دخل بعض أبناء الملوك على المبرد وعنده سلة حلوى قد أعدها لبعض إخوانه، فوجد ابنه الفرصة في اشتغال أبيه فأقبل يأكل منها. فنظر إليه المبرد فأنشده:
الناس في غفلاتهم ورحى المنيّة تطحن
ودخل أبو الحارث حمير على بعض الملوك فرأى بين يديه سلة حلوى. فقال: ما في هذا أيها الأمير؟ قال: باذنجان. وكان أبو الحارث يكره الباذنجان كراهية شديدة.
وأصلح محمد بن يحيى بن خالد دعوةً، وأمر الطباخ أن يجعل الباذنجان في جميع الطعام، وحضر أبو الحارث فكلما قدم لون وهم بالأكل منعه ما يراه إلى أن ضاق فأقبل يأكل بدقة المائدة فعطش فقال: اسقوني ماءً لا باذنجان فيه.
ودخل على محمد بن يحيى وبين يديه مزورات وكان محميًا، فأكل معه وخرج من عنده، فلقيه بعض إخوانه، فغطى رأسه منهم واستخفى فقالوا: ما لك يا أبا الحارث؟ قال: أكلت عند محمد بن يحيى بقولًا كثيرة. قالوا: فما تخاف؟ قال: أخاف أن يمر المساح فيمسحني خضراء فلا يقبلوا مني مظلمةً.
وهذا كما حكي عن الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل: أنه مر ببعض إخوانه بعقبة النجارين، وهو يعدو بأكثر مما يقدر عليه، فقال له: قف علي، فخاف أن تكون نزلت به نزلة، فأتاه إلى الدار فخرج مستخفيًا. فقال: ما لك يا أبا عبد الله؟ قال: أما علمت أن السخرة وقعت في الجمال؟ فما يؤمنني أن يقال هذا الجمل، فأؤخذ فلا أتخلص إلا بشفاعة. وكان الجمل حلوًا ظريفًا.