وأما سماعه ﷺ لذلك فقد روي: أن صهيبًا دخل عليه وعينه وجعة وبين يديه تمر، فأقبل صهيب يأكل؛ فقال: أتأكل التمر وعينك وجعة؟ فقال: إنما آكل بحذاء العين الصحيحة، فتبسم ﷺ.
وذكروا أن أعرابيًا أتاه فألفاه مغمومًا ممتقع اللون؛ فقيل له: لا تكلمه وهو على هذه الحالة، فقال: لا أدعه أو يضحك. ثم جثا بين يديه فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي! إن الدجال يخرج وقد هلك الناس جوعًا فيأتيهم بالثريد، فترى أن آكل من ثريده حتى إذا تضلعت كذبته؟ فضحك ﷺ وقال: يغنيك الله بما يغني به المؤمنين حينئذ.
وقالت أم سلمة: خرج أبو بكر ﵁ في تجارة إلى البصرة، قبل وفاة النبي ﷺ، ومعه سويبط بن حرملة وكان قد شهد بدرًا ونعيمان، وكان سويبط على الزاد، وكان نعيمان مزاحًا، فقال له نعيمان: أطعمني، فقال: حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما لأغيظنك، فمروا بقوم فقال نعيمان: أتشترون مني عبدًا؟ فقالوا: نعم! فقال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إنه حر، فإذا قال هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي. فقالوا: بل نشتريه. قال: فاشتروه مني بعشر قلائص، ثم أخذوه فوضعوا في عنقه حبلًا، فقال سويبط: إني حر ولست بعبد وهذا يستهزىء بكم. فقالوا له: قد خبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر فأخبروه الخبر، فاتبع القوم فرد عليهم القلائص وأخذ منهم سويبطًا. ولما قدموا على النبي ﷺ فأخبروه الخبر، ضحك ﷺ وأصحابه حوله.
[ ١٤ ]
وكان سويبط قد كف بصره بعد رسول الله ﷺ، فلقيه نعيمان في المسجد وهو يقول: من يخرجني حتى أبول؟ قال: أنا، وأخذ بيده فمضى به إلى زاوية في المسجد عامرة بالناس، فقال له: بل ههنا، فلما كشف ثوبه صاح الناس عليه من كل ناحية. فقال: من غرني؟ قالوا: نعيمان، فقال: لله علي لئن لقيته لأضربنه بعصاي؛ فلقيه بعد أيام فقال: أتحب أن أدلك على نعيمان لتوفي نذرك؟ قال: نعم، لله أبوك! فأخذ بيده حتى أتى عثمان بن عفان ﵁ وهو يصلي فقال: هذا هو. فرفع عصاه وضربه؛ فصاح به الناس وقالوا: أوجعت أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا يغرني بعدها.
وابتاع عبد الله بن رواحة جاريةً وكتم ذلك امرأته؛ فبلغا ذلك فالتمست كونه عندها فأخبرت بذلك؛ فلما جاءها قالت له: بلغني أنك ابتعت جاريةً وأنك الساعة خرجت من عندها، وما أحسبك إلا جنبًا؟ قال: ما فعلت، قالت: فاقرأ آيات من القرآن فقال:
شهدت بأنّ وعد الله حقٌ وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش ربّ العالمينا
وتحمله ملائكةٌ شدادٌ ملائكة الإله مقربينا
فقالت: أما إذ قد قرأت القرآن فقد علمت أنك مكذوب عليك.
وافتقدته ليلةً أخرى فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى قدرت عليه في ناحية الدار، فقالت: الآن صدقت ما بلغني فجحدها. فقالت: اقرأ آيات من القرآن، فقال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه كما انشقّ معروفٌ من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا أثقلت بالمشركين المضاجع
وأعلم علمًا ليس بالظنّ أنني إلى الله محشورٌ هناك فراجع
فقالت: آمنت بالله وكذبت ظني. فأخبر بذلك النبي ﷺ؛ فضحك وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله يابن رواحة خياركم خيركم لنسائكم.
وقال العجاج: أنشدت أبا هريرة:
طاف الخيالان فهاجا سقمًا خيال سلمى وخيالٌ تكتّما
قامت تريك رهبة أن تصرما ساقًا بخنداةً وكعبًا أدرما
فقال أبو هريرة: قد كان يحدي بها ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينكر.