وهذه النوادر أكرمك الله وإن وقع عليها اسم الهزل، وأسقطت من عين العقل، عند من لا يعلم مواقع الكلم، ولا يفهم مواضع الحكم، فليس ذلك بمروجها، ولا بمبهرجها عند أهل العقول وأولي التحصيل العارفين بمعاقد المعاني، وقواعد المباني، وهل يستندر من المغمورين والمشهورين، ويستظرف من المغفلين والمعقلين، إلا ما خرج عن قدر أشكالهم، وبعد من فكر أمثالهم، وإنما يذكر ما يستظرف، لخروجه عما يعرف.
ومنها ما يدخل في باب الطيب والاستندار، وقد قال الجاحظ: ليس شيء من الكلام يسقط البتة، فسخيف الألفاظ يحتاج إلى سخيف المعاني. وقد قيل: لكل مقام مقال، وقيل لبشار بن برد، كم بين قولك:
أمن طللٍ بالجزع لن يتكلّما وأقفر إلا أن ترى مذمما
في نظائر هذه القصيدة من شعرك، ومن قولك:
لبابة ربّة البيت تبيع الخلّ بالزيت
لها سبع دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصوت
فقال: إنما القدرة على الشعر أن يوضع الجد والهزل في موضعه، ولبابة هذه جارة لي تنفعني بما تبعث لي من بيض دجاجها، وهذا الشعر أحسن موضعًا عندها من:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل
ولما استقرت الخلافة للمعتز بالله شخص إليه أبو العبر من ولد عبد الصمد بن علي فهنأه بالخلافة وتعرض لصلته بالجد، وهجا المستعين كما فعل البحتري في قصيدته التي أولها:
يجانبنا في الحبّ من لا نجانبه ويبعد منّا في الهوى من نقاربه
فلم يقبل عليها، فعمل أبو العبر قصيدة مزدوجة كلها هزل من غير تقويم ولا إعراب منها قوله: أيا أحمد الرقيع، ومن أكلك الرجيع، أتنسى من كان، نصيرك قهرمان، فيأتيك بالسويق، من السوق والدقيق، فصرت الآن في الدار، على رتبة البزار، أما تعلم يا فار، بأن الله يختار، ويعطي غيرك الملك، عزيزًا يركب الفلك.
وفيها ما لا يذكر من حماقات واختلال، وبرد وانحلال، وكلام مرذول، غث مهزول؛ فضحك المعتز منها، وأمر له بألف دينار، فألح على جعفر بن محمود الإسكافي في الاقتضاء، وهو حينئذ وزير المعتز، فألط عليه. فقال له جعفر: عهدي ببني هاشم يأخذون الصلات بشرفهم وعلومهم وجدهم، وأنت تأخذ بالمحال والهزل؛ فأنت عجيب من بينهم!! فقال أبو العبر: صدقت أنا عجيب من بينهم، كما أنت عجيب في أهل إسكاف، كلهم نواصب وأنت من بينهم رافضي، وكان جعفر ينسب إلى ذلك. ثم أنشد أبو العبر قول جميل:
بثينة قالت يا جميل أربتنا فقلت كلانا يا بثين مريب
وأريبنا من لا يؤدّي أمانةً ومن لا يفي بالعهد حين يغيب
[ ٥ ]
فدفع إليه الألف دينار، واستعفاه أن يعاود مثل هذا.
وكانت لأبي العبر مع موسى بن عبد الملك قصة مثل هذه في أيام المتوكل: رفع إليه كتابًا بأرزاقه وأرزاق جماعة من أهله ليوقع فيه ويختمه؛ فدافعه به موسى مدةً، فوقف له يومًا فلما ركب أنشده:
موسى إلى كم تتبرّد وكم وكم تتردّد
موسى أجزني كتابي بحقّ ربّك الأسود
يريد محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃، والإمامية تزعم أنه إمام وقته، فجزع موسى وسأله كتم ما كان عليه ومعاودة مثله: وأنشد أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري المتوكل قصيدته:
من أيّ ثغرٍ تبتسم وبأيّ طرفٍ تحتكم
حسن يضنّ بحسنه والحسن أشبه بالكرم
أفديه من ظلكم الوشا ة وإن أساء وإن ظلم
وهي حلوة الروي، مليحة العروض، حسنة الطبع، فكان البحتري فيه كبر وإعجاب. فإذا أنشد، قال: ما لكم لا تعجبون، أما حسن ما تسمعون؟! فقام إليه أبو العنبس الصيمري وقد قال ذلك فقال:
عن أيّ سلح تلتقم وبأيّ كفّ تلتطم
ذقن الوليد البحتريّ أبي عبادة في الرّحم
أدخلت رأسك في الرحم
فولى البحتري مغضبًا، فقال أبو العنبس: وعلمت أنك تنهزم.
فضحك المتوكل حتى فحص برجليه وأمر بالجائزة لأبي العنبس.
وقد يحتاج العاقل المميز، والفاضل المبرز، إلى الهزل كاحتياجه إلى الجد، ويفتقر إلى الجور كافتقاره إلى القصد؛ وعلم الفتى في غير موضعه جهل.
وصحب الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ قومًا في سفره فكان يجاريهم على أخلاقهم، ويخالطهم في أحوالهم، وهم لا يعرفونه، فلما دخل مصر حضروا الجامع، فوجدوه يفتي في حلال الله وحرامه، ويقضي في شرائعه وأحكامه، والناس مطرقون لإجلاله، فرآهم فاستدعاهم، فلما انصرفوا سئل عنهم فأنشد:
وأنزلني طول النّوى دار غربةٍ إذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله
أُحامقه حتى يقال سجيّة ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقد يخرج الفطن اللبيب، وينتج الطبن الأديب، من الهزل السخيف، غرائب الجد الشريف، فالنار قد تلتظى من ناضر السلم.
ولما قال بشار بن برد:
كأن فؤاده كرة تنزّى حذار البين لو نفع الحذار
جفت عيني عن التغميض حتى كأنّ جفونها عنها قصار
يروّعه السّرار بكل شيء مخافة أن يكون به السّرار
قيل له: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أشعب الطماع: ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننتهم يأمران لي بشيء.
ومر مزيد المديني مزبد المدني بجرة مغطاة، فقال له بعض جيرانه: ما هذا؟ فقال له: يا أحمق، فلم سترناه!! أخذه ابن الرومي، فقال لمن سأله: لم تلزم العمة؟
يأيها السائلي لأُخبره عني لم لا أزال معتجرا
أستر شيئًا لو كان يمكنني تعريفه السائلين ما سترا
وكان ابن الرومي أقرع الرأس، وقد أخبر بعلة ذلك في قوله:
تعمّمت إحصانًا لرأسي برهةً من القرّ يومًا والحرور إذا سفع
فلما دهى طول التعمّم لّمتي فأزرى بها بعد الأصالة والفرع
عزمت على لبس العمامة حيلةً لتستر ما جرّت عليّ من الصّلع
فيا لك من جانٍ عليّ جنايةً جعلت إليه من جنايته الفزع
وأعجب شيء كان دائي جعلته دوائي على عمدٍ وأعجب بأن نفع