقام الصلاة فصليت على تعب وجوع، ثم انصرف الناس وبقي في المسجد رجل، فصلى خلفه جماعة، وجماعة من الخدم جلوس، وقوم ينتظرون فراغه، فصلى مليًا ثم انصرف إلي بجمع جسده، وقال لي: أحسبك غريبًا. قلت: أجل، وليس لي بهذا البلد معرفة، وليست صناعتي من الصنائع التي يتيمم بها إلى أهل الخير. قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء. فوثب مبادرًا ووكل بي بعض من معه، فقلت للموكل بي: من هذا؟ قال: سلام الأبرش. ثم انتهى إلى دار من دور الخلافة؛ فمشى بي في دهليزها ساعةً، حتى انتهى إلى مقصورة من مقاصيرها، فأدخلني فيها، ودعا لي بطعام؛ فأتينا بمائدة عليها من كل طعام، فأقبلت على الأكل حتى ترادت نفسي إلي؛ ثم سمعت ركضًا في الدهليز، وإذا إنسان يقول: أين الرجل؟ فقيل: هوذا. فقال: ادعوا له بغسول وطيب وخلعة حسنة، ففعل ذلك بي وخلقت. وأخذ بيدي الرجل وحملني على دابته، وأتى بي إلى دار الخلافة، فلم يزل يجاور بي دارًا بعد دار، حتى انتهى إلى دار قوراء، فيها أسرة منصوبة بعضها إلى بعض، فلما انتهى بي إلى تلك الأسرة، أمرني بالصعود فصعدت، وإذا رجل جالس وعن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحب بي ذلك الرجل، وإذا مجالس قد كان فيها قوم فقاموا عنها، ثم لم ألبث أن أخرج خادم من وراء الستر؛ فقال للرجل: تغن؛ فغنى الصوت فوالله ما أحسن الغناء ولا أحسن الصوت، وهو هذا:
لم تمش ميلًا ولم تركب على جملٍ ولم تر الشمس إلاّ دونها الكلل
فقام الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل، فقال: تغني؛ فغنت بصوت لين كانت فيه أحسن من الرجل حالًا، ثم قال للثانية فغنت، وللثالثة فغنت بصوت لحنين؛ ثم عاد الخادم فقال لي: تغن رحمك الله! فغنيت بصوت الرجل على غير ما غناه، فإذا نحو من خمسين خادمًا يحضرون إلى الأسرة، فقال لي: ويحك! لمن هذا الغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا وخرج الخادم فقال: كذبت، هذا الغناء لإسماعيل بن جامع. قال: فسكت، ثم دار الدور، فلما انتهى إلي خرج الخادم فقال: تغن رحمك الله! فقلت في نفسي: أي شيء أنتظر، فاندفعت أغني بصوت لا يعرف إلا لي:
عوجي عليّ فسلّمي جبر كيف الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلاّ ثلاث منى حتى يفرّق بيننا الدّهر
[ ٤٨ ]
قال: فزلزلت عليهم الدار، وخرج الخادم فقال: لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي. فقال: كذبت، هذا غناء إسماعيل بن جامع، فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل عليك. فلما صعد السرير وثبت على قدم أمير المؤمنين أقبلها، فقال: ابن جامع؟ قلت: ابن جامع، جعلني الله فداك. قال: اجلس يابن جامع، وجلس أمير المؤمنين وجعفر في المواضع الخالية. فقال لي: يابن جامع؛ أبشر وابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال لي: غنّ يابن جامع، فخطر ببالي صوت الجارية المدنية فغنيته، فنظر أمير المؤمنين إلى جعفر، وقال: أسمعت كذا قط؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما خرق سمعي مثل هذا. فرفع الرشيد رأسه إلى خادم وقال له: كيس فيه ألف دينار، فمضى الخادم فلم يلبث أن جاء بكيس فيه ألف دينار، فصيرته تحت فخذي. ثم قال: يا إسماعيل؛ غنّ ما حضرك؛ فأقبلت أقصد إلى الصوت بعد الصوت، فلم أزل كذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: يا إسماعيل، قد أتعبناك هذه الليلة للسرور بغنائك؛ فأعد على أمير المؤمنين الصوت الذي تغنيت أولًا، فغنيته؛ فرفع رأسه إلى الخادم، فقال له: كيس فيه ألف دينار، فذكرت قول الجارية لي: إني أحسبك تأخذ فيه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. ثم قال: انصرف، فبقيت لا أدري أين أقصد في ذلك الوقت؛ فما هو إلا أن نزلت عن الأسرة حتى وثب إلي فراشان فأخذ أحدهما بيدي، فمضيا بي ولا أدري إلى أين يتوجهان، حتى وقفا على باب داري هذه، فإذا أمير المؤمنين قد أمر سلامًا الأبرش فابتاع دارًا، وحشاها بالجواري والخدم والوصفاء والفرش والطعام والشراب. ورفع إلي أحدهما إضبارة مفاتيح. فقال: ادخل، بارك الله لك. هذا مفتاح بيت مالك، وهذا مفتاح حجر جواريك، وهذا مفتاح بيت فرشك وآنيتك؛ فدخلت الدار وأنا أيسر أهل بغداد وأحسنهم حالًا، والحمد لرب العالمين.