وهل يستغني أهل الأدب وأولو الأرب عن معرفة ظريف المضحكات، وشريف المفاكهات، إذا لاطفوا ظريفًا، أو مازحوا شريفًا؟ فقد قال الأصمعي: بالعلم وصلنا وبالملح نلنا.
وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس على يحيى بن خالد فقال له: يا أبا علي؛ أنشدني بعض ما قلت؛ فأنشده:
كم من حديثٍ معجب لي عندكا لو قد نبذت به إليك لسرّكا
إني أنا الرجل الحكيم بطبعه ويزيد في علمي حكاية من حكى
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم كيما أحدث من أحبّ فيضحكا
فقال له يحيى: يا أبا علي؛ إن زندك ليوري بأول قدحة. فقال ارتجالًا في معنى قول يحيى:
أما زند أبي عليّ إنه زندٌ إذا استوريت سهل قد حكى
إنّ الإله لعلمه بعباده قد صاغ جدّك للسماح ومزحكا
تأبى الصنائع همّتي وقريحتي من أهلها وتعاف إلاّ منحكا
وحضر الجماز مع أبي نواس مجلس قينة، فأقبل الجماز يمالحها ويمازحها وأبو نواس ساكت؛ فمالت إليه، فقال الجماز:
[ ١٠ ]
أبو نواس جذره شعره وجذرنا حسن الحكايات
فجذرنا أكثر من جذره مدًّا على أهل المروءات
فقال أبو نواس:
صدقت لا ننكر هذا كما أمّك رأس في المناحات
فأقبلت القينة على أبي نواس وغنت، فقال لها الجماز: ما سمعت والله أحسن من هذا، فقال أبو نواس: ولا نواح أمك إلا أن يكون عليك فإنه والله أحسن. وكان يصطحبان وهما حدثان، وأمه أذين النائحة وله يقول أبو نواس:
اسقني يابن أذين من سلاف الزّرجون
وقال أبو ذؤيب في الملح:
وسرب يطلّى بالعبير كأنه دماء ظباءٍ بالنّحور ذبيح
بذلت لهنّ القول إنك واجدٌ لما شئته حلو الكلام مليح
فأمكنّه ممّا يقول وبعضهم شقيّ لدى خيراتهن نطيح
يريد أن الملاحة نفعته عندهنّ حتى أمكنّه مما يريد: وقال أعرابي:
ألا زعمت عفراء بالشام أنني غلام جوارٍ لا غلام حروب
وإني لأهدى بالأوانس كالدّمى وإني بأطراف القنا للعوب
وإني على ما كان من عنجهيّتي ولوثة أعرابيتي لأديب
كأن الأدب غريبة عند العرب؛ فافتخر بما عنده منه، وأنه يرجو به القربى ويأمل به الزلفى.