ويجب إذا حكى النادرة الظريفة، والحكمة اللطيفة، ألا يعربها فتثقل، ولا يمجمجها فتجهل، ولا يمطمطها فتبرد، ولا يقطعها فتجمد. ولو أن قائلًا حكى قول مزيد المدني، وقد أكل طعامًا فأثقله. فقيل له: تقيأه يذهب ما بك. فقال: خبز نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قيًا لأكلته. فلو أعطاه حقه من الإعراب فقال: خبز نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قيئًا لأكلته، لخرج عن حده، وأفلج من برده.
وكذلك لو ذهب بما يحتاج إلى الإعراب من كلام الفصحاء والأعراب إلى اللحن لاستغث واسترث. كما ذكروا أن الحجاج بعث إلى ولي البصرة أن اختر لي من عندك عشر فصحاء، فاختار رجالًا فيهم كثير بن أبي كثير وكان عربيًا فصيحًا قال كثير: فقلت: بم أفلت من الحجاج؟ ثم قلت في نفسي: باللحن؛ فلما دخلت عليه دعاني فقال: ما اسمك؟ قلت: كثير. قال: ابن من؟ فقلت: إن قلت: ابن أبو كثير خفت أن يتجاوزها. فقلت: ابن أبا كثير. فقال: اذهب فعليك لعنة الله وعلى من بعث بك، جروا في عنقه! فأخرجت.
وقال رجل للحسن البصري ﵀: ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ فقال: أغيلمة إن فهمناهم لم يفهموا، وإن علمناهم لم يعلموا، قل: ترك أباه وأخاه، فقال له: فما لأباه وأخاه؟ فقال الحسن: قل لأبيه ولأخيه، قال: أرى كلما تابعتك خالفتني.
ولكل صناعة آلة، ولكل بضاعة حالة. وذم رجل رجلًا فقال: أقداحه محاجم ودعواته ملاوم، وكئوسه محابر، ونوادره بوارد.
وقال الزبير: رؤي الغاضري ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة فقال: أيها الأمير، إنه يريد أن يدخل علي في صناعتي، ويشاركني في بضاعتي، وهيئته هيأة قاض، والأمير يضحك.
وقال عمرو بن عثمان:
واشتياقي إلى أبي الخطاب وأحاديثه الرقاق العذاب
وإشارته التي استعارت حركات المهجور عند العتاب
ويجب على اللبيب المطرب ألا يطيل فيمل، ولا يقصر فيخل، فللكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، قال أحمد بن الطيب السرخسي تلميذ أحمد بن إسحاق الكندي: كنت يومًا عند العباس بن خالد، وكان ممن حبب إليه أن يتحدث، فأقبل يحدثني، وينتقل من حديث إلى حديث، وكان في صحن منزله، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا من موضع إلى موضع آخر حتى صار الظل فيئًا. فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعي: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، فقلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علي فيه؛ فكيف بك وأنت المتكلم؟ فقال: إن الكلام يحلل الفضول الغليظة التي تعرض في اللهوات وأصل اللسان، ومنابت الأسنان؛ فوثبت وقلت: ما أراني معك في إلا أيارج الفيقرا إذ أنت تتغرغر بي منذ اليوم، والله لا أجلس، واجتهد بي فلم أفعل.
وقال أحمد بن الطيب: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم فأعجبه من نفسه الكلام، ومنا حسن الاستماع، حتى أفرط؛ فعرض لبعض من حضر ملل؛ فقال: إذا بارك الله في شيء لم يفن، وقد جعل الله في حديث أخينا هذه البركة.
وقال عبد الله بن سالم في رجل كثير الكلام:
لي صاحبٌ في حديثه بركه يزيد هذا السكون والحركه
لو قال لا في قليل أحرفها لردّها بالحروف مشتبكه
والتحفظ في هذا الباب من أكبر الأسباب؛ لأن المنادر والمهاتر والمسامر قد تمر له النادرة المضحكة، والطيبة المحركة؛ فيستغرب المجلس، وتطرب الأنفس؛ فيدعوه ما استحسن منه، واستندر عنه، أن يعود إلى مثلها فينقص من حيث ظن أنه زاد، ويفسد عليه ما أراد.
[ ٤ ]
وقد كتب أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري لما استحضره عضد الدولة للمنادمة: وقفت على ما وصفته من بر الأمير بك، وتوفره عليك، وليس العجب أن يتناهى مثله في الكرم إلى أبعد غاياته؛ وإنما العجب أن يقصر في مساعيه عن نيل المجد كله، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ما يغرسه أجدر غرس بالزكاء، وأضمنه للريع والنماء؛ فأرع ذلك، واركب في الخدمة طريقة تبعدك من الملال، وتوسطك في الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل كل الاسترسال، فلأن تدعى من بعيد مرات، خير من أن تقصى من قريب مرة. وليكن كلامك جوابًا تتحرز فيه من الخطل والإسهاب، ولا تعجبن بتأتي كلمة محمودة، فيلح بك الإطناب توقعًا لمثلها، فربما هدمت ما بنته الأولى.
وبضاعتك في الشرب مزجاة، وبالعقل يزم اللسان، ويلزم السداد؛ فلا تستفزنك طربة الكرم على ما يفسد تمييزك. والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه، فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها، وتطالع موضعها، فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشة، فأظهر ما في نفسك غير مخفف؛ ولا توهم أن في الرد عليك ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك. وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك، أكثر منه عند نجاحها على يدك؛ ليخف كلامك ولا يثقل على مستمعيه منك، أقول ما أقوله غير واعظ ولا مرشد، فقد كمل الله خصالك، وفضلك على كل حالك، لكن أنبه تنبيه المشارك، وأعلم للذكرى موقعًا لطيفًا.
وذكر لعبد الله بن طاهر رجل يصلح للمنادمة، فأحضره فأقبل يأتي بالأشياء في غير مواضعها. فقال: يا هذا، إما أقللت فضولك أو دخولك.