وقال الفتح بن خاقان: ما رأيت أحلى من ابن أبي دواد، كنت يومًا ألاعب المتوكل الشطرنج فاستؤذن له، وهو يومئذ قاضي القضاة، لم يتغير عما كان عليه أيام الواثق بعد، وله جلالة الشرف والعلم؛ فأمرنا بعض الغلمان برفعها استحياء منه، فقال له المتوكل: والله ما ترفع، وما كنت لأستتر من ابن أبي دواد بشيء لا أستتر به من الله ﷿؛ فدخل وهي بين أيدينا، فقال له المتوكل: أيها القاضي؛ إن الفتح استحيا منك، فأراد رفع الشطرنج، فقال: ما استحيا مني؛ إنما كره أن أعلم عليه، فاستحلاه المتوكل، وخف على قلبه.
ورب مستثقل ازور له الجناب، وطال به الاجتناب، كانت له الفكاهة من أسباب الاقتراب. وذكر أن روح بن زنباع بعد ما بينه وبين عبد الملك بن مروان حتى استثقل جانبه؛ وأحس روح منه التغير؛ فقال لبعض جلساء عبد الملك: إذا حضرنا مجلس الأنس عند أمير المؤمنين فسلني: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ فلما اجتمعوا سأل الرجل روحًا فقال: نعم! وإن أذن أمير المؤمنين تحدثت. فقال عبد الملك: قل، فقال: إن ابن أبي عتيق كان صاحب لهو وغزل وعلى عفافه وشرفه؛ وكانت له امرأة من أشراف قريش، فغاضبته في بعض الأمر، فقالت:
ذهب الإله بما تعيش به وقمرت مالك أيّما قمر
أنفقت مالك غير متّئدٍ في كل زانيةٍ وفي الخمر
فكتب ابن أبي عتيق الشعر وخرج به في يده، فلقي ابن عمر فقال: ما ترى فيمن هجاني في هذا الشعر؟ فقال: أرى أن تعفو وتصفح، قال: والله لئن لقيت قائلهما لأ فأخذ ابن عمر الأفكل، ولبط به الأرض، وقال: لا أكلمك أبدًا، ثم لقيه بد ذلك؛ فلما أبصره ابن عمر أعرض عنه، فقال له: بالقبر ومن فيه إلا سمعت مني حرفين، فولاه قفاه، وأنصت له، فقال: علمت يا أبا عبيد الرحمن أني لقيت قائل ذلك الشعر و؟ فصعق عبد الله وسقط على الأرض، فلما رأى ابن أبي عتيق ما حل به دنا من أذنه، فقال: إنها امرأتي أعزك الله. فقام ابن عمر فقبله بين عينيه. فقال عبد الملك: ما أملحك يا روح! إنك كل يوم لتأتينا بطريفة.