وقد جعلت ما عملت مدبجًا مدرجًا، لتلذ النفس بالانتقال من حال إلى حال، فقد جبلت على محبة التحول، وطبعت على اختيار التنقل.
وقد قيل: إن عبد الله بن طاهر لما أسر نصر بن شبث بكيسوم، وأنفذه إلى المأمون، جلس مجلسًا أنصف فيه من وجوه القواد، ومن أمراء الأجناد، وضرب الأعناق، وقطع الأيدي، ورد كبار المظالم، ثم قام وقد دلكت الشمس؛ فتلقاه الخدم، فأخذ هذا سيفه، وهذا قباءه، هذا إزاره. فلما دخل دعا بنعل رقيقة فلبسها، ثم رفع ثوبه على عاتقه وتوجه نحو البستان وهو يتغنى:
النّشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكفّ عنم
قال عيسى بن يزيد: وكنت جريًا عليه، فجذبت ثوبه من عاتقه وقلت له: أتقعد بالغداة قعود كسرى أو قيصر أو ذي القرنين، ثم تعمل الساعة عمل علويه ومخارق؟ فرد ثوبه على عاتقه وهو يقول:
لا بدّ للنفس إن كانت مصرّفة من أن تنقّل من حالٍ إلى حال
قال أبو القاسم بن جدار: كأنه ذهب إلى ما فعله أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ حين قام من بعض مجالسه الجليلة التي كان يدون فيها الدواوين ويمصر الأمصار، ويقمع الأعداء، ويؤيد الإسلام، فدخل منزله ثم رفع صوته وهو يقول:
وكيف ثوائي بالمدينة بعدما قضى وطرًا منها جميل بن معمر
[ ٢ ]
فلحقه عبد الرحمن بن عوف فاستأذن عليه، فقيل: عبد الرحمن يا أمير المؤمنين بالباب. فلما دخل عليه، قال: ما صوت سمعته منك آنفًا يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا أبا محمد، إيهًا عنك! فإن الناس إن أخلوا قالوا.
وقد قلت:
فرّقت في التأليف معتمدًا ما كان لو قد شئت يأتلف
والعقد ما اختلفت جواهره إلاّ ليشرق حين يختلف
إن كان الشيء مع نظيره يذهب بنوره، ويغض من بهائه؛ ويخلق من روائه؛ فقد زعموا أن المجرة كواكب مضيئة مجتمعة؛ فكسف بعضها نور بعض؛ فصارت طريقًا في السماء بيضاء. وقال ابن الرومي:
وبيضاء يخبو درّها من بياضها ويذكو بها ياقوتها والزبرجد
إلا أن تندرج الحكاية في الحكايات، ويتسلسل البيت مع الأبيات، فيكون الجمع أزين من القطع، والتوصيل أحسن من التفصيل، فأقرنها بأشكالها، وأجملها مع أمثالها.